منتدى العقاب

هذا المنتدى هو أرشيف منتدى العقاب حتى عام 2012

وهو فقط للمطالعة والتصفح، للمشاركة نرجو الانتقال للمنتدى الجديد

http://www.alokab.com

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )



11 الصفحات V  « < 9 10 11  
موضوع مغلقموضوع جديد
> مشروع دستور دولة الخلافة, منسق
أبو أكرم
المشاركة Dec 12 2011, 11:41 PM
مشاركة #201


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



سياسة التعليم


المادة 177: يكون منهاج التعليم واحداً، ولا يسمح بمنهاج غير منهاج الدولة. ولا تمنع المدارس الأهلية ما دامت مقيدة بمنهاج الدولة، قائمة على أساس خطة التعليم، متحققاً فيها سياسة التعليم وغايته على أن لا يكون التعليم فيها مختلطاً بين الذكور والإناث لا في التلاميذ ولا في المعلمين، وعلى أن لا تختص بطائفة أو دين أو مذهب أو عنصر أو لون.

إلزام الرعايا بمنهاج واحد للتعليم أمر مباح، لأنه من المباحات التي جعل للإمام أن يلزم الناس بأسلوب معين فيها، وقد فعل ذلك عثمان بن عفان فقد نسخ المصاحف وبعث بها إلى الآفاق. فالعلوم كلها جائزة، وطرق التعليم كلها مباحة، لأنها كلها من المعارف. ولكن انتظام هذه المعارف التي تعلم أو التي يجري التعليم بحسبها في برامج معينة هو أسلوب لتنظيم التعليم، مثل أسلوب تنظيم دوائر الدولة. فللإمام أن يتخذ أسلوباً معيناً لها يلزم الناس به لأنه مما يدخل في رعاية الشؤون، فطاعته في ذلك واجبة.

أما منع الدولة للتعليم الذي يسير على مناهج غير مناهجها فدليله أن ما جعل للإمام أن يتصرف فيه برأيه واجتهاده يجوز له أن يختار للقيام به أسلوباً معيناً، وإذا اختار كانت طاعته فرضاً، وتحرم مخالفته. إذ إن طاعته المذكورة في القرآن الكريم بقوله تعالى: ((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء: 59] والمذكورة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (وَمَنْ يُطِعْ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي) متفق عليه من حديث أبي هريرة وقوله: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ) البخاري عن أنس، إنما هي الطاعة له فيما جعل له أن يتصرف فيه برأيه واجتهاده، والطاعة له في هذه الحال هي طاعة لأولي الأمر. أما الأحكام الشرعية كالمندوبات والمباحات والواجبات والمحرمات فإن طاعته فيها إذا أمر بها هي طاعة لله وليست طاعة له، بدليل أنه إذا أمر بمعصية لا يطاع: روى نافع عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: (السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ) أخرجه البخاري، وأخرج أحمد بإسناد صحيح عن عمران بن حصين (لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى)، فيكون حقه في رعاية الشؤون هو فيما جعل لرأيه واجتهاده، وطاعة أمره المأمورون بها هي في هذه الأمور، فإذا رعى شؤون المباح على وجه معين كوضعِ برنامجٍ معين وأمرٍِِه به وﻧهيه عن خلافه كانت طاعته واجبة.

هذا من حيث توحيد منهاج التعليم. أما من ناحية إباحة المدارس الأهلية فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يرسل معلمين للناس يعلمهم الإسلام، وكان يسمح للمسلمين أن يعلم بعضهم بعضاً، مما يدل على أن لكل إنسان أن يعلم من يشاء بأجرة وبغير أجرة. وله أن يفتح مدرسة، ولكنه كسائر أفراد الرعية ملزم بمنهاج الدولة، أي بالمنهاج الذي أمر به الخليفة. للدليل المار من طاعة الإمام فيما يأمر به.

فإن قيل كيف إذن يعلم أهل الذمة أولادهم دينهم إذا كانت المدارس الأهلية يجب أن تكون وفق منهاج الدولة الإسلامية، كان الجواب أنهم لا يمنعون من تعلم دينهم وعبادتهم في بيوتهم وأماكن عبادتهم، أي في غير الحياة العامة كالمدارس، فهذه تسري عليها سياسة التعليم للدولة. وقد كان تعلم أهل الذمة لعباداتهم في كنائسهم وكنسهم موجوداً زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين، وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ: انْطَلِقوا إِلَى يَهُود، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَامَ النَّبِيُّ فَنَادَاهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا...)، والمدراس هو موضع عبادتهم الذي كانوا يقرؤون فيه التوراة، وكذلك يجتمعون فيه ويصلون في أعيادهم، كما جاء في القاموس المحيط: "والمِدْراسُ: الموضِعُ يُقْرَأُ فيه القرآنُ، ومنه مِدْراسُ اليَهُودِ"، أي الذي يقرأ اليهود فيه توراتهم، و في لسان العرب: "...وفُهْرُ اليهود بالضم موضعُ مِدْراسِهم الذي يجتمعون إِليه في عيدهم يصلون فيه". أي أنهم كانوا زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يمنعون من تَعَلُم دينهم في كنائسهم وكُنُسِهم. وقد استمر ذلك في عهد الخلفاء الراشدين، فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه "أنه رأى قوماً سدلين فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم"، قلنا لعبد الرزاق ما فهرهم قال: كنائسهم، أي أن علياً رضي الله عنه وصف الذين يُصلون "سدلين" كاليهود الذين يخرجون من كُنُسِهم بعد أن يؤدوا عبادﺗﻬم فيها... أي أن أهل الذمة كانوا يتعلمون دينهم وطقوس عبادﺗﻬم في كنائسهم وكُنُسهم، أو في أماكن ملحقة ﺑﻬا، ولم تكن لهم مدارس خاصة بالمعنى المعروف.

وأما دليل منع الاختلاط في المدارس الأهلية كما هو ممنوع في مدارس الدولة فهو:

- روى البخاري عن أبي سعيد الخدري: (قَالَتْ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنْ النَّار، فَقَالَتْ امْرَأَة: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَال: وَاثْنَتَيْنِ). أي أن تعليم النساء كان مفصولاً عن تعليم الرجال وليس مختلطاً، حتى الصلاة كانوا يؤدونها في صفوف منفصلة، وعندما يخرجون من المسجد لا يخرجون معاً مختلطين، بل كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ينتظر وأصحابه المصلين حتى تخرج النساء ثم يخرجون.

- أخرج البخاري عن أم سلمة: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيراً، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَنُرَى، وَاللهُ أَعْلَمُ، لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنْ النِّسَاءِ). وفي رواية عنده أيضاً قالت: (كَانَ يُسَلِّم، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم).

وهكذا فإن التعليم يجب أن لا يكون مختلطاً.

- وأما عدم اختصاص المدارس الأهلية بطائفة أو دين أو مذهب أو عنصر أو لون فلأن إقامة المدارس على هذه الأسس من شأنها أن تؤدي إلى التأثير في وحدة الدولة وتركيز النزعات الانفصالية، خصوصاً وأن المدارس تلعب دوراً مهماً في صياغة عقليات الطلاب ونفسياتهم. وقد كانت مثل هذه المدارس في أواخر الدولة العثمانية معول هدم في جسم الدولة. ولذلك تمنع هذه المدارس لما ينتج عنها من ضرر وما تؤدي إليه من حرام، أي أن الدليل هو قاعدة الضرر وقاعدة الوسيلة إلى الحرام محرمة.

هذا فضلاً عما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية من الدعوة إلى تعارف الناس ونبذ العصبيات، وعدم "التمييز" بسبب العنصر أو اللون...، قال سبحانه: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) [الحجرات: 13]، وقال صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الذي أخرجه مسلم من طريق أبي هريرة، (مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ)، وأخرج أحمد بإسناد صححه الزين عن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وسط أيام التشريق فقال: أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى، أبلغت؟ قالوا: بلَّغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذه كلها هي أدلة هذه المادة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "سياسة التعليم"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 12 2011, 11:45 PM
مشاركة #202


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



سياسة التعليم


المادة 178: تعليم ما يلزم للإنسان في معترك الحياة فرض على الدولة أن توفره لكل فرد ذكراً كان أو أنثى في المرحلتين الابتدائية والثانوية، فعليها أن توفر ذلك للجميع مجاناً، و تفسح مجال التعليم العالي مجاناً للجميع بأقصى ما يتيسر من إمكانيات.

دليلها أنها من المصالح والمرافق الأساسية للناس، فإن تعليم أفراد الرعية ما يلزمهم لمعترك الحياة هو من المصالح الأساسية ففيه جلب منفعة ودفع مضرة، ولهذا يجب على الدولة أن توفر هذه المصالح بقدر ما يتطلب معترك الحياة، وتوفر ما يلزم من أبناء الرعية القادرين على القيام بأمر هذه المصالح. وبما أن الحياة في هذا العصر بين الأمم قد أصبح فيها التعليم الابتدائي والثانوي للأمة بمجموعها من الضروريات وليس من الكماليات، لذلك كان تعليم كل فرد من أفراد الرعية ما يلزمه لمعترك الحياة في المرحلتين الابتدائية والثانوية فرضاً على الدولة ما دام من المصالح الأساسية، فوجب عليها أن تفتح من المدارس الابتدائية والثانوية ما يكفي لكل من يريد من أفراد الرعية، وما يفي بما يلزم لمعترك الحياة مجاناً دون بدل، فقد جعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فداء الأسرى من الكفار تعليم عشرة من أبناء المسلمين، وبدل الفداء هو من الغنائم، وهي مما جعل للخليفة أن ينفقه في مصالح المسلمين، وهو دليل على أن الإنفاق على التعليم يكون دون بدل.

وأما التعليم العالي فإنه كذلك من المصالح، فما كان منه من الضروريات كالطب وجب على الدولة توفيره كالتعليم الابتدائي والثانوي مجاناً دون بدل لأن فيه جلب منفعة ودفع مضرة، وهو مما أوجبه الشرع عليها، و أما ما كان منه من الكماليات كالآداب فإن لها أن توفره إن وجد لديها مال.

وهكذا فإن التعليم الابتدائي والثانوي، وكذلك ما هو من الضروريات للأمة من التعليم العالي، كله يُعد من المصالح الواجبة على بيت المال دون بدل.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "سياسة التعليم"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 12 2011, 11:47 PM
مشاركة #203


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



سياسة التعليم


المادة 179: تهيئ الدولة المكتبات والمختبرات وسائر وسائل المعرفة في غير المدارس والجامعات لتمكين الذين يرغبون في مواصلة الأبحاث في شتى المعارف من فقه وأصول فقه وحديث وتفسير، ومن فكر وطب وهندسة وكيمياء، ومن اختراعات واكتشافات وغير ذلك، حتى يوجد في الأمة حشد من المجتهدين والمبدعين والمخترعين.

دليلها قوله عليه الصلاة والسلام: (الإِمَامُ رَاع وَهُو وَمَسْؤُول عَنْ رَعِيَّتِهِ) رواه البخاري عن عبد الله بن عمر وقاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" فإن المكتبات والمختبرات وسائر وسائل المعرفة هي من شؤون الأمة التي يجب على الإمام أن يرعاها. فهو مسؤول عنها، وإذا قصر يحاسب على تقصيره. وهذه الوسائل للمعرفة إن كانت مما لا يتأتى إيجاد الاجتهاد في الفقه إلا بتوفيره، أو مما لا يتأتى إيجاد الاختراع فيما يلزم لإعداد القوى إلا به، فإن توفيرها فرض على الخليفة عملاً بقاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وإن كانت مما يساعد على ذلك ويسهل أمر الاجتهاد والاختراع كانت داخلة في رعاية الشؤون مما هو من جلب المنافع، وحينئذ لا تكون واجباً، فإن كان لدى الدولة مال قامت بها وإلا فلا. ولذلك كله كانت تهيئة المكتبات والمخترعات وسائر وسائل المعرفة مما على الإمام أن يوفره، أي على الدولة أن تهيئه.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "سياسة التعليم"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 12 2011, 11:56 PM
مشاركة #204


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



سياسة التعليم


المادة 180: يمنع استغلال التأليف للتعليم في جميع مراحله، ولا يملك أحد مؤلفاً كان أو غير مؤلف حقوق الطبع والنشر إذا طبع الكتاب ونشره. أما إذا كان أفكاراً لديه لم تطبع ولم تنشر فيجوز له أن يأخذ أجرة إعطائها للناس كما يأخذ أجرة التعليم.

دليلها هو جواز أخذ الأجرة على التعليم، وإباحة العلم للناس. أما جواز أخذ الأجرة على التعليم فثابت من قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ) رواه البخاري عن ابن عباس، فغيره من باب أولى أن تؤخذ الأجرة على تعليمه، وأيضاً ثابت من جعل الرسول فداء الأسير من أسرى بدر تعليم عشرة من أبناء المسلمين، فهو استئجار للتعليم. والتأليف هو كتابة العلم، أي إعطاء العلم مكتوباً فهو مثل إلقائه شفوياً. فالعلم إما أن يعطى للناس بالمشافهة وإما أن يعطى بالكتابة، وفي كلتا الحالتين كان أخذ الأجرة عليه جائزاً. ولكنه إذا ألقي للمتعلم شفاهاً أو كتابة صارت المعرفة التي أخذها المتعلم ملكاً له. فله الحق في إلقاء هذا العلم لغيره شفاهاً أو كتابة، وله الحق في أخذ الأجرة عليه. فالذين تعلموا القراءة والكتابة لدى أسرى بدر لم يبق لمعلميهم أي حق لديهم سوى الأجرة التي أخذوها، وصار لهؤلاء المتعلمين أن يعلموا غيرهم القراءة والكتابة بأجرة من غير إذن معلميهم، ومن غير أن يكون لمعلميهم أي حق. وأيضاً فإن العلم من حيث هو مباح، ومعنى إباحته هو أن يكون أخذه جائزاً لكل الناس، ومباح أخذ الأجرة عليه من كل من يباشر تعليمه، وليس من المعلم الذي علمه في الأصل فحسب. ومن هنا كانت المعرفة ملك العالم بها، وليست هي ملك الذي علمها فحسب، وهي ملك العالم بها ما دامت عنده فله أن يأخذ أجرة على تعليمها لغيره، وله أن يعلمها لغيره بالمجان، فإذا خرجت منه بأن علمها لفرد أو لجماعة، أو تحدث بها في الطريق، أو أوصلها للناس بأية وسيلة صارت مباحة لجميع الناس عملاً بأدلة إباحة العلم العامة، وصار لمن أخذها فرداً أو جماعة أن يعطيها لمن يشاء، سواء أذن صاحبها الذي علمها أم لم يأذن، سخط أم رضي. وهذا دليل أنه لا يملك أحد حق التأليف لأنه علم، فهو ما دام عنده له أخذ الأجرة عليه، فإذا أعطاه للناس شفاهاً أو كتابة بأية وسيلة من الوسائل صار مباحاً لجميع الناس، وصار مباحاً لكل واحد أن يعلمه لغيره وأن يأخذ الأجرة على تعليمه. فجعل حق التأليف للمؤلف هو تحريم للمباح: تحريم للعلم في منع أخذه إلا بإذن، وتحريم لأخذ الأجرة عليه في منع تعليمه بأجرة إلا بإذن؛ ولذلك لا يجوز أن يملك أحد حق التأليف.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "سياسة التعليم"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 13 2011, 01:35 PM
مشاركة #205


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



السياسة الخارجية


المادة 181: السياسة هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة. فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة.

هذه المادة تعريف للسياسة، وهذا التعريف عام عند جميع الناس، إذ هو وصف لواقع السياسة من حيث هي. فهو كتعريف العقل وتعريف الصدق وتعريف السلطان، وغير ذلك من المعاني التي هي واقع موجود عند جميع البشر بمعنى واحد لا يختلفون فيه؛ لأنه واقع مدرك، وإنما يختلفون في أحكامه. وفوق ذلك فهو معناها اللغوي في مادة ساس يسوس سياسة بمعنى رعى شؤونه، قال في القاموس المحيط (وسست الرعية سياسة أمرتها ونهيتها) وهذا هو رعاية شؤونها بالأوامر والنواهي. وأيضاً فإن الأحاديث الواردة في عمل الحاكم، والواردة في محاسبة الحاكم، والواردة في الاهتمام بمصالح المسلمين يستنبط من مجموعها هذا التعريف، فقوله: صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتفق عليه، واللفظ للبخاري من طريق معقل بن يسار: (ما من عبد يسترعيها الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة). وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا) رواه مسلم عن أم سلمة. وقوله: (ومن أصبح وهمه غير الله فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم للمسلمين فليس منهم) رواه الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود رضي الله عنه. وعن جرير بن عبد الله قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم) متفق عليه وعن جرير بن عبد الله قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قلت: أبايعك على الإسلام، فشرط علي: والنصح لكل مسلم) رواه البخاري. فهذه الأحاديث كلها، سواء ما يتعلق بالحاكم في تولية الحكم، أم ما يتعلق بالأمة تحاسب الحاكم، أم ما يتعلق بالمسلمين بعضهم مع بعض من الاهتمام بصالحهم والنصح لهم، كلها يستنبط منها تعريف السياسة، بأنها رعاية شؤون الأمة فيكون تعريف السياسة الذي عرفته هذه المادة تعريفاً شرعياً مستنبطاً من الأدلة الشرعية.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "السياسة الخارجية"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 13 2011, 02:01 PM
مشاركة #206


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



السياسة الخارجية


المادة 182: لا يجوز لأي فرد، أو حزب، أو كتلة، أو جماعة، أن تكون لهم علاقة بأي دولة من الدول الأجنبية مطلقاً. والعلاقة بالدول محصورة بالدولة وحدها، لأن لها وحدها حق رعاية شؤون الأمة عملياً. وعلى الأمة والتكتلات أن تحاسب الدولة على هذه العلاقة الخارجية.

دليلها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الإمام راع وهو ومسؤول عن رعيته) رواه البخاري عن عبد الله بن عمر. والشرع أعطى مباشرة رعاية الشؤون عملياً رعاية إلزامية للحاكم وحده؛ فلا يحل للرعية أن تقوم بعمل الحاكم ولا يحل لأحد من المسلمين أن يقوم بعمل الحاكم إلا بتولية شرعية، إما ببيعة من الناس إن كان خليفة، وإما بتولية من الخليفة، أو من جعل له الخليفة حق التولية من معاونين وولاة. أما من لم يول لا بالبيعة، ولا بتولية خليفة، فلا يحل أن يقوم بشيء من مباشرة رعاية شؤون الأمة لا في الداخل ولا في الخارج.

وهنا لا بد من توضيح هذا الحكم من حيث الدليل، ومن حيث الواقع الذي ينصب عليه الدليل. أما الدليل فإن السلطان قد جعله الشرع للحاكم فحسب، وجعل سياسة الناس للحكام فحسب. يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (من كره من أميره شيئًا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرًا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية) متفق عليه من حديث ابن عباس. فجعل الخروج عليه خروجاً من السلطان، فهو إذن الذي يملك السلطان لا غيره. ويقول الرسول: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء) متفق عليه من حديث أبي هريرة. ومعناه إنكم أيها المسلمون تسوسكم الخلفاء. فعيّن من يسوس المسلمين. ومفهوم هذا أن غير الأمير لا يكون سلطاناً، وأن غير الخلفاء لا يسوسون. فهذا دليل على أن سياسة الرعية إنما هي للحاكم ولا تكون لغيره. وأيضاً فإن عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو أنه كان يحصر السلطان والقيام بسياسة الناس به بوصفه رئيس دولة، وكان هو الذي يولي من يقوم بعمل من أعمال السلطان أو من أعمال سياسة الرعية. فولى من يقوم مقامه في المدينة حين كان يخرج لغزوة من الغزوات، وولى الولاة والقضاة وجباة الأموال ومن يقومون بمصلحة من المصالح كتوزيع المياه وخرص الثمار وغير ذلك. فهذا كله دليل على حصر السلطان وحصر سياسة الناس بالحاكم، أي بالخليفة ومن يوليه الخليفة، بالأمير ومن يوليه الأمير. والسلطان هو رعاية شؤون الناس رعاية إلزامية، وسياسة الرعية الواردة في قول الرسول "تسوسهم" هي رعاية شؤون الناس رعاية إلزامية. وبناء على هذا فإن رعاية شؤون الناس رعاية إلزامية، أي القيام بمسؤولية الحاكم محصورة بالحاكم، فلا يجوز لغيره أن يقوم بها مطلقاً. لأن الشرع أعطى السلطان وأعطى سياسة الناس للخليفة ولمن يوليه الخليفة. فإذا قام بأعمال الحكم والسلطان وتولى سياسة الناس أي فرد غير الإمام وغير من ولاه كان فعله هذا مخالفاً للشرع فكان باطلاً، وكل تصرف باطل فإنه يكون حراماً، ومن هنا لا يحل لأحد غير الخليفة، وغير من يوليه الخليفة، أي غير الحاكم أن يقوم بأي عمل من أعمال الحكم والسلطان، فلا يقوم برعاية شؤون الناس رعاية إلزامية، أي لا يسوس الناس، لأن هذا هو عمل الحاكم ولا يجوز لغيره أن يقوم به.

هذا من حيث الدليل، أما من حيث الواقع فإن القيام برعاية بعض الشؤون من قبل جماعة رعاية إلزامية هو من مفاهيم الحكم الديمقراطي.فإن الحكم الديمقراطي مؤسسات، أعلاها الوزارة أي الحكومة، ولكن يوجد غيرها من يقوم برعاية بعض الشؤون رعاية إلزامية، أي من يقوم بالحكم في ناحية من النواحي. فهناك النقابات مثلاً. فنقابة المحامين تقوم برعاية شؤون المحامين في مهنة المحاماة رعاية إلزامية فيكون لها السلطان عليهم في شؤون معينة، فهي التي تعطيهم إذناً بالمحاماة، وتوقع عليهم عقوبات، وتجعل لهم صندوق تقاعد، وغير ذلك من أعمال الحكم والسلطان التي تتولاها الدولة في مهنة المحاماة، وأمرها نافذ كأمر الوزارة سواء بسواء، وكذلك نقابة الأطباء وسائر النقابات، فهذا هو الواقع الذي يسلط عليه الدليل بالنسبة للداخل. أما بالنسبة للخارج، فإن بعض الدول الديمقراطية تجعل للحزب المعارض حق الاتصال بالدول الأخرى، وتجعل له صلاحية مفاوضات تلك الدول وهو خارج الحكم، وله الاتفاق مع الدول الأخرى على أمور تتعلق بالعلاقات بينه وبين دولته لينفذها حين يستلم الحكم. فهذا أيضاً هو الواقع الذي يسلط عليه الدليل بالنسبة للخارج.

فهذا الواقع وهو قيام بعض المؤسسات من الناس كالنقابات مثلاً برعاية بعض الشؤون رعاية إلزامية في الداخل، وقيام بعض المؤسسات من الناس كالأحزاب السياسية مثلاً برعاية بعض الشؤون رعاية إلزامية في الخارج، لا يجوز في الإسلام مطلقاً. لأن السلطان والقيام بسياسة الناس إنما أعطي للخليفة أو للأمير، أو لمن يوليه الخليفة أو الأمير، فلا يحل لغيره أن يباشره ولو في مسألة واحدة، لمخالفة ذلك للشرع.

وأيضاً فإن مباشرة رعاية الشؤون رعاية إلزامية ولاية على الناس، والولاية عقد لا بد أن يتم بين اثنين، إما بين الأمة والخليفة أو بين الأمة والأمير الذي أمرته، وإما بين الخليفة ومن يوليه أو بين الأمير ومن يوليه. ومن يباشر رعاية الشؤون من غير عقد ولاية فمباشرته باطلة، وكل تصرف باطل فهو حرام بلا خلاف، فكانت مباشرة رعاية الشؤون رعاية إلزامية باطلة، ومن هنا يحرم على الأحزاب السياسة وعلى الأفراد في الأمة أن تكون لهم علاقة بأية دولة أجنبية فيها مما يعتبر مباشرة لرعاية شأن من شؤون الأمة رعاية إلزامية، وهذا هو دليل هذه المادة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "السياسة الخارجية"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 13 2011, 02:11 PM
مشاركة #207


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



السياسة الخارجية


المادة 183: الغاية لا تبرر الواسطة، لأن الطريقة من جنس الفكرة فلا يتوصل بالحرام إلى الواجب ولا إلى المباح. والوسيلة السياسية لا يجوز أن تناقض طريقة السياسة.

إن الله تعالى قد جعل لمعالجة مشاكل الناس أحكاماً كالبيع والإجارة والشركة وغير ذلك، وجعل لتنفيذ هذه المعالجات بين الناس أحكاماً أخرى، كعقاب الغاش بالبيع تعزيراً، وقطع يد السارق حداً. وكذلك جعل لمعالجة المشاكل التي تحصل بين الدولة الإسلامية والدول الكافرة أحكاماً كأحكام المعاهد والمستأمن، وأحكام دار الحرب، وأحكام تبليغهم الدعوة على وجه يلفت النظر، وغير ذلك. وجعل لتنفيذ هذه الأحكام أحكاماً أخرى، كحفظ دم المستأمن وماله مثل حفظ دم المسلم وماله، وكتحريم قتال الكفار قبل تبليغهم الدعوة على وجه يلفت النظر، وهكذا. فالطريقة في الإسلام أحكام شرعية. ولذلك لا يتوصل للنصر بالغدر، ولا يتوصل للفتح بنقض العهد. فكما أن الغاية يجب أن تكون مما أتى به الشرع كذلك يجب أن يكون ما يوصل إلى هذه الغاية مما أجازه الشرع. لأن الغاية والواسطة كل منهما فعل العبد، والذي يجعل هذا الفعل مباحاً أو ممنوعاً هو الدليل الشرعي وليس النتائج التي تنتج عنه ولا الغاية التي يهدف إليها لأن الله يقول: ((وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ)) [المائدة: 49] لا بما نتج عن الأعمال، أو بما توصل إليه هذه الأعمال، فيكون حكم الواسطة كحكم الغاية هو الدليل الشرعي، أي أن كون الدليل الشرعي هو الذي يقرر إباحة الغاية أو تحريمها دليل على أن الغاية لا تبرر الواسطة، أي لا تجعلها مباحة إذا كان الدليل الشرعي قد جاء بتحريمها. ولذلك لا تجعل الواسطة مباحة لأن غايتها مباحة أو واجبة أو مندوبة، أو لأن غايتها فيها نفع أو خير أو نصر، بل تكون مباحة إذا أباحها الشرع ومحرمة إذا حرمها الشرع. أي يجب أن تُسيَّر بأحكام الشرع. لأن كل فعل من أفعال المسلم يجب أن يسير بالشرع، وأن يكون وفق حكم شرعي. لأن تعريف الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، فيجب أن تكون جميع أفعال المسلم وفق حكم شرعي. ومن هنا ينكر المسلمون ويستنكرون قاعدة الغاية تبرر الواسطة. صحيح أن الإسلام قد استنبط من أدلته قواعد أعطت الوسيلة الموصلة للغاية حكم الغاية، مثل قاعدة: "الوسيلة إلى الحرام حرام" ومثل قاعدة: "كل فرد مباح إذا أوصل إلى ضرر حرم ذلك الفرد وبقي الشيء مباحاً". ومثل قاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" ولكن هذا إذا كانت الوسيلة مباحة، أو فرضاً، أما إن كانت حراماً فلا تحلها الغاية إن كانت فرضاً أو مباحة، بل تبقى حراماً. ومن هنا كانت الغاية لا تبرر الواسطة، أي الغاية الواجبة أو المباحة لا تجعل الواسطة المحرمة مباحة. وعلى هذا وضعت هذه المادة وكان ذلك دليلها.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "السياسة الخارجية"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 13 2011, 02:14 PM
مشاركة #208


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



السياسة الخارجية


المادة 184: المناورات السياسية ضرورية في السياسة الخارجية، والقوة فيها تكمن في إعلان الأعمال وإخفاء الأهداف.

إن هذه المادة من المباحات التي جعلت لرأي الإمام واجتهاده، والمناورة السياسية هي أعمال تقوم بها الدولة قاصدة غايات غير الغايات التي تظهر من القيام بالعمل، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بهذه المناورات، فمن ذلك السرايا التي قام بها في أواخر السنة الأولى وأوائل السنة الثانية للهجرة، فإن هذه السرايا يدل ظاهرها على أن الرسول كان يريد غزو قريش، لكن الحقيقة أنه كان يريد إرهاب قريش، وجعل قبائل العرب الأخرى تقف محايدة في الخصام الدائر بينه وبين قريش. والدليل على ذلك هو أن هذه السرايا كانت قليلة العدد، ستين، أو مائتين، أو ثلاثمائة. وهي ليست أعداداً كافية لقتال قريش، وأنه لم يقاتل قريشاً فيها كلها، وكل ما نتج عنها عقد معاهدات مع بعض قبائل العرب، كمحالفته لبني ضمرة، وموادعته لبني مدلج. ومن ذلك ذهابه في السنة السادسة للهجرة إلى مكة قاصداً الحج وإعلانه ذلك مع وجود حالة الحرب التي بينه وبين قريش التي تقع الكعبة تحت سلطانها. فإن القصد من تلك الرحلة هو الوصول إلى مهادنة قريش، ليضرب خيبر. إذ بلغه أن خيبر وقريش يتفاوضان للاتفاق على غزو المدينة. والدليل على أن هذه مناورة هو أنه رضي أن يرجع ولم يحج حين ظفر بالهدنة، وأنه بعد رجوعه بأسبوعين غزا خيبر وقضى عليها. فهذه كلها مناورات سياسية. والقوة التي في هذه المناورات أن الأعمال التي يقام بها كمناورة تكون معلنة وظاهرة، ولكن الغايات منها تكون خفية، فقوتها في إبراز الأعمال وإخفاء الأهداف.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "السياسة الخارجية"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 13 2011, 02:16 PM
مشاركة #209


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



السياسة الخارجية


المادة 185: الجرأة في كشف جرائم الدول، وبيان خطر السياسات الزائفة، وفضح المؤامرات الخبيثة، وتحطيم الشخصيات المضللة، هو من أهم الأساليب السياسية.

هذه المادة من الأساليب، وهي من المباحات، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد كشف جريمة بني قريظة في نقضهم العهد يوم الأحزاب، وحين هاجمته قريش لقيام عبد الله بن جحش بأسر رجلين، وقتل آخر في الشهر الحرام، وقالت إن محمداً وأصحابه استحلوا الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا الأموال، وأسروا الرجال، حين هاجمته قريش بذلك أنزل الله تعالى آيات يندد فيها بسياستها الزائفة في فتنة المسلمين عن دينهم، قال تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)) [البقرة: ٢١٧].

وحين تآمر يهود بني النضير على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليلقوا صخرة عليه صلى الله عليه وآله وسلم وهو جالس إلى جنب جدار فضح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مؤامراتهم هذه، وأجلاهم جزاءً عليها. قال ابن إسحاق: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما، كما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف. فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا: نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه -ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد- فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فقال: أنا لذلك، فصعد لي لقي عليه صخرة كما قال... فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وخرج راجعًا إلى المدينة...وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم... ثم أجلاهم صلى الله عليه وسلم).

وهجوم القرآن على أبي لهب باسمه، قال تعالى: ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ )) [المسد: 1] وعلى آخرين بصفاتهم... وكل ذلك يعتبر من تحطيم الشخصيات المضللة.

وهذه هي أدلة المادة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "السياسة الخارجية"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 13 2011, 02:19 PM
مشاركة #210


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



السياسة الخارجية


المادة 186: يعتبر إظهار عظمة الأفكار الإسلامية في رعاية شؤون الأفراد والأمم والدول من أعظم الطرق السياسية.

هذه المادة مما يجب على الدولة أن تقوم به، فهو فرض وليس مباحاً. وذلك أن الواجب على الدولة أن تبلغ الدعوة على وجه يلفت النظر، لأن الله يقول: ((وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)) [العنكبوت: 18]، وكلمة المبين وصف مفهم، ولذلك تكون قيداً للتبليغ. ولا يتأتى تبليغ الدعوة على وجه يلفت النظر إلا بإظهار عظمة الأفكار الإسلامية. ومن عظمة الأفكار الإسلامية معاملة الدولة الإسلامية للذمي والمستأمن والمعاهد، وكون الحاكم منفذاً للشرع لا متسلطاً على الناس، وكون الأمة تحاسب الحاكم بانضباط تام. فكما تجب عليها محاسبته تجب عليها طاعته ولو ظلم، ويحرم عليها أن تطيعه في معصية. وتتمتع بحق الثورة تمتعاً تاماً، ويجب عليها أن تثور إذا رأت كفراً بواحاً. ويتساوى فيها الحاكم والمحكوم في كل شيء، وتشكو الحاكم كما تشكو أي فرد في الحقوق أمام أي قاض، وتشكوه لقاضي المظالم إذا خالف الشرع في قيامه بالحكم، إلى غير ذلك من الأفكار، فإنه يجب إظهارها وإبراز العظمة التي فيها حتى تبرز عظمة الإسلام، وحتى تكون، بتبليغه على وجه يلفت النظر. وإظهارها ليس من الأساليب السياسية وإنما هو من الطرق السياسية.

على أن الحكم الشرعي أن قتال الكفار قتالاً فعلياً لا يجوز إلا بعد تبليغهم الدعوة، أخرج الطبراني في الكبير عن فروة بن مسيك المرادي قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله أقاتل بمن أقبل من قومي من أدبر منهم؟ قال: نعم، فلما أدبر دعاه، فقال: ادعهم إلى الإسلام فإن أبوا فقاتلهم)، وأخرج نحوه الترمذي. وعن ابن عباس قال: (ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً حتى دعاهم). أخرجه الدارمي وأحمد والحاكم. وكل هذا دليل على وجوب الدعوة إلى الإسلام قبل القتال. وحتى تتم الدعوة إلى الإسلام لا بد من تبليغهم الدعوة على وجه يلفت النظر. ومن هنا كان إظهار عظمة الأفكار الإسلامية فرضاً لأنه به يحصل التبليغ على وجه يلفت النظر. فهو من أحكام الطريقة وليس من الأساليب.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "السياسة الخارجية"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 13 2011, 02:21 PM
مشاركة #211


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



السياسة الخارجية


المادة 187: القضية السياسية للأمة هي الإسلام في قوة شخصية دولته، وإحسان تطبيق أحكامه، والدأب على حمل دعوته إلى العالم.

معنى كلمة القضية السياسية هو الأمر الذي يواجه الدولة والأمة ويحتم عليها القيام بما يتطلبه من رعاية شؤون. وقد يكون هذا الأمر عاماً فيكون هو القضية السياسية، وقد يكون خاصاً فيكون كذلك قضية سياسية وقد يكون جزءاً من أمر فيكون حينئذ مسألة من مسائل القضية. فمثلاً الأمر الذي يواجه الأمة الإسلامية ويحتم عليها القيام بما يتطلبه من رعاية شؤون هو إعادة الخلافة إلى الوجود، فيكون هذا هو القضية السياسية، وما عداه من قضايا كقضية فلسطين وقضية بلاد القفقاس، هي مسائل في هذه القضية، وإن كانت من الأمور التي تواجه الأمة الإسلامية وتحتاج إلى رعاية شؤون، ولكنها جزء من إعادة الخلافة. وحين تقوم الدولة الإسلامية فإن قضيتها السياسية هي تطبيق الإسلام في الداخل، وحمل دعوته للخارج، فإذا استقر لها المقام صارت قضيتها السياسية هي ما ذكر في المادة، فإذا أحسنت تطبيق الإسلام وقويت شخصيتها دولياً تصبح القضية السياسية لها هي حمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، حتى يظهر الله الإسلام على الدين كله. فالقضية السياسية هي ما يواجه الدولة والأمة من الأمور الأساسية المهمة التي يوجب الشرع القيام بها. فيجب أن تعمل الدولة للقيام بها حسب ما يتطلبه الشرع بشأنها، وهذا لا يحتاج إلى دليل لأنه من جملة تطبيق أحكام الشرع على الأمور التي تحدث. ولهذا تختلف القضية السياسية باختلاف الأمور التي تحدث. وقد كانت القضية السياسية للرسول صلى الله عليه وسلم وهو في مكة في دور الدعوة هي إظهار الإسلام، ولذلك فإن أبا طالب حين قال للرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق) ظن الرسول أنه قد بدا لعمه ما بدا، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه ضعف عن نصرته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته) سيرة ابن هشام. فهذا الكلام يدل على أن القضية السياسية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانت في هذا الوقت إظهار الإسلام. وحين كان في المدينة وأقام الدولة واشتبك في معارك عدة مع العدو الرئيسي رأس الكفر حينئذ قريش ظلت القضية السياسية له صلى الله عليه وسلم هي إظهار الإسلام، ولذلك فإنه صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى الحج قبل أن يصل إلى الحديبية بلغه أن قريشاً سمعت به وخرجت لحربه، فقد قال له رجل من بني كعب: "قد سمعت بمسيرك فخرجوا وقد لبسوا جلود النمور ونزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً" فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس) إلى أن قال: (فماذا تظن قريش؟ والله، إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله له أو تنفرد هذه السالفة) رواه أحمد عن المسور ومروان والسالفة صفحة العنق وكنى بانفرادها عن الموت أي حتى أموت. فالقضية السياسية في الحالتين واحدة، إلا أنه في الحالة الأولى أظهر التصميم على الدعوة للإسلام حتى يظهره الله، وفي هذه الحالة أي وقت قيام الدولة أظهر التصميم على الجهاد حتى يظهره الله. وبعد أن توصل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصلح مع قريش، وكان بذلك الفتح الأكبر، لأنه هيأ لفتح مكة، وجعل العرب يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يدخلون في دين الله أفواجاً، حينئذ صارت القضية السياسية للرسول ليس إظهار الإسلام فحسب بل إظهاره على الدين كله في غزوه دول أصحاب الأديان الأخرى، كالروم وفارس. ولذلك نزلت عليه سورة الفتح ونزل فيها قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)) [الفتح: ٢٨] وعليه فإن الدولة الإسلامية إذا أحسنت تطبيق الإسلام، وقويت شخصيتها دولياً، تصبح القضية السياسية لها إظهار الإسلام على الدين كله، وذلك بجهاد دول أصحاب الأديان والمبادئ الأخرى لنشر الإسلام فيها.

ومن هنا أخذت هذه المادة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "السياسة الخارجية"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 13 2011, 02:24 PM
مشاركة #212


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



السياسة الخارجية


المادة 188: حمل الدعوة الإسلامية هو المحور الذي تدور حوله السياسة الخارجية، وعلى أساسها تبنى علاقة الدولة بجميع الدول.

هذه المادة مأخوذة من كتب الرسول للملوك، ومن تجهيزه جيش أسامة إلى تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين لغزو الروم، وإصراره على ذهاب الجيش رغم مرضه الأخير الذي مات فيه. فإن ذلك يدل على أن الدعوة إلى الإسلام هي أساس العلاقة بين الدولة الإسلامية وبين أي دولة في العالم، وأن هذه العلاقة تقتضي تجهيز الجيوش، والإعداد للقتال، حتى إذا سنحت الفرصة لقتال من لم يستجيبوا لدعوة الإسلام بعد تبليغهم إياها على وجه يلفت النظر كانت هذه القوة معدة للجهاد. فالدعوة إلى الإسلام هي الأساس لكل علاقة مع أي دولة، فهي أساس السياسة الخارجية.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "السياسة الخارجية"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 13 2011, 03:05 PM
مشاركة #213


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



السياسة الخارجية


المادة 189: علاقة الدولة بغيرها من الدول القائمة في العالم تقوم على اعتبارات أربعة:
أحدها: الدول القائمة في العالم الإسلامي تعتبر كأﻧﻬا قائمة في بلاد واحدة، فلا تدخل ضمن العلاقات الخارجية، ولا تعتبر العلاقات معها من السياسة الخارجية، ويجب أن يعمل لتوحيدها كلها في دولة واحدة.
ثانيها: الدول التي بيننا وبينها معاهدات اقتصادية، أو معاهدات تجارية، أو معاهدات حسن جوار، أو معاهدات ثقافية، تعامل وفق ما تنص عليه المعاهدات. ولرعاياها الحق في دخول البلاد بالهوية دون حاجة إلى جواز سفر إذا كانت المعاهدة تنص على ذلك، على شرط المعاملة بالمثل فعلاً. وتكون العلاقات الاقتصادية والتجارية معها محدودة بأشياء معينة، وصفات معينة على أن تكون ضرورية، ومما لا يؤدي إلى تقويتها.
ثالثها: الدول التي ليس بيننا وبينها معاهدات، والدول الاستعمارية فعلاً كإنكلترا وأميركا وفرنسا والدول التي تطمع في بلادنا كروسيا، تعتبر دولاً محاربة حكماً، فتتخذ جميع الاحتياطات بالنسبة لها، ولا يصح أن تنشأ معها أية علاقات ديبلوماسية. ولرعايا هذه الدول أن يدخلوا بلادنا، ولكن بجواز سفر وبتأشيرة خاصة لكل فرد ولكل سفرة، إلا إذا أصبحت محاربة فعلاً.
رابعها: الدول المحاربة فعلاً (كإسرائيل) مثلاً يجب أن نتخذ معها حالة الحرب أساساً لكافة التصرفات. وتعامل كأننا وإياها في حرب فعلية، سواء أكانت بيننا وبينها هدنة أم لا. ويمنع جميع رعاياها من دخول البلاد.


إن هذه المادة مأخوذة من أحكام دار الإسلام ودار الكفر ومن أحكام المعاهد والمستأمن:

فالبند الأول متعلق بالبلاد الإسلامية التي كانت تحكم بالإسلام كالهند مثلاً، أو كانت أكثريتها مسلمين كلبنان مثلاً. فالبلاد الإسلامية منذ هدم الخلافة سنة ١٣٤٢هـ وحتى إقامتها من جديد بإذن الله، كلها دار كفر؛ لأن منها ما يحكم بغير الإسلام أمانه الخارجي بغير أمان الإسلام، ومنها ما أمانه بأمان المسلمين ولكنه يحكم غير الإسلام، وكلها تعتبر دار كفر؛ وبما أن بلاد المسلمين اليوم كانت دار إسلام فلا بد من العمل لإعادتها لأن تصبح دار إسلام، ولكنها ما دامت تحكم بغير الإسلام أو أمانها بغير أمان الإسلام فإنها دار كفر، ولا تعني دار الكفر أن كل أهلها كفار، ولا تعني دار الإسلام أن كل أهلها مسلمون، بل إن معنى الدار هنا هو اصطلاح شرعي "حقيقة شرعية " أي أن الشرع هو الذي أعطاها هذا المعنى، تماماً كلفظ الصلاة والصيام ونحوها من الحقائق الشرعية.

وعليه فإنه يطلق على بلد جل أهلها نصارى مثلاً ولكنها واقعة ضمن الدولة الإسلامية يطلق عليها دار إسلام؛ لأن الأحكام المطبقة أحكام الإسلام، وأمان البلد بأمان الإسلام، ما دامت ضمن الدولة الإسلامية.

وكذلك بالنسبة لبلد معظم أهلها مسلمون ولكنها تقع ضمن دولة لا تحكم بالإسلام ولا تحفظ أمنها بجيش المسلمين بل بجيش الكفار، فإنه يطلق على هذه البلد دار كفر مع أن معظم أهلها مسلمون. فمعنى الدار هنا هو حقيقة شرعية ولا اعتبار لكثرة المسلمين أو قلتهم عند إطلاق لفظ الدار، بل الاعتبار للأحكام المطبقة وللأمان المتحقق لأهلها. أي أن معنى الدار يؤخذ من النصوص الشرعية التي بينت هذا المعنى، تماماً كما يؤخذ معنى الصلاة من النصوص الشرعية التي بينت معناها. وهكذا كل الحقائق الشرعية يؤخذ معناها من النصوص الشرعية وليس من المعنى اللغوي للألفاظ.

ولدار الكفر أحكام تختلف كل الاختلاف عن أحكام دار الإسلام. فلها أي لدار الكفر أحكام خاصة بها:

فإن كان المسلم الذي يعيش في دار الكفر لا يستطيع إظهار شعائر دينه فيها، فعليه أن ينتقل إلى دار كفر أخرى يستطيع فيها إظهار شعائر دينه، ودليل ذلك قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً)) [النساء: ٩٧].

هذا إن لم يكن هناك دار إسلام كما هو الحال اليوم. أما إن كان هناك دار إسلام، فإن أحكام الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام تكون على النحو التالي:
  1. من كان قادراً على الهجرة، ولم يستطع إظهار دينه في بلده، ولا القيام بأحكام الإسلام المطلوبة منه، فإن الهجرة إلى دار الإسلام فرض عليه، ويحرم عليه في هذه الحالة الاستيطان في دار الحرب أي دار الكفر، بل يجب عليه الهجرة إلى دار الإسلام، ودليل ذلك الآية السابقة: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً)) [النساء: ٩٧] فهي تصلح للاستدلال هنا كذلك. وأيضاً يدل على ذلك ما رواه الترمذي من طريق جرير أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله، ولم؟ قال: لا ترايا ناراهم). وفي رواية أبي داود (قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: لا تراءى ناراهما). وروى نحوه النسائي، ومعنى لا تراءى ناراهم أي لا يكون بموضع يرى نارهم ويرون ناره إذا أوقدت... كناية عن عدم العيش في دارهم.

    وأما ما روى البخاري من قوله عليه الصلاة والسلام: (لا هجرة بعد فتح مكة) وقوله: (لا هجرة بعد الفتح) وقوله: (قد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية) وما روي أن صفوان بن أمية لما أس لم قيل له: لا دين لمن لم يهاجر، فأتى المدينة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما جاء بك أبا وهب؟ قال: قيل إنه لا دين لمن لم يهاجر، قال: ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة، فقروا على مسكنكم فقد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية، فإن استنفرتم فانفروا) رواه ابن عساكر. فإن ذلك كله نفي للهجرة بعد فتح مكة. إلا أن هذا النفي معلل بعلة شرعية تستنبط من الحديث نفسه، إذ قوله: (بعد فتح مكة) جاء على وجه يتضمن العلية، فهو يعني أن فتح مكة هو علة نفي الهجرة. وهذا يعني أن هذه العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً ولا تختص بمكة بل فتح أي بلد، بدليل الرواية الأخرى: (لا هجرة بعد الفتح). ويؤيد ذلك ما رواه البخاري عن عائشة، وسئلت عن الهجرة فقالت: (لا هجرة اليوم، كان المؤمن يفر بدينه إلى الله ورسوله مخافة أن يفتن. فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء) مما يدل على أن الهجرة كانت من المسلم قبل الفتح فراراً بدينه مخافة أن يفتن، ونفيت بعد الفتح لأنه صار قادراً على إظهار دينه والقيام بأحكام الإسلام. فيكون الفتح الذي يترتب عليه ذلك هو علة نفي الهجرة وليس فتح مكة وحدها. وعليه فإن ذلك يراد به لا هجرة بعد الفتح من بلد قد فتح. وقوله عليه الصلاة والسلام لصفوان قد انقطعت يعني من مكة بعد أن فتحت؛ لأن الهجرة الخروج من بلد الكفار ومن دار الكفر، فإذا فتح البلد وصار دار إسلام لم يبق بلد الكفار ولا دار كفر فلا تبقى فيه هجرة، وكذلك كل بلد فتح لا يبقى منه هجرة. ويؤيد ذلك ما روى أحمد من طريق معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب) وروى أحمد أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد) وفي رواية أخرى عنه (لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو) فدل ذلك على أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام باقية لم تنقطع.
  2. ومن كان قادراً على الهجرة، ولكنه يستطيع إظهار دينه في بلده، والقيام بأحكام الشرع المطلوبة منه، فإن الهجرة في هذه الحال مندوبة وليست فرضاً... ودليل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يُرغِّب في الهجرة من مكة قبل الفتح حيث كانت دار كفر، وقد جاءت آيات صريحة في ذلك ومنها قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [البقرة: ٢١٨] وقوله سبحانه: ((الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)) [التوبة: ٢٠]، وهذا كله صريح في طلب الهجرة. وأما كونها ليست فرضاً فلأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أقر من بقي في مكة من المسلمين. فقد رُوي أن نُعيم النحَّام حين أراد أن يهاجر جاءه قومه بنو عدي فقالوا له: أقم عندنا وأنت على دينك، ونحن نمنعك عمن يريد أذاك، واكفنا ما كنت تكفينا. وكان يقوم بيتامى بني عدي وأراملهم فتخلف عن الهجرة مدة ثم هاجر بعد، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (قومك كانوا خيراً لك من قومي لي، قومي أخرجوني وأرادوا قتلي، وقومك حفظوك ومنعوك) ذكره ابن حجر في الإصابة.
  3. أما الذي لم يقدر عليها، فإن الله عفا عنه، وهو غير مطالب بها، وذلك لعجزه عن الهجرة، إما لمرض أو إكراه على الإقامة، وإما لضعف كالنساء والولدان وشبههم، ودليل ذلك قوله تعالى: ((إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً)) [النساء: 98].
  4. وأما الذي يستطيع إظهار دينه في بلده والقيام بأحكام الشرع المطلوبة، وفي الوقت نفسه يملك القدرة على تحويل دار الكفر التي يسكنها إلى دار إسلام، فإنه يحرم عليه في هذه الحالة أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، سواء أكان يملك القدرة بذاته أم بتكتله مع المسلمين الذين في بلاده، أم بالاستعانة بمسلمين من خارج بلاده، أم بالتعاون مع الدولة الإسلامية، أم بأية وسيلة مشروعة من الوسائل، فإنه يجب عليه أن يعمل لجعل دار الكفر دار إسلام، وتحرم عليه حينئذ الهجرة منها، ودليل ذلك أن العمل لضم بلده إلى دار الإسلام هو فرض وأي فرض، فإذا لم يؤده وهو قادر على أدائه، فترك العمل للضم، وهاجر، فقد أثم كترك أي فرض.

وعليه فإنه إن كانت هناك دار إسلام، فإن الاستيطان في دار الكفر لمن وجبت عليه الهجرة هو حرام. وفوق ذلك فإن الاستيطان في دار الكفر يجعل المسلم من أهل دار الكفر، فتطبق عليه أحكام دار الكفر من حيث العلاقات بالدولة الإسلامية، ومن حيث العلاقات بغيره من الأفراد. فلا يقام عليه الحد، ولا تستوفى منه الزكاة، ولا يرث غيره ممن هو في دار الإسلام، ولا تجب له النفقة على من هو في دار الإسلام ممن تجب عليه له لو كان في دار الإسلام، لأن أهل دار الكفر لا تطبق عليهم أحكام الشرع، فليس لهم ما للمسلم ين وليس عليهم ما على المسلمين فلا تشملهم الأحكام. والدليل على ذلك هو أن المسلمين لا يطلبون ممن في دار الكفر الإسلامَ فحسب، بل كذلك أن يدخلوا تحت سلطان الإسلام. فقد روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المسلمين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين...) رواه مسلم، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين) رواه مسلم، فهذا نص يشترط التحول ليكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، أي لتشملهم الأحكام. فإن قوله: (وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم) مفهومه أنهم إن لم يفعلوا ذلك فليس لهم ما للمهاجرين وليس عليهم ما على المهاجرين. لأن حصول الجزاء معلق على حصول الشرط، فإذا لم يحصل الشرط لا يحصل الجزاء. فإن لم يتحولوا لم يكن لهم ما للمسلمين في دار الإسلام. ثم إن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المسلمين) هذا من ناحية عدم قتلهم وعدم أخذ أموالهم غنائم لا من ناحية الأحكام. إذ إن موضوع الأحكام الشرط السابق صريح فيها. وقد زاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مسألة المال إيضاحاً فقال في الحديث نفسه: (ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء) فاعتبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم امتناعهم عن التحول مسقطاً لحقهم في الفيء والغنيمة، وتقاس على الفيء والغنيمة سائر الأموال، أي سقطت حقوقهم المتعلقة بالمال. فيكون من لا يتحول إلى دار المهاجرين من حيث حكم المال كغير المسلمين من حيث حرمانه من حقوقه فيه أي الحقوق المالية، فليس له ما للمسلمين وليس عليه ما على المسلمين، وهذا يعني عدم تطبيق الأحكام المالية عليه لأنه لم يتحول إلى دار المهاجرين. فهذا تأكيد للحقوق المالية وإن كانت جميع الأحكام لا تطبق عليه لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين).

ثم إن دار المهاجرين "المدينة في ذلك الوقت" كانت هي وحدها دار إسلام، وما عداها كان دار حرب أي دار كفر، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يغزو كل بلد غير دار المهاجرين باعتبارها دار حرب، بدليل ما روي عن أنس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قومًا لم يغر حتى يصبح، فإن سمع أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أذانًا أغار بعد ما يصبح) رواه البخاري. وما روي عن عصام المزني قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا بعث سرية يقول: (إِذا رأيتم مسجدًا أو سمعتم مناديًا فلا تقتلوا أحدًا) رواه الخمسة إلا ابن ماجة وقال الترمذي حسن غريب، فإن هذين الحديثين يدلان على أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتبر غير دار المهاجرين دار حرب، أي دار كفر ولو كان يسكنها مسلمون، وحكمها حكم دار الكفر. ولا يفرق فيها بين المسلمين وغير المسلمين إلا بأن المسلمين لا يقاتلون ولا يقتلون ولا تؤخذ أموالهم غنائم، وغير المسلمين يقاتلون ويقتلون وتؤخذ أموالهم غنائم، وما عدا ذلك فالحكم سواء. فكل بلاد غير دار الإسلام تعتبر دار حرب، وتأخذ أحكام دار الحرب. فهذا كله يدل على أن الحكم للدار، وأن من استوطن دار الحرب أي دار الكفر، سواءٌ أكان مسلماً أم كافراً، مع وجود دار الإسلام يستوطنها، تنطبق عليه أحكام دار الحرب، والمسلم والكافر في ذلك سواء، سوى أن المسلم في حال فتحها عنوة لا يقتل ولا تؤخذ أمواله غنائم، كما أن من استوطن دار الإسلام تنطبق عليه أحكام دار الإسلام، والمسلم والذمي في ذلك سواء. فاختلاف الدار تترتب عليه أحكام. فمن استوطن دار الكفر مسلماً كان أو غير مسلم لا تشمله مطلقاً أحكام الإسلام التي تطبقها الدولة الإسلامية لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حديث سليمان بن بريدة: (أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين) فإن مفهومه أنهم إن لم يفعلوا ذلك، أي لم يتحولوا إلى دار المهاجرين، فليس لهم ما للمهاجرين وليس عليهم ما على المهاجرين، أي لا تشملهم أحكام الإسلام المطبقة في الدولة الإسلامية "دار الإسلام" لأنهم لا يحملون تابعيتها، ولا يشملهم إلا حكمان اثنان هما: عصمة دمهم وعصمة مالهم عند فتح دار الكفر التي يعيشون فيها، و ذلك لأنها مستثناة بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: من طريق عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أمرت أَن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) متفق عليه من حديث عمر وأبي هريرة وابن عمر وغيرهم واللفظ لمسلم. وأما من استوطن دار الإسلام مسلماً كان أو ذمياً فتشمله جميع أحكام الإسلام التي تطبقها الدولة في دار الإسلام إلا ما استثناه الشرع لغير المسلمين كعباداتهم..

وهذا الاعتبار للدار من حيث كونها دار كفر أو دار إسلام هو ما يطلق عليه اسم التابعية. فمن كان يستوطن دار الإسلام مسلماً كان أو ذمياً، كان حاملاً للتابعية الإسلامية "تابعية دار الإسلام". فتطبق عليه أحكام الإسلام من قبل الدولة، ومن كان يستوطن دار الكفر مسلماً كان أو كافراً، كان حاملاً لتابعية دار الكفر فلا تطبق عليه أحكام الإسلام من قبل الدولة. ولذلك فإن العبرة بالاستيطان وليس بالإقامة المؤقتة، فلو أن مسلماً يستوطن دار الإسلام وذهب لدار الكفر للتجارة أو للتداوي أو لطلب العلم أو لزيارة أقاربه أو للنزهة أو لأي غرض وأقام هنالك أشهراً أو سنوات ولكنه كان يحمل التابعية الإسلامية، أي كان يستوطن دار الإسلام وسيرجع إليها، فإنه يعتبر من أهل دار الإسلام، ولو كان ساكناً في دار الكفر. ولو أن مسلماً يستوطن دار الكفر و جاء لدار الإسلام للتجارة أو للتداوي أو لطلب العلم أو لزيارة أقاربه أو للنزهة أو لأي غرض وأقام في دار الإسلام يوماً أو شهراً أو سنة أو أكثر ولكنه لم يحمل تابعية الدولة الإسلامية بل استمر في حمله تابعية الكفر أي كان يستوطن دار الكفر وسيرجع إليها فإنه يعتبر من أهل دار الكفر فتطبق في حقه أحكام المستأمن فلا يدخل دار الإسلام إلا بأمان أي إلا بإذن من الدولة، فالموضوع ليس الإقامة المؤقتة مهما طالت بل الموضوع الاستيطان أي حمل التابعية.

وعلى هذا فإنه إذا قامت الدولة الإسلامية فوجدت الخلافة، صارت البلاد التي تحكمها بسلطان المسلمين وبأمان الإسلام دار إسلام، وما عداها ينظر فيه، فإن كان لا يحكم بالإسلام، أو كان أمانه بأمان الكفر، كان دار كفر أي دار حرب، ولو كان جميع أهله مسلمين، وتنطبق عليه أحكام دار الحرب. وأما إن كان يحكم بالإسلام، وأمانه بأمان الإسلام، ولكنه لم ينضم إلى الخلافة، فإنه يكون دار إسلام، وتنطبق عليه أحكام الإسلام. ويكون حكمهم كحكم البغاة تصح عقودهم، ويصح نصبهم للقضاة والولاة، ويصح حكم قضاتهم وولاتهم، ولكن يقاتلون للدخول في بيعة الخليفة، لحديث: (إِذا بويع لإمامين فاقتلوا الآخر منهما) رواه مسلم عن أبي سعيد، أي قاتلوه. وعلى هذا فمتى قامت الدولة الإسلامية في قطر من أقطار المسلمين كالعراق وتركيا وسورية مثلاً، فإنه يكون حكم المسلم الذي يستوطن إنجلترا أو أميركا أو روسيا أو غيرها من ديار الكفر وبلاد الكفار هو كحكم من يكون في دار الحرب لا فرق بين المسلم والكافر سوى بعصمة دمه وماله عند فتح
تلك البلاد. وأما المسلمون الذين يكونون في بلاد مسلمة فإنهم إن طبقوا الإسلام ولم يدخلوا في الخلافة كانت بلادهم دار إسلام، وحكمهم حكم البغاة. أما إن لم يطبقوا الإسلام فإنها تكون دار كفر. وكذلك كل قطر من بلاد الإسلام إذا ظل غير مطبق للإسلام، أو كان أمانه الخارجي بغير أمان المسلمين، فإنه يعتبر دار كفر، وتطبق في حقه أحكام دار الحرب، ولو كان جميع أهله مسلمين. ولا فرق بين أن يكون مجاوراً للدولة الإسلامية، أي للبلاد التي يحكمها خليفة المسلمين، أو كان غير مجاور لها. فالدولة الإسلامية تعتبر جميع البلاد الإسلامية التي كانت تحكم بالإسلام، أو كانت أكثريتها من المسلمين، بلاداً إسلامية واحدة يجب أن تُضم للدولة الإسلامية، وأن تخضع للراية الإسلامية، وأن تكون في عنقها بيعة للخليفة.


... يتبع
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 13 2011, 03:10 PM
مشاركة #214


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



...

وكلمة أمان الإسلام المراد منها أن يأمن بسلطان الإسلام، وكلمة أمان الكفر المراد منها أن يأمن بسلطان الكفر. قال في القاموس المحيط: "الأمن والآمن كصاحب ضد الخوف أمن كفرح أمناً وأماناً بفتحهما" وأخرج أبو داود عن سعد قال: (لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربَعة نفر وامرأتين وسماهم) وعن أبي بن كعب (فلما كان يوم الفتح قال رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن الأسود والأبيض إلا فلانًا وفلانًا ناسًا سماهم) أخرجه أحمد في المسند بإسناد حسن، وأخرج نحوه الحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه، كلاهما عن أبي ابن كعب رضي الله عنه. فهذا هو معنى الأمان. وإضافته إلى الإسلام أو إلى الكفر إنما هي إضافة إلى السلطان الذي يؤمن، لأن الأمان في الدولة إنما هو للسلطان. فأمان الإسلام هو الأمان بسلطان المسلمين، وأمان الكفر هو الأمان بسلطان الكفار.

والأمان الداخلي هو أن يأمن كل واحد من الرعية على عرضه ودمه وماله بأمان السلطان، وأما الأمان الخارجي فهو أن تكون الدولة حامية حدودها من الغارة عليها بسلطانها هي لا بسلطان غيرها.

وأما البند الثاني من المادة فإن دليله أن الإسلام أجاز عقد المعاهدات مع الدول قال تعالى: ((إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)) [النساء: 90] وقال: ((وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ)) [النساء: 92] وقال: ((وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)) [الأنفال: 72] والميثاق في هذه الآيات هو المعاهدة. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم عقد معاهدة مع يوحنة بن رؤبة صاحب أيلة، وعقد معاهدة مع بني ضمرة. وتطبق في هذه المعاهدات الشروط التي تتضمنها ويجب أن يتقيد المسلمون بهذه الشروط لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (والمسلمون على شروطهم) أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح، على أن لا يكون هذا الشرط مناقضاً للإسلام، فإن كان مناقضاً للإسلام رفض لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الترمذي: (إلا شرطًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، فيقوم المسلمون بتنفيذ هذه الشروط حسب ما وردت في نصوص المعاهدات إن كانت لا تخالف الإسلام. فدليل هذه الفقرة هو دليل جواز المعاهدات، ودليل وجوب الوفاء بالشروط.

وأما القسم الثاني من هذه الفقرة المتعلق بالعلاقات الاقتصادية والتجارية، فإنه نظراً لما يمكن أن ينشأ من المعاهدة الاقتصادية من ضرر على الأمة كأن كانت تخرج المواد الخام من البلاد، أو كانت تسبب إقفال مصانع البلاد أو ما شاكل ذلك، فإنها تحدد بما لا ضرر منه وتمنع من كل ما فيه ضرر؛ عملاً بقاعدة "كل فرد من أفراد المباح إذا كان يؤدي إلى ضرر يمنع ذلك الفرد ويبقى الشيء مباحاً" وكذلك الحال في المعاهدات التجارية.

وتعتبر هذه الدول دولاً محاربة حكماً، وذلك لأن كونهم كفاراً لم يخضعوا لسلطان الإسلام، فإنهم يعتبرون محاربين، لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) فهو عام، وكونهم يعتبرون محاربين حكماً، أي بالنسبة للأحكام، فإنه بسبب المعاهدات التي بيننا وبينهم.

وأما البند الثالث فدليله هو دليل أحكام دار الحرب في حال عدم وجود ميثاق بيننا وبين أهلها. وأما الدول التي نص عليها في المادة، فإن دليل عدم إيجاد علاقات ديبلوماسية معها كون سفاراتها إذا وجدت في البلاد الخاضعة لسلطان الإسلام يحصل منها ضرر؛ لأن هذه السفارات لمثل هذه الدول عملها هو محاولة بسط سيطرة دولها على البلاد التي تكون فيها هذه السفارات؛ ولذلك تمنع عملاً بقاعدة منع فرد من أفراد المباح إذا كان يوصل إلى ضرر. إلا أنه لا يمنع رعاياها من دخول البلاد إلا من كان دخوله يوصل إلى ضرر. ولا يمنع الرسول المؤقت من دخول البلاد إلا إذا كان شخص الرسول المرسل لا رسولهم مطلقاً يؤدي دخوله إلى ضرر.

وأما أن هذه الدول تعتبر محاربة حكماً فلأنهم يدخلون تحت قوله صلى الله عليه وآله وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) حيث إنهم كفار، وأما اعتبارهم محاربين حكماً لا فعلاً؛ فلأنه لا يجري قتال فعلي بيننا وبينهم، ولأنه لم تعلن بيننا وبينهم حالة الحرب الفعلية لا من قبلنا ولا من قبلهم. وأما إذا أصبحت هذه الدول، كلها أو بعضها في حالة حرب فعلاً، أي اعتدت على بلاد المسلمين، فإنها تعامل معاملة الحرب الفعلية في البند الرابع، ولذلك فإن أمريكا وبريطانيا بعد عدوانهما على العراق وأفغانستان وكذلك أية دولة أخرى تعلن الحرب على أي بلد من بلاد المسلمين فإنها تصبح محاربة فعلاً، وتطبق عليها أ حكام الحرب الفعلية ما دامت حالة الحرب هذه قائمة بيننا وبينهم.

وأما البند الرابع فدليله هو دليل الجهاد من الأمر بقتال الكفار، وأدلة استحلال دماء وأموال غير المسلمين منهم، وأدلة القتال في المعركة، قال تعالى: ((قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ)) [التوبة: ١٢٣]، وقال عليه الصلاة والسلام: (أمرت أَن أقاتل الناس حتى يشهدوا أَن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) متفق عليه واللفظ لمسلم، ويستثنى منهم المسلمون لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) وقوله تعالى: ((وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)) [الأنفال: ١٦]، ولقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات) وعددها إلى أن قال: (والتولي يوم الزحف) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وغير ذلك من أحكام القتال وأحكام المعركة وسائر أدلة دار الحرب وأدلة المعركة.

ولا يجوز الصلح الدائم مع هذه الدول المحاربة فعلاً، أي وقف القتال الدائم أو الهدنة الدائمية لأن هذا يُعطل الجهاد، وهو ماض إلى يوم القيامة، كما أن الهدنة الدائمية تمنع نشر الإسلام حتى يظهره الله سبحانه على الدين كله. يقول الله سبحانه: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)) [الأنفال: ٣٩]، ويقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أَن يقاتل آخر أمتي الدجال) أخرجه أبو داود من طريق أنس رضي الله عنه.

أما عن الصلح المؤقت مع هذه الدول، والوقف المؤقت لحالة الحرب، فإنه ينظر:
أ- إذا كانت الدولة، التي تجري بيننا وبينها الحرب الفعلية، لها أرض غير إسلامية يقوم كيانها عليها فإنه يجوز الصلح معها بهدنة مؤقتة، أي وقف حالة الحرب معها مدة مؤقتة، إذا كان ذاك الوقف في مصلحة الإسلام والمسلمين، وبشروط يقرها الشرع.

ودليل ذلك صلح الحديبية فهو كان بين الدولة الإسلامية، الدولة التي أقامها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة، وبين دولة قريش القائم كيانها على أرض لها لم يفتحها الإسلام بعد، أي لم تكن أرضاً إسلامية.

ب- أما إذا كانت الدولة، التي تجري بيننا وبينها الحرب الفعلية، قائماً كيانها كله على أرض إسلامية، أي لا يضم كيانها أرضاً لها لم يفتحها المسلمون بعد، مثل "إسرائيل" دولة يهود المغتصبة لفلسطين، فإنه لا يجوز الصلح معها، لأن قيام هذه الدولة باطل شرعاً، ولأن الصلح معها يعني تنازلاً لها عن أرضٍ إسلامية ولا بدّ، وهذا حرام وجريمة في الإسلام، بل يجب أن تستمر حالة الحرب الفعلية معها قائمة، سواء أكانت هناك هدنة عقدها معها الحكام غير الشرعيين في بلاد المسلمين أم لم تكن.

وهكذا فإن أي صلح مع دولة يهود ولو على شبر من الأرض هو حرام شرعاً لأنها مغتصبة ومعتدية، وكيانها قائمٌ كله على أرض المسلمين، والصلح معها هو تنازل لها عن أرض إسلامية، وتمكينها من تملكها ومن السيطرة على المسلمين فيها، وهذا لا يجوز شرعاً. والإسلام يحتم على المسلمين جميعاً محاربتها، فتنفر جيوشهم للقتال، وتجمع القادرين جنوداً فيها، ويستمر ذلك حتى القضاء على دولة يهود واستنقاذ بلاد المسلمين منها، قال تعالى: ((وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)) [النساء: 141]، وقال سبحانه: ((فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)) [البقرة: ١٩٤]، وقال تعالى: ((وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ)) [البقرة: ١٩١].


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "السياسة الخارجية"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 13 2011, 03:17 PM
مشاركة #215


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



السياسة الخارجية


المادة 190: تمنع منعاً باتا المعاهدات العسكرية، وما هو من جنسها، أو ملحق بها كالمعاهدات السياسية، واتفاقيات تأجير القواعد والمطارات. ويجوز عقد معاهدات حسن الجوار، والمعاهدات الاقتصادية، والتجارية، والمالية، والثقافية، ومعاهدات الهدنة.

تعريف المعاهدات هو أنها اتفاقات تعقدها الدول فيما بينها بغرض تنظيم علاقة معينة وتحديد القواعد والشروط التي تخضع لها هذه العلاقة. ويسميها فقهاء المسلمين الموادعات، والدليل على جواز عقد المعاهدات بين المسلمين والكفار قوله تعالى: ((إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)) [النساء: 90] وقوله: ((وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ)) [النساء: 92] وقوله: ((وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)) [الأنفال: 72]، والميثاق في هذه الآيات هو المعاهدات وقد عقد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معاهدات كثيرة مع الكفار. إلا أنه يشترط لصحة انعقاد المعاهدة أن يكون موضوع التعاقد قد أجازه الشرع، كأن تكون محددة المدة، بالإضافة لغيرها من الأحكام الشرعية ذات العلاقة. والمعاهدات أنواع منها المعاهدات غير السياسية ومنها المعاهدات السياسية.

أما المعاهدات غير السياسية فهي الاتفاقات التي تعين كيفية العلاقة بين الدولتين من حيث شأن خاص من شؤون كل واحدة منها كالعلاقات المالية والاقتصادية والتجارية والصناعية والثقافية وما شاكل ذلك. فهذه ينظر لها شرعاً حسب موضوعها، وتطبق عليها الأحكام الشرعية المتعلقة بموضوعها. ولذلك كانت المعاهدات الاقتصادية جائزة، لأنه تطبق فيها أحكام الأجير، وأحكام التجارة الخارجية، وكانت المعاهدات التجارية جائزة، لأنه تطبق فيها أحكام البيع، وأحكام التجارة الخارجية، وكانت المعاهدات المالية جائزة، لأنه تطبق فيها أحكام الصرف، وكانت المعاهدات الثقافية جائزة لأنه تطبق فيها أحكام التعلم والتعليم من حيث المادة العلمية، ومن حيث النتائج الحتمية أو الظنية التي تنتج عن تعلمها وتعليمها.

وأما المعاهدات السياسية فهي ثلاثة أقسام:
  • منها معاهدات سياسية جائزة وهي المعاهدات التي لا تؤثر في كيان الدولة، ولا تنقص من سلطانها الداخلي أو الخارجي، ولا تجعل للكافر سلطاناً عليها. وذلك مثل معاهدات الصلح، ومعاهدات الهدنة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عقد الهدنة والصلح مع قريش في صلح الحديبية، ومثل معاهدات عدم الاعتداء، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم عقد معاهدة عدم اعتداء مع بني ضمرة وبني مدلج، وكذلك معاهدات حسن الجوار جائزة لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عقد معاهدة حسن جوار مع اليهود، وهكذا.
  • ومنها معاهدات جائزة اضطراراً في حالة وجود الدولة في حالة ضيق وشدة، كالمعاهدة مع دولة لأخذ جزية منها وإبقائها تحكم بنظام الكفر، أو في حالة تجمع الأعداء لحربنا كالمعاهدة مع دولة لإعطائها مالاً مقابل إخراجها من حلف الأعداء المحاربين لنا.
  • ومنها معاهدات ممنوعة مثل معاهدة الحماية، ومعاهدة الحياد الدائم، ومعاهدة تحديد الحدود الدائمة، ومعاهدة تأجير المطارات، والقواعد العسكرية وما شاكل ذلك، فهذه المعاهدات غير جائزة، لأن موضوعها غير جائز، لأن الحماية تجعل للكافر سلطاناً على المسلمين، وتجعل المسلمين يأمنون بأمان الكفر. والحياد الدائم غير جائز، لأنه ينقص من سلطان المسلمين، وتحديد الحدود الدائمة غير جائز، لأنه يعني عدم حمل الدعوة وإيقاف حكم الجهاد، وتأجير المطارات غير جائز، لأنه يجعل للكفار سلطاناً على دار الإسلام، وكذلك القواعد العسكرية.

وأما المعاهدات العسكرية فحرام لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تستضيئوا بنار المشركين) رواه أحمد والنسائي، ونار القوم كناية عن كيانهم في الحرب، ولقوله عليه الصلاة والسلام: (فلن أستعين بمشرك). رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها، وعند أبي داود وابن ماجة عنها رضي الله عنها: (إنا لا نستعين بمشرك)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا نستعين بالكفار على المشركين) رواه ابن أبي شيبة عن سعيد بن المنذر.

وأما ما رواه أحمد وأبو داود عن ذي مخمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (تصالحون الروم صلحًا آمنًا، وتغزون أنتم وهم عدواً من ورائهم) فإنه يحمل قوله: (تغزون أنتم وهم عدواً من ورائهم) على أفراد الروم، لا على دولتهم، وذلك لأنه قال: (تصالحون الروم صلحًا آمنًا، وتغزون) والصلح بين المسلمين والكفار إنما يكون عند قبولهم الجزية ودخولهم تحت حكم المسلمين، لأن الإسلام قد أمر المسلمين أن يخيِّروا الكفار الذين يحاربونهم بين ثلاث: الإسلام أو الجزية أو الحرب، فإذا حصل الصلح وهم كفار لا يكون إلا في حال دفع الجزية، ودخولهم تحت الراية الإسلامية. فقوله ستصالحونهم قرينة على أنهم تحت راية المسلمين فهم حينئذ أفراد، ويؤيد هذا واقع ما حصل مع الروم. فإن المسلمين حاربوهم وهزموهم واحتلوا بلادهم، وقد حارب الروم مع المسلمين أفراداً، ولكن دولة الروم لم تحارب مع الدولة الإسلامية عدواً من ورائهم، مما يؤكد أن المراد بالحديث هو الروم أفراداً، لا كدولة، ويجب حمله على هذا، جمعاً بين الأدلة، وإعمالاً لها، كما هو معروف في أصول الفقه من أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، ولا يعمد إلى الترجيح إلا إذا تعذر الجمع. وبذلك يتبين أنه لا يوجد دليل يدل على جواز الاستعانة بالمشركين كدولة، بل الأدلة صريحة في عدم جواز ذلك مطلقاً.

وهذه هي أدلة المادة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "السياسة الخارجية"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 13 2011, 03:21 PM
مشاركة #216


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



السياسة الخارجية


المادة 191: المنظمات التي تقوم على غير أساس الإسلام، أو تطبق أحكاماً غير أحكام الإسلام، لا يجوز للدولة أن تشترك فيها، وذلك كالمنظمات الدولية مثل هيئة الأمم، ومحكمة العدل الدولية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وكالمنظمات الإقليمية مثل الجامعة العربية.

الموضوع الذي قامت عليه المنظمات الدولية والمنظمات المحلية يحرمه الشرع. فهيئة الأمم تقوم على أساس النظام الرأسمالي وهو نظام كفر، علاوة على أﻧﻬا أداة في يد الدول الكبرى ولا سيما أميركا لتسخرها من أجل فرض سيطرﺗﻬا على الدول الصغرى، ومنها الدول القائمة في العالم الإسلامي. ومحكمة العدل الدولية تحكم بنظام الكفر، والاحتكام إليها احتكام لغير ما أنزل الله، وصندوق النقد الدولي يقوم على إقراض العملات الصعبة بالربا، وعلى أساس الصرف الحرام شرعاً. فهي لا تعطي عملة صعبة مقابل عملة البلد يداً بيد. وإنما تعطي عملة صعبة للدولة المحتاجة إلى هذه العملة الصعبة مقابل أن تستوفي منها فيما بعد مبلغاً مماثلاً من علمتها بربا معين. فهي صرف حرام من جهة، لأنه من الصرف المنهي عنه لأن الصرف إنما يكون يداً بيد ولا يكون نسيئة، فإن كان نسيئة فهو حرام كما ورد في الحديث. وفيه كذلك ربا فهو حرام. والبنك الدولي يقوم على الاشتغال بالربا كأي بنك من البنوك. والجامعة العربية تقوم على أساس النظام الرأسمالي، وتنص في ميثاقها على المحافظة على استقلال الدول العربية، أي المحافظة على الانفصال وتجزئة بلاد الإسلام وهو حرام. ومثل الجامعة العربية منظمة المؤتمر الإسلامي وأمثالها.

لهذه الأسباب كلها يحرم على الدولة الإسلامية الاشتراك بهذه المنظمات.

*****


هذه هي مقدمة الدستور، أو الأسباب الموجبة. وقد بيَّنا فيها أدلة الأحكام التي تضمنتها مواد الدستور، وشرحنا فيها ما لا بد من شرحه، ومنها يتبين أن هذا الدستور دستور إسلامي، أي هو أحكام شرعية مستنبطة من الأدلة الشرعية: من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس. ولذلك فإن العمل به فرض على المسلمين.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "السياسة الخارجية"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة

11 الصفحات V  « < 9 10 11
موضوع مغلقموضوع جديد
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



نسخة خفيفة الوقت الآن: 15th July 2019 - 08:14 PM