منتدى العقاب

هذا المنتدى هو أرشيف منتدى العقاب حتى عام 2012

وهو فقط للمطالعة والتصفح، للمشاركة نرجو الانتقال للمنتدى الجديد

http://www.alokab.com

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )



9 الصفحات V  < 1 2 3 4 5 > »   
إضافة رد على الموضوعموضوع جديد
> الجامع الكبير لخطب الجمعة, ذات الطابع المصيري
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 07:50 PM
مشاركة #41


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 16 شوال 1426 هـ
الموافق 18 تشرين ثاني 2005 م

أسلمةُ الديمقراطيةِ مُحال
ٌ
(الخطبة الأولى) أيها الناس: إن الله عز وجل قد حرم لحم الخنزير تحريماً قاطعاً، وقد استفاضت الأقوال بنجاسة الخنزير، وهي نجاسة عينية شاملة لجميع أجزائه، ولا يطهر شيء منه إلا إذا استحال تماماً، أي انقلب إلى عين أخرى. وقد تقرر عند العلماء أن ما حرم على العباد حرم بيعه، وإذا حرم بيعه فقد حرم تسويقه أو إهداؤه أو ترويجه بأي شكل من الأشكال، بل يجب أن يهمل ولا يُلتفت إلى شيء منه، وأن يحقّر شأنه، ولا يقام له وزن. عن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويَستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه". رواه البخاري. ويستصبح أي يستعمله وقوداً في السراج وهو المصباح، وجملوه أذابوه. قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري: والأكثر على المنع حملاً للنهي على ظاهره، والظاهر أن النهي عن بيعها للمبالغة في التنفير عنها.
أيها الناس: شاع في زماننا أمر الديمقراطية، وما أمر الديمقراطية برشيد، ذلك أنها إفراز قذر من إفرازات المبدأ الرأسمالي الكافر، وهي والخنزير في الحرمة على المسلمين سواء، وكل محاولات أسلمة الديمقراطية بزعم وجود منفعة مباحة فيها باطلة، كمحاولات طهارة الخنزير بزعم وجود منفعة مباحة فيه. وإن الذي دفعني لإبراز هذه البطاقة الحمراء في وجه بعض الإسلاميين من الذين دخلوا في أتون الديمقراطية من باب الانتخابات، هو أن ما دخلوا فيه باطل من أساسه، فهو حرام، وكل ما يتصور أنه منفعة متحققة منه فكله وهم وحرام. فالله سبحانه وتعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}، نزلت في يهودي أراد تجديد الفتنة بين الأوس والخزرج بعد انقطاعها بالنبي صلى الله عليه وسلم، فجلس بينهم وأنشدهم شعراً قاله أحد الحَيَّين في حربهم. فقال الحي الآخر: قال شاعرنا في يوم كذا وكذا، فكأنهم دخلهم من ذلك شيء، فقالوا: تعالوا نرد الحرب جذعاء كما كانت. فنادى هؤلاء: يا آل أوس، ونادى هؤلاء: يا آل خزرج، فاجتمعوا وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال، فنزلت هذه الآية، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقف بين الصفين فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا صوته أنصتوا له وجعلوا يستمعون، فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً وجعلوا يبكون، ثم انصرفوا مع النبي صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين.
أيها الإسلاميون المتهافتون على الديمقراطية وانتخاباتها في مصر والأردن والعراق وفلسطين والجزائر وغيرها من بلاد المسلمين: هلا سألتم أنفسكم سؤالاً: من جعلكم مصريين وأردنيين وعراقيين وفلسطينيين وجزائريين وغير ذلك من التقسيمات الوطنية الكافرة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ أليست هي دول الكفر وأذنابها من حكام المسلمين الذين يسوقونكم إلى مسلخ الديمقراطية والانتخابات، وهم يطعنون في ديننا ويخافون عودته إلى سدة الحكم، وقد قال قائل منهم بعد تفجيرات عمان: إن المشكلة ليست الأردن أو السعودية أو الولايات المتحدة، ثمة مشكلة في الإسلام؟! ثم اسألوا أنفسكم سؤالاً ثانياً: من الذي سماكم المسلمين؟ أليس هو الله الذي خلقكم وأنزل عليكم الشريعة الإسلامية لتحكموا بها، وتسيروا في هديها؟ فلماذا أغمضتم أعينكم عن شريعة الله واتبعتم شريعة الشيطان وعصيتم الرسول من بعد ما تبين لكم الهدى؟ ثم اسألوا أنفسكم سؤالاً ثالثاً: ماذا حققتم من وجودكم في مجلس الأمة الأردني ردحاً طويلاً من الزمن؟ وهل استطعتم أن تحولوه من ملكية مطلقة إلى خلافة إسلامية؟ وقد أقسم أحد النواب الأردنيين بالله العظيم – وهو من الإسلاميين – أن المجلس قد أقر قانونين مخالفين للشريعة الإسلامية وهما قانون الخمر وقانون الفتنة غير المسلحة، وذلك في وقت كان للنواب الإسلاميين أكبر عدد من المقاعد في تاريخهم؟! وهل تظنون أنكم بحصولكم على بعض المقاعد في مجلس الشعب المصري ستغيرون خط سير الحكم اللامبارك في أرض الكنانة؟ أم تراكم تطمحون إلى رمي اليهود في البحر، وإقامة خلافة راشدة ثانية في فلسطين المحتلة بعد فوزكم ببعض المقاعد في انتخابات السلطة العباسية؟ وماذا أسفرت عنه انتخابات مجلس الحكم الانتقالي في بغداد غير إقرار لدستور كفر، وقتل وتعذيب لعباد الله في أرض الرافدين؟ أرأيتم أن أسلمة الديمقراطية محالٌ، وأنها ضد الإسلام، ما لكم كيف تحكمون؟
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن الانتخابات وسيلة مباحة من وسائل اختيار الناس لممثليهم، ولكنها أصبحت اليوم وسيلة موصلة إلى ضرر محقق على المسلمين، وهو تمرير خُدعة الديمقراطية عليهم، وهذا حرام، والقاعدة الشرعية تنص على أن: الوسيلة إلى الحرام حرام. هذا فضلاً عن الألاعيب التي يمارسها الحكام الأشرار في قضية الانتخابات، حيث لا تخلو جولة انتخابية من تزوير وطعونات ورشاوى وعبث بصناديق الاقتراع، بل إن بعض الدوائر الانتخابية قد شابها أعمال عنف واشتباكات بين أتباع المتنافسين، وبينهم وبين السلطات الحاكمة، أدت إلى وقوع قتلى وجرحى، ما يدل على أن اللعبة قذرة غير نظيفة ولا نزيهة.
أيها الناس: بقيت مسألة مهمة في هذا السياق، وهي أن هناك فرقاً كبيراً بين المحاسبة والمعارضة، فإن الأولى فرض فرضه الله على المسلمين أن يحاسبوا حاكمهم المسلم الذي يحكم بما أنزل الله، فتكتمل الصورة الحكمية بين الحاكم والمحكوم، ولا عجب، فمرجعيتهم هي الإسلام وحده. وأما الثانية - وهي المعارضة - فإنها حرام، كون المعارِض والمعارَض يختلفان في المرجعية، فلا فائدة تذكر من المعارضة إن لم تفض إلى تغيير النظام، وإلا كانت جزءاً لا يتجزأ منه طبقاً لقوانين الديمقراطية التي تجبر الأقلية على الخضوع للأكثرية. وبما أن الأكثرية في بلاد المسلمين اليوم مع الحاكم الكافر طوعاً أو كرهاً، فالمعارضة شكلية تزين صورة النظام لا غير، وإنَّ لكم في المعارضات الأميركية والبريطانية والألمانية والإسرائيلية دليلاً على أن الحكم والمعارضة وجهان لعملة واحدة، فهل سيكون الحال عندنا أفضل؟
أيها الناس: إن البديل عن كل هذه الترهات هو العمل السياسي الجاد المخلص والهادف لإقامة دولة الخلافة الإسلامية الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وقد أظل زمانها بإذن الله، فلا يخدعنكم بريق الديمقراطية الكاذب، ولا تسيروا خلف مخططات حكام الضلال والفسق والظلم، وليكن شعاركم التغيير وليس الإصلاح. فلا ينفع مع هؤلاء الحكام إلا التغيير الجذري القائم على أساس الإسلام، وأما المحاسبة والإصلاح فإنهما يكونان في ظل حكم الإسلام وليس حكم الطاغوت والجاهلية. اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.
.................................................

الجمعة 23 شوال 1426 هـ
الموافق 25 تشرين ثاني 2005 م

عبدُ اللهِ الثاني وأبو الحَيْسَر

(الخطبة الأولى) أيها الناس: دعا عبد الله الثاني حكومته الأردنية إلى شن حرب لا هوادة فيها ضد ما أسماه "التطرف الإسلامي"، وقال: "إن مواجهة المتطرفين لا يجب أن تتم عبر الإجراءات الأمنية فقط، بل أيضا عبر المضي قدما بالإصلاحات السياسية". وقال: "إن الهجمات الأخيرة في عمان عززت تصميم الأردن على التمسك بالاصلاح وعملية التحول نحو الديموقراطية". ودعا رئيسَ الوزراء المعين إلى عدم الاكتفاء بالتعامل مع البعد الأمني، بل التركيز أيضا على المجالات الإيديولوجية والثقافية والسياسية لمواجهة من اختاروا طريق التدمير والتخريب لتحقيق أهدافهم. كما دعا إلى شن حرب شعواء ضد المدارس التكفيرية التي تحتضن التطرف والتخلف والعزلة والظلمة وتقتات على الجهل وسذاجة الناس البسطاء. وقال الملك الأردني إن الفتاوى التي تصدرها المدارس التكفيرية تشكل تهديداً للمجتمع الأردني ومصالحه.
أيها الناس: تذكرنا هذه التصريحات بقصة حصلت مع النبي صلى الله عليه وسلم مع وفد من الأوس قدموا إلى مكة يلتمسون حلفاً من قريش يتقوّون به على الخزرج بعد أن أشعل اليهود نار فتنة جديدة بينهما في يثرب. فخرج وفد من بني عبد الأشهل إلى قريش بزعامة أبي الحيْسر (أنس بن رافع)، وأرادوا أن يخفوا هذا الأمر عن أعدائهم الخزرج، فتظاهروا بأنهم يريدون العمرة، فحلقوا رؤوسهم، ويمموا شطر المسجد الحرام. وخرج مع الوفد فتية من بني عبد الأشهل، وكان معهم غلام صغير فطن عاقل، اسمه إياس بن معاذ، أصرّ أن يخرج معهم. وعندما وصل الوفد إلى مكة، طافوا حول الكعبة، وأكملوا عمرتهم، ثم ذهبوا إلى عتبة بن ربيعة، الزعيم القرشي، فأكرم عتبة ضيوفه غاية الإكرام، ولكنه اعتذر عن تلبية طلبهم، بأن يحالفوهم ضدّ الخزرج، ثم وضح سبب هذا الرفض، قائلاً: "إن لقريش قوافل تجارية كبيرة ولا يتعرض لها أحد، لأنها لا تعادي أحداً، ولها هيبة واحترام بين القبائل، وهذا التحالف سيجرّ عليها خصومات هم في غنى عنها. وهناك أيضاً ما يشغل قريشاً ويقضّ مضجعها، وهو ظهور رجل يدّعي النبوة، ويستنكر علينا دين آبائنا وأجدادنا، ونحن به مشغولون". خرج الوفد محزونين مكسوري الخاطر، وقد عادوا بخفيّ حنين. سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جرى لوفد بني عبد الأشهل، فذهب إليهم، وطيّب خاطرهم، ثم قال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له؟ فقال رئيسهم: وما ذاك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أنا رسول الله، بعثني الله إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وأنزل عليَّ الكتاب}. دُهش أبو الحيسر بما سمع من رسول الله، ولم يُحرْ جواباً. فسأل أحدُ الفتية: وما هذا الدين الذي جئت به؟ فبيّن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام وماذا يعني، وأنه يدعو إلى عبادة الله الواحد، وإلى مكارم الأخلاق، ونبذ الرذائل، وأنهم إن اتبعوه فسيجمع الله عليه قلوب أهل يثرب جميعاً، أوسهم وخزرجهم، ويريحهم من هذه الحروب التي دمرتهم وكادت تقضي عليهم. أعجب الفتية بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أصغرهم إياس بن معاذ: اتلُ علينا بعض ما أُنزل عليك، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض آيات من القرآن الكريم. ازداد إعجاب الوفد برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم نظروا إلى رئيسهم أبي الحيسر ليروا ما سيقوله للنبي، وإذا بإياس يتكلم ويحسم الأمر بسرعة وذكاء - مع أنه أصغرهم سناً - قال لهم: يا قوم، هذا والله خير مما جئتم به. فغضب أبو الحيسر غضباً شديداً، ورمى وجه الغلام الصغير إياس بحفنة من التراب، وهو يقول: دعنا منك، فأنت صغير لا تفقه شيئاً، فلعمري لقد جئنا لغير هذا. شعر إياس بحرج شديد، وقام من مجلسه وهو يجرّ أذيال الخيبة والمرارة لأن قومه سيضيّعون فرصة ذهبية تريحهم من عناء الحرب، إذا آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه أدرك أن خلاصهم سيكون على يدي هذا النبي الكريم. ونظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة حب وامتنان، فجاءه صوت أبي الحيسر من بعيد وهو يقول: ... ما قدم وفد على قوم بشرّ مما قدمنا به على قومنا. إنا خرجنا نطلب حلف قريش، فنؤوب بعداوتها وعداوة الخزرج. إن هذا للرجل الذي أخبرنا عنه عتبة بن ربيعة. ثم نظر أبو الحيسر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال له: أيها الرجل.. لا حاجة لنا بما تدعوننا إليه...وعاد الوفد إلى يثرب خائبين، لكن إياساً عاد وقد آمن بدعوة محمد، فربح ربحاً كبيراً، لم يفطن إلى هذا الربح كبار بني عبد الأشهل. وعادت الحروب من جديد بين الأوس والخزرج، وأكلت الأخضر واليابس، وأفنت شبابهم، ويتّمت أطفالهم، وكانت الحرب سجالاً، فكان الطرفان خاسرين، في كل الأحوال. حزن إياس حزناً شديداً لما أصاب قومه من ويلات الحروب، ولأنهم رفضوا دعوة الحق، فمرض مرضاً لا شفاء منه، ولما شعر بدنو أجله، أخذ يردد بصوت ضعيف نديّ: لا إله إلا الله والله أكبر، الحمد لله وسبحان الله، لا إله إلا الله والله أكبر. عجب أهله وقومه من حوله من كلامه هذا، فأخذوا يسألونه: ماذا تقول يا إياس؟ ولكن إياساً أعرض عنهم، وبقي يردد هذه الكلمات المضيئة، حتى فاضت روحه إلى بارئها.
أيها الناس: نقول للملك عبد الله الثاني، هل لك في خير مما عزمت عليه وأبرمته مع رئيس وزرائك الجديد؟ وهلا سمحت لنا أن نبصرك بما يحقق المصلحة للأردنيين وباقي الشعوب المسلمة؟ أقبل على الله بعد طول إدبار، وانبذ حلفك مع الإنجليز والأميركيين على حد سواء، واحكم بما أنزل الله على رسوله النبي الأمي العربي الهاشمي محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلن عمان عاصمةً للخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وابدأ من حيث بدأ منه مَن هو خير منك ومن جميع ملوك الأرض وحكامها، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسترى أن الدنيا ستتغير من حولك لصالحك ولصالح أمتك التي تنتمي إليها، وعندها لن تأتيك التفجيرات من أبناء أمتك، بل من أعدائها. واعلم أن دول الكفر الطامعة في بلاد المسلمين هي المستفيد الأول بل الوحيد من مثل هذه الأعمال الإجرامية. لا تتكبر على هذه الدعوة، فإن أنت أحسنت التفكير والتدبير والتقدير في هذا الأمر، ووزنت الأمور بميزان الشرع، فستنجح حساباتك بإذن الله، وسيجيرك الله من بأس القوم إن أرادوا بك سوءاً وسيكفيكهم، واعلم أن الله يدافع عن الذين آمنوا وهو مولاهم، وأما الكافرون فلا مولى لهم، فخير لك أن تلتمس الحلف مع الله من أن تلتمسه من تلك الدول، وخير لك أن تتخذ تدابير تنجيك وقومك من عذاب الله وسخطه من أن تنهمك في شن حرب على الإسلام والمسلمين مهما كانت الذرائع، فتنفق الأموال والجهود والأوقات لتصد عن سبيل الله في حرب خاسرة نتيجتها محسومة سلفاً، فالله سبحانه وتعالى يقول: {إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز}.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إني أهيب بملك الأردن وباقي ملوك الطوائف ورؤساء دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي أن لا يكونوا مثل أبي الحيسر، يُعرِضون عن التذكرة كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، بل يكونون كإياس بن معاذ أو سعد بن معاذ، تلين قلوبهم لنداء الحق والخير، فيجددون إيمانهم الذي صدأ بفعل تبعيتهم للكفار المستعمرين، وبُعدهم عن تطبيق شرع الله القويم واتباع صراطه المستقيم، ثم يهبون لنصرة هذا الدين، وقلب الطاولة في وجوه الغاصبين المحتلين لبلاد المسلمين ومقدساتهم. هذا هو المطلوب منكم أيها الحكام المتنفذون، وهذا هو المطلوب منكم أيها الضباط والجنود المسلمون، وهذا هو المطلوب منكم يا رؤساء الوزارات ويا أيها الوزراء والمستشارون والنواب المنتخبون والمعيّنون. فديننا والله خير من الرأسمالية الكافرة وديمقراطيتها الزائفة، وإنا والله لندعوكم لخير مما جاءتكم به أميركا وبريطانيا، فهل أنتم مجيبون قبل فوات الأوان؟ {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله من اتّبع رضوانَه سُبُلَ السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراطٍ مستقيم}.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 07:53 PM
مشاركة #42


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الخميس 30 شوال 1426 هـ
الموافق 01 كانون أول 2005 م

"الإيدز" بين أميركا والمسلمين

(الخطبة الأولى) أيها الناس: ورد في الأنباء خبر يثير الاشمئزاز ويرفع من ضغط الدم، ويجعله يغلي في العروق، ويود المرء لو أنه مات قبل أن يسمع عن حصوله في بلاد المسلمين، حيث قال مسؤولون في دولة الإمارات العربية بأن الشرطة قد ألقت القبض على ستة وعشرين شخصاً يوم الأحد الماضي بعد أن دهمت منزلاً في العاصمة أبو ظبي كانوا يشاركون في حفل زواج للمثليّين. وأن بعض الحاضرين كانوا يرتدون ملابس الزفاف التي ترتديها العرائس، ويضعون المساحيق، بينما كان البعض الآخر يرتدي ملابس العرسان الرجال. والأمر الأكثر اشمئزازاٌ وخطورة هو إدانة وزارة الخارجية الأميريكية أنباء تفيد أن بعض الأشخاص المحتجزين سيتم علاجهم إجبارياً بالهرمونات! وهذا يكشف عن علاقة مباشرة بين انتشار اللواط في أوساط المسلمين وبين أميركا. وليس الأمر مقتصراً على الإمارات العربية المتحدة، بل وجدت له شواهد قوية مكشوفة في مصر والكويت وعُمان والسعودية، وما خفي في تلك البلدان وغيرها كان أعظم!
أيها الناس: ندخل بعد هذه المقدمة المؤلمة إلى الحديث عن مرض نقص المناعة المكتسب والمشهور بالإيدز، حيث تفيد الإحصاءات بأن عدد المصابين بهذا المرض في العالم يبلغ 50 مليوناً نصفهم من النساء، ويعيش 95% منهم فيما يسمى بالدول النامية. وأما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فتقترب الإصابات من المليون. ويموت جراء هذا المرض واحد كل إحدى عشرة ثانية! ويموت نحو 1400 طفل في العالم ما دون الخامسة عشرة كل يوم من الأمراض المرتبطة بالإيدز. وقد قضى الإيدز على 20 مليون إنسان على مستوى العالم، ويعتبر الإيدز من الحالات الرئيسية للوفاة في أفريقيا وفي المرتبة الرابعة من حالات الوفاة على مستوى العالم. كما أن هناك أكثر من خمسة ملايين امرأة في سن الحمل مصابة به. وحوالي 10.3 مليون شاب تتراوح أعمارهم ما بين 15-24 عامًا مصابون بالإيدز، وأكثر من 11 مليون طفل باتوا يتامى في إفريقيا بسبب هذا المرض، وهناك إحصاءات أخرى مثيرة لا يتسع المقام لذكرها.
أيها الناس: إن أسباب الإصابة بهذا المرض الفتاك متعددة، أهمها تعاطي المخدرات عن طريق الحقن والبغاء والعلاقات الجنسية بين المثليين من الرجال. وينتقل أيضاً عن طريق الأم إلى الجنين والطفل، وعن طريق زرع الأعضاء البشرية الملوثة، وعن طريق عمال العناية الصحية، وعن طريق النشر الإجرامي للمرض وتعذيب السجناء كما حصل في أوزبكستان، وعن طرق أخرى مثل أدوات الحلاقة والوشم وثقب الأذن والختان وغيرها إذا لم تكن الأدوات معقمة. وقد اكتشف فيروس الإيدز أول مرة في ولاية كاليفورنيا عام 1981، (وفي سان فرانسيسكو وحدها اليوم ما يزيد عن مليون شاذ جنسياً يعملون عمل قوم لوط). والإيدز عبارة عن فيروس يتتبع كريات الدم البيضاء المدافعة عن جسم الإنسان فيدمرها الواحدة تلو الأخرى حتى يفقد الجسم أهم وسائل الدفاع، ويصبح بعد ذلك عاجزاً كل العجز عن مقاومة الأمراض التي يتغلب عليها الجسم السليم في الظروف العادية، ويظل المصاب كذلك حتى يقضي عليه الموت بعد معاناة طويلة وآلام مبرحة وتشوه في المنظر وعذاب للنفس ووصمة عار اجتماعية تلحق به. ويعد هذا المرض من أخطر الأمراض التي ظهرت في العصر الحاضر، ولم يتمكن الأطباء بعدُ من اكتشاف علاج يمكنه القضاء على فيروس الإيدز، وكل ما توصلوا له مسكنات من شأنها تخفيف بعض أعراض المرض المؤلمة جداً. وهناك تقارير عديدة تؤكد أن المصابين يبلغ أضعافاً مضاعفة عن العدد المصرح عنهم، وأن هذا الوباء يتخذ نمطاً متسارعا.
رحماك ربي من هذا الوباء، ونستجير بك ربنا من مصدره والمصابين به وناقليه، ونسألك اللهم علاجاً ناجعاً له في القريب العاجل، يقضي عليه وعلى آثاره، ويهزم مصدره، ويطرد حضارة الرأسماليين الموبوءة من العالم إلى غير رجعة.
أيها الناس: لقد حرص الإسلام كل الحرص على إيجاد مجتمع عفيف طاهر لا تثار فيه الشهوات ولا تنتهك فيه المحرمات، وذلك حفاظاً على الأعراض من التدنيس، والأنساب من الاختلاط، فسن التشريعات التي تكفل المحافظة على هذا الهدف السامي، وأمر بالحجاب وغض البصر، ورغب في الزواج، وشرع الحدود. ومن أجل ذلك جاء التحذير في كتاب الله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وجاءت أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم تبين عاقبة إشاعة الفاحشة وإعلانها بين الناس، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا). فالعلاقة مطردة بين ظهور الفاحشة وإعلانها وبين الأمراض الخطيرة، فكان أول ظهور لمرض "الزهري" أثناء الحرب الإيطالية الفرنسية، وعندما غزا الاستعمار الغربي البلاد الإسلامية حملوا معهم هذا الداء، وفي العصر الحديث ظهر مرض "الهربس" كوباء جنسي واسع الانتشار، حتى إن معدل الإصابة السنوية بهذا المرض في الولايات المتحدة وصلت إلى نصف مليون حالة، وقد انتشر هذا المرض بسرعة رهيبة في أوساط الشاذين جنسيا، وتقدر منظمة الصحة العالمية عدد الذين يصابون بالسيلان بأكثر من 250 مليون شخص سنويا، كما تقدر عدد المصابين بالزهري بـ 50 مليون شخص سنويا. إضافة إلى ظهور أمراض أخرى مختلفة ومتنوعة بسبب انتشار الفاحشة وشيوعها وانتشار الشذوذ الجنسي في البلاد الإباحية.
أيها الناس: هذا ما يحصل في المجتمعات حين تحيد عن منهج الله وتتمرد على الفطرة السليمة، وهو يكشف لنا كذلك الوجه الآخر القبيح للحضارة الرأسمالية التي كشفت كل مستور، وانتهكت كل فضيلة، ولم يعد عندها معنى للشرف والعفة، فأراد الله أن يبعث هذا المرض في هذا العصر لينتبه الناس ويستيقظوا ولا ينخدعوا بزيف الحضارة وبريقها، وليكون وصمة عار على أولئك الذين عزفوا عن الطريق السوي، واتخذوا الفاحشة والشذوذ وسيلة لتصريف شهواتهم.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد جاء الوقت الذي نتساءل فيه بجدية عن سبيل الخروج من هذه المآزق التي وقعنا فيها، وقد آن أوان إعلان الحقائق على الملأ، وأن جميع الباحثين المنصفين وغير المنصفين يقولون بأن طرق الوقاية ورفع المستوى الثقافي والتقيد بـ"التعاليم" الدينية السليمة هي الأساس في منع الإصابة بالإيدز، وهذه العبارات العامة تفيد بأن إحصان الفرج عما حرم الله هو السبيل الوحيد للوقاية من هذه الآفات. فهل نجد أحكام هذا الإحصان إلا في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وهل يوجد الأجواء المناسبة لهذا الإحصان غير دولة الخلافة الإسلامية التي ترفع مستوى الناس الثقافي، وتغذيهم بالمفاهيم الدينية الصحيحة، وتمنع الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء، وتوقع العقوبات المقدرة من الشارع على المخالفين فتزجرهم وتزجر غيرهم ممن قد تسول له نفسه الوقوع فيما حرم الله. إضافة إلى نشر الوعي على أوسع نطاق والتحذير من هذه الأخطار، وتبني سياسة إعلامية نظيفة تحجب برامج العهر والرذيلة عن الناس بمن فيهم جيل الشباب حتى لا تثار الغريزة من غير داع، فتشبع عندئذ في غير ما أحل الله.
أيها الناس: إن هذا هو الحل الوحيد لشيوع الفاحشة في أوساطنا، وهو الحل الوحيد لجميع الآفات والأخطار التي تهددنا، فإن أميركا وحلفاءها قد حملوا لنا ما هو أخطر من الإيدز الحقيقي من مفاهيم تفتك بالناس والمجتمعات، بل تجاوزوا ذلك إلى قتلنا وترويعنا ونهب ثرواتنا ومنعنا من تطبيق شرع الله في أرضنا، ثم بعد ذلك يقولون لنا: احتفلوا باليوم العالمي لمكافحة وباء الإيدز! هكذا نحتفل. فالحذر الحذر أيها المسلمون من اتّباع سنن أميركا وحلفائها، والحذر الحذر من الوقوع في حبائلهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وغير ذلك، فهم والله إيدز هذا العصر وآفته. ويجب على المسلمين أن يوطنوا أنفسهم لمقاومة هذه الآفة الخطيرة ومن يقف وراءها وينفذ برامجها في بلاد المسلمين كائناً من كان، وأن يقع هذا الفعل على رأس سلم أولويات العمل الإسلامي، إذ يحرم الانشغال عنه بأعمال أخرى تطيل عمر الفساد، وتجعل هذا المرض الفتاك يقطع أوصالنا، ويشل الحركة في مجتمعاتنا، ويعطل تطبيق شرع الله في بلادنا. قال تعالى {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. فإلى العمل مع العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة أدعوكم أيها المسلمون، حتى نحتفل باليوم التاريخي الذي نقضي فيه على أميركا وحلفائها وأعوانها من حكام المسلمين، فتُطهّر بلاد المسلمين من رجسهم ومن الإيدز الذي جلبوه.
.................................................

الجمعة 8 ذو القعدة 1426 هـ
الموافق 09 كانون أول 2005 م

مكة بين طواغيت الأمس وأنذال اليوم
(الخطبة الأولى) أيها الناس: يقول الله عز وجل {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون}. تقضّى بالأمس مؤتمر قمة استثنائي باهت لما يسمى بمنظمة المؤتمر الإسلامي، حضره زمرة من أنذال العرب والمسلمين -وفيهم نصارى وموالي يهود وعملاء لأميركا وأوروبا - يمثلون سبعاً وخمسين دويلةَ ضرارٍ تحت شعار "الدفاع عن الإسلام". وقد دعا مضيفُهم في كلمة الافتتاح إلى الوحدة والتسامح في مواجهة "التطرف والتخلف". وأضاف أنه كي تنهض الأمة فلا بد من تطهيرها من "الفكر المنحرف الذي ينادي بالتكفير وسفك الدماء وتدمير المجتمعات". وشدد الأمين العام للمنظمة المشؤومة على ضرورة مكافحة الإرهاب من جذوره وأسبابه سواء ارتكبه أشخاص أو جماعات أو دول، مشيرا إلى أن الإرهاب جريمة يجب على كل مسلم محاربتها! وركز أحد المتحدثين على معالجة ما يتعرض له الإسلام من هجمة شرسة من قبل الأعداء في الخارج وبعض أبنائه ممن يحملون "أيديولوجيا" منحرفة، وعلى ترسيخ التعاون الإسلامي وإصلاح المنظمة وحل مشكلات الدول الأعضاء وتصحيح صورة الإسلام في الخارج. ومن المقرر أيضا أن تعتمد القمة "إعلان مكة" الذي يشكل رؤية عامة للواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية! وأعربت منظمة المؤتمر الإسلامي عن "قلقها البالغ" لوضع الأماكن الدينية والتاريخية في مدينة القدس جراء الحفريات الإسرائيلية، داعية المجتمع الدولي إلى "تحمل مسؤولياته" في إلزام إسرائيل – وكأنها عضو في مؤتمرهم - بعدم تغيير معالم المدينة المقدسة. وأكد الأمين العام للمنظمة أنها المنظمة "لن تدخر جهدا في الحفاظ على الهوية التاريخية والدينية والإسلامية للقدس الشريف بما في ذلك ترميم وصيانة أماكنها الدينية والتاريخية".
أيها الناس: لقد اشتهرت مكة بطواغيتها الذين كانوا يعبدون الأصنام ويئدون البنات ويطففون في الكيل والميزان وغير ذلك من الموبقات، ولكنهم لم يفرطوا في مقدساتهم وأرضهم وسمعتهم، بل إنهم أنشأوا حلف الفضول لنصرة المظلومين في مكة وما حولها، ولم يمنعوا أحداً من دخولها حاجاً أو معتمراً أو زائراً أو تاجراً. ثم خرج منها خيرُ البرية وأول داعية للتغيير الجذري في العالم أجمع محمدٌ صلى الله عليه وسلم، وحصل فيها الحدث الذي غير مسار التاريخ وهو بيعة العقبة الثانية، ما لبثت مكة أن فُتحت وضُمت إلى دار الإسلام بعد قيام الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، وطهرت من رجس الأصنام وفساد العبادات، ومن سوء الأخلاق والعادات، فرجعت إليها مكانتها الصحيحة كونها تحوي أول بيت وضع للناس. ولبثت ردحاً طويلاً من الزمن آمنة لم يمسسها سوء، ولم يقربها مشرك، حتى خان أميرُها، وتمرد على أوامر الخليفة العثماني وعمل مع الإنجليز أعداء الإسلام والمسلمين. وكان ذلك مدعاة لسقوط الخلافة وسقوط مكة تحت الاحتلال البريطاني السعودي، ثم الأميركي السعودي. وهكذا سقطت بلاد المسلمين الواحدة تلو الأخرى تحت الاحتلال، وتولى أمر المسلمين أكابر المجرمين الذين يطلق عليهم حكام العرب والمسلمين المنتظمين فيما يسمى بمنظمة المؤتمر الإسلامي. وهم أنذال لا يقارنون بطواغيت مكة الجاهليين، ذلك بأنهم خدم للغرب الكافر، وسدنة للبيت الأبيض وقصر بكنغهام. وها هم اليوم يأتمرون في مكة ليمكروا بالإسلام والمسلمين في ظرف دقيق أحوج ما يكون فيه المسلمون إلى قيادة واعية مخلصة تنجيهم من الغرق وتخرجهم من المأزق.
أيها الناس: إن هذا المؤتمر الباهت وما تمض عنه يكشف مدى استهتار الحكام بمصالح شعوبهم، ويعكس تفاهة منقطعة النظير في أسبابه ونتائجه، ويظهر بشكل فاضح أن المؤتمرين إمّّعات يقولون كما تقول أميركا وأوروبا، خصوصاً عند الحديث عمن يسمونهم إرهابيين أو فئات ضالة أو منحرفة، حيث اختزلت قضايا المسلمين في محاربتهم واستئصالهم! ولو كان هؤلاء المجرمون لربهم عابدين، ولأمتهم مخلصين، وبالقيادة جديرين، لحكموا بما أنزل الله وأقاموا وجوههم للدين حنفاء غير مشركين به، ولظهرت عليهم علامات الذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين، ولوحدوا صفوف الأمة خلف جيوشها لدحر المعتدين على بلاد المسلمين ومقدساتهم، ولثأروا للدماء البريئة التي سالت، وللنساء العفيفات التي اغتصبت، ولحاسبوا سفهاء الإمارت الذين بنوا مدينة للثلج والتزلج عليه في الصحراء القائظة بكلفة ألفين ومائتي مليون دولار، ولرفضوا حكام العراق القدامى والجدد الذين قتلوا العباد وباعوا البلاد، ولطردوا حكام فلسطين الذين فرطوا فيها والمقدسات، ولصفعوا حاكم باكستان بالنعال على ولائه غير المسبوق للأميركان، ولأطلقوا الرصاص على حاكم أوزبكستان الذي قتل شعبه بالجملة والمفرق... ولو استرسلت في شروطي عليهم ما وسعني مقام كهذا، فكلهم تكبر وإجرام وخطايا وآثام. ولكني أقول إنهم ليسوا لذلك أهلاً، ولا للأمة أملاً، بل هم قوم خصمون.
أيها الناس: إننا جميعاً نتفق على انتقاد ذاك الجيل الذي شهد إضاعة بلاد الأندلس، ونلوم الذين ساهموا في حياكة ونسج أكفان الخلافة الإسلامية وشهدوا هدمها حتى تفرقت الأمة الإسلامية شذر مذر، وتفرقت إلى أحزاب حاكمة تتربع على العروش الكرتونية يلعن بعضها بعضاً ويقتل بعضها بعضاً، بل إن المؤتمرين في مكه هم أبناؤهم وأحفادهم وورثة عروشهم وسلائل خياناتهم؟ وإننا ولا شك ننحي باللائمة على الذين أضاعوا أولى القبلتين وثالث المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها؟ فما دمنا نعيب أولئك، ونرى أنهم تخلوا عن تحمل تلك المسؤولية، فماذا ستقول الأجيال القادمة عنا؟ ألا يحق لهم أن يتحدثوا عنا باللغة نفسها؟ ألا يحق لهم أن يصفونا بما نصف به أولئك؟ وما الذي يميزنا عن غيرنا ونحن نشهد المؤتمرات تتلوها المؤتمرات، والخيانات تتبعها الخيانات؟ ثم لا نحرك ساكناً وكأن الأمر لا يعنينا! ماذا نقول لرب العرش يسألنا، يوم اللقاء ويوم الناس قد حشروا؟
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد كانت مكة من القرى الظالمة، فقد لقي الرسول صلى الله عليه وسلم فيها وصحبه من أساليب البطش ما يجل عن الوصف، وكان الله تعالى يقصّ عليه قصص القرى الظالمة الأولى عزاءً وتسرية وعبرة "وكأين من قرية هي أشدّ قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم". وإن المجرمين في تلك القرى متشابهون في جرائمهم "وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون"، وقال تعالى "ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد"، وقال جل شأنه "وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكم موعدا". وإن الذي واجهه أنبياء الله ورسله عليهم السلام من أقوامهم في القرى الظالمة شبيه بالذي واجهه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في قريته التي أخرجته وهي مكة المكرمة، ومن قومه الذين لم يختلفوا عن غيرهم ممن سبقوهم. وشبيه أيضاً بما يواجهه حملة الدعوة اليوم من وسائل القمع وأساليب التعذيب والإذلال في الدول القائمة في العالم الإسلامي "وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون". وإن أكابر المجرمين في بلاد المسلمين اليوم هم عظماؤها وأمراؤها، وهم أنفسهم الذين نصبهم الكفار المستعمرون حكاماً على الدويلات القائمة في العالم الإسلامي بعد أن أجهزوا على دولة الخلافة العثمانية. وقد أخذ هؤلاء الحكام (وهم أكابر المجرمين) على أنفسهم عهداً أن يجيدوا خدمة أسيادهم الكفار الحاقدين في كل المجالات، خصوصاً في مواجهة كل حركة أو حزب أو جماعة تعمل لإعادة الخلافة وتوحيد الأمة وتطبيق شرع الله الذي غاب بغياب الخلافة عن الأرض. وقد تفنن هؤلاء الأكابر المجرمون في أساليب القمع حيث أوردوا الدعاة والمجاهدين الزنازين وغياهب السجون وعذبوهم، وقتلوا منهم من قتلوا، ونفوا منهم من نفوا. إنهم يمكرون، ولكنهم لا يشعرون بعواقب مكرهم الذي سيكون وبالاً عليهم، كما كان وبالاً على أكابر المجرمين الذين سبقوهم.
أيها الناس: لما فتحت مكة، وعلى الرغم من العفو العام، فقد أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح دماء عشرة من أكابر المجرمين، وأمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة. وعندما ستقوم الخلافة قريباً بإذن الله، ويطاح بعروش هؤلاء الأكابر المجرمين فسيصدر نوع من العفو العام، ولكنه لن يشملهم أو من شاركهم في جرائمهم، وسيقتلون ولو تعلقوا بأستار الكعبة التي تآمروا فيها.
وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 07:56 PM
مشاركة #43


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 15 ذو القعدة 1426 هـ
الموافق 16 كانون أول 2005 م

العقلاء والمجانين

(الخطبة الأولى) أيها الناس: يشتد الصراع الفكري والكفاح السياسي في أيامنا هذه مع الكفار وعملائهم أكثر من أي وقت مضى منذ نشوء الإسلام وبدء الصراع الفكري والكفاح السياسي الأول بين المسلمين وكفار قريش وما حولها. وقد وجد في كفار قريش وما حولها عقلاء استجابوا للدعوة الإسلامية واعتنقوا العقيدة وحملوا الدعوة أصبحوا بحق نخبة زمانهم والأزمان التي تأتي بعدهم إلى يوم القيامة وهم جيل الصحابة الكرام رضي الله عنهم. ووجد بعض العقلاء ممن أعلنوا صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة نسبة القرآن إلى الخالق الذي أنزله على رسوله، وصدقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لم يدخلوا في الإسلام لسبب أو لأخر إما للمحافظة على مكاسب دنيوية زائلة من منصب أو جاه كابن المغيرة وأبي جهل، وإما للوفاء بعهود ومواثيق مع الفرس والروم كبني شيبان، وإما لخوف من سطوة الطواغيت، أو غير ذلك من الأسباب التي تتحكم عادة في قرارات الناس، وكان مما قاله بيحرة بن فراس من بني عامر بن صعصعة: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب. ثم قال للرسول صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من يخالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر لله يضعه حيث يشاء. قال: فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك. فأبوا عليه، فلما صدر الناس، رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كان أدركه السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم الموسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم فقالوا: جاءنا فتى من قريش، أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه، ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا. قال: فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يا بني عامر هل لها من تلاف؟ هل لذناباها من مطلب؟ والذي نفس فلان بيده ما تقوّلها إسماعيلي قط، وإنها لحق فأين رأيكم كان عنكم؟ ووجد من أسلم وكتم إيمانه خوفاً وضعفاً أو لصغر سنه وعدم الأخذ برأيه كإياس بن معاذ. بل إن من الحكام من قد أسلم ولكنه لم يكن يملك القدرة على فرض دينه على قومه كالنجاشي وأحد الهرقلة.
أيها الناس: كذلك هو الأمر في زماننا، حيث يوجد في غير المسلمين من يرى أن دين الإسلام هو الدين الصحيح فيعتنق عقيدته ويدخل فيه معلناً ذلك أو مخفياً وفقاً لظروفه التي يعيشها مع قومه. وتفيد الإحصائيات أن عدد الذين يدخلون في دين الله يتزايد يومياً، ففي عام 2005 م اعتنق دين الإسلام حوالي 20،000 روسي و1000 ألماني، وأن هناك زيادة في هذه الأرقام بنسبة 25% عن العام الماضي. ولا شك أن أعداداً أخرى من العقلاء تعلن إسلامها في باقي بلدان الغرب والشرق على حد سواء. وهناك بعض العقلاء من الكتاب والمفكرين وأصحاب العقول الراجحة يصرحون من وقت لآخر بأن دين الإسلام هو الحق، وأنه من السفه تجريم الإسلام والمسلمين بأخطاء بعضهم، بل إن بعض أولئك الكفار العقلاء قد دعا إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية لتحل مشاكل الزمان المستعصية، وينعم بالعيش في ظلها كما صرح بذلك الحاخام اليهودي مائير كابلان، والكاتب اليهودي التركي إسرائيل شامير. وآخر نموذج لهؤلاء العقلاء، أشهر كاتب وصحافي سويسري يدعى أرنولد هوتينغر، متخصص في شؤون الشرق الأوسط، وقد حذر من زيادة الضغوط على المسلمين وقمعهم سواء في بلدانهم أو في أوروبا، لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى مزيد مما وصفه بالعنف والإرهاب. وقال هوتينغر في افتتاح المنتدى الدولي الأول للأديان الذي نظمته مؤخرا جامعة فريبورغ السويسرية، إنه ليس من الإنصاف ربط كل حدث عنيف بالإسلام والمسلمين، وطالب بالبحث عن الخلفيات والدوافع والتعامل معها بشكل عملي ومنطقي، قبل إلقاء التهم جزافاً على الإسلام والمسلمين. وأكد الصحفي السويسري أن الإسلام لا يحث لا على التطرف أو الإرهاب، وفقا للمفاهيم السائدة الآن في الغرب. وأكد هوتينغر أن "الإسلاميين يسعون إلى نشر أيديولوجيتهم على نطاق واسع لأنها تحمل لهم دعائم النجاح في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بعد الإحباط والفشل الذي يشعر به العرب والمسلمون منذ عهود الاحتلال". وأقر بعدم نجاح التيارات الفكرية الغربية في تقديم أي علاج لمشكلات تلك الشعوب، بل تفاقمت مشكلاتها بشكل كبير. وأكد أن ما وصفه بظواهر التطرف المرتبطة بالإسلام، نشأت دائما كرد فعل على ضغوط وقمع، سواء من قبل الحكومات والأنظمة أو من قبل القوى الأجنبية، وضرب أمثلة مختلفة على ذلك، من العراق وفلسطين وباكستان والجزائر وتركيا. وشدد في هذا السياق على أن التطرف لا يرتبط بالإسلام وحسب، بل أيضا بجميع الأديان، منتقدا الغرب الذي يركز فقط على "التطرف الإسلامي" وكأنه المشكلة الوحيدة في العالم. في الوقت نفسه أكد هوتينغر أن دعم سياسة الرئيس الأميركي جورج بوش لما يوصف بالحرب على الإرهاب هي "من الأدوات التي تدعم انتشار الإرهاب" وأن الإدارة الأميركية شجعت من خلال حرب العراق على إضفاء شرعية على الفكر المتطرف. ويعتبر هوتينغر (79 عاما) أول صحفي سويسري يعمل لمدة نصف قرن كامل في العالم العربي كمراسل مقيم لأشهر وسائل الإعلام السويسرية. واكتسبت مقالاته وتقاريره شهرة واسعة بفضل دراسته المتعمقة للتاريخ العربي والحضارة الإسلامية. كما ساعد إتقانه للغة العربية على تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة لدى السويسريين عن الصراع العربي الإسرائيلي، وله أكثر من كتاب يصنف على أنه مرجع للباحثين في مجال تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
أيها الناس: إن نظرة هذا الكاتب وأمثاله من العقلاء للدين الإسلامي ولأحوال المسلمين أرقى وأفضل مئات المرات من نظرة بعض المنتسبين إلى الإسلام من أبنائه والحكام، وهذا واضح جلي في تخلي الحكام عن العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وانسياق الكتاب والصحافيين وكثير من العلماء وأتباعهم وراء دعوات الترويج للديمقراطية وموالاة الغرب، بل والطعن في الإسلام وأحكامه، والصد عن سبيل الله بمحاربة العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد وقع المسلمون بين مطرقة مجانين الكفار الرأسماليين الجشعين وسندان مجانيننا المغفلين والمضبوعين بالغرب وأسباب بين ذلك كثير. وأصبح الأميركيون ولاة أمورنا، يطيعهم الحكام ومحاسيبهم وأزلامهم في كثير من الأمر، فما يقرره بوش في واشنطن تجده مطبقاً بحذافيره في دمشق والرياض وعمان والقاهرة وكابول وإسلام أباد وغيرها من عواصم بلاد المسلمين وحواضرهم، وحتى في قراهم وأريافهم وبواديهم. وما قرار المشاركة في الانتخابات العراقية والفلسطينية إلا خير شاهد على هذه التبعية الببغاوية. وقد سمعت مؤخراً فتوى من ألف عالم في العراق توجب الانتخابات تحت حراب الأميركيين. وأين هذه الفتوى من فتوى ألف عالم أفغاني زمن الطالبان تحرم تسليم ابن لادن للأميركيين؟ شتان بين الفتوتين، فأصحاب الأولى يسقون المسلمين ماء الحياة بذلة، والأخرى سجلت في الصحائف البيضاء لأصحابها وماتوا بكرامتهم أن شربوا بالعز كأس الحنظل. وقد سمعت يوم أمس فتوى لأحد المنتسبين إلى العلم والفقه في فلسطين يقول إن الانتخابات المباحة تصبح فرضاً على المسلمين إذا تم التيقن من أنها تحقق مصلحة راجحة لهم! فأين هي المصلحة الراجحة اليقينية من الانتخابات الفلسطينية أيها المفتي المبجل؟ وهل الدولة الفلسطينية العلمانية بلا سيادة على بر أو بحر أو جو مصلحة راجحة للمسلمين؟ ما لكم كيف تفتون؟ ثم، ألا ترون أن الذي يتحكم في سير السياسات اللبنانية والسورية هو ديتلف ميليس، ومن ورائه كوفي أنان وأميركا وأوروبا؟ وما هي الحكمة العظيمة الكامنة وراء بقاء لبنان منفصلاً عن أصله سوريا؟ ألفتح المزيد من المقابر الجماعية عندما يتقاتل الجيشان السوري واللبناني في حرب تحرر مخابراتية مصطنعة؟ أمن رجاحة العقل أن يخضع 500 شخص للتحقيق في مقتل الحريري، ويستدعى المزيد من المسؤولين السوريين واللبنانيين إلى فيينا للتحقيق معهم وكأنهم بلا حصانة أو كرامة؟ أليس هذا هو الجنون المطبق يا سادة؟
أيها الناس: إن العقل كل العقل في اتباع الشرع الإسلامي الحنيف، وإن العقل كل العقل يكمن في العمل مع العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، وإن العقل كل العقل يتمثل في رفض جنون الكفار وأتباعهم من المجانين في بلاد المسلمين. والله سبحانه وتعالى يقول {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}، ويقول جل شأنه {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء}. فاللهم اشرح صدورنا، ويسر أمورنا، واجعلنا من العقلاء، وقنا شر المجانين.

.........................................................................







الجمعة 22 ذو القعدة 1426 هـ
الموافق 23 كانون أول 2005 م


مناشدة إلى الحُجاج


(الخطبة الأولى) قال تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ.


أيها الناس: يكثر العلماء والخطباء والوعاظ والمدرسون في هذه الأيام، ونحن نودع حجاج بيت الله الحرام، يكثرون من الحديث عن الحج ومناسكه وشعائره والصفات الواجب توفرها فيمن سُمح له بالحج، ويتكلمون في كل أمر من شأنه أن يمكن الحاج من أداء حجه على الوجه الأكمل، ولا عجب، فهو مُقْدِم على عمل جليل وشعيرة مباركة إن وفقه الله لأدائها فهو على خير عظيم. فنجدهم يسمونه موسم الطاعات، ويحضون الحاج على الإخلاص فيه، ويحذرونه من الرياء، وأن يستحضر النية، وأن يجاهد نفسه، وألا يكون من أولئك الذين خرجوا إلى الحج رياء وسمعة، حتى يقال لأحدهم: إنه حجّ بيت الله الحرام، وأن ذلك رياءً، والرياء محبط للعمل. ويشدد العلماء والخطباء والوعاظ والمدرسون بأن أيام الحج هي أيام تلبية ودعاء فليغتنمها الحاج، خصوصاً يوم عرفة.


قال الإمام النووي في يوم عرفة: (وينبغي أن يكرر الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الندم بالقلب وأن يكثر البكاء مع الذكر والدعاء، فهناك تسكب العبرات وتستقال العثرات وترتجى الطلبات، وإنه لمجمع عظيم وموقف جسيم يجتمع فيه خيار عباد الله الصالحين وأوليائه المخلصين، وهو أعظم مجامع الدنيا). حقاً إنه كذلك، فكم من قلوب ذابت شوقاً للحلول بتلك الربوع الطاهرة، وشهود تلك المواسم! ولفضل هذه الأيام وانشغال الخلق فيها بالطاعات يغتاظ إبليس ويصيبه الذل والصغار، فما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة. ولا ينسى أحد من العلماء والخطباء والوعاظ والمدرسين القول بأنها أيام الغفران والطاعات، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو يتجلى ثم يباهي بهم الملائكة.


نعم، إنها أيام الطاعات وأسواق التقوى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج. ولا يفوت أحد من العلماء والخطباء والوعاظ والمدرسين كذلك أن يذكر الحاج بألا يؤذي أخاه المسلم، وأن يتحلى بالسكينة والوقار، وعدم المزاحمة الشديدة عند الحجر الأسود، وعند رمي الجمار، ويذكرونهم بالتراحم والتواد بين المسلمين، ويحشدون الأدلة من الكتاب والسنة وسير الصحابة وأقوال العلماء على كل ما ذُكر وغيره، وهذه أمور طيبة لا غبار عليها.


أيها الناس: إن الأمر الأهم الذي أغفله العلماء والخطباء والوعاظ والمدرسون – إلا من رحم الله - وهم يثقفون الحجاج ويودعونهم إلى بيت الله الحرام، هو تبصيرهم بأحوالهم وأحوال المسلمين، وعقد مقارنة ولو بسيطة بين حجاج اليوم وحجاج الأمس. تلكم التبصرة وهذه المقارنة تستوجب بيان الأمور التالية:

1. إن الذي حج بالناس أول مرة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته نبياً ليعلمهم المناسك، وليرعاهم بصفته رئيساً لدولة الإسلام الأولى، في إشارة واضحة إلى وجوب وجود أمير للمسلمين يحج بهم كل عام، أو ينيب عنه أميراً للحج يتولى هذه الولاية العظيمة. وكذا فعل الخلفاء من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما كان للناس جماعة وإمام. وأما اليوم فلا جماعة للمسلمين ولا إمام، فالجماعة هي الأمة على إمام دار العدل، وقال فيها عبد الله بن المبارك: إن الجماعة حبل الله فاعتصموا # منه بعروته الوثقى لمن دانا. كم يرفع الله بالسلطان مظلمة # في ديننا رحمة منه ودنيانا. لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل # وكان أضعفنا نهباً لأقوانا.

2. كانت خطبة حجة الوداع بياناً سياسياً شاملاً لكافة القضاية المهمة، مما يدل على أن خطبة عرفة ينبغي أن تتناول أهم القضايا التي تواجه المسلمين في كل عام، فكيف بالله عليكم ترون خطبة عرفة منذ أن ولي السفهاء أمر المسلمين؟

3. لم نسمع ولم نقرأ في كتب التاريخ المعتمدة أو غير المعتمدة عن نفر من المسلمين أرادوا الحج فمُنعوه، ولم نسمع أو نقرأ في تاريخنا عن تخصيص عدد معين من الحجاج لكل مجموعة من الناس يعيشون في قطر من الأقطار، واستثناء آخرين من ذلك النظام القاصر المبتدع.

4. كان الحاج يسير من بلاده ولو كانت بالفج العميق إلى البيت العتيق يتنقل بحرية تامة، لا يوقفه أحد ليسأله عن جواز سفره، أو يفتش أمتعته، أو يخضعه للاستجواب الطويل إذا قال كلمة تفيد من قريب أو بعيد أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر. كان يمر من القرى عزيزاً مكرماً، آمناً على نفسه ومتاعه، يلقى على طول الطريق تكايا وخانات تطعمه إذا جاع، وتؤويه إذا نزل، وتؤمنه إذا خاف، يستريح فيها من عناء السفر وطول المسير، فكانت استراحات حقيقيقة غير مزيفة، لا تشبه استراحات اليوم على نقاط الحدود إلا في الإسم والرسم، وما هي إلا مراكز إذلال تكرس التجزئة المقيتة بين بلاد المسلمين، وتذر قوافل الحجيج كمّاً مهملاً عند نقاط قطع الطريق، يتحكم فيهم موظفو تلك المراكز الجائرة كيف يشاؤون.

5. كان المسلمون في أزمنة العز والسؤدد يعظمون حرمة الدماء والأموال والأعراض أكثر مما يعظمون حجارة الكعبة وكسوتها وسدانة البيت وسقاية الحاج، مع أنهم يعظمونها أيضاً، ولكنهم اليوم قلبوا الموازين، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. فدماء المسلمين تسيل أنهاراً في العراق وفلسطين والشيشان وأفغانستان وتايلند وكشمير وغيرها من بلاد المسلمين، ولا يأبه أحد بها، ولا يذكرونها إلا لماماً، وأما حجارة الكعبة فمعظمة، وكسوتها فخمة، وفناؤها أبيض نظيف، غير أن قلوب حكامها سوداء، وبطونهم جرباء، وعقولهم خربة، أن حكموا بغير ما أنزل الله، ووالوا أعداء الله، وعادوا أولياءه.

6. كان الحجيج يسيرون في بلاد المسلمين تحت راية العقاب ليس لكافر سلطان عليهم، يحملون تابعية واحدة مهما اختلفت ألوانهم وألسنتهم، وأما اليوم فما من حاج إلا ويخضع لنوع من أنواع السلطان الكافر من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، تظله رايات سايكس بيكو الكافرة، ويحمل وثيقة سفر صادرة من جهات معادية للإسلام والمسلمين، يُلزم بتعريف نفسه بها، والتجمع في المشاعر على أساسها، فهؤلاء حجاج فلسطينيون، وآخرون إسرائيليون، وأولئك حجاج أردنيون، وسوريون ومصريون وعراقيون وأندونيسيون وصينيون وما شاكل ذلك من قوميات ووطنيات... إن هي إلا أسماء سماها حكامكم وأسيادهم ما أنزل الله بها من سلطان.

7. كانت إدارة الحج ولاية من ولايات الحكم والسلطان، وكان القائمون عليها موظفي دولة، واليوم أصبح القائمون عليها من القطاع الخاص، وصار الحج تجارة يستأثر بربحها المقربون من سلاطين الجور والمقاولون، منهم الصالحون ومنهم دون ذلك.
أيها الناس: لماذا لا تكون هذه المسائل المصيرية والقضايا الجوهرية هي محل اهتمام العلماء والخطباء والوعاظ والمدرسين، حتى يكون الناس ومنهم الحجاج على بينة من أمرهم، ولا يكون أمرهم عليهم غمة، فيهبوا إلى العمل لإنهاض أمتهم من كبوتها، ويكون موسم الحج بحق مؤتمراً عاماً مفيداً للمسلمين، تعالج فيه القضايا المهمة إضافة إلى أداء المناسك؟ هذا ما أنشد حجاج بيت الله الحرام فيه، وأقول قولي وأستغفر الله لي ولكم.




(الخطبة الثانية) أيها الناس: يا ليت كل حاج يتمثل هذه المعاني السامية، ويدرك هذه القضاية المهمة، ويوطن نفسه على أن يقول الحق لا يخشى في الله لومة لائم، فعندما يستلم الحجر أو يقبله يلعن حكام المسلمين الذين عطلوا شرع الله وحكموا بغير ما أنزل الله، وعندما يسير بين الركن والمقام ويصلي عنده يتمنى أن يبايع إماماً للمسلمين على السمع والطاعة للحكم بالكتاب والسنة، وعندما يطوف بالبيت يدعو ربه أن يطوف طائف بالكفار وأعوانهم من الحكام والزبانية فيهلكهم ويبيد خضراءهم، وعندما يقف بعرفة عند الصخرات السود كما وقف الرسول صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إلى الملك الجبار ويلهج إليه بالدعاء أن يقصم ظهور الجبارين في واشنطن ولندن وباريس وموسكو وبكين وباقي الجبارين في الأرض، وأن يبدل الناس خيراً منهم خليفة راشداً يحكمهم بشرع الله الذي نزل من فوق سبع سماوات.

وعندما يزور قبر الرسول صلى الله عليه وسلم يقف عنده مطولاً ويصرخ بأعلى صوته أن قد ضيعنا حكامنا يا رسول الله، وقد خلفنا أقوام ليسوا كصاحبيك الذين يرقدان إلى جوارك، حكام يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لنا، عطلوا شرع الله ومنعوا الجهاد في سبيله واستأثروا بالفيء، لا ينكرون منكراً ولا يعرفون معروفاً. بل إنهم ذهبوا أبعد من ذلك، فقد أعزوا أعداءنا الكفار وأذلوا إخواننا المؤمنين، ومكنوا الكفار من رقابنا، سيرتهم سيئة، ورائحتهم نتنة، قلوبهم كقلوب الشياطين في جثمان إنس.


أيها الناس: لسنا بحاجة إلى زيادة أعداد الناس الذين يقال لهم "الحاج فلان"، ولكننا بحاجة ماسة إلى زيادة أعداد العاملين المخلصين من أبناء المسلمين لإعزاز هذا الدين بلا أدنى تأخير، فكونوا منهم يرحمكم الله.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 07:59 PM
مشاركة #44


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 29 ذو القعدة 1426 هـ
الموافق 30 كانون أول 2005 م

بين حانا ومانا ضاعت لحانا

(الخطبة الأولى) أيها الناس: تزوج رجل بامرأتين إحداهما اسمها حانا والثانية اسمها مانا، وكانت حانا صغيرة السن عمرها لا يتجاوز العشرين بخلاف مانا التي كان يزيد عمرها على الخمسين والشيب لعب برأسها، فكان الرجل كلما دخل الى حجرة حانا تنظر إلى لحيته وتنزع منها كل شعرة بيضاء وتقول: يصعب علي أن أرى الشعر الشائب يلعب بهذه اللحية الجميلة وأنت ما زلت شاباً، فيذهب الرجل الى حجرة مانا فتمسك لحيته هي الأخرى وتنزع منها الشعر الأسود وهي تقول له: يكدرني أن أرى شعراً أسوداً بلحيتك وأنت رجل كبير السن جليل القدر. ودام حال الرجل على هذا المنوال إلى أن نظر للحيته في المرآة يوماً فرأى بها نقصاً عظيماً، فمسك لحيته بعنف وقال: "بين حانا ومانا ضاعت لحانا". ومن وقتها صارت مثلاً.
أيها الناس: إن السبب الذي أوصلني إلى البحث عن مثل هذا المثل لأصدّر به خطبة اليوم هو قراءتي لمقال كتبه كاتب مقدسي مخضرم قبل أسبوع فقط بعنوان: "هل أصبح شارون أهون الشرين؟" ونشر هذا المقال في موقع شبكة الانترنت للإعلام العربي (أمين). ولما قرأت المقال طافت ذاكرتي السياسية والتاريخية المتواضعة في أرجاء قضية فلسطين بدءاً من وعد بلفور وانتهاءاً بوعد شارون، ومروراً بالمبعوثين الأوروبيين والأميركيين والروس والمصريين، يغدون ويروحون لعشرات السنين، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر المزيد من الغدوات والروحات. وفي كل مرة يغدون فيها ويروحون ينتفون شعرة من لحية أهل فلسطين، فتارة ينتفون شعرة وطنية من هذه اللحية، وتارة أخرى ينتفون شعرة إسلامية. وما أن أوشكت الانتخابات الفلسطينية التشريعية أن تطل برأسها، وإذا باللحية الفلسطينية قد تطايرت شعراتها من كثرة النتف الأميركية والأوروبي والروسي والمصري، إضافة إلى النتف الفلسطيني الداخلي الذي يمارس في السر والعلن. وأصبح من الصعوبة بمكان القول بأنه ما زال للفلسطينيين لحية بعد كل إجراءات التشويه الناتج عن النتف والقصف والاجتياح والإغلاق والإغتيال والإعتقال والحواجز الثابتة والطيارة والجدر الحقيقية والمجازية، مما أدى إلى انهيار الجسد الفلسطيني فضلاً عن ضياع لحيته!
أيها الناس: نعود إلى المقال الذي افتُتح بالكلمات التالية: "ما زلت اذكر نصيحة قديمة قدمها لي الملياردير السعودي الأشهر "عدنان خاشقجي" في قوله لي: هناك شخص واحد قادر على أن يحقق السلام بين العرب واليهود.. هو .. أرئيل شارون!" ولم أناقش صديقي "عدنان" في هذا الرأي لأني كنت أعلم مدى قوة صداقته مع رئيس وزراء إسرائيل! ثم تحدث الكاتب عن حزب شارون الجديد، وعرج في الحديث على نتنياهو رئيس الحزب الجديد لحزب شارون القديم، وتابع القول: وهكذا ما زلنا وسنبقى ندور في دوامة لا تنتهى قوامها (شارون ونتنتياهو) فقط لا غير! الاثنان لا يحتاجان إلى التعريف، فقد عمل نتنياهو كوزير للمالية عند "رئيسه" شارون! كما سبق أن عمل شارون كوزير للخارجية عند "رئيسه " نتنياهو، ومن شارون إلى نتنياهو يا قلبي لا تحزن! ثم يقول الكاتب: واليوم، وقد سقطت الأقنعة أصبح لزوما أن نواجه ساعة الحقيقة.. معا!! وساعة الحقيقة تقول – من هذا اليوم – أن لا خير يرجى من أي فريق حزبي إسرائيلي يشترك في انتخابات الكنيست القادمة ويفوز بأغلبية المقاعد، ويضمن تشكيل الحكومة الاسرائيلية القادمة! واسمحوا لي أن أضيف بأن أي قرار "للسلم" ترضى به أية حكومة إسرائيلية قادمة- برئاسة شارون أو نتنياهو- لن يكون متجاوباً ولا متضمناً ولا معترفاً بشيء اسمه خريطة الطريق ولا بمسألة اللاجئين ولا بموضوع القدس! ويسأل الكاتب سؤاله المهم: ترى، هل من المنطق في شيء أن نهرع إلى إجراء انتخابات برلمانية ديمقراطية بينما البلاد غارقة في صراع عسكري ودموي، بعضها ضد بعضها الآخر، وبعضها الآخر ضد العدو الاخر؟ ويختم مقاله بقوله: ومن شارون الى نتنياهو.. يا قلب لا تحزن..! وعشر رجبا ترى عجباً. ويتابع قائلاً: ورفعت القلم وكتبت الى الصديق الملياردير عدنان خاشقجي سطوراً قلت له فيها: عزيزي عدنان، إن كلامك القديم معي عن قدرة شارون الوحيدة الفريدة في تحقيق السلام مع العرب، قد كان صحيحا ومقبولا في القرن الماضي، عندما رافقك شارون إلى كينيا والسودان، من أجل قضية "الفلاشا"..! أما اليوم، فقد تغيرت الظروف، وتبدلت مواقف الناس، وجرت "انقلابات كثيرة" في صفوف القادة والأحزاب الاسرائيلية، ولم يعد شارون قادراً أو راغباً في تحقيق مثل هذا السلام مع العرب...
أيها الناس: سأبدأ بالتعليق من حيث انتهى كاتب المقال، حيث الأموال تبعثر في فلسطين بلا حساب إنفاقاً على الحملات الانتخابية، ولا أحد يستطيع مساءلة المشرفين على هذه النفقات حول مصدر تلك الأموال الطائلة. وكشف تقرير حول المال الأجنبي الذي يدخل الانتخابات الفلسطينية مفاده أن الأموال تتدفق من كل حدب وصوب على جميع الجهات المشاركة في الانتخابات، لدرجة أن كثيراً من الموظفين الحكوميين قد حصلوا على إجازات غير مدفوعة الأجر ليلتحقوا بفرصة العمل المؤقتة التي توفرها اللجان الانتخابية، لا لسبب سوى أنها تدر عليهم دخلاً إضافياً جيداً. وأما القانون الفلسطيني فلم يوفر آليات لتتبع مصادر تلك الأموال! ويورد التقرير معلومات حول الحملة الانتخابية الأخيرة للرئاسة الفلسطينية حيث بلغت تكلفة حملة الرئيس الفلسطيني الحالي مليار ونصف المليار دولار، وأما منافسه فقد بلغت تكاليف حملته ثمانمائة ألف دولار تقريباً. وأن أميركا هي التي أنفقت على مطبوعات دليل الناخب، وأن الجهة الأميركية التي أنفقت على تلك المطبوعات قد وعدت بعض المرشحين بتوفير دعم مالي لهم بهدف خلق حالة من التوافق والانسجام لدعم السلام والاستقرار في المنطقة، ولمزيد من التطبيع...
أيها الناس: أرأيتم كيف تشترى ذمم المرشحين والناخبين على حد سواء؟ وإني لأرجو الله أن تمر زوبعة هذه المهزلة الانتخابية دون أن تحصد أرواحاً بعد أن حصدت الذمم، وليس كما حصل في انتخابات العراق ومصر التي لم تمر إلا بعد أن حصدت أرواحاً وذمماً.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: نُقل عن الكاتب نفسه صاحب المقال أنه ذهب إلى القاهرة في يوم من الأيام ليزور واحدة من عملاء الاستخبارات البريطانية في فلسطين بعد أن طعنت في السن واختارت مصر بلداً لإقامتها الدائمة، فقالت له: اسمع يا فلان، إن في قضية فلسطين لسراً عجيباً، فقال لها: وما هو؟ قالت: كلما كانت تأتينا خطة من لندن ومعها الأموال والرجال، كنا نسير فيها حتى حد معين، وإذا الأمور قد انقلبت، والأموال قد أهدرت، والأهداف قد فشلت، ثم يعاود ساسة لندن بإرسال خطة جديدة وأموال جديدة ورجال جدد، ما تلبث أن تلحق بسابقتها، ويكون الفشل الذريع هو نصيبها، وهكذا دواليك...
أيها الناس: عندما غزا الجراد المدينة المنورة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أن يصرفه عنهم الى بيت المقدس، فقال الصحابة: يا رسول الله، إنه إذاً يؤذيهم، فقال عليه السلام: (لا يعمَّر فيها ظالم) يعني في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس. حقاً إنها الأرض التي لا يعمر فيها ظالم، ففيها كانت نهاية الدولة الرومانية الشرقية في معركة اليرموك، وكذا نهاية الاجتياح المغولي في عين جالوت، والغزو الصليبي في حطين، وتحطمت أحلام نابليون على أسوار عكا، وفيها سينتهي الإفساد اليهودي المعاصر الذي تحدثت عنه آيات الإسراء، والذي بدأ يأخذ أبعاداً عالمية، وما أمر الهجرة منكم ببعيد، وستكون فيها نهاية المسيح الدجال، ونهاية يأجوج ومأجوج، وهي أرض المحشر والمنشر.
أيها الناس: إن في ربط القرآن الكريم بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى عبرةً لمن اعتبر، وتحذيراً لمن غفل وأنكر، وبشرى لمن آمن وادّكر، وتهديداً لمن طغى وتجبر، ولعنة على من أدبر واستكبر. ولقد آن الأوان لنا نحن المسلمين أن ننبذ كل الترهات السياسية التي نتفت لحانا، وضيعت دماءنا، وأهملت شهداءنا، وأدارت ظهرها لجرحانا، وقسمت بلادنا، وأفسدت ذممنا، وسلختنا عن إخواننا والأصدقاء، وشمتت بنا الأعداء، وأورثتنا الهمّ والبلاء. وقد آن الأوان لنا أن نضع أيدينا في أيدي المخلصين من أبناء الأمة الإسلامية الذين يعملون بجد واجتهاد على بصيرة، من أجل إقامة دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة، فهي الدولة الوحيدة القادرة على وقف المهازل الفلسطينية وغير الفلسطينية في العالم الإسلامي، بل هي الوحيدة القادرة على إنقاذ البشرية جمعاء من براثن الرأسمالية العفنة والديمقراطية الكافرة الجائرة.
....................................................................

الجمعة 6 ذو الحجة 1426 هـ

الموافق 06 كانون ثاني 2006 م

البرامج السياسية والبرامج الانتخابية



الخطبة الأولى

أيها الناس: هناك خلط كبير في أوساط المسلمين اليوم بين البرامج السياسية والبرامج الانتخابية. وبيان ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما خاض غمرات العمل السياسي ضد الكفار في مكة وما حولها، ثم في باقي أنحاء الجزيرة، كان يركز على القضايا الشمولية العامة دون الالتفات إلى القضايا الفرعية أو الثانوية، خلافاً لما أصبح عليه الحال بعد أن أقيمت الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، حيث دخل في تفاصيل التفاصيل، وبين مواصفات القوانين والتشريعات، وخاض في تحديد الأطر الشخصية الأمثل لرجل الدولة والقاضي وموقع المرأة وغير ذلك من الأمور التي تضبط سير الأمة في الدولة والمجتمع.

فكان عليه الصلاة والسلام في مكة يدعو إلى نبذ كل ألوان الشرك والطاغوت وما ينبثق عنهما من تشريعات بشرية وتقنينات قاصرة، ويؤكد على الأهمية القصوى للتوحيد وتبعاته ومتعلقاته، والصبر وتحمل الأذى في سبيل هذه الدعوة التي تحيي الإنسان وتخرجه من الظلمات إلى النور، وتقوده إلى العيش ضمن نظام إلهي عادل. وكلنا يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: "قولوا لا إله إلا الله، محمد رسول الله تفلحوا". وكان يقول فيما بعد لمن يطلب النصرة والمنعة منهم: "أن تؤمنوا بي وتنصروني، حتى أبلغ عن الله ما أمرني، فإن قريشاً قد منعتني". ولم يدخل معهم في تفاصيل عيشهم الحالي أو العيش في ظل نظامه الجديد، اللهم إلا ما يشوقهم إليه، كقوله صلى الله عليه وسلم: "وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخش إلا الله، وزاد في رواية: والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"، كناية عن الوعد بالأمن.



أيها الناس: ولما قامت الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم شاردة ولا واردة إلا وأتى على ذكرها، وبينها بياناً شافياً وشرحها شرحاً وافياً. فلما كانت حجة الوداع، وهي اللقاء الجماهيري الأخير مع المسلمين، قال لهم بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس: اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها... ووضع الربا كله ودماء الجاهلية. ونهى عن النسيء، وبين عدة الشهور والأربعة الحُرُم، ووصى بالنساء خيراً وشدد في ذلك، وأن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم وأكد على ضرورة أن يعقل الناس قوله، وأنه قد ترك فيهم أمراً بيناً ما إن اعتصموا به فلن يضلوا أبدا، كتاب الله وسنة نبيه. ثم قال: اللهم هل بلغت؟ فقال الناس: اللهم نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشهد".



أيها الناس: دأب السياسيون المسلمون بعد ذلك على الحرص بشدة على كافة الثوابت الشرعية في برامجهم سواءً كانوا في سدة الحكم أم خارجه، وكانوا يتبارون في تبني الأحكام الشرعية في المسائل الخلافية طبقاً للاجتهاد الأقوى الذي يفرع المسألة بشكل أقرب للأصل الذي جاء به الوحي من كتاب وسنة وإجماع صحابة. ولم نعهد عن أحد منهم دعا ولو بطريق الخطأ إلى مراعاة الموقف الدولي أو التركيبة السكانية أو معطيات الاحتلال أو غير ذلك من ترهات البشر واختلاقاتهم مما شاع في زماننا، كالوطنية أو القومية أو الانظمة الاتحادية أو سياسة المعسكرات أو غير ذلك مما يخوض فيه الخائضون، ويهيمن على برامجهم الانتخابية.

فمن أراد خوض غمرات العمل السياسي اليوم، فعليه أن يتأسى بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في برنامجه السياسي الذي خاضه عندما لم تكن للمسلمين دولة، وأن يربأ بنفسه عن الخوض فيما خاض فيه الخائضون. فالله سبحانه وتعالى يقول {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأُ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم، إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً}. وأما بعد قيام الدولة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة قريباً بإذن الله، فإن الباب مفتوح على مصراعيه أمام الأحزاب والجماعات الإسلامية لتبني البرامج السياسية التفصيلية تبعاً للخلافات الفقهية والرؤى الفكرية، مع المحافظة بشكل تام على الثوابت الشرعية.



الخطبة الثانية


أيها الناس: قرأت مؤخراً بيانين سياسيين صادرين عن جهتين إسلاميتين، واحدة في تركيا وأخرى في فلسطين، وأحببت أن أطلعكم على ملخص موجز لهذين البيانين لتحددوا أقربهما إلى المطلوب الشرعي في زماننا. أما البيان الأول فمن تركيا وجاء فيه: "إن أياً من الدول التي جاهرت بعدائها للإسلام والمسلمين من مثل أميركا وبريطانيا لن تتمكن من الإفلات من قبضة دولة الخلافة الراشدة بل وستتلقى الرد المناسب على ما جنت، فالمسافات مهما طالت لن تكون مانعاً لتلقينهم درساً ينسيهم وساوس الشيطان، لا هم ولا إمعاتهم الطواغيت في البلاد الإسلامية، فنحن المسلمين الذين رضينا بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً نقسم بل الله العظيم، أن ذلك اليوم آتٍ، بَعُد أم قَرُب، وعند مجيئه فسنفرح بنصر الله الذي مَنَّ به على عباده المُخلَصين، وسنجعل الحاكمية المطلقة على الحياة للإسلام وحده، وسنسقط أنظمة الكفر قاطبة ونلقي بها في مزبلة التاريخ، وسنجفف منابع الفساد والضلال المخالفة للإسلام.

ولن نقبل بأقل من تطهير فلسطين قاطبة من رجس يهود، وسنحرر العراق وأفغانستان، والشيشان وكشمير وكافة بلاد المسلمين الرازحة تحت نير الاحتلال من تسلط الكفر والكفار. وسنقوم بإغاثة كل ملهوف ومظلوم، أكان مسلماً أم غير مسلم، وسننتقم لهم بالعدل، وبإذن الله فسنقلب خوفهم أمناً. وسنوحد جيوش الأمة الإسلامية في جيش واحد جرار، لننتقم بإذن الله بأيدينا من الكفار وننتصر عليهم ونزيل كل عائق مادي يقف في وجه انتشار الإسلام، لنعيد بذلك الفرح إلى صدور المسلمين. وسنحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم رسالة هدى ونور بالدعوة والجهاد...وسنجعل كفار أوروبا وروسيا والصين يدفعون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، إن لم يدخلوا في دين الله أفواجاً...وهذا وعد الله سبحانه الذي لا يخلف وعده، وبشرى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي الحقيقة التي تثبتها الفراسة العقلية والنظرة السياسية الثاقبة. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾.


وأما البيان الثاني فمن فلسطين و جاء فيه: "نلتزم بهدف دحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وحماية الشعب الفلسطيني بالوسائل الممكنة كافة. والمحافظة على التواجد الفلسطيني في القدس ودعم ذلك سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وحماية المقدسات من التدنيس الصهيوني. ومقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتشجيع الشعوب العربية والإسلامية والصديقة وحكوماتهم على ذلك. والعمل على ترميم العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية بما يخدم الأهداف الوطنية الفلسطينية، ويحترم مجالات الاختصاص. والحفاظ على الوقف الفلسطيني الإسلامي والمسيحي... وبناء علاقات سياسية متوازنة مع الأسرة الدولية، تحافظ على وحدة الأمة وتقدمها، وتخدم الإنسانية وتحفظ حقوقها لحماية قضيتها ورد العدوان عنها. والعمل على بناء نظام اقتصادي مع الدول العربية والإسلامية، والانفتاح على باقي دول العالم. وإجراء إصلاحات دستورية تكون مدخلاً لإصلاحات وتنمية سياسية شاملة. وتعزيز مبدأ الشورى وترسيخ مسيرته... وإقرار مبدأ تداول السلطة عملياً، وإشراك الطاقات البشرية الفلسطينية كافة في برنامج التطوير الشامل. والاعتراف بالقوى السياسية والاستفادة من جهودها الإيجابية. والمساهمة الفاعلة في إعادة صياغة منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل دورها فيما يخص العلاقات الخارجية وقضية حق العودة...وجعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع في فلسطين. وترسيخ ثقافة الحوار، واحترام كل الآراء، بما لا يتناقض مع عقيدة الشعب وموروثه الحضاري... ولا نرى فرقاً بين المواطن الفلسطيني المسلم والمسيحي في كل مجالات حقوق المواطنة... ونسعى لتعزيز مكانة المرأة، بعيدا عن العادات الوافدة والتقاليد الجامدة الغريبة عن ثقافتنا. ونؤكد على حقوق المرأة الشرعية من خلال تفعيل التشريعات المنصفة لها...


أيها الناس: رغم أني لست هنا في منبر انتخابي، ولكني أسأل نفسي وأسألكم: أي البرنامجين أحق بالعمل وأجدر بالاتباع وأقرب إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام؟
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:01 PM
مشاركة #45


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 13 ذو الحجة 1426 هـ
الموافق 13 كانون ثاني 2006 م

حجوا قبل أن يقتلكم حكامكم

(الخطبة الأولى) أيها الناس: إن لسان حال حكامنا القتلة ينطق بفصاحة ووقاحة قائلاً لنا معشر المسلمين: سنقتلكم ولو تعلقتم بأستار الكعبة! أجل سنقتلكم إذا ركعتم وسجدتم، وسنقتلكم إذا حججتم واعتمرتم، وسنقتلكم إذا بالمعروف أمرتم وعن المنكر نهيتم، وسنقتلكم إذا المحتلَّ قاومتم، وسنقتلكم مجاهدين وقاعدين، وسنقتلكم إذا عملتم للحكم بما أنزل ربكم أو طالبتم به، وسنقتلكم إذا انتخبتم أو امتنعتم، وسنقتلكم في منى والمشعر الحرام وحول البيت العتيق، وسنقتلكم قادمين ومغادرين، وسنقتلكم زُرافات ووحداناً، وسنقتلكم ثُباتٍ أو جميعاً، وسنقتلكم قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم.
أيها الناس: إن الذي جعلني أقرأ هذا المقال في حال حكامنا أننا لا نكاد نخرج من مذبحة حتى ندخل في أخرى، ولا تكاد بيوت العزاء تقفل بعد مقتلة إلا وقد فتحت مرة أخرى إثر مقتلة جديدة، ولا يكاد ينتهي موسم حج مليء بالقتل إلا ويحمل الموسم الذي يليه قتلاً أكثر وأشد تنكيلاً. وما سمعناه وشاهدناه يوم أمس عن مئات القتلى ومئات الجرحى في منى أثناء رمي الجمرات دليل على صدق القراءة للسان حال حكامنا المجرمين القتلة. فلماذا يقتل حجاج بيت الله الحرام وضيوف الرحمن دهساً تحت الأقدام، أو تردياً من الجسور العالية والآكام، أو خنقاً في الآنفاق وأماكن الزحام؟ مما أحدث مشاهد مأساوية داخل المستشفيات وخارجها، حيث الجثث الملقاة على الأرض، والجرحى بملابسهم المضرجة بالدماء، وبعضهم ينعي أقارب فقدهم في الكارثة، وأمور تهز المشاعر والأبدان، وتذهب بلباب العقول، ويصبح الحليم فيها حيران، بل إن المسلم قد أصبح يتوقع القتل في كل وقت من الأوقات! ما هذا الاستهتار بأرواح الناس ودمائهم أيها الحكام، وخصاصاً حكام الجزيرة العربية؟ ألم يؤتكم الله نفطاً تنفقون من ريعه على تهيئة أماكن المشاعر المقدسة لأداء المناسك؟ ألم تستأجروا المهندسين البارعين وجهابذة المخططين لاستيعاب الأعداد القليلة التي تصلكم كل عام؟ فلماذا يقتل الحجيج جراء سوء الرعاية والتقصير الفاضح؟ وماذا ستفعلون لو حج جميع الراغبين، وبلغت أعداد الحجيج عشرات بل مئات الملايين؟ أم أن الإنفاق مقنن على ملاهيكم ومرافقكم الخاصة، وإنشاء المدن الرياضية والثلجية، ولا تبالون بما يحصل لعموم المسلمين؟
أيها الناس: ليس في هذا العام وحده قُتل المئات من الحجاج، ولكنهم يُقتلون في كل عام. فعلى ذمة الإعلام الرسمي عام 1987 قُتل 400، وفي عام 1989 قتل حاج واحد، وفي عام 1990 قتل 1426، وفي عام 1991 قتل 261، وفي عام 1994 قتل 270 ، وفي عام 1997 قتل 343، وفي عام 1998 قتل 119، وفي عام 2001 قتل 35، وفي عام 2003 قتل 14، وفي عام 2004 قتل 251، وفي عام 2006 قتل 76 في حادثة سقوط الفندق، وقتل 300، والله أعلم بأعداد الجرحى، والله أعلم كذلك بحقيقة الأرقام الرسمية المعلنة وغير المعلنة، في الأعوام المذكورة وفيما سبقها من أعوام!!!
أيها الناس: ليت أرقام القتلى ناتجة عن التدافع وحسب، لقلنا إن الجهل وقلة الوعي وهامش الخطأ البشري أسباب كافية لحصول ما يحصل من قتل الحجاج بعضهم بعضاً، رغم عدم إعفاء الحكام من مسؤولية حصوله، ولكن الطامة الكبرى أن يُقتل الحجاج الأبرياء الضعفاء لإفساح المجال لحجاج أقوياء من المسؤولين وأشياعهم وزبانيتهم كي يؤدوا المناسك دون مدافعة الآخرين لهم! فقد نقل شهود عيان إنهم فوجئوا بالجنود السعوديين يفرضون طوقاً لمنع الحجاج من المرور، وأجبرهم على الخروج من منطقة الجسر مما أدى للتدافع والفوضى، بسبب وجود أحد كبار المسؤولين ومحاولة قوات الأمن إفساح الطريق له لرمي الجمرات. ما هذه العنجهية، وما هذا التكبر والتعالي على خلق الله؟ وهناك أسباب أخرى كثيرة تشي بسوء الرعاية والتدبير وسوء الإدارة والتقدير، حيث قال رئيس قسم عمليات الإنقاذ في مكة المكرمة إنه لم يكن بالإمكان إجلاء المصابين بالمروحيات بسبب الاكتظاظ الكبير في الموقع! فهل هذا مما يتعذر بها أيها المسؤول؟ وقد ذكر البعض أن تزاحم مئات الآلاف ممن لم يأخذوا بفتاوى التيسير بشأن إمكانية الرمي قبل زوال الشمس، كان سببا رئيسيا في الحادث. فهل تعلقون أخطاءكم على اتباع الفقه الراجح دون المرجوح، أم تريدون أن تلعبوا بالمناسك والعبادات حتى تسيروا الناس وفق دينكم وأهوائكم، وفتاوى علماء قصوركم؟ في حين ذكر البعض أن اصطحاب الآلاف لأمتعتهم ساهم في حالة الفوضى التي سادت، فأين عيونكم الساهرة التي تدعون؟ وهل حمل الحقائب من قبل المتعجلين أمرٌ لا يخطر بالبال؟ فقد تحدث بعض الحجاج عن سوء حالة وسائل المواصلات وسوء التنظيم الذي اقتصر فقط على الدور البشري لقوات الأمن، إضافة لتراكم كميات كبيرة من النفايات. ولكنكم في غمرتكم ساهون، وعن رعاية ضيوف الرحمن مقصرون، قاتلكم الله أنى تؤفكون.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: حج أمير المؤمنين هارون الرشيد ذات مرة، فرآه الناس وقد تعلق بأستار الكعبة يقول: "يا من خشعت له الأصوات بأنواع اللغات يسألونه الحاجات، إن من حاجتى إليك أن تغفر لى ذنوبى إذا توفيتنى، وصُيِّرت فى لحدى، وتفرق عنى أهلى وولوا، اللهم لك الحمد حمداً يفضل كل حمد، كفضلك على جميع الخلق، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون له رضا، وصلّ عليه صلاة تكون له ذخرًا، واجزه عنا الجزاء الأوفى، اللهم أحينا سعداء، وتوفنا شهداء، واجعلنا سعداء مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياء مرجومين." وكان الرشيد ديِّنا محافظًا على تكاليف الاسلام، وصفه مؤرخوه بأنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، وينفق على الفقراء من ماله الخاص، ولا يتخلف عن الحج إلا إذا كان مشغولاً بالغزو والجهاد، وكان إذا حج صحبه الفقهاء والمحدثون. فماذا كان يفعل حكامنا في موسم الحج هذا العام؟ لقد كانوا منشغلين في خدمة أسيادهم الكفار الذين يسعون لفصل لبنان عن أصله سوريا، وترسيم الحدود بينهما، وتبادل السفارات بينهما. وكانوا منشغلين بالجلطة الدماغية التي ألمت بأقرب أوليائهم من الحكام، وكانوا منشغلين بترسيخ الطائفية في العراق، والبحث عن مخرج لأميركا من ورطتها فيه، وكانوا منشغلين بكيفية التعامل مع رئيس فريق التحقيق في مقتل الحريري، وكانوا منشغلين في تفتيت السودان، وتعبئة المخازن الأميركية بالنفط الخام، وزيادة منسوبها ما أدى إلى انخفاض أسعار النفط في العالم، وكانوا منشغلين في تقديم فلسطين وأهلها قرباناً لليهود. أجل، إنهم كانوا منشغلين في هذا وأمثاله مما لا يجلب على المسلمين إلا العار والدمار. وأما علماؤنا فإني أسأل الله لهم الإفاقة من غيبوبتهم الاختيارية، وأن يردهم إلى دينهم وأمتهم رداً جميلاً.
أيها الناس: إن الحل الوحيد لمثل هذه الكوارث التي تحل بالمسلمين في ظل حكام الجور وعلماء السوء، هو العمل مع العاملين المخلصين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، حتى تحجوا آمنين لا يقتلكم حكامكم. فلا تنشغلوا بعمل سواه، ولا تبتغوا المخرج من أزماتكم ومصائبكم فيما عداه، وقولوا كما قال الله عز وجل على لسان موسى عليه السلام في سورة يونس: {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين. فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين. ونجنا برحمتك من القوم الكافرين}.

.................................................................

الجمعة 27 ذو الحجة 1426 هـ
الموافق 27 كانون ثاني 2006 م

حماس بين المطرقة والسندان


(الخطبة الأولى) أيها الناس: ما أن أُعلن عن فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية حتى انطلقت أبواق السيارات والألعاب النارية والهتافات تعبيراً عن هذا الفوز من أنصارها، تماماً كما يفعل الفائزون بزعامات الأحزاب السياسية غير الإسلامية، أو الفائزون بالمباريات الرياضية وباقي المسابقات التي شاعت في أزمنة السقوط الفكري والتردي الحضاري. فإن كان الفوز في الانتخابات الفلسطينية التي نعرفها جيداً نصراً حقيقياً، ودخله المسلم من منطلقات شرعية، فالواجب الشرعي يحتم على من فاز أن يتمثل قول الله عز وجل: {إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان تواباً}.

وأما إن كان الفوز ورطة كبرى تضع الفائز بين مطرقة أميركا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وإسرائيل والسلطة وحكام دويلات الضرار، وسندان الشعب الذي انتخبهم لأنه يريد الإسلام ويكره الفساد، بل ويريد تحرير البلاد والعباد والمقدسات من رجس الاحتلال وأنظمة الطاغوت والجاهلية، إن كان الأمر كذلك فإن الفائز ينبغي له أن يبكي دماً على ورطته الكبيرة تلك، وأن يقنت في محراب السياسة طويلاً قبل أن يصرح شيئاً أو يقول قولاً أو يفعل فعلاً أو يعد وعداً، فكلام ابن آدم كله عليه لا له. فقد روت أم حبيبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر لله".


أيها الناس: رغم أن حرمة المشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية قد بلغت كل أذن واعية أو غير واعية، ولكن الإعلام الخبيث لم يذكر شيئاً ذا بال عن تلك الحرمة، ما أبقى الجمهور الفلسطيني خصوصاً والإسلامي عموماً في فلسطين وخارجها تحت تأثير طوفان الديمقراطية يعصف بهم كالإعصار، وهدير الإعلام المضلل واسع الدمار، وبريق المال الذي يخطف الأبصار. ومع ذلك فقد جائت النتائج صحوة وصفعة، صحوة للأمة التي تلتف حول شعار الإسلام، وتلفظ من يرفع شعارات تافهة يرضعها من الغرب كما يرضع دولاراته، وصفعة مؤلمة له ولمن خلفه، ولعلها تشرّد من خلفهم جميعا عندما تحين ساعة الحسم النهائي.… فالأمة تصوت للإسلام، وسترفع صوتها عالياً وعالياً جداً خلف نداء ساعة الصفر الذي يقلب موازين العالم. هذه صحوة يجب أن نسعد بها رغم "الجهل" السياسي الذي ألقى بظلاله الكثيفة على حجم المؤامرة التي لا يكشفها إلا المخلصون الواعون الذين يتقدمون حثيثاً لقيادة الامة نحو التغيير الجذري.



أيها الناس: بعيداً عن نشوة الإنتصار، تعالوا بنا نتفكر في حجم الورطة التي وقع فيها إخواننا في حماس عقب اجتيازهم خندق الانتخابات. وهذا التفكر ينطلق من واجب المسلم الشرعي تجاه أخيه بالنصح، وتنفيذاً لوعد أعطيته لأحد الإخوة الحمساويين في بيت من بيوت الله قبل يومين من الانتخابات حين طلب مني بشكل ودي نادر أن لا ننساهم من النصيحة بعد أن يستقروا في مقاعد المجلس التشريعي. وليس هذا التفكر محصوراً في بيان الورطة فقط، بل فيه سبيل الخروج منها، وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ذلك أن أبرز جوانب الورطة يكمن في تقدم حماس إلى الواجهة السياسية مكان فتح لمقارعة السلطة السياسية ذات الارتباطات الوثيقة

أولاً بأوسلو وخارطة الطريق وما شاكلها من اتفاقيات ما يسمى بالسلام،

وثانياً بإسرائيل التي تعتبر قطب الرحى في أي تسوية سياسية على أرض فلسطين،

وثالثاً بمصر والأردن وسوريا ولبنان باعتبارها دول ما يسمى بالطوق العربي على فلسطين،

ورابعاً بباقي الدول العربية التي تواد إسرائيل وتخشى من وصول المد الإسلامي الجماهيري والسياسي إلى ديارها.

وخامساً بدول الاتحاد الأوروبي التي نددت جميعاً بفوز حماس في الانتخابات، وسادساً بالولايات المتحدة التي جددت رفضها للتعاون مع "قادة فلسطينيين لا يعترفون بحق إسرائيل في الوجود". وقال بوش إنه لا يرى "كيف يستطيع حزب سياسي يدعو إلى تدمير إسرائيل أن يكون شريكا للسلام". وقالت وزيرة الخارجية الامريكية: "إن القوى الرئيسية التي تقوم بالوساطة في عملية السلام في الشرق الاوسط تتفق على أنه يجب على حركة حماس أن تنبذ العنف بعد فوزها المفاجيء في الانتخابات الفلسطينية". وقالت: "لقد أكدنا من جديد أنه لا يجوز أن تكون لك قدم في الارهاب والأخرى في العمل السياسي". وقال بيان الرباعية: "يتطلب حل الدولتين للصراع أن ينبذ كل المشاركين في العملية الديمقراطية العنف والارهاب، ويقبلوا حق إسرائيل في الوجود وينزعوا أسلحتهم". وفي ردة الفعل الاسرائيلية الأولى على انتصار حماس قال رئيس الحكومة الاسرائيلية المؤقت: "إن بلاده لن تتفاوض مع حكومة فلسطينية تضم، ولو جزئيا، مجموعة إرهابية تدعو إلى تدمير دولة إسرائيل".


أيها الناس: إن البعد الثاني للورطة يكمن في محاربة الفساد والقضاء على المحسوبيات وسوء التصرف في المال العام وغير ذلك من القضايا التي تعتبر مطالب ملحة للمواطنين، فكيف يتأتى لمن كان ذا سلطة ضعيفة ومنقوصة السيادة أن يعالج ملفات تتطلب العدل من جهة، وضرب المفسدين بيد من حديد من جهة ثانية، والتخطيط الاقتصادي في بلد لا يملك من مقومات الاقتصاد شيئاً؟

أيها الناس: هناك تحديات أكبر مما تقدم تؤكد الورطة الكبرى التي وقع فيها إخواننا في حماس بعد فوزهم بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني تتمثل في سيرهم طواعية بالقضية الفلسطينية إلى حتفها، فالذين أفسحوا لهم المجال بالدخول في الانتخابات وتحقيق ما حققوه من فوز هم أنفسهم الذين لا يزالون يمسكون بخيوط اللعبة السياسية على أرض فلسطين وخارجها. فالسلطة لا زالت في مواقعها رغم خسارة عمادها في الانتخابات، بل هي التي أصرت على إجراء الانتخابات في موعدها، وهي التي وفرت الأمن والحماية للمراكز الانتخابية عبر قوات أمنها البالغة نحو ستين ألفاً، وهي التي سارعت إلى تسريب أخبار الفوز قبل تمامها، وقدم رئيس وزرائها استقالته قبل إعلان النتيجة الرسمية. وأما التحدي الأكبر فهو الوفاء باستحقاقات طلب الله عز وجل في قوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم}. فكيف نطبق شرع الله في دويلة وطنية علمانية محتلة لا تملك زمام أمرها، بل إن الذي أوجدها هم أشد الناس رفضاً لتحكيم شرع الله؟


(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن الذي يدير اللعبة السياسية في فلسطين والعراق وباقي دويلات الضرار في العالم الإسلامي هم الأميركيون ويصارعهم في إدارتها الأوروبيون، وأما أدوات اللعب فحكام تلك البلاد بلا أدنى شك أو ريب، ومن يعتقد خلاف ذلك يكون في أحسن الأحوال واهماً.

فإسرائيل وباقي دويلات الضرار لا زالت تمسك بزمام الأمور السياسية والأمنية والإدارية والمالية والإعلامية في فلسطين وما حولها، وأميركا وأوروبا هما المتحكمتان في السياسات الدولية والإقليمية والمحلية، وهما اللتان وفرتا التغطية الإعلامية والمالية للانتخابات الفلسطينية! فهل يمكن أن يسمحوا لأحد غيرهم أن يمسك بزمامها؟ فماذا يعني ذلك كله؟ إنه يعني التوطئة لمرحلة جديدة، بوجوه جديدة، وفرسان سياسة جدد، يقومون بما لم يستطع أسلافهم أنجازه، ويدخلون في جحر الضب الذي حذرنا منه رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام. فالمشروع الأميركي الذي يحكم اللعبة السياسية برمتها هو وحده الذي فاز حقاً في هذه الانتخابات، فليحذر من يسير في هذا المشروع من أن يصبح واحداً من تلك الأدوات! بل إنه سيكون أخطر تلك الأدوات كونه يتعاطى مع قضية مقدسة أحرقت في أتونها جميع من عبث بها، فبيت المقدس لا يعمَّر فيها ظالم.


أيها الناس: إن المخرج المباشر من هذه الورطة يكمن في قرار المجلس التشريعي الفلسطيني في أول جلسة قادمة له إلغاء اتفاقات أوسلو واتفاقات واي ريفر وخارطة الطريق، ليضع العالم من جديد في أزمة حقيقية. فإن قبلوه تكون ديمقراطيتهم عليهم حسرة، وعليهم تحمل تبعاتها، فهذا هو رأي الشعب الذي يعتبر عندهم مقدساً؟ وإن رفضوه فسينقلب السحر على الساحر، ويفضح الله ديمقراطيتهم، وليكن ما يكن بعد ذلك، فلعله يكون كفارة لإثم المشاركة.


أما باقي التحديات في هذه الورطة، فالخوض فيها سابق لأوانه، وسابق لزمانه. وأما إذا شكلت الوزارة وأعلنت الدولة، ورسمت الحدود وضربت الطرق، فسيكون لنا مع تلك الدولة وحكومتها شأن آخر نفتح فيه ملفات المعابر والحدود والمقدسات والمستوطنات وما تبقى من فلسطين تحت الاحتلال ولو كان شبراً واحداً. وإني لأرجو الله أن تقوم الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة قبل أن تعقد تلك الجلسة، وقبل أن يصادق الفائزون على اتفاقيات بيع فلسطين كما صادق الخاسرون. ونحن اليوم على أبواب ذكرى الهجرة التي أوصلت المسلمين الأوائل إلى الدولة الإسلامية الأولى، فعسى أن توصلنا ذكراها المسلمين الأواخر إلى الدولة الثانية على منهاج الأولى، وما ذلك على الله بعزيز.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:04 PM
مشاركة #46


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 5 محرم 1427 هـ
الموافق 3 شباط 2006 م

شتمُ النبي بين الاستنكار والاستكبار
(الخطبة الأولى)
أيها الناس: في ظل الغضب العارم الذي أظهره المسلمون في كل مكان من العالم على تطاول دانمركي حاقد على مقام حضرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإننا نضم غضبنا إلى غضبهم، ونشد على أيديهم في كل ما ذهبوا إليه وعقدوا العزم على فعله، ونعلن رفضنا القاطع لما قام به ذلك العلج الكافر، ونتوعده بالقتل ولا أقَل، ونضم إليه كلَّ من آزره وساهم في إعادة نشر رسوماته المنكرة، أو ردد مقولاته الكافرة، أو دافع عن سلوكه الشائن تحت أي ذريعة مهما كانت. فهذا الأمر من الخطوط الحمراء التي إن تجاوزها الشخص فلا عودة إلا إلى القبر وبعده النار وبئس القرار.
أيها الناس: رغم الاستنكار الواسع الذي أبداه المسلمون وربما غير المسلمين أيضاً لهذا الصنيع الدانمركي القبيح، إلا أن حكومة الدانمرك قد تأخرت كثيراً في الاعتذار ومحاسبة ذلك العلج، وحاولت تقديم الأعذار الواهية كحرية التعبير وغيرها من هرطقات الرأسمالية العفنة والمستكبرة، بل إن قريناتها في الكفر ألمانيا وفرنسا وإسبانيا قد حذت حذوها في التطاول على رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، في هجمة منسقة من الغرب الكافر ضد الإسلام والمسلمين. ويا ليت الأمر وقف عند حدود الغرب، بل امتد إلى عقر دار الإسلام والمسلمين، إلى الأردن، حيث أعادت صحيفة شيحان الخبيثة نشر تلك الرسوم المسيئة!
أيها الناس: أورد ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة قال: "كان النصارى ينشرون دعاتهم بين قبائل المغول طمعاً في تنصيرهم، وقد مهد لهم الطاغية هولاكو سبيل الدعوة بسبب زوجته الصليبية ظفر خاتون، وذات مرة توجه جماعة من كبار النصارى لحضور حفل مغولي كبير عقد بسبب تنصر أحد أمراء المغول، فأخذ واحد من دعاة النصارى في شتم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هناك كلب صيد مربوط، فلما بدأ هذا الصليبي الحاقد في سب النبي صلى الله عليه وسلم زمجر الكلب وهاج ثم وثب على الصليبي وخمشه بشدة، فخلصوه منه بعد جهد، فقال بعض الحاضرين: هذا بكلامك في حق محمد عليه الصلاة والسلام، فقال الصليبي: كلا، بل هذا الكلب عزيز النفس، رآني أشير بيدي فظن أني أريد ضربه، ثم عاد لسب النبي وأقذع في السب، عندها قطع الكلب رباطه ووثب على عنق الصليبيي وقلع زوره في الحال فمات الصليبي من فوره، فعندها أسلم نحو أربعين ألفاً من المغول. وروى أبو داود عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلاً أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ [سيف قصير] فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا. فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ. فَقَامَ الْأَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَلا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ). وروى أيضاً عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: {أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذِمَّتَهَا}.
الكلب يغضب والعمى قتّال # إن كان شتم حبيبنا منوال
ما بال أصحاب العيون من الورى # قد طاب عيشهمُ وهدأ البال
نفسي فداك رسولنا والمال # ما عاش بعد شتمك خائن قوال
تبت يداه فكل رسم بثه # سهم يشق صدورنا جوال
يا للخليفة يقطع دابر الأنذال # ويصيبُ علجَهمُ ذلٌّ وأغوال
أيها الناس: إن هناك تبايناً واضحاً تجاه هذه الجريمة بين ردود الفعل الشعبية الإسلامية وبين مثيلاتها عند الحكام والعلماء. فالشعوب انتفضت كالأسد، تزأر على كل من تطاول على نبيها وحبيبها محمد صلى الله عليه وسلم، وتود لو تمزقه إرباً إرباً، والحكام باهتون يستدعون السفراء على استحياء، ويسيرون في قنوات الخيانة والعمالة والنفاق، وتلك شنشنة نعرفها من أخزم. وأما علماؤنا وكتابنا فقد انشغلوا بالدعوة لاتخاذ إجراءات لا تعتبر كافية أبداً، كمقاطعة المنتوجات الدانمركية، ونشر سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وشمائله بكل لغات العالم، وإقامة المعارض السنوية لها، والدعاء على الكفار، وإرسال رسائل الاستنكار والتنديد، وإجراء المسابقات ووضع الجوائز لأفضل الوسائل العملية للذب عن الإسلام وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومساندة المسلمين المقيمين في الغرب والاستفادة من خبراتهم في فهم مزاج المجتمعات الغربية، ونشر مقاطع مختارة من السيرة النبوية والإعجاز العلمي في القرآن والسنة كإعلان مدفوع الأجر في القنوات الفضائية الغربية وفي مجلاتهم وصحفهم، ودعوة الأمم المتحدة لإصدار قرار يجرّم من يتطاول على المقدسات الإسلامية، ودعوة منتدى جدة الاقتصادي لإصدار قرار يجرّم التطاول على المقدسات الإسلامية، وفضح مبادئ الحرية لدى الغرب، وإقامة كرسي للسيرة النبوية في بعض الجامعات الغربية تشرف عليه إحدى الجامعات الإسلامية، والطلب من الشركات الدنمركية أن تتولى الإنفاق على نشر السيرة النبوية الصحيحة، وغير ذلك من الأفكار المتواضعة التي لا تحسم الأمور، ولا تشفي الصدور. ولو رافق تلك الغضبة الشعبية موقف رسمي متناغم في إيقاعه مع الموقف الشعبي لتَغيَّر وجه التاريخ في وقت قياسي، ولركع الغرب قاطبة عند أقدام المسلمين يطلب السماح منهم، بل ويسلمونهم كافة المسيئين ليقتص المسلمون منهم بالطريقة التي تعجبهم وتحقق قول الله سبحانه وتعالى: (فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ). ولا يحقق ذلك إلا العمل لإقامة دولة الخلافة الثانية الراشدة على منهاج النبوة التي تجمع شمل المسلمين، وتوحد صفهم، وتضع كافة مواردهم البشرية والمادية تحت تصرف خليفة يحكمهم بشرع الله، ويستنفر الجيوش الإسلامية المجحفلة العملاقة لقتال أعدائهم والذب عن نبيهم وعقيدتهم ومقدساتهم وأعراضهم وأموالهم، ويعلن حالة الحرب الفعلية مع كل دولة توفر الحماية لشاتم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولو فني المسلمون عن آخرهم. فلا تكتفوا بالمقاطعة، ولا تقبلوا مجرد التنديد، فالخطْب جلل، والعدوان كبير، والمصاب فادح، والقضايا العظيمة تحتاج إلى رجال عظماء يتخذون قرارات عظيمة.

(الخطبة الثانية)
أيها الناس: ليست هذه هي الإساءة الوحيدة للإسلام والمسلمين، فالولايات المتحدة الامريكية وأعوانها من الكفار قد أجبرونا على تغيير مناهجنا المدرسية، وطردوا بعض الخطباء والأئمة الذين تعرضوا لهم ولليهود، وألقى علوجهم المصاحف في المراحيض، ورسموا عليها الصليب، وقتلوا المصلين في مساجد العراق وفلسطين، واحتلوا أفغانستان والعراق، وقتلوا الأبرياء ودنسوا المقدسات، واغتصبوا الحرائر العفيفات في البوسنة وكوسوفا، ونهبوا ثروات الأمة، فماذا بقي من شائنة يفعلونها كي نتحرك؟
أيها الناس: إن الكفار في غيهم سادرون، وللإساءة لديننا مستمرون، فقد قال أحد الصحفيين: هناك معايير أخلاقية في الغرب يلتزم بها كل العاملين في حقل الاعلام، ويتعرض كل من يخرقها للعقاب، ومن المؤسف أن التطاول على الاسلام والانبياء والرسل ليس من بينها!
أيها الناس: يقول الإمام مالك رحمه الله: "ما بقاء أمة بعد شتم نبيها، من سب الأنبياء يقتل، ومن سب الصحابة يجلد". هذه هي قوانيننا، ورحمك الله أيها الإمام، ورزقنا أمثالك في هذا الزمان، أئمةً يقولون الحق لا يخشون لومة لائم، أئمة يرفضون حوار الحضارات، ويصدعون بقول الحق تبارك وتعالى: "إن الدين عند الله الإسلام"، ويواجهون الحكام الكفرة الفجرة قائلين: تنحوا قبل أن تُنحوا، وارحلوا قبل أن تُرحّلوا، وأدركوا أنفسكم قبل أن يجتاحكم طوفان أصحاب محمد وأحبابه.
................................................................................
..........

الجمعة 12 محرم 1427 هـ
الموافق 10 شباط 2006 م

السياسات العلقمية والفتاوى الطوسية
(الخطبة الأولى)
أيها الناس: مخطئ من يظن أن هناك فرقاً جوهرياً بين ملل الكفر تجاه الإسلام، فالدول كلها عدوة للإسلام والمسلمين، فمن لم يكن محارباً فعلاً فهو محارب حكماً. هكذا يجب أن تكون النظرة لدينا واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، كما كانت كذلك عندما أصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يسود الإسلام الدنيا بأسرها، وأن يهدم كيانات الكفر عن بكرة أبيها، ليكون الدين كله لله. ومخطئ كذلك من ينظر إلى ملل الكفر من غير منظار الإسلام فنظرته مشتتة، وهو مصاب بالعمى السياسي، وفاقد للبوصلة الصحيحة المرشدة إلى الاتجاه الإسلامي الذي يرضي الله ورسوله. وإليكم نبذة من مواقف دول الكفر تجاهنا، خصوصاً بعد تفاعل قضية الإساءة لمقام نبينا وحبيبنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: حث الرئيس الأميركي جورج بوش حكومات العالم على التصدي لما أسماها ردود الفعل العنيفة على الرسوم المشينة بحق النبوة الكريمة وطلب العمل على وقفها. وقال بوش أثناء استقباله ملك الأردن: "نحن نرفض العنف كوسيلة للتعبير عن الاستياء مما يمكن أن ينشر في الصحافة الحرة". ودعا وزير الإصلاحات الدستورية والعضو بحزب رابطة الشمال الإيطالي إلى استخدام القوة ضد المسلمين، كما دعا هذا الوزيرُ البابا للتدخل بحملة صليبية جديدة "على غرار أسلافه في القرنين السادس عشر والسابع عشر". وأضاف "إبان معركتي فيينا وليبانتي ضد الأتراك العثمانيين عامي 1571 و1683 حل الباباوات محل الحكومات، وشكلوا تحالفات كبيرة للتغلب على الخطر الإسلامي". أما رئاسة الاتحاد الأوروبي فقد دافعت عن حرية الصحافة في قضية الرسوم المسيئة للإسلام، وحذرت مفوضيتُها الدولَ العربية من مقاطعة السلع الدنمركية، وأنها ستقاطع من يقاطعها، وأن الخاسر في حرب المقاطعة هم المسلمون، إذ كيف يقاطعون وهم لا ينتجون؟ وهذا سؤال سأله السفير الدانمركي في الجزائر. ودعا وزير الدفاع الإيطالي أوروبا إلى ضم إسرائيل إلى حلف شمال الأطلسي...كي يصبح أي اعتداء محتمل على إسرائيل اعتداءاً على الحلف كله. وقال تعقيبا على نتائج الانتخابات الفلسطينية "إن أول ما يتعين عمله اليوم هو ضمان أمن دولة إسرائيل، معتبراً أن الأوضاع الحالية "جسيمة ومقلقة". وكان الرئيس الحالي لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وزير الخارجية البلجيكي وجه نداءاً لوقف ما أسماها أعمال العنف غير المبررة إثر نشر الرسوم الكاريكاتيرية، ودعا إلى صحافة حرة ومسئولة. أما وزيرة الخارجية الأميركية فقد اتهمت كلاً من سوريا وإيران بتعمد إذكاء غضب المسلمين بسبب الرسوم.
تفرق شملُهم إلا علينا # فصرنا كالفريسة للكــلاب
أيها الناس: يثبت مما تقدم أن ملة الكفر واحدة، وأن ملة الكفر بعضها من بعض، فالله سبحانه وتعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً، ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون}. قال الطبري: نزلت في قوم من المسلمين كانوا يخالطون حلفاءهم من اليهود وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودة بالأسباب التي كانت بينهم في جاهليتهم قبل الإسلام، فنهاهم الله عن ذلك وأن يستنصحوهم في شيء من أمورهم.
أيها الناس: هذه هي حقيقة مواقف الكفار تجاه قضايا المسلمين، فما هي حقيقة مواقف حكام المسلمين وزعاماتهم وعلمائهم اليوم؟ وهل هي منسجمة مع مواقف الكفار أم مع قول الله ورسوله ومصلحة المسلمين؟ يقول الأستاذ حسن السوداني: "لقد اتفق ابن العلقمي والطوسي مع ملة الكفر ضد الخلافة الإسلامية بحجة الدفاع عن أنصار الإمام علي رضي الله عنه وشيعته. وتجمع المصادر التي وصفت الساعات الأخيرة من حياة الخلافة العباسية الإسلامية على أن هولاكو قد استشار أحد المنجمين قبل أن يبدأ غزوته، وكان المنجم الفلكي حسام الدين مسلماً غيوراً على المسلمين وحياتهم فقرأ له ما يلي: إن كل من تجاسر على التصدي للخلافة والزحف بالجيش إلى بغداد لم يبق له العرش ولا الحياة، وإذا أبى الملك أن يستمع إلى نصحه وتمسك برأيه فسينتج عنه ست مهالك: تموت الخيل، و يمرض الجند، ولن تطلع الشمس، ولم ينزل المطر، ثم يموت الخان الأعظم. لكن مستشاري هولاكو قالوا بغزو بغداد، وعدم الاستماع لرأي المنجم، فاستدعى هولاكو العلامة نصير الدين الطوسي الذي نفا ما قاله حسام الدين وطمأن هولاكو بأنه لا توجد موانع شرعية تحول دون إقدامه على الغزو، ولم يقف الطوسي عند هذا الحد بل أصدر فتوى يؤيد فيها وجهة نظره بالأدلة العقلية والنقلية، وأعطى أمثلة على أن كثيرا من أصحاب الرسول قتلوا ولم تقع الكارثة، وغزا هولاكو بغداد بفتوى الطوسي وبمعلومات ابن العلقمي وهما وزيراه الفارسيان.
ولما خرج المستعصم ومعه 1200 شخصية من قضاة ووجهاء وعلماء قتلهم هولاكو مرة واحدة، ووضع المستعصم في صرة من القماش وداسته سنابك الخيل وكان قتلى بغداد كما تقول المصادر المعتدلة 800 ألف مسلم ومسلمة كانوا هم ضحايا ابن العلقمي والطوسي والأخير كان قد أصدر فتوى بجواز قتل المستعصم حين تردد هولاكو عن قتله، فافهمه الطوسي أن من هو خير منه قد قتل ولم تمطر الدنيا دماً، وقد استبيحت بغداد في اليوم العاشر من شباط عام 1258.
أيها الناس: لكل زمان علقميُّه وطوسيُّه، فقد احتلت أميركا أفغانستان بمعونة علقمي باكستان وطوسي إيران، واحتلت العراق بعلقمي خائن وطوسي حاقد، ودخلت مصر في أتون المعاهدات الخيانية بسياسات علقمية وفتاوى طوسية، وجرت الانتخابات الفلسطينية بعد أن تناغمت السياسة العلقمية مع الفتوى الطوسية، بل قد ضاعت فلسطين وضاع الأقصى بين علقمي وطوسي، وهدمت من قبل خلافة المسلمين بتنسيق الإنجليز مع كل علقمي وطوسي من أبناء الأمة الإسلامية. وعندما سئل طوسي الأزهر عن الاساءة الفاجعة بحق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أجاب بأننا لا نقبل الخطأ في حق الأموات أياً كانوا!!! هكذا ضاعت قضايا المسلمين بين الحكام العلاقمة والعلماء الطَوَسة. فلا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل!
(الخطبة الثانية) أيها الناس: بما أننا نعيش في زمان تطغى عليه السياسات العلقمية والفتاوى الطوسية، فلا بد لنا من التنصل من كليهما، وخوض غمرات العمل الإسلامي على صُعُدٍ مختلفة تماماً. فندير ظهورنا لتلك السياسات والفتاوى، ونكافحها بكل قوانا، ونقبل على العمل السياسي النظيف الذي ينطلق من فتاوى صحيحة، فنمزج النظيف مع الصحيح كي نحصل على خليط صحي نافع، وهذا كله يكمن في العمل مع العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين، بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة، والقائمة قريباً بإذن الله، فهي الدولة الوحيدة القادرة على رد الاعتبار للسياسة الإسلامية والفقه الإسلامي، وهي المؤهلة لردع المسيئين للإسلام ونبيه وقيمه ومقدساته، وهي التي ستطبق الإسلام كاملاً في الداخل، وتحمله رسالة هدى ونور إلى العالم أجمع عن طريق الجهاد في سبيل الله. وهي التي تحطم حصون الكفار مهما عظمت، وتطيح بعروشهم مهما قويت، وتقتص من المجرمين الذين تطاولوا على رسول الله، وغصبوا سلطان المسلمين، وفتكوا بأعراضهم، ونهبوا ثرواتهم، وسيطروا على بلادهم. بل إن دولة الإسلام القادمة ستحاسب كل من فرط في قضايا المسلمين من أحفاد ابن العلقمي وأتباع الطوسي، وهي التي ستلقن العالم أجمع دروساً لا تنسى في الحرب والسلم، وستخلع قلوب الكفار من أول ضربة تضربها، كما فعل المسلمون يوم بدر بقريش، وهي التي تعرف كيف تفاوض ومتى تفاوض وعلام تفاوض، وهي التي ستصبح الدولة الوحيدة في العالم فضلاً عن أن تكون الأولى. فاعملوا مع العاملين لإقامتها يرحمكم الله، ولا تكونوا من الذين يسارعون في أميركا وأوروبا وروسيا وغيرها من دول الكفر خشية أن تصيبكم دائرة، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فتصبحوا على ما أسررتم في أنفسكم نادمين، فلا نامت أعين الجبناء، وقد خاب من افترى.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:06 PM
مشاركة #47


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 19 محرم 1427 هـ
الموافق 17 شباط 2006 م

التنافس الحقير وتكادم الحمير؟

(الخطبة الأولى)
أيها الناس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم". وروى الطبراني برجال ثقات عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكاً ورحمة، ثم يكون إمارة ورحمة، ثم تكادمون عليها تكادم الحمير، فعليكم بالجهاد، وأن أفضل جهادكم الرباط، وأن أفضل رباطكم عسقلان.
أيها الناس: إن التنافس والتكادم من طبيعة البشر، بل إنه سمة طاغية من سمات التصرف عندهم وعند باقي المخلوقات الحيوانية من دواب الأرض وهوامّها. قال في المحيط: تنافسوا في الأَمر: تسابقوا فيه وتباروا، وقال تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسونَ}. قال القرطبي: أي وفي الذي وصفناه من أمر الجنة فليرغب الراغبون، وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل، نظيره {لمثل هذا فليعمل العاملون}. وهكذا يبين القرآن الكريم أعلى مجالات التنافس التي تهون دونها المجالات، وتنزل عن مرتبتها كل المراتب. ومضمار هذه التنافسات هو الحياة الدنيا، وذلك بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة التي توصل أصحابها إلى جنات النعيم، ليسقوا من الرحيق المختوم بمسك ومزاجه من تسنيم، وليس مضمارها أن تكون الدنيا غايةً لها. هذا ما يؤكده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الأمام مسلم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ‏"‏الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ‏"‏.‏
أيها الناس: عندما ننظر إلى حالة التنافس القائمة بين البشر اليوم، مسلمهم وكافرهم، فإننا نرى العجب العجاب، حيث نراهم يتنافسون في مضامير دنيوية بحتة، يتكادمون فيها تكادم الحمير، فيُذهبون أنفسهم، ويهدرون أوقاتهم وأموالهم، ويذكون العداوة والبغضاء بينهم، ويشعلون نيران الفتنة التي تحرق أصابعهم، وتحلق دينهم، وتجعلهم كهشيم المُحتظِر. فهم يتنافسون في نيل أكبر قسط من المتع الجسدية، ويتنافسون في السيطرة على أكبر مساحة من الأرض، ويتنافسون في فتح أوسع الأسواق لمنتجاتهم، ويتنافسون في توظيف الأيدي العاملة الرخيصة، ويتنافسون في الاستيلاء على منابع الثروة بكل أشكالها ومواقعها ومخزوناتها، ويتنافسون في فنون العري والإباحية، ويتنافسون في الربا وأشكاله، والزنا ومتعلقاته، والخمر وأصنافه، والشر وألوانه، وذلك دأب الأقوياء منهم. أما الضعفاء ومنهم المسلمون فإنهم يتنافسون في خدمة الأقوياء والسير في مخططاتهم وتبوءِ مناصبهم، ويتنافسون في المباريات الرياضية، فهل تصدقون أن سعر التذكرة العادية لحضور المباراة النهائية على كاس إفريقية في مصر قد بلغ ثلاثمائة جنيه، وبيعت في السوق السوداء بألف جنيه؟ ويتنافسون في سباقات الجِمال ومسابقات الجَمال، ويتنافسون في أشكال الإنفاق الباذخ على شراء السلع والخدمات، ويتنافسون في ركوب السيارات الفارهة بعد أن أوهموا بعضهم بأنهم قادة وزعماء!
أيها الناس: في الوقت الذي يتنافس قادة العالم وزعماؤه في المتاع القليل، تنتشر القبور الجماعية، ويتضور بعض الناس جوعاً حتى الموت، ويعاني المضطهدون منهم خلف القضبان من كل ألوان العذاب والمهانة، ويلهث الباقون وراء ما تبقى من فتات يتنافسون فيه ويتكادمون تكادم الحمير، يأكل قويهم ضعيفهم، ولا يعين غنيهم فقيرهم، ولا يجل صغيرهم كبيرهم، ولا يوقر جاهلهم عالمهم، لم يجمّر ولاتُهم ثغورَهم، بل كانوا أكبر الضرر عليهم فاستباح عدوهم بيضتهم، وأهلك حرثهم ونسلهم. وهذا تفسير واضح لكثرة المجاعات، وأحكام الإعدامات، وقمع المظاهرات، وغرق العبارات، وسقوط الطائرات، والسماح بإجراء الانتخابات، وإبراز الشخصيات والزعامات، وتواتر الأخبار عن أفظع الإساءات والإهانات للسجناء والسجينات، بل والتجرؤ على شتم الأنبياء والمرسلين، والتطاول على إمامهم وسيدهم محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أيها الناس: يقول تقرير لمنظمة "أوكسفام" إن الصومال تمر بأسوأ موسم للجفاف تشهده البلاد منذ أربعين عاما، وانهم وجدوا سبعة أشخاص قد ماتوا عطشا، وان عشرات الالاف معرضون لنفس الخطر. ولا يحصل السكان على أكثر من ثلاثة أكواب من الماء في درجة حرارة تتجاوز 40 مئوية. ويتسول الناس الماء على قارعة الطريق، وبعضهم يمشي مسافة 70 كلم بحثا عن المياه. ويضطر السكان الى استخدام أقل من ليتر من الماء للشرب والطبخ والغسل. وأن بعض الأطفال يضطرون لشرب بولهم أو يموتون عطشاً. وتقدر الأمم المتحدة ان أكثر من 11 مليون شخص في كل من كينيا واثيوبيا والصومال واريتيريا وتنزانيا سيحتاجون الى اغاثات غذائية في الشهور الستة القادمة. وأما صور أبو غريب وغوانتانامو وباقي السجون والمعتقلات في العالم، وصور ضرب الصبية البصريين فلا تحتاج إلى إي تعليق. ويجري أمثال هذا التعذيب وأبشع منه في مؤسسات ما يسمى بأمن الدولة في جميع دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي.
أيها الناس: كيف لنا أن ننهي هذه المأساة الكبرى، ونوقف هذا التنافس الحقير وتكادم الحمير؟ والله لقد أصبحت معيشتنا أسوأ من معيشة الحيوانات في الحظائر أو البراري والغابات والأغوار، ولحقت بنا الأضرار، وكثر فينا الأشرار وقل الأبرار. وكل ذلك بسبب حكامنا الذين هم كالأنعام بل أضل سبيلاً. فإذا أدركنا هذه الحقيقة، فإن العجب الذي يتملكنا يزول، والغمامة التي على أعيننا ستنقشع، ونعلم أن بلاءنا يكمن في قادتنا وزعمائنا، فكيف بمن هم أضل من الأنعام أن يرفعوا شعوبهم إلى مستوى الأنام، فضلاً عن أن يجعلوهم خير الأنام؟ وهل يُجتنى من القتاد إلا الشوك؟ فعلينا أن نشمر عن ساعد الجد، ونهب لنعمل مع العاملين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة. فهي التي تقيم العدل وتنشره في ربوع الأرض، وهي التي توقف عذابات الناس جميعاً بحسن رعايتها وسداد خططها وقراراتها، وهي التي تطأ أعناق الجبابرة المفسدين من الكفار والظالمين، وهي التي تفهم معنى الرعاية حق الفهم، وتطبقه حق التطبيق. فاللهم اجعلنا من جنودها وشهودها.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل السلام عليك: أيها الأمير، فقال السلام عليك أيها الأجير فقالوا: قل أيها الأمير، فقال السلام عليك أيها الأجير فقالوا قل الأمير فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول فقال: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هنأت جرباها، وداويت مرضاها، وحبست أولاها على أخراها وفاك سيدها أجرك، وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها".
فهل حكام العالم اليوم وخصوصاً حكام المسلمين يرعون شعوبهم كما يريد الله ورسوله؟ وهل هم أجراء عند الله رب الناس، أم هم أجراء لدى الشيطان وأعوانه من الرأسماليين الغربيين والشرقيين، يتكادمون تكادم الحمير؟
أيها الناس: إن أوجب الواجبات وأولى الأولويات في زماننا هو العمل للخلاص من هذه الزمرة الطاغوتية التي تملكت أمر الناس فأهلكتهم، وهذا لا يكون بالدوران في دوائر السياسة العالمية أو الاقليمية أو المحلية، والتكادم مثلهم كما تتكادم الحمير، بل يكون بالعمل الجاد المخلص على خطى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم لكسر تلك الدوائر واعتراض دورانها المعكوس، حتى تسير الأمور في اتجاهها الصحيح، ويحكم الناس بما أنزل الله، وتتهاوى الرأسمالية وديمقراطيتها العفنة في الأودية السحيقة، فلا نُحِسُّ من أهلها وأتباعهم من أحد ولا نسمع لهم ركزاً.
..........................................................

الجمعة 26 محرم 1427 هـ
الموافق 24 شباط 2006 م

العراق الجريح
(الخطبة الأولى) أيها الناس: وأخيراً وقع المحذور، وثارت ثائرة الجمهور، بعد الاعتداء على المساجد والقبور، ليزداد جرح العراق اتساعاً، ولتغرز أنياب الكفار المحتلين في أحشائه وأضلاعه بعد أن أحكمت القبضة على رأسه وأطرافه. تلك هي الفتنة الطائفية التي طالما حذرناها وحذرنا منها، تلك هي ضريبة عدم الوعي السياسي والعقائدي، وتلك هي النتيجة الحتمية للسير في مخططات الكفار المحتلين من أصحاب الأطماع الاستعمارية البشعة، وتلك هي الحالقة التي تحلق الدين ولا تبقي منه شيئاً ولا تذر. فالله سبحانه وتعالى يقول {هو سماكم المسلمين}، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"، ويقول عليه الصلاة والسلام "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". فمن يعمل بمقتضى هذه الأدلة يسعد ويرشد، ومن يضرب بها عرض الحائط يهلك ويفسد، بل يُهلك ويُفسد كلَّ من حوله.
أيها الناس: إن الذي يجري في العراق اليوم لأمر محزن يدمي القلوب ويفتت الأكباد، ويجعل الحليم حيران. فكيف يقبل أهلنا وإخواننا في العراق أن يعبث بهم الكفار بهذا الشكل المكشوف أمره والظاهر خبثه؟ فمن أولى بالقتال أيها القوم، أإخوانكم وجيرانكم وأبناء جلدتكم أم الكافر المستعمر الذي يحتل بلادكم ويقتل أبناءكم وينهب ثرواتكم؟ وأيهما أحق أن تنتقموا له، دينكم وقرآنكم ورسولكم الذي تطاول عليه كل كافر من شذاذ الآفاق وأبناء السفاح وعَبَدةِ الطاغوت، أم حجارةُ القباب والمراقد والمساجد؟ إن حجارة الكعبة المشرفة لا تتمتع بأي حرمة إذا انتهكت حرمة المسلم، ما لكم كيف تحكمون؟ جاء في سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم". ونظر ابن عمر - رضي الله عنهما - يوما إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: "ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك". وجاء في كتاب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: لهدم الكعبة حجرا حجرا أهون من قتل المسلم‏. قال في المقاصد: لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولكن معناه عند الطبراني في الصغير عن أنس رفعه "من آذى مسلما بغير حق فكأنما هدم بيت الله"، ونحوه عن غير واحد من الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم نظر إلى الكعبة فقال لقد شرفك الله وكرمك وعظمك والمؤمن أعظم حرمة منك، وفي حديث المؤمن، "ليس شيء أكرم على الله من المؤمن"‏.‏ وأخرجه النسائي عن بريدة مرفوعا بلفظ "قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا"‏.‏ وابن ماجه عن البراء مرفوعا بلفظ "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق"، والنسائي عن ابن عمر رفعه بمثله‏.‏
أيها الناس: لقد أكلت نار الحرب العراقية الإيرانية أكثر من مليون مسلم، وقتل الطغاة من حكام هذين البلدين المنكوبين عبر عقود طويلة مئات الآلاف من المسلمين، وحصدت قوات الاحتلال الكافرة من الأميركيين والبريطانيين وحلفائهم عشرات الآلاف من أرواح المسلمين، وقتل منذ الاحتلال الأميركي وحلفائه للعراق حتى اليوم ما لا يقل عن مائتي ألف مسلم، فهل قتل من الكفار الغزاة المحتلين لأرض الرافدين عشر معشار هذا العدد؟ ما هذه الاستهانة بأرواح المؤمنين أيها القوم؟ ما بقي بيت في العراق الجريح إلا وفيه فقيد أو أكثر، فإلى أين أنتم ذاهبون؟ وفي أي طريق أنتم سائرون؟
أيها المسلمون في العراق: لا تنساقوا وراء المخططات الكافرة، ولا تقعوا في شراكها القاتلة، واعلموا أنكم الآن على مفترق طرق خطير، إن سرتم في الاتجاه الخطأ فستدمرون أنفسكم، وستهلكون إخوانكم، ولن تخدموا إلا أعداءكم، وإن أنتم هديتم لأرشد أمركم، ووحدتم صفكم الإسلامي، ولا أقول الوطني، ونبذتم الفتنة الطائفية، وألقيتم السلاح عند لقاء إخوانكم، وحملتموه في وجه أعدائكم، فستنجحون في تفويت الفرصة على أعدائكم ومبغضيكم. أناشدكم الله يا أهل العراق أن تثوبوا إلى رشدكم، وألا تدخلوا النار طواعية بملء إرادتكم. تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، وكونوا عباد الله المخلصين، وتذكروا قول الله عز وجل {هو سماكم المسلمين}. أناشدكم الله يا علماء المسلمين من جميع المذاهب والطوائف والتيارات والحركات والأحزاب والاتجاهات أينما كنتم، أن تتحركوا لوأد هذه الفتنة الطائفية قبل أن تكبر وتستفحل، فنندم ولات ساعة مندم، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بين إخوانكم في العراق.
أرى خلل الرماد وميضَ نارٍ # وأخشى أن يكون لها ضِرَامُ
فإن النار بالعودين تذكى # وإن الحرب مبدؤها كلام
فقلت من التعجب ليت شعري # أأيقاظ أمية أم نيام
يا أهلنا في العراق! أأيقاظ أنتم أم نيام؟ بالله عليكم، لا تفجعونا بأخبار فتنتكم، فلدينا من الأخبار المفجعة ما تنوء به العصبة أولو القوة، بالله عليكم لا تزيدونا رهقاً باستباحة دماء إخوانكم والله قد حرّمها، ويكفينا ما فجعنا به من أنبائكم التي تذهب بلباب العقول. فمن عبث البعث بكم عقوداً طويلة، إلى حرب الثماني سنوات مع إيران، ثم إلى غزو الكويت الأرعن، ثم إلى انهيار الجيش العراقي أمام أول ضربات الغزاة الكفرة دون ثبات يذكر، ثم إلى حكوماتكم المؤقتة العميلة، ثم إلى انتخاباتكم الباطلة المحرمة التي شرخت تركيبتكم السكانية المعقدة، واليوم تريدون أن تفجعونا بفتنة عمياء صماء بكماء؟ فاللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
(الخطبة الثانية) أيها المسلمون في العراق: احذروا هذه الجريمة النكراء، واحذروا من التهافت في النار تهافت الذباب في المرق كما قالها ابن عمر، وتذكروا ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب، من فتنة عمياء صماء بكماء القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي ويل للساعي فيها من الله تعالى يوم القيامة}. وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يمنع أحدكم إذا جاء من يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم القاتل في النار والمقتول في الجنة رواه أحمد. وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الفتنة: كسروا فيها قِسِيَّكم وقطعوا أوتاركم واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم بيته فليكن كخير ابني آدم رواه الخمسة إلا النسائي. وعن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، قال: أرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني؟ قال: كن كابن آدم رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وعن أبي ذر عند أبي داود والترمذي بلفظ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر قلت: لبيك وسعديك، قال: كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بمن أنت منه، قلت: يا رسول الله أفلا آخذ سيفي فأضعه على عاتقي؟ قال: شاركت القوم إذن، قلت: فما تأمرني؟ قال: تلزم بيتك، قلت: فإن دخل علي بيتي؟ قال: فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه. وعن المقداد بن الأسود عند أبي داود قال أيم الله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاثا: إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها معنى قوله " فواها " التلهف.
أيها الناس: إن لم نعمل لإقامة خلافتنا الراشدة الثانية على منهاج النبوة فسندفع الثمن غالياً فوق الذي دفعناه من أثمان باهظة، فلا حل لنا إلا بالخلافة، ولا ينقذنا من براثن الفتن ومن يثيرها إلا الخلافة، فالله سبحانه وتعالى يقول {إنما المؤمنون إخوة}، ولا يلم شعث الاخوة المؤمنين اليوم إلا دولة المؤمنين الثانية كما لمت شعثهم دولة المؤمنين الأولى على يد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، فاعملوا مع العاملين لإيجادها حتى ندرك ما يمكن إدراكه، وننقذ ما يمكن إنقاذه.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:08 PM
مشاركة #48


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 3 صفر 1427 هـ
الموافق 3 آذار 2006 م

قوة الخلافة روحية ومادية
(الخطبة الأولى) أيها الناس: تصادف اليوم الذكرى الثانية والثمانون لهدم الخلافة الإسلامية العثمانية حسب التقويم الميلادي، حيث أعلن الطاغية الملعون مصطفى كمال عن قرار إلغاء نظام الخلافة في مثل هذا اليوم من عام 1924م. ومنذ ذلك الحين وقف العمل بتطبيق الشريعة الإسلامية في جميع بلاد المسلمين لأول مرة في التاريخ منذ أن طبقها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة. إن وقف تطبيق الشريعة الإسلامية قد أوقع بالمسلمين كوارث كثيرةً هزت كيانهم، وزلزلت أركانهم، وجعلتهم في عداد دول ما يسمى بالعالم الثالث، فضلاً عن غضب الله الذي حل بهم لمخالفتهم أمره الصريح {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}. وقد أدى زوال كيان المسلمين السياسي إلى زوال هيبتهم بعد ضمور قوتهم، وأدى إلى إقصائهم عن المرتبة الدولية اللائقة بهم وفق قول الله عز وجل {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً}.
أيها الناس: لقد استخدمت الدولة الإسلامية عبر عهودها الطويلة أسلحة تناسب مقتضى العصر، وأبدع علماؤها في تطوير تلك الأسلحة، وبرع جنودها في استخدامها على نحو يحقق الغاية التي ينشدها المسلمون من حملٍ للدعوة الإسلامية عن طريق الجهاد في سبيل الله، أو ردٍ للمعتدين الغاصبين عن بلاد المسلمين وأموالهم وأعراضهم. وكانت تلك الأسلحة حاسمة قوية تعمل في أيدي أبطال مؤيَّدين بنصر الله عز وجل، وقد حفلت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العملية والخلفاء من بعده بما يدل على أنهم لم يدخروا وسعاً في الإعداد لمواجهة العدو، فأعدوا الجنود وهيأوا السلاح، وشدوا الازر، ورفعوا الناحية الروحية، وبنوا معسكرات الـتـدريـب، واخـتاروا الزمان المناسب للهجوم، وعملوا على استعمال مختلف الاساليب الحربية، ولم يتركوا صغيرة ولا كبيرة في ذلك. ومـعـروف أن النبي عليه الصلاة والسلام لمّا بلغه أن سلاحاً جديداً مؤثراً صنع في اليمن أيام معركة حنين، أرسل جماعة إلى اليمن لشرائه فوراً، تحقيقاً لقول الله عز وجل {وأعدوالهم ما استطعتم من قوة}. وحوادث الرشيد ونقفور، والمرأة العمورية والمعتصم والخيل البلق والمنجنيق، وغيرها من الحوادث في تاريخ أمتنا المجيد، لا تزال ماثلة أمام أعيننا تشهد على جدية الإعداد وعظمة تطبيق الإسلام وقوة الانتصار للمظلومين. ولا زالت الكتب والموسوعات العلمية العسكرية تتحدث عن سلاح البحرية العثماني وفعالياته في المتوسط وغيره من البحار والمحيطات، كما أن أكاديمية عسكرية بحرية فرنسية تدرس اليوم نظرية وضعها عالم مسلم في علم العسكرية البحرية.
أيها الناس: إن أبرز الأسلحة في زماننا هو السلاح النووي، وهو الذي جعل أميركا مثلاً تهيمن على العالم أجمع، ذلك أنه سلاح يقتل بالجملة ويدمر مدناً بكاملها، بل ويزيل دولاً عن الخريطة السياسية بكبسة زر واحدة. ولا يمكن لدولة من دول العالم أن تفرض نفسها في الحلبة الدولية، وأن تكون مرهوبة الجانب إلا إذا ملكت السلاح النووي الرادع. ولذلك تسعى كل من بريطانيا وفرنسا والصين لتعزيز قدراتها النووية، ونلاحظ شغف كوريا والهند على تطوير البرامج النووية، وسعت إسرائيل لامتلاكه بعد نشوئها بسنوات معدودة، وأخيراً وليس آخراً فإن هناك بلدين مسلمين تسعيان لامتلاك السلاح النووي وهما باكستان وإيران. وبغض النظر عن تبعية كلتا الدولتين لأميركا سياسياً، فإن العالم - ومعه أميركا - قد أحدثوا جلبة كبيرة حول هذا الموضوع، لا لشيء إلا خوفاً من حدوث تحولات سياسية في هذين البلدين تجعل قرار استخدام السلاح النووي بأيدي مخلصين لله ولرسوله ولجماعة المسلمين، وهذا ما يحاذره الغرب والشرق على حد سواء.
أيها الناس: يقول جيفري كمب من المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب معلقاً على زيارة الرئيس الأميركي المرتقبة إلى الهند، وقرار الإدارة الأميركية الخاص ببيع تكنولوجيا نووية إلى الهند لصالح برنامجها المدني: "إن كل شيء تغير بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، فبين عشية وضحاها أصبحت باكستان حليفاً ضرورياً...وصارت المراهنة على الهند للوقوف أمام بروز الصين كقوة إقليمية عظمى...وترى وزارة الدفاع الأميركية والبيت الأبيض أن على الولايات المتحدة الآن أن تخوض "الحرب الطويلة" بدلاً مما كان يعرف في السابق بـ"الحرب على الإرهاب" وفيما بعد بـ"الكفاح ضد التطرف العنيف"، وباختصار، وكما وصفته إحدى دراسات البنتاغون، حرباً ضد "الخصم الكوني". وأعلن الرئيس الأميركي في خطابه حول "حالة الاتحاد" الشهر المنصرم، أن هدف إدارته هو هزم "الإسلام الراديكالي".
أيها الناس: إنهم يكيدون لنا كيداً عظيماً، ويمكرون بنا مكراً كُبّاراً، ويجب علينا أن نرتقي بمستوى تفكيرنا إلى خوض غمرات العمل السياسي على قاعدة إيجاد دولة قوية للإسلام والمسلمين، يمكن من خلالها تطوير كافة أنواع الأسلحة وتصنيعها، بما فيها السلاح النووي، وبأيدي إسلامية وعلماء مسلمين وأموال إسلامية، لتصبح في وقت قياسي خلافة نووية قادرة على تبوّء مقعد متقدم بين أقرانها بل وتبزُّهم وتنفرد بقيادة العالم أجمع، ولا عجب، فلدينا كل المقومات اللازمة، ولا ينقصنا إلا القرار السياسي الذي يفعِّلها ويوجهها الوجهة الصحيحة، وما ذلك على الله بعزيز. وهذا لا يتحقق بإقامة دولة فلسطينية هزيلة، أو بالسير في برامج السياسة المتبناة من قبل دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي، والخاضعة جميعاً لإرادة الكفار، فأزمتنا أزمة إرادة وسيادة ودولة واحدة للمسلمين، لا أزمة إمكانيات ومقومات ومزيد من الدويلات.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: رغم أننا نسعى لإقامة خلافة إسلامية ثانية راشدة على منهاج النبوة تملك كافة الأسلحة العصرية بما فيها السلاح النووي، إلا أننا ندرك عقائدياً أن منطق التوازنات شيء مختلف لا يحسمه تفوق القوى العسكرية، بل إن التوازن في القوى يعتبر مجرد لحظة عابرة تنقضي سريعاً طبقاً لمفهوم قذف الرعب بالتعبير القرآني. وهذا يسحق تفوق الكفار الظاهر، إقرأوا إن شئتم قول الله سبحانه وتعالى {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان}، وقوله سبحانه {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين}، وقوله الله عز وجل {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم}، ومع ذلك فلا بد من الإعداد والأخذ بالأسباب.
أيها الناس: لقد آن الأوان لنا أن ندرك أن عزنا لا يكون إلا بالخلافة الإسلامية، فهي النظام الذي أمرنا الله بتطبيقه، وهو النظام الذي أعز الله به المسلمين عبر عهودهم الطويلة، وهو النظام الذي يملك الإرادة السياسية المستقلة التي تعتبر أول مقومات السيادة. ولما طبقه المسلمون سطروا أروع أمثلة البطولة في كافة الميادين، وبلغ عزهم عنان السماء، وخضعت لهم البلاد الواسعة، ودانت لهم رقاب الجبابرة، وتنزلت معهم ملائكة السماء تقاتل نصرةً لدين الله وجنده، فلا تتوانوا عن العمل لإيجادها أيها المسلمون لعلكم تفلحون. أما أنتم أيها اللاهثون خلف سراب السياسة الدولية الحالية الخاطئة الكاذبة، ثوبوا إلى رشدكم، وارجعوا إلى حضن أمتكم، فلا روسيا تنفعكم، ولا أوروبا تجيركم، ولن تتمكن أميركا من تثبيتكم إن كان الله يريد أن يزعزعكم كما زعزع الذين من قبلكم، فاعتبروا يا أولي الأبصار!

.................................................

الجمعة 10 صفر 1427 هـ
الموافق 10 آذار 2006 م

الحوار الوطني في ميزان الإسلام
(الخطبة الأولى) أيها الناس: تدور - ومنذ أمد بعيد - حوارات وطنية داخل كل قطر من أقطار العالم الإسلامي الممزق، وتصرف في هذه الحوارات جهود مضنية وأموال طائلة وأوقات طويلة، ويدخل المتحاورون في كثير من الأحيان في سجالات عقيمة قد تفضي إلى حد الاقتتال الداخلي أو الحرب الأهلية. ثم تستأنف هذه الحوارات الوطنية بوساطات خارجية بحجة رأب الصدع، ولم الشمل، وتوحيد الجهود الوطنية، وما بات يعرف بالوحدة الوطنية. ثم تنطلق الشعارات التي تنادي بالوحدة الوطنية، وأنها خط أحمر لا يجوز تخطيه بأي شكل من الأشكال، ويتحدثون عن حرمة إراقة الدم الوطني، وما شابه ذلك من مصطلحات يكررها الساسة والمسؤولون، ويرددها الإعلاميون أكثر من التسبيح والتهليل والتحميد والحوقلة. وصار سقف هذه الحوارات الوطنية لا يتعدى وئاماً وطنياً مؤقتاً يحافظ فيه الفصيل الوطني المسيطر على مكتسبات الحكم وغنائمه، وترضى باقي الأطراف الوطنية الأضعف بنصيبها من تلك الغنائم، ولا عزاء لشهداء الوطن الذي قضوا في سبيل تلك الأهداف المتواضعة، بل إن التنظيمات الوطنية قد اتخذتهم جسراً تعبر فوقه إلى مصالحها ومصالح أسيادها في الوطن وخارجه.
أيها الناس: إننا نلاحظ أن الذي يدير هذه الحوارات الوطنية في العالم الإسلامي ومنه العربي هم الساسة الغربيون وسفراؤهم في بلاد المسلمين، وأحياناً توكل مهمة إدارة تلك الحوارات إلى مدراء الأجهزة الأمنية ورجال المخابرات الذين تشكلت عقلياتهم على أسس إجرامية تجسسية، وينحصر سجل إنجازاتهم في قمع إخوانهم خدمة لأسيادهم. وهذا عين ما هو حاصل في الحوار الوطني اللبناني اليوم حيث يعتقد سياسيون ومحللون لبنانيون أن واشنطن وباريس والرياض ودمشق وطهران وحتى تل أبيب تتدخل في الحوار الوطني اللبناني بشكل واضح حيناً وخفي حيناً آخر. ويشير هؤلاء إلى أن الأميركيين والفرنسيين يتدخلون عبر سفاراتهم النشطة في بيروت، ولا يمر يوم دون أن يلتقي مسؤولون من سفارتي الدولتين بمسؤوولين لبنانيين معنيين بالحوار الوطني. وأكثر من ذلك يشير البعض إلى أن وجهة نظر إسرائيل الأمنية فيما يتعلق بسلاح المقاومة اللبنانية والفلسطينية، موجودة في جلسات الحوار. وقد شوهد السفير الأميركي أكثر من مرة في ساحة النجمة ببيروت يدور بسيارته أثناء عقد جلسات الحوار في علامة لا تقبل النفي أو النقاش على التدخل الأميركي. وأكد نائب لبناني أن التدخل الأميركي ليس خفياً، بل واضحاً وضوح الشمس، وحمل نائب آخر سوريا مسؤولية أي إرباك يمس الحوار، ولا يستبعد محلل سياسي لبناني أن تكون هناك دول خارجية تدفع بالحوار من أجل مصلحتها.
أما الحوار الوطني الفلسطيني فحدث عنه ولا حرج، حيث اللقاءات المصرية الفلسطينية المعلنة وغير المعلنة، مع مختلف القوى الوطنية والإسلامية في غزة والقاهرة، وزيارات مدير المخابرات العامة ونوابه المتكررة، وغير ذلك من متعلقات الحوار الوطني الفلسطيني كتدخل إسرائيل وأميركا والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، كل ذلك قد مهد لما يعرف بالتهدئة، وأوصل الحركة الإسلامية إلى سدة الحكم في بلد ليس للمسلمين فيه سدة ولا حكم.
أيها الناس: إن الذي يسري على الحوار الوطني اللبناني والحوار الوطني الفلسطيني يسري في نفس الوقت وبنفس القوة وعلى نفس النمط على الحوار الوطني العراقي والسوداني والجزائري والمغربي وكل أنواع الحوار والوئام الذي يقوم على أسس الوطنية، سواء كان في داخل الوطن الواحد أم خارجه، كالحوار بين دول الجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو منظمة الوحدة الافريقية أو مجلس التعاون الخليجي، فهي جميعاً محكومة بقواعد الحوار المتبناة من قبل الدول الكافرة التي لا ترقب في مؤمن إلاً ولا ذمة.
أيها الناس: ليس من تفسير لحضور مندوبين عن دول الكفر ومؤسساته السياسية والاقتصادية والإعلامية وحتى الاجتماعية لمؤتمرات الحوار الوطني في العالم الإسلامي إلا أنه تدخل سافر في شؤون المسلمين، وفرض إراداتهم على أعمال هذه المؤتمرات، وتوجيهها الوجهة التي تتفق مع مصالحهم وتحقق أغراضهم، فهل بعد هذا البيان نقول إنهم أصدقاؤنا ولا غنى لنا عنهم؟
أيها الناس: لقد أصاب المسلمين من الحوارات الوطنية غم كبير وشر مستطير، وقد انحرفوا عن مسار الحوار الصحيح الذي يقوم على أسس الإسلام بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين الكفار، وخرجوا عن الخط التحاوري الذي رسمه لهم رسول الله صلى اله عليه وسلم عندما حاور الأوس والخزرج لما فتنهم اليهود قائلاً: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}. وخاطب على أساسه الكفار من أهل الكتاب قائلاً: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}. ثم جابه المعاندين بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}. جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل كما في صحيح مسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله - إلى قوله: فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون".
أيها الناس: هكذا كانت خصال قواد المسلمين في الفتوحات الإسلامية الأولى، ولم يتعد حوارهم ذلك أبداً، وكان لهم ما أرادوا. فقد طلب زعماء الروم من أبي عبيدة أن يرسل إليهم رجلاً ليعرفوا حاجة المسلمين، فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل وكان ذلك في سنة 13 هـ، قبل معركة اليرموك، فقال معاذ لترجمانهم: أفهم عني أن أول ما أنا ذاكر حمد الله الذي لا إله إلا هو، والصلاة على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن أول ما أدعوكم إليه أن تؤمنوا بالله وحده وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن تصلوا صلاتنا، وتستقبلوا قبلتنا، وأن تستنوا بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وتكسروا الصليب، وتجتنبوا شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، ثم أنتم منا ونحن منكم، وأنتم إخواننا في ديننا، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية إلينا في كل عام وأنتم صاغرون، ونكف عنكم، وإن أنتم أبيتم هاتين الخصلتين فليس شيء مما خلق الله عز وجل نحن قابلوه منكم، فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، فهذا ما نأمركم به وندعوكم إليه. فلما فرغ معاذ من خطابه قالوا: ما نرى بيننا وبينك إلا متباعداً، وهذه خصلة نحن نعرضها عليكم، فإن قبلتموها منا فهو خير لكم، وإن أبيتم فهو شر لكم، نعطيكم البلقاء وما إلى أرضكم من سواد الأرض، وتنحَّوا عن بقية أرضنا وعن مدائننا، ونكتب لكم كتاباً نسمي فيه خياركم وصلحاءكم. فقال معاذ: هذا الذي عرضتم علينا وتعطونه كله في أيدينا، ولو أعطيتمونا جميع ما في أيديكم مما لم نظهر عليه ومنعتمونا خصلة من الخصال الثلاث التي وصفت لكم ما فعلنا. فغضبوا عند ذلك، وقالوا: نتقرب إليك وتتباعد عنا؟ اذهب إلى أصحابك، إنا لنرجوا أن نفرقكم في الجبال غداً. فقال معاذ: أما الجبال فلا، ولكن والله لتقتلننا عن آخرنا، أو لنخرجنكم من أرضكم أذلة وأنتم صاغرون. فانصرف معاذ إلى أبي عبيدة فأخبره بما قالوا، وبما رد عليهم. ثم بعث الروم إلى أبي عبيدة رجلاً يخبر به عنهم قالوا: إنك بعثت إلينا رجلاً لا يقبل النَّصَف، ولا يريد الصلح، ولا ندري أعن رأيك ذلك أم لا، وإنا نريد أن نبعث إليك رجلاً منا يعرض عليك النَّصَف. فقال لهم أبو عبيدة: ابعثوا من شئتم. وعندما وصل رسولهم قام أبو عبيدة فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن الله بعث فينا رسولاً نبياً، وأنزل علينا كتاباً حكيماً، وأمره أن يدعو الناس إلى عبادة ربهم، رحمة منه للعالمين...إلى أن قال: وأمرنا رسولنا فقال: إذا أتيتم المشركين فادعوهم إلى الإيمان بالله ورسوله، وبالإقرار بما جاء به من عند الله عز وجل، فمن آمن وصدَّق فهو أخوكم في دينكم، له ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية حتى يؤدوها عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا أن يؤمنوا أويؤدوا الجزية فاقتلوهم وقاتلوهم، فإن قتيلكم المحتسب بنفسه شهيد عند الله، وهو في جنات النعيم، وقتيل عدوكم في النار، فإن قبلتم ما سمعتم مني فهو لكم، وإن أبيتم ذلك فابرزوا. أجل أيها المسلمون، هكذا يكون الحوار وإلا فلا.
(الخطبة الثانية) أيها الناس، يا أصحاب الحوار الوطني، يا من يممتم وجوهكم شطر أميركا وروسيا وأوروبا والأمم المتحدة: إن لكم فيمن سبقكم من المتحاورين عبرة! فلقد كانت نتيجة حوار أسلافكم من القادة المسلمين أن فتح الله عليهم البلاد ودانت لهم العباد وخضعت لهم رقاب الجبابرة، وكانت نتيجة حوار أسلافكم من الوطنيين الأتراك مع بريطانيا هدم الخلافة الإسلامية، وصيرورة تركيا بلداً فقيراً لم يرفع رأساً منذ نيف وثمانين عاماً. وكانت نتيجة حوار الوطنيين السعوديين مع الإنجليز سلخَ جزيرة العرب عن جسم الدولة الأم، وقتلَ إخوانهم الأتراك والعرب من المسلمين، ومنذ نيف ومائة عام وهم ينفقون ثروة الأمة بسفه بالغ، وقد أصبحت الجزيرة في عهودهم النحسة مرتعاً للكفار وقواعد لهم وإرصاداً لحرب المسلمين. وكانت نتيجة حوار عبد الناصر مع أصدقائه السوفييت الاشتراكيين وبالاً على مصر أجيالاً متعاقبة، وليست معاناتهم من الرأسمالية العفنة أقل سوءاً. وكانت نتيجة حوار السودانيين الوطني أن تفسخ السودان وتمزق وهم ينظرون. وماذا بالله عليكم كانت نتيجة الحوار الوطني الصومالي أو النيجيري أو الموريتاني أو الباكستاني أو اليمني أو الكويتي أو غيرها من الحوارات الوطنية التي تُجمع جميعاً على إقصاء الإسلام عن الحياة الوطنية، وفي أحسن الظروف توظيفه لخدمة أغراضها الوطنية.
أيها الناس: رب مريد للخير لا يصيبه، فمن كان قصده الخير لشعبه من تلك الحوارات ونيته صادقة، فإنا نقول له إن صدق النية وحده لا يكفي، فلا بد من موافقة ذلك لما جاء به الشارع الحكيم، والتزام الشرعية الإسلامية واتخاذها مرجعية وحيدة. فالله سبحانه وتعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}.
أيها الناس: هذه هي الخصال التي ينبغي أن يحاور فيها المسلمون الكفار، ليختاروا ما يرونه، أما ما سوى ذلك فلا مجال فيه للحوار.
وقد يقول قائل: هذا إن كان للمسلمين قوة ومنعة وعدة على ذلك، فماذا يصنعون اليوم وحالهم ما تعلم؟ والجواب: إن عليهم أن يعدّوا لذلك العدة، وأن يغيروا ما بأنفسهم حتى يغير الله ما بهم، وأن يعملوا مع العاملين لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة التي تتولى ذلك الحوار حسب الأصول، فليتنحوا جانباً حتى يأخذ القوس باريها.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:11 PM
مشاركة #49


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 24 صفر 1427 هـ
الموافق 24 آذار 2006 م

ولا يزالون يقاتلونكم

(الخطبة الأولى) أيها الناس: اتصلت وزيرة الخارجية الأميركية هاتفياً بالرئيس الأفغاني طالبة منه التدخل لإيجاد حل مناسب لقضية الأفغاني الذي يواجه عقوبة الإعدام بسبب ارتداده عن الإسلام واعتناقه النصرانية. وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن رايس أكدت لكرزاي على ضرورة أن يدرك الشعب الأفغاني أهمية حرية المعتقد وحرية التعبير لا سيما وأنهما يعدان جزءاً لا يتجزأ من الدستور الأفغاني، مشيراً إلى أنها لم تطلب صراحة منه وقف المحاكمة أو الإفراج عن الأفغاني المعتقل. وكان الرئيس الأميركي قد أعرب كذلك عن "قلقه الشديد" إزاء مصير الأفغاني، ودعا الحكومة الأفغانية إلى احترام المبدأ العالمي للحرية، مؤكداً رغبته في العمل مع كابل للحرص على احترام حرية الأديان. وفي فيينا قالت وزيرة الخارجية النمساوية إن الاتحاد الأوروبي الذي تتولى بلادها رئاسته الدورية سيبذل ما بوسعه لإنقاذ حياة الأفغاني الذي يواجه عقوبة الإعدام. وأضافت في بيان أن رئاسة الاتحاد ستتابع الوضع عن كثب وستقرر الخطوات القادمة حسب تطورات القضية، مشيرة إلى أن النمسا والاتحاد يتوقعان من القاضي الذي يرأس المحاكمة مراعاة الالتزامات الدولية لأفغانستان كما ورد في دستور هذا البلد. في المقابل أكدت السلطات الأفغانية رغبتها في تسوية لتجنب إعدام الأفغاني عبد الرحمن (40 عاما) الذي اعتقل الشهر الماضي بالعاصمة كابل بعد أن رفعت عائلته شكوى ضده إلى الحكومة لارتداده عن الإسلام. وقال القاضي المكلف برئاسة المحاكمة إن هناك محاولة لمعالجة هذه القضية بسرعة والتوصل إلى حل مرض يتضمن محاولة إقناع عبد الرحمن بالعودة إلى الإسلام، مؤكدا أن المسألة حساسة جداً. وصرح متحدث باسم المحكمة بأن عبد الرحمن قد يكون مختلاً عقلياً، وسيخضع لفحص لقدراته العقلية والنفسية. وقال محللون إن هذا سيكون مخرجاً سهلاً بالنسبة لكابول وسط مخاوف من أن تسبب هذه القضية شرخاً بينها وبين الدول الغربية التي تعتمد عليها البلاد في إعادة الإعمار والتصدي للهجمات المتصاعدة التي تشنها حركة طالبان. ويعتقد أن عبد الرحمن هو أول أفغاني مرتد يحكم عليه بالإعدام طبقاً للشريعة الإسلامية لرفضه العودة إلى الإسلام. وكان عبد الرحمن الذي عاش في ألمانيا لسنوات عديدة قد تحول إلى النصرانية منذ 16 عاماً أثناء عمله بمنظمة إغاثة في باكستان.
أيها الناس: هذه القصة وما يرافقها من ملابسات تصلح أن تكون مثالاً مناسباً يقدم لكل من تسول له نفسه اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وتمثل نموذجاً صارخاً لكل من يوهم نفسه أنه قادر على تطبيق الشريعة الإسلامية بالتنسيق مع أميركا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين مجتمعين أو متفرقين. وتعتبر هذه الحادثة دليلاً ساطعاً قاطعاً على أن الكفار يعملون جاهدين، بل ويحرصون على صرف المسلمين عن دينهم جملة وتفصيلاً، وصدق الله العظيم إذ يقول: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}. فالآية مبينة للقاعدتين معاً: حتمية الصراع (ولا يزالون يقاتلونكم)، وغايتهم من الصراع (حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)، إذن لا بد أن يكون هذا الامر واضحاً عند المسلم غاية الوضوح، فمن يحاربك فهو يطاردك أو يقاتلك أو يفاوضك وهدفه أن يردك عن دينك حتى يتسلل الخلل إلى شخصك وأمتك ليغير اتجاه مسيرتها. قال الزمخشري في الكشاف: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ} إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردّوهم عن دينهم، وحتى معناها التعليل كقولك: فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة، أي يقاتلونكم كي يردّوكم. و{إِنِ اسْتَطَاعُواْ} استبعاد لاستطاعتهم كقول الرجل لعدوّه: إن ظفرت بي فلا تُبق عليَّ، وهو واثق بأنه لا يظفر به. وأما ابن كثير فيقول في تفسيره لهذه الآية {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَاعُواْ}: أي، ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين!
أيها الناس: إن الذي فرض الحكومة الأفغانية ونصَّب عليها الفاسق كرزاي العاجز عن تطبيق حكم الردة على واحد من رعيته هي أميركا، وكذلك فعلوا في باكستان عندما نصبوا عليها الجنرال غير المشرف ليقول للمسلمين المجاهدين من غير الباكستانيين والمقيمين في باكستان: إرحلوا وإلا سنسحقكم كما سحقنا إخوانكم في إقليم وزيرستان! وأما ما يفعله في الشيشان فرائحته تزكم الأنوف، وهكذا تفعل أميركا في باقي مزارعها السياسية الكائنة في بلاد المسلمين. فلماذا يكون الحال مختلفاً في فلسطين، وأميركا هي راعية العملية السلمية فيها؟ أليست هي صاحبة اليد الطولى في تثبيت إسرائيل، ويتم الاستيطان وضم الأراضي الشاسعة في القدس والجولان والأغوار تحت سمعها وبصرها؟ أليست هي التي تعتبر المسلمين بأنهم الخصم الكوني؟ فلماذا يكون مسلموا فلسطين استثناءً من القاعدة؟ ألا ترون أن ذلك استدراجاً لبعض الفئات كي تقع في الشّرك القاتل؟ أفيقوا أيها الإخوة، فوعد الله أوثق من وعد أميركا، وقوته أكبر، ومكره أعظم، فلا تسيروا في مخططاتهم، ولا تركنوا إلى وعودهم، فوالله لن تستطيعوا أن تضربوا عنق مرتد يجاهر بقول "لا إله والحياة مادة"، ولن تستطيعوا أن تعاقبوا امرأة خرجت سافرة إلى الحياة العامة السياحية وغير السياحية، ولن تستطيعوا أن تسنوا قانوناً يسمح بتعدد الزوجات، ولن تستطيعوا أن تغلقوا بنكاً ربوياً واحداً، ولن تستطيعوا أن تقطعوا يد سارق، ولن تستطيعوا أن تعاقبوا تارك صلاة أو ترجموا زانياً أو زانية أو تجلدوهما، ولن تستطيعوا أن تأخذوا جزية من "إخوانكم" النصارى، ولن تستطيعوا أن تقلعوا شجرة غرسها مستوطن في الأغوار، وستقضوا عمركم السياسي كله قبل أن تستطيعوا استعادة المنطقة الأمنية شمال قطاع غزة، ولن تستطيعوا بناء جيش قوي قادر على حماية أهلكم من الاجتياح والقصف والاغتيال، فضلاً عن اضطلاعه بمهمة حمل الدعوة الإسلامية عن طريق الجهاد في سبيل الله، ولن تستطيعوا أن تثأروا ممن تطاول على رسول الله ودنس القرآن، ولن تستطيعوا إنقاذ الأقصى من الخطر الذي يتهدده فضلاً عن تحريره كاملاً، ولن تستطيعوا أن تجمعوا شتات شعبكم المقسم إلى مزق جغرافية وسياسية مريعة في الشتات والمهجر وأرض الإسراء، ولن تستطيعوا تحرير الأسرى، ولن تستطيعوا تسمية أحد منكم أو من غيركم ليكون خليفة للمسلمين، يبايعه الناس على السمع والطاعة للحكم بكتاب الله وسنة ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيتخلصوا من إثم الميتة الجاهلية التي تتربص بهم. فإن لم تفعلوا ذلك، ولن تفعلوا، فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، وثوبوا إلى رشدكم، وارجعوا إلى حضن أمتكم، واعملوا مع العاملين المخلصين لإعزاز دينكم بإقامة خلافتكم، وثقوا بوعد ربكم، ولا تهنوا ولا تحزنوا، والله معكم ولن يتركم أعمالكم.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن أخطر ما يواجه المسلمين في دينهم ودنياهم هو المسارعة في الكفار من اليهود والنصارى وموالاتهم مهما كانت الذرائع. فالتحذير من موالاتهم والمسارعة فيهم ليس فيه استثناء لذريعة أو مصلحة مظنونة أو محققة. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنهم منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين. فترى الذين في قلوبهم مرض يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}. هكذا هو ديننا، وهذا ما علمناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما قاله علماء السلف والخلف من المتقدمين والمتأخرين، فمن خالفه فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً.
أيها الناس: كل رأس لم تصادمه الخطوب فهو ذنب، وقال الشاعر: تصبر ولا تبد التضعضع للعدى # ولو قطعت في الجسم منك البواتر. سرور الأعادي أن تراك بذلة # ولكنها تغتم إذ أنت صابر.
فيا إخواننا في العراق، ويا إخواننا في فلسطين، قد علمتم ماذا فُعل بإخوانكم في أفغانستان والجزائر وباكستان ومصر وغيرها من بلاد المسلمين، فلا تقعوا فيما وقعوا فيه، ولا تتولوا قوماً غضب الله عليهم، ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين. فخسارتكم تنعكس على أمتكم، ومواقفكم تحسب عليها، فلا تكونوا سبباً في نكبة جديدة تضاف إلى نكباتها، يرحمكم الله، بل كونوا عوناً لها للخلاص مما هي فيه، ولا تكونوا عوناً للشيطان وأوليائه عليها، بل أعينوها على الشيطان وأوليائه، واستعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
....................................................

الجمعة 2 ربيع الأول 1427 هـ
الموافق 31 آذار 2006 م

خرطوم الفيل العربي
(الخطبة الأولى) أيها الناس: شهد الاسبوع المنصرم جملة من الأحداث البارزة التي لا يمكن تجاهلها أو إغفال تزامنها، فهي ذات إيقاع متناغم يدل على أن قائد الجوقة واحد. فانعقاد مؤتمر القمة العربية في الخرطوم، وتشكيل الوزارة الفلسطينية الجديدة، وإجراء الانتخابات الإسرائيلية تبدو وكأنها أحداث مترابطة في سياقها وتوقيتها، بل وفي نتائجها وبياناتها وتصريحات رموزها حيال القضية الفلسطينية على وجه التحديد. ولست اليوم بصدد فضح تخاذل حكام العرب عن نصرة قضايا شعوبهم، فقد أصبح ذلك مكشوفاً وعلى ظاهر الكف ومن نافلة القول، ولست كذلك ممن يرجون أن تتمخض مؤتمرات القمة عن غضبة مضرية نرفع به رأساً أو نغيظ عدواً، فذلك سراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ولكني أشير إلى تواطؤ هذه المؤتمرات بزعاماتها الحاضرة والغائبة مع الكفار من أعداء هذه الأمة لكبتها وإثخان جراحها وسوقها إلى الرضوخ لمطالب أعدائها.
أيها الناس: لما احتلت الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء والجولان عام 1967م بعد الهزيمة العربية فيما عرف بحرب الأيام الستة، عقد في الخرطوم مؤتمر قمة وحضرت جميع الدول العربية باستثناء سوريا التي دعت إلى حرب تحرير شعبية ضد إسرائيل. وصدر عن القمة مجموعة من القرارات أهمها اللاءات العربية الثلاث (لا للاعتراف، لا للتفاوض، لا للصلح)، وتأكيد وحدة الصف العربي، والالتزام بميثاق التضامن العربي، والتعاون العربي في إزالة آثار العدوان عن الأراضي الفلسطينية، والعمل على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية، واستئناف ضخ البترول إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا الغربية، وإقرار مشروع انشاء صندوق الإنماء الاقتصادي العربي، وسرعة تصفية القواعد الأجنبية في البلاد العربية! وبعد نحو أربعين عاماً عقد مؤتمر قمة عربي في الخرطوم أيضاً، ولم يتحقق من مقررات المؤتمر الأول فيما أعلم، والله أعلى وأعلم، إلا بند استئناف ضخ البرول إلى أميركا وبريطانيا. أما اللاءات فتحولت إلى نعمات وخضوع للإملاءات ومزيد من التنازلات، وأما وحدة الصف فلا زالت قائمة وازدادت قوة على قوتها في وجه الإسلام والمسلمين، وأما التعاون العربي في إزالة آثار العدوان فقد نجح العرب نجاحاً منقطع النظير في عدم اعتباره عدواناً فزالت آثاره تلقائياً! وأما سرعة تصفية القواعد العسكرية في البلاد العربية فأمرٌ قد عفا عليه الزمن كون البلاد العربية قد أصبحت جميعاً قواعد عسكرية، فلا معنى لبحث الموضوع! ولكن الجديد القديم هو الاعتراف بإسرائيل والإصرار على انسحابها من أراض احتلت عام 67. فمنذ أربعين عاماً وهم معترفون ضمناً بدولة إسرائيل، ولكنهم كانوا متحيرين في الإخراج. فلما قامت السلطة ذهبت الحيرة عنهم وقالوا في مؤتمرهم الأخير: أما في الشأن الفلسطيني فقد أشار الأمين العام لجامعة الدول العربية إلى التزام الجامعة بمساعدة الفلسطينيين خصوصا إذا تأخر تمويل السلطة من الجهات الملتزمة لأي سبب من الأسباب.
أيها الناس: أرأيتم حجم التواطؤ من هؤلاء الحكام الزنادقة مع أسيادهم وإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب؟ ألا تشهدون عليهم بعد ذلك بأنهم أعداء لكم يتربصون بكم الدوائر؟ ما معنى مساعدة السلطة التي قال فيها أحد الساسة اليهود إنها مصلحة إسرائيلية؟ هذه السلطة التي لم تقم إلا بموافقة أميركية أوروبية إسرائيلية، وثبتوها بأموالهم وساستهم وخبرائهم وسماسرتهم. ولما صارت السلطة في يد الجناح الإسلامي للطائر الفلسطيني الجريح، ظهر الغرب بمظهر الممتنع عن التأييد لها وضخ الأموال اللازمة لتسيير أمورها، فكان لا بد من طرح البديل، فأبت النخوة العربية إلا أن تمد خرطومها لسد العجز واستمرار ضخ المخدر في هذا الجسد الذي يرقد تحت التشريح في غرفة العمليات السياسية القاتلة. ولا عجب، فمن الخرطوم تم امتصاص النقمة العارمة التي تولدت بعد حرب الأيام الستة، وللخرطوم تجارب عظيمة في المشاكل بين المتجاورين فلها عشرة جيران، ولها باع طويل في إجهاض أعمال قمع المتمردين وجعلهم شركاء في الحكم، ومن الخرطوم تنفث سموم الحرب الأهلية في إقليم دارفور الذي يسير على طريق الانفصال كما فصل الجنوب، وكل فعاليات خرطوم الفيل العربي تسير على هذه الوتيرة.
أيها الناس: هناك تزامن بين مد خرطوم الفيل العربي نحو فلسطين الجريحة بالتخدير والتسكين والتهدئة، وبين تصريحات الفائزين في الانتخابات الاسرائيلية حول خطوات أحادية الجانب، وفصل الشعبين، وضم بعض الأراضي في الأغوار وتسليم البعض الآخر في مناطق أخرى، وإزالة المستوطنات الصغيرة، وضم كثيفات السكان منها، وترسيم الحدود النهائية لما يسمى بدولة إسرائيل، وغير ذلك من إجراءات من شأنها خنق الطائر الجريح بجناحيه وشعبه المنكوب بقادته وأعدائه وأصدقائه المفترضين، فيحيط اليهود به من كل جانب. وهذا كله ينذر بحلول الكارثة، تلك الكارثة التي تكمن في السير في إجراءات الحل النهائي لما يسمى بقضية فلسطين أو مشكلة الشرق الأوسط، وإذا حصل ذلك – لا سمح الله – فإن كل شيء ينهي القضية ويصفيها تصفية نهائية سيكون مباحاً عندهم. فقتل المعارضين أو سجنهم واعتبارهم أعداءً أمر وارد، والاعتراف وارد، والتنازل عن الحقوق المشروعة والتاريخية والشرعية وارد، والخضوع للإملاءات الغربية والشرقية وارد، وتذويب الإسلام في الوطنية والديمقراطية وارد، والقبول بالسيادة المنقوصة وارد، والتسول الدائم لسد العجز في الميزانيات وارد، ورهن الإرادة السياسية بالكفار وارد، وغضب الله على رؤوس الناس وارد. نعوذ بالله من غضبه ونستغفره ونتوب إليه.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن أرض فلسطين ليست ملكاً للطائر الفلسطيني الجريح العاجز عن الطيران شبراً واحداً فوق الأرض، وليست ملكاً للفيل العربي البليد ثقيل الظل، يوجهه أبرهة الغربي كيف يشاء، وإنما فلسطين ملك للمسلمين جميعاً، وأرضها خراجية، وأقصاها وقفي إلى يوم القيامة. فمن أراد الخوض في قضيتها فليلتزم بما رواه الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). وذكرت كتب السيرة: أن أهل المدينة فزعوا في إحدى الليالي على صوت دويّ في بعض جنباتها، فانطلق أناس تجاه الصوت، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاهم راجعا - بعد أن سبقهم إلى مكان الصوت واستبرأ الخبر- على فرس عري والسيف في عنقه، وهو يقول لهم مطمئنا: "لن تراعوا، لن تراعوا" أي: لا تخافوا، لا تخافوا.. وأنتم أيها المسلمون بين خيارين لا ثالث لهما، فإما أن تكونوا عرباً متدابرين متناحرين متفرقين تحت رحمة خرطوم الفيل العربي وصاحبه أبرهة، ينفث في وجوهكم سموم التآمر والخيانة والعمالة والتقصير الفاضح والنكبات المتتابعة على رؤوسكم، ويفعل بكم الأفاعيل كما فعل بأشياعكم من قبل، وكما فعل الأردنيون والكويتيون والعراقيون واللبنانيون والسوريون بالفلسطينيين، وكما فعل السوريون باللبنانيين، وكما فعل المصريون بالسودانيين، وكما فعلت باكستان بأفغانستان، وأوزبكستان في أنديجان، والقائمة طويلة جداً. وإما أن تكونوا مسلمين متكاتفين متوادين متراحمين متعاطفين كالجسد الواحد تتكافأ دماؤكم ويسعى بذمتكم أدناكم، وأنتم يد على من سواكم، يقودكم أمير المؤمنين الذي يسهر حين تنامون، ويتخذ الاجراء المناسب حين تغضبون، ويرفع عنكم الفقر والذل والمهانة حين تصابون، ويجاهد بكم عدوكم دفعاً وطلباً، ويحمي ذماركم إذا انتهكت، ويقسم بينكم الغنائم إذا حضرت، ويقيم الحدود إذا وجبت، وتأمن به السبل إذا خيفت. فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ فاعملوا يرحمكم الله مع العاملين المخلصين الجادين والهادفين لإقامة دولة خلافة المسلمين الراشدة الثانية على منهاج النبوة، ففيها قطع للطريق على الفيلة أصحاب الخراطيم الشريرة من العرب والعجم، وفيها هزيمة الكفار من الغرب والشرق والبجم.
أيها الناس: ما أعظم تحقيق مرضاة الله بإقامة شرع الله في أرض الله، وما أروع أن يرضى عنا خالقنا ولو غضب من في الأرض كلهم جميعاً. وما أجمل وصف الشاعر عندما قال:
فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر
وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين
وكل الذي فوق التراب تراب
فاللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:13 PM
مشاركة #50


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 16 ربيع الأول 1427 هـ
الموافق 14 نيسان 2006 م

فليخرس لسان الترابي

(الخطبة الأولى) أيها الناس: إساءة أكبر من إساءة الصحيفة الدانمركية للإسلام والمسلمين، واستهزاءٌ أشنع من استهزائها، وجريمة في الإسلام لا تغتفر (ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا), ولكنها اليوم من بين ظهرانينا، حيث أفتى ما يسمى بالدكتور حسن الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي المعارض السوداني أفتى بجواز زواج المسلمة من كتابي (نصراني أو يهودي)، وجدد فتواه السابقة بحق المرأة في إمامة الرجال. وقال الترابي في ندوة بأم درمان مؤخراً عن دور المرأة في تأسيس الحكم الراشد نظمها حزب الأمة والاصلاح والتجديد بزعامة مبارك الفاضل: "إن من حق المرأة أن تتزوج كتابياً مسيحياً كان أو يهوديا"، وقال إن الأقوال التي تحرم ذلك ليست من الشرع ولا من الدين،ولا ادري عن أي شرع يتكلم أو من أي معين من الدين يغرف , ووصفها بالتخرصات والأباطيل ومجرد أوهام وتضليل وتجهيل وإغلاق وتحنيط للعقول، والإسلام على حد زعمه منها براء!!! ولا توجد آية أو حديث تحرمان زواج المسلمة من كتابي مطلقاً، وإن الحرمة في الماضي كانت مرتبطة بالحرب والقتال بين المسلمين وغيرهم، وقد زالت بزوال السبب. وقال الترابي إن من حق المرأة المسلمة ان تؤم الرجال وتتقدم الصفوف للصلاة إذا كانت أكثر علماً وفقهاً في الدين من الرجال، وقال الترابي ليس هنالك ما يمنع ذلك، فقط، يجب ألا يلتصق الرجال بالنساء التصاقاً قوياً في الصفوف حتى لا تحدث الشهوة والانصراف عن الصلاة. وأضاف بأن شهادة المرأة تساوي شهادة الرجل تماماً. واعتبر الترابي أن الحجاب للنساء يعني الستار وهو الخمار لتغطية الصدر وجزء من محاسن المرأة، ولا يعني تكميم النساء بناءاً على الفهم الخاطئ لمقاصد الدين والآيات التي نزلت بخصوص الحجاب والخمار.
أفتى خزعبلة وقال ضلالة
وأتى بكفر في البلاد بواح
أيها الناس: ألا فليخرس لسان هذا الكذاب الأشر، فلو كان على الناس إمام عادل لأمر بجلبه معصوب العينين مكبل اليدين مسحوباً من لسانه إلى دار القضاء ليستتاب، فإن رجع وإلا فمنصة الإعدام بحد الردة. فالعلماء غير معصومين عن الخطأ والوهم ولربما الخيانة والطعن في الدين. فالواجب اجتناب زلاتهم، وعدم الاقتداء بهم فيها، بل ومحاسبتهم أشد الحساب عليها. وقد حذر السلف من زلة العالم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق، وأئمة مضلون. وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة ضلالة على لسان الحكيم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ويل للأتباع من زلة العالم. قيل: وكيف؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه، فيلقى من هو أعلم منه برسول الله فيخبره فيرجع، ويقضي الاتباع بما حكم. وقد أجمع أهل العلم على تحريم تلقط الرخص المترتبة على زلات العلماء، قال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع الشر كله. وعلق ابن عبد البر على ذلك بقوله: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً. وقال الأوزاعي: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام. فزلة عالم قد تهدم الدين إذا اتبعت، وعن عمر مرفوعاً: إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان. وقال معاذ: إحذر زلة العالم، وجدال المنافق".
أيها الناس: إن مثل الترابي في أقواله الشاذة كمثل الكلب الذي ضربه الله في القرآن الكريم حيث شبه الله تبارك وتعالى بلعام بن باعوراء فى دناءته وحقارته بالكلب فى أخس وأحقر حالاته، أي فى تعبه ولهثه وشقاوته، وليس في وفائه. فالكلب دائماً وفى كل الحالات يلهث، وبلعام هو مثل لكل من آتاه الله عز وجل آياته وعلمه العلم النافع، فترك العمل به، واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على أخراه، ولذلك شبهه بالكلب لأن الكلب همته لا تتعدى بطنه. وتشبيه كل من آثر الحياة الدنيا على رضا الله والحياة الآخرة بالكلب اللاهث باستمرار، يدل على مدى جشع وشدة لهث ذلك الكافر المنسلخ من آيات الله على الدنيا، وهو لهاث مستمر لا ينقطع على المتاع الزائل. قال سبحانه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ}.
فالترابي وأمثاله من علماء السوء هم الغاوون، وهم اللاهثون وراء السراب الأمريكي الصليبي الحاقد على الإسلام، يريدون أن يبدلوا كلام الله، ويريدون أن يجعلوا دين الله دينين، ديناً وسطياً، وآخر متطرفاً. ويْله من الله، ومرّغ أنفه في تراب جهنم إن لم يتب ويرجع، ما ضرُّه لو بقي ساكتاً عن المنكرات التي ملأت بلاد المسلمين شرقاً وغرباً، من ذبحٍ للمسلمين، واحتلالٍ لبلادهم، واعتداءٍ على مقدساتهم، واغتصابٍ لنسائهم، وأنظمةٍ تحكم بغير ما أنزل الله، وحكامٍ لا يهتدون بهدي محمد صلى الله عليه وسلم، وقعودٍ للجيوش عن نصرة المسلمين. ما ضره لو بقي ساكتاً كسكوت أقرانه من أشباه العلماء يتقلبون في نعمة أسيادهم الحكام الزائلة؟ ولكنه أبى إلا أن يكون رأساً في الباطل، وينطق بالكفر البواح الذي إن اعتقد صحته حُكم بردته وحل دمُه.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: من أصدق هذا الدعيُّ أم اللهُ القائل: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءَكم المؤمنات مُهجِراتٍ فامتَحِنوهُنَّ، اللـه أَعلَمُ بإيمانهِنَّ، فإن علِمتُموهُنَّ مُؤمنِاتٍ فلا تَرجِعوهُنَّ إلى الكُفّار، لا هُنَّ حِلٌّ لهم ولا هم يحلُّون لهنَّ)؟ ومن أصدق هذا الغويُّ أم الله القائل: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى)؟ ومن أصدق هذا الشقي أم الله القائل: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}؟ ومن أصدق هذا الظلامي أم رسول الله القائل (يا أسماء إذا بلغت المرأة المحيض فلا يحل أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه)؟ قبحك الله يا حسن، تدعو للسفور وتفتري على الله ورسوله، وتطعن في ديننا بحجة الوسطية! قبح الله وسطيتك الخائبة إن كانت تعني التنازل عن حكم الله القطعي، أو حتى الظني، قبح الله أمثالك وأسيادكم وكل من سكت عنك ووافقك على ضلالك وفساد دينك.
أيها الناس: الوسط يعني الأعدل والأقوم والأقسط، ولا أعدل ولا أقوم ولا أقسط من التمسك بأحكام الله، وكذب من قال بخلاف هذا. فإلى متى تسكتون على هذه الإساءات والمهاترات؟ وإلى متى ستبقى أنظمة الكفر والظلم والفسق مسيطرة على ربوع المسلمين وإعلامهم وثرواتهم وكافة مقدراتهم؟ وإلى متى سيبقى أمثال هذا الثعبان الشَّرِه ينفث سمومه في عقول أبنائنا؟
أيها الناس: لا يوقف هذا الأفاكَ الأثيمَ وأمثالَه إلا دولةُ الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي تنصب ميزان القضاء العادل، فتصوِّبُ كلَّ انحراف في العقيدة والفتوى، وتؤدب كل المتجاوزين لحدود الله، وتقتص من المسيئين لشرع الله حسب إساءاتهم ولو أدى ذلك إلى الإطاحة برؤوسهم. فاعملوا أيها المسلمون لإيجادها، فإيجادها فرض، وقدومها وعد، ولن يخلف الله الميعاد.
أيها الناس: حتى لا نغمط أحداً حقه، فإن من الانصاف أن نذكر علماءَ مسلمين رفضوا أقوال الترابي هذه وفتاواه الباطلةَ رفضاً قاطعاً، وقالوا – ولو على استحياءٍ - إن هذه الفتاوى تخالف تماماً نصوص القرآن الكريم والسنةَ النبوية، فالحمد لله رب العالمين، وجزاهم الله خيراً. قال تعالى: {من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد}.

..................................................

الجمعة 23 ربيع الأول 1427 هـ
الموافق 21 نيسان 2006 م

صنفان من أهل النار رأيناهما

(الخطبة الأولى) أيها الناس: روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما، قومٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا". قال ابن عبد البر رحمه الله: "أراد صلى الله عليه وسلم من النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات بالاسم، عاريات في الحقيقة". والبخت هي الجِمال طِوالُ الأعناق.
أيها الناس: أصبحنا نرى أهل النار على الأرض يمشون، ووجدنا الأقوام لهم يخضعون، وعن منكراتهم يسكتون، وفي مقدمة الصفوف يوضعون، وكأن الأرض وما عليها لهم يفعلون فيها ما يشاءون. أجل، أيها المسلمون، صنفان من الناس رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في النار في رحلة الإسراء والمعراج ولم يرهما في الدنيا، وأما نحن فقد رأيناهما بأعيننا في زماننا! صنفان من أهل النار يأكلون الطعام معنا، ويمشون في أسواقنا! صنفان من أهل النار يصولان ويجولان في هذه الحياة الدنيا، وإذا نظرنا إليهما بعين الذي اطلع على الغيب رأيناهما يعذبان عذاباً أليماً، تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون، إذ يعذب الله الصنف الأول بتعذيبهم الناس، ويعذب الصنف الثاني بإغوائهم لهم. أما الصنف الأول فهم رجال الشرطة والمخابرات وجلاوزة الأنظمة الذين يطلق عليهم اليوم رجال الأجهزة الأمنية، حيث يسومون الناس سوء العذاب بدلاً من حمايتهم من أعدائهم! والعجيب الغريب أن قصص وروايات التعذيب التي تمارسها تلك الأجهزة تملأ أذهان الناس وتطغى على الحديث في مجالسهم من كثرتها وشدتها وبشاعتها، ولكنها لا تحظى بحديث العلماء والوعاظ والمدرسين ومشايخ الفضائيات العتيدة، فضلاً عن تجاهل ذكرها تماماً من قبل الحكام وإعلامهم الرسمي. وأما شعار تلك الأجهزة المكتوب والمكتوم فهو: ما تسمعه هنا وتراه هنا أُتركه هنا!!
يا ويل أصحاب السياط التي تنهال على الأبرياء من مشهد يوم عظيم، أبصر بهم وأسمع، فالله بهم بصير وسميع، ونحن قد أبصرناهم وسمعناهم، ومن واجبنا أن نبصر الناس بخطرهم، ونسمع الناس أخبارهم الظالمة، ونحدثهم عن فعالهم الشريرة. فقد وردت مؤخراً تقارير موثوقة من سجن الجويدة الأردني تحمل أخباراً تقشعر منها الأبدان، وتشمئز منها النفوس، وتأباها الشرائع والأعراف الصالحة، وفوق كل ذلك يرفضها الإسلام رفضاً قاطعاً. حيث أرسل النظام أعداداً كبيرة من قوات الأمن المجهزة بسياط كأذناب البقر إلى ذلك السجن المشئوم، وجمعوا نزلاءه - وخصوصاً السياسيين من حملة الدعوة الإسلامية العاملين لإقامة شرع الله في أرض الله - وأجبروهم على خلع ملابسهم كاملة أمام الجميع، ولما رفض البعض من كبار السن وأهل الحياء فعل ذلك، هاجمتهم تلك القوات ومزقت ملابسهم عن أجسادهم بالقوة وكشفت عوراتهم، وفعلت بهم ما يشبه فعلة الأميركيين الكفار الحاقدين في سجن أبي غريب وغوانتانامو! وليس الحال في مصر وسوريا ولبنان والعراق واليمن والسعودية وليبيا وتونس وباقي دويلات الضرار بأفضل من الأردن.
قبحكم الله يا أهل النار، وقبح أنظمتكم التي لا ترقب في مؤمن إلاً ولا ذمة. ما أجرأكم على انتهاك حرمات الله! وما فائدة صلاتكم وصيامكم؟ ألم يأتكم نبأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه حكيم بن حزام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا"، وأنه صلى الله عليه وسلم قال: "من ضَرب بسوط ظلماً اقتُص منه يوم القيامة".
أيها الناس: روي في تفسير قول الله تعالى {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم}... الآية، قيل: يؤتى بهم والناس وقوف يوم القيامة فيقضي بينهم حتى أنه ليؤخذ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، حتى يقاد للذرة من الذرة ثم يقال لهم كونوا تراباً، فهنالك يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً. وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عذبت امرأة في هرة ربطتها حتى ماتت جوعا لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض أي من حشراتها". وقال ابن مسعود: كنا مع رسول الله في سفره فانطلق لحاجته فرأينا حمّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت ترفرف، فجاء النبي وقال: من فجع هذه بولدها ردوا عليها ولديها.
يا رجال المخابرات، كم أماً حرمتموها من فلذة كبدها وفجعتموها بولدها أياماً وشهوراً وسنين طويلة؟ كم زوجة فرقتم بينها وبين زوجها ظلماً وعدواناً على الأسر المتدينة المستورة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر؟ يا أهل النار، إنا نراكم تعذبون فنشفق عليكم، وندعوكم أن تنزعوا عن تعذيبكم الناس من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله، يومئذ يصدعون!
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لا يجوز تعذيب المجرم في الإسلام فضلاً عن المتهم الذي لم تثبت إدانته، فما بالكم بالبريء النقي التقي الطاهر الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر؟ كما لا يجوز حمل الشخص على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها، ومهما كانت جريمة الفرد، وكيفما كانت عقوبتها المقدرة شرعاً، فإن إنسانيته وكرامته الآدمية يجب أن تظل مصونة. جاء في موسوعة العذاب لعبود الشالجي، بأجزائها السبعة، استعراض لبعض حوادث التعذيب التي مورست من مسلمين ضد مسلمين بأساليب غاية في الوحشية، وتساؤل عما يلقاه المعارضون السياسيون في الدول المسماة بالإسلامية من أهوال على يد الأجهزة الأمنية. ثم يقول المؤلف: «ألا نخجل ونحن نرى القيامة تقوم في الغرب عند ضبط شرطي واحد متلبساً بضرب مواطن واحد، بينما يُعتبر ضربُ المواطنين في بلاد المسلمين عملاً روتينياً يومياً يمارسه الشرطي كما يمارس بقية روتينه اليومي؟ لو كان لي من الأمر شيء لوضعت في كل كلية أمنية في بلاد المسلمين مادة اسمها «إن الله يعذبُ الذين يعذبون الناس في الدنيا»، ولو كان لي من الأمر شيء لفرضت دراسة المادة فرضاً على كل من يملك سلطة الأمر بضرب أو حبس أو تغطيس!». وكتب الشيخ محمد العوضي في جريدة الرأي الكويتية قائلاً: فلنقف جميعاً بجميع الاتجاهات الفكرية وألوان الطيف السياسي والانتماء المذهبي ضد هذا الذي ينتهك انسانيتنا وهو التعذيب.
أيها الناس: هذا هو الصنف الأول من أصناف أهل النار الذين نراهم ونسمع عنهم في زماننا، أما الصنف الثاني فهن النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، وضررهن معروف، والحديث عنهن مألوف، وما على الرجال فتنة أضر منهن. عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء". رواه البخاري ومسلم. قال ابن حجر: وفي الحديث أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء}، فجعلهن من حب الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك. وقال ابن القيم رحمه الله: ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة. واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة. ويقول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: يجب على الإمام أن يحول بين الرجال والنساء في التأمل والنظر.
أيها الناس: ما أحوجنا لإمام عادل يريحنا من هذين الصنفين الخطرين على مجتمعاتنا، ما أحوجنا لإمام عادل ينقذ أبنائنا وبناتنا المنتسبين إلى هذين الصنفين فيردهم إلى دينهم رداً جميلاً، ويمنعهم من تقحم النار، ما أحوجنا لعمل العاملين المخلصين لإيجاد دولة خلافة المسلمين الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وما أحوجنا لمؤازرتهم وشد عضدهم ورص صفوفهم وتكثير سوادهم! والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:18 PM
مشاركة #51


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 30 ربيع الأول 1427 هـ
الموافق 28 نيسان 2006 م

بئس الجيران أنتم!

(الخطبة الأولى) أيها الناس: روي أن رجلاً جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نزلت محلة قوم وإن أقربَهم إليّ جواراً أشدُّهم لي أذى، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلياً، يصيحون على أبواب المساجد ألا إن أربعين داراً جار، ولا يدخل الجنة من لا يأمنُ جارُه بوائقَه).
أيها الناس: إن للجار على جاره حقاً عظيماً كاد أن يصل إلى حد التوارث، وقد شدد الإسلام على حقوق الجار تجاه جاره تشديداً كبيراً في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية. من ذلك قوله تعالى {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين احساناً، وبذي القربى واليتامى والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم، إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً}. وعن ابن عمر وعائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالا: قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) متفق عَلَيْه. وروى أحمد والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره). وأخرج البخاري في الأدب: باب حق الجوار، في قرب الأبواب، عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيها أهدي؟ قال صلى الله عليه وسلم: (إلى أقربهما منك باباً). وأخرج مسلم في البرّ والصلة: باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء، عن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرنّ من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، واغرف لجيرانك منها). وما ذلك إلا أن للجار حقاً على جاره في المشاركة بالسراء والضراء، وفي إطعامه مما يأتي عنده ولو بمرقة ما يطبخ، لكي يشعره بمكانته واهتمامه به وعدم إيذائه، أو الإساءة اليه، والمحافظة على أهله وأولاده، في حال غيابه، وتقديم الخدمات لهم، ورعاية شئونهم إذا احتاجوا لذلك، وكف الأذى عنهم من أطفاله أو بهائمه أو سيارته وغير ذلك، حيث قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلامة الإيمان بإبعاد الأذى عن الجار، قال صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره). ويقول صلى الله عليه وسلم: في إثباتٍ لحق الجار على جاره، وعدم مضايقته أو إغضابه: (لا يمنع جار جاره، أن يغرز خشبة في جداره) وذلك عندما يكون الجدار مشتركاً بينهما، لأن ذلك مما يريحه، ويخفف عنه عبء بناء جدار آخر ملاصق لجدار جاره،، قال أبو هريرة رضي الله عنه، وهو راوي الحديث: مالي أراكم عن هذا معرضين؟ والله لأرمينّ بها بين أكتافكم، متفق عليه، ومراده رضي الله عنه معرضين عن هذه السنّة.
أيها الناس: إن تطبيق نظام الإسلام على الناس هو الذي أوجد هذه العلاقة الحميمة بين الجيران بعد أن كانوا أعداءً يتربص بعضهم ببعض، ويغزو بعضهم بعضاً، والإسلام هو الذي آخى بين المهاجرين والأنصار وقد بعدت عن المهاجرين الديار، والإسلام هو الذي ألف بين قلوب الأوس والخزرج من الأنصار بعد أن تنادوا بدعوى الجاهلية بالثأر والاقتتال، والإسلام هو الذي أزال البغضاء والشحناء من نفوس الناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم لما وحد عقيدتهم وقبلتهم وأهدافهم. والإسلام هو الذي حدد معاني العداوة والصداقة في قول الله عز وجل {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم}. والإسلام هو الذي ربط الناس بوشائجَ مبدئيةٍ عقائدية قوية تفوق كلَّ ما يربط الناس عادة من نسب ومصاهرة ومصالح دنيوية فانية في قوله عز وجل {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}.
أيها الناس: لما التزم المسلمون بهذه الضوابط، وصاروا بها عن رأي واحد يصدرون، وفي صف واحد يقفون، سادوا الدنيا ونشروا فيها العدل والهداية، وأضاءوها بنور الإيمان بعد أن قهرها الظلم والجهل والكفران. ولما تركوا تلك الضوابط رجعوا كالوحوش في الغابات، يأكل ضعيفهم قويهم، ويمنع غنيهم حق فقيرهم، وتكبر عالمهم على جاهلهم، ودخلوا في جاهلية ثانية، تأنف من خستها الجاهلية الأولى. وبيان ذلك أن انهيار دولة الخلافة العثمانية قبل نحو قرن من الزمان قد فتح الباب واسعاً أمام نفوذ الكفار المستعمرين الطامعين في خيرات المسلمين كي يصولوا ويجولوا دون رادع أو وازع، بل إن نفراً من أبناء المسلمين قد مهدوا لهم السبيل لتلكم الصولة والجولة ولا يزالون يمهدون لهم ويسهلون لهم صولاتهم وجولاتهم. ولعل أبرز ما يميز عيش المسلمين اليوم في كنف دويلات الضرار هو سوء الجوار بين الأفراد والكيانات. فمنذ أن فتحنا عيوننا على هذه الدنيا ونحن نسمع عن توترات في العلاقات بين دول الجوار، تتطور أحياناً إلى القطيعة وربما إلى الاقتتال. ولم يخل قطر من أقطار المسلمين من آفة سوء الجوار، وكلٌّ يدعي أنه المحسن الكبير لجاره، وهو في الحقيقة ألد الخصام. فالحرب العراقية الإيرانية ليست منا ببعيد، وغزو العراق للكويت قد حصل منذ وقت قريب، وعلاقة سوريا بلبنان أشهر من نار على سنان، ومصر والسودان ضدان لا يتفقان، وباكستان وبلاد البنغال متوازيان لا يلتقيان، واليمن وعُمان بينهما برزخ لا يبغيان، والقائمة طويلة لا تستثني أحداً من المسلمين في المشارق والمغارب. أيها الناس: لم أُغفل ذكر الفلسطينيين والأردنيين نسياناً لهم أو تجاهلاً، ولكني أردت أن أفرد لهم باباً خاصاً في سوء الجوار الذي أصبح مثلاً تتحدث به الركبان، ونموذجاً يستشهد به عند تنازع الجيران. بئس الجيرانُ أنتم إن صحت روايتكم الأخيرة عن تهريب الأسلحة، وبئس الجيران أنتم وما بين شعوب الأرض تلاحمٌ في العلاقات وكثرة في الأرحام وتشابك في المصالح أكثر مما بينكم، وبئس الجيران أنتم إذ تآمر حكامكم عليكم من تسليم ضفتكم الغربية في ستة أيام دون قتال يذكر، بئس الجيران أنتم إذ جعلتم فعاليات ثورتكم عبثاً بأمن مضيفكم، ثم تحاربتم في أيلول عام 70، بئس الجيران أنتم إذ أسأتم للاجئين والنازحين والمهاجرين وكأنكم أسياد وهم عبيد، بئس الجيران أنتم تدابرتم حتى قررت جارتكم أن تضم مناطق الأغوار فلا يبقى بينكم جوار.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: حتى يرجع المسلمون جيراناً متحابين وإخوة متواصلين، وتكون أقطارهم الممزقة بلاداً واحدة، وتصبح قواهم المتصادمة قوة واحدة، ويعود إليهم وئامهم الحقيقي، لا بد لهم من إجراء تغيير جوهري في شكل علاقاتهم، بأن يتخلوا عن انتماءاتهم الوطنية والقومية والمصلحية، وينبذوا تبعيتهم للغرب الكافر، ويعيدوا مزقهم الكرتونية التي يسمونها دولاً إلى حظيرة الإسلام والمسلمين تحت راية واحدة وأمير واحد يبايع على السمع والطاعة للحكم بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فتضمهم بلاد واحدة في دولة واحدة تسمى دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، تلك الدولة التي بشرنا بوجودها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عندما قال: (...ثم تكون خلافة على منهاج النبوة...)، تلك الدولة التي لا تفصل بين أقطارها حدود مصطنعة، ولا نعرات بغيضة، يسير الراكب فيها من بيت المقدس إلى عمان، ومن طنجة إلى سمرقند، لا يوقفه حاجز ولا يدقق في بطاقته الشخصية متطفل. تلك الدولة التي تحقق الأمن والتعاون لكل من يحمل تابعيتها، لا فرق فيها بين عربي وأعجمي، ولا بين أحمر وأسمر ولا بين فلسطيني وأردني ولا مغربي وأوزبكي إلا بالتقوى التي لا يعلمها إلا الله. فالناس أمام القانون سواء، أميرهم وحقيرهم، وذكرهم وأنثاهم، ومؤمنهم وكافرهم.
أيها الناس: لا للدول الوطنية، ونعم للدولة الإسلامية، ولمثل هذه الدولة فليعمل العاملون، وفي سبيلها يرخص الغالي والنفيس، وللعيش في ظلها تتوق النفوس، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فاللهم اجعلنا من جنودها وشهودها، ومن العاملين المخلصين لإقامتها.
.............................................

الجمعة 7 ربيع الثاني 1427 هـ
الموافق 05 أيار 2006 م

يوم ندعو كل أناس بإمامهم

(الخطبة الأولى) أيها الناس: إن لكل قوم إماماً يأتمون به في أعمالهم، وسواء كان هذا الإمام شخصاً معروفاً حاضراً أم غائباً، أو كان مرجعاً دينياً أم دنيوياً، فإن الأساس في هذا الإمام أنه المرجع والقدوة، وأنه القائد والموجه. فتقول فلان من قوم كذا وكذا، أي أنه ينتمي إليهم ويحمل ولاءً معيناً لهم، ويتمتع بجنسيتهم أو هويتهم أو جواز سفرهم، وغالباً ما تحسب مواقفهم عليه وتحسب مواقفه عليهم. وعلى هذه القاعدة سار الناس في كل العصور والآوان، واستقر العرف العالمي في الدنيا قديماً وحديثاً. فيقال فلان مسلم للدلالة على أنه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو إمامه، وأن مرجعيته القرآن والسنة وهما إمامه، ويعامل في جميع أنحاء العالم على هذا الأساس حتى لو لم يكن ملتزماً بجميع أحكام الإسلام في أقواله وأعماله. ويقال فلان يهودي وإمامه التوراة وقومه بنو إسرائيل وإمامه دولة يهود، ويقال فلان مصري أو عراقي أو فلسطيني أو أميركي أو باكستاني أو قرشي أو مكي وهلمجرا، في إشارة واضحة إلى أن رئيس دولة كل منهم هو إمامه، والدستور المطبق في بلاده هو إمامه، وجواز سفره هو إمامه، ومواطنته هي إمامه، وهكذا دواليك في جميع أنحاء العالم فإن لكل شخص إمام يدعى به في الدنيا. وإذا أراد شخص أو جماعة أن يغيروا إمامهم، فإن هناك إجراءات لا بد من القيام بها حتى يتحقق ذلك، وهناك تبعات لا مندوحة عن مواجهتها من قبل دعاة التغيير تنتج عن الاجراءات المضادة لهم من إمامهم الحالي محافظة على بقائه إماماً.
أيها الناس: إن حالة الإمام والمأموم هذه - أي التابع والمتبوع – لها أهمية قصوى في حياة الناس في دنياهم، ولها انعكاسات أكيدة في الحياة الآخرة. يؤكد ذلك قول عز وجل {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإمَامِهِمْ}. ولكن لاختلاف مقاييس الدنيا عن مقاييس الآخرة، فإن جميع الأئمة الدنيويين يتبرأون من مأموميهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يأتمون به. فالنسب الدنيوي ينقطع بمجرد النفخ في الصور يوم القيامة، قال الله تعالى {فَإذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولا يَتَسَاءَلُونَ}. وأما النسب إليه صلى الله عليه وسلم فهو باق عندما يكون لواء الحمد بيمينه فيرفعه فيدعى كل أناس بإمامهم. روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} قال: يدعي أحدهم فيعطي كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعا، ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا، حتى يأتيهم فيقول: أبشروا لكل منكم مثل هذا. قال: وأما الكافر فيسود وجهه ويمد له في جسمه ستون ذرعا على صورة آدم، ويلبس تاجاً فيراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا! اللهم لا تأتنا بهذا. قال: فيأتيهم فيقولون: اللهم أخره، فيقول: أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا. ونظير هذا قوله {وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعي إلى كتابهم اليوم تجزون ما كنتم تعملون}. والكتاب يسمى إماماً، لأنه يرجع إليه في تعرف أعمالهم. وقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك: {بإمامهم} أي بكتابهم، أي بكتاب كل إنسان منهم الذي فيه عمله، دليله {فمن أوتي كتابه بيمينه}. وقال ابن زيد: بالكتاب المنزل عليهم. أي يدعى كل إنسان بكتابه الذي كان يتلوه، فيدعى أهل التوراة بالتوراة، وأهل القرآن بالقرآن، فيقال: يا أهل القرآن، ماذا عملتم، هل امتثلتم أوامره هل اجتنبتم نواهيه! وهكذا. وقال مجاهد: {بإمامهم} بنبيهم، والإمام من يؤتم به. فيقال: هاتوا متبعي إبراهيم عليه السلام، هاتوا متبعي موسى عليه السلام، هاتوا متبعي الشيطان، هاتوا متبعي الأصنام. فيقوم أهل الحق فيأخذون كتابهم بأيمانهم، ويقوم أهل الباطل فيأخذون كتابهم بشمالهم، وقاله قتادة. وقال على رضى الله عنه: بإمام عصرهم. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} فقال: كل يدعى بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم فيقول: هاتوا متبعي إبراهيم هاتوا متبعي موسى هاتوا متبعي عيسى هاتوا متبعي محمد - عليهم أفضل الصلوات والسلام - فيقوم أهل الحق فيأخذون كتابهم بأيمانهم، ويقول: هاتوا متبعي الشيطان هاتوا متبعي رؤساء الضلالة. وقال الحسن وأبو العالية: {بإمامهم} أي بأعمالهم، وقاله ابن عباس. وقيل: بمذاهبهم، فيدعون بمن كانوا يأتمون به في الدنيا: يا حنفي، يا شافعي، يا معتزلي، يا قدري، ونحوه، فيتبعونه في خير أو شر أو على حق أو باطل. وقال أبو هريرة: يدعى أهل الصدقة من باب الصدقة، وأهل الجهاد من باب الجهاد...، الحديث بطوله. وقال أبو سهل: يقال أين فلان المصلي والصوام، وعكسه الدفاف والنمام.
أيها الناس: بعد طول كد وتعب وشقاء في الدنيا، يموت الإنسان حاملاً معه أعماله وانتماءاته وأئمته الذين كان يأتم بهم في الدنيا، فإذا نفخ في الصور فإنه يصنف مع إمامه أو أئمته. فهل يرضى أحد منكم أن يأتي يوم القيامة تحت لواء أميركا ويرد مواردها وما أعد الله لقادتها الأشرار أمثال بوش ورامسفيلد ورايس وشيني ومن سبقهم ولحق بهم من طواغيت العصر وفراعنة الزمان، يقدمون أقوامهم فيوردونهم النار وبئس الورد المورود؟ وهل يرضى أحد منكم أن يأتي يوم القيامة تحت لواء أي حاكم من حكام المسلمين عرباً وعجماً، فيسير في طابور الخيانة والعمالة، ويُستعرض أمام الخلائق تحت ألوية الغدر المغروزة في أستاههم؟ وهل يرضى أحد منكم أن يأتي يوم القيامة تحت ألوية الحركات والتنظيمات العاجزة المتهالكة على فتات أساطين الغدر والاستكبار والكفر العالمي؟ أفلا ترضون أن يرفرف فوق رؤوسكم لواء الحمد الذي يرفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتلقاكم الملائكة مرحبين طيبين يقولون: سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار؟ وما لكم لا ترضون أن يكون أئمتكم الخلفاءَ الراشدين الأخيار، ومن تبعهم وسار على نهجهم من الولاة الأتقياء الأبرار، وأن يدعى كل منكم بإمام له قصب السبق في حب الله عز وجل، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، وله باع طويل في الحرص على تطبيق الإسلام وتنفيذ أحكامه طلباً لمرضاة الله وخوفاً من بطشه وعذابه؟ وما لكم لا تكونون من الذين يُدعون يوم القيامة بأئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفقهاء الأماجد والقادة العسكريين الأشاوس والعلماء الربانيين الأفاضل الذين ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا؟ أذلكم خير أمّن يدعون يوم القيامة بأئمةٍ متسكعين على أرصفة السياسة الأميركية والبريطانية، وساسة يرفعون رايات الخزي والعار والتنازل والتفريط، تخلوا عن مرجعية القرآن واتخذوا قرارات الأمم المتحدة لهم إماماً؟ ما لكم كيف تحكمون؟
(الخطبة الثانية) أيها الناس: جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أنفق زوجين في سبيل الله من ماله دعي من أبواب الجنة، وللجنة ثمانية أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام". فقال أبو بكر: والله ما على أحد من ضرر دعي من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم". هنيئاً لك يا أبا بكر وأنت تدعى من كل أبواب الجنة، ولا عجب، فأنت المستجيب الأول من الرجال لدعوة الحق، وأنت ثاني اثنين والله معكما، وأنت الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وأنت المستعلن بدعوة الحق وبصلاتك، وأنت البكّاء من خشية الله، وأنت الذي تبرع بكل ماله في سبيل الله، وأنت الذي دافع عن رسول الله بنفسه ومالكه وأهله، وأنت الذي هاجر مع المهاجرين، وتآخى مع الأنصار، فاختارك المهاجرون والأنصار لتكون إماماً لهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهنيئاً لقوم يُدعون بك، ويسيرون تحت رايتك. ونحن اليوم نرجو أن يمن الله علينا بإمام مثلك، نُدعى به يوم القيامة، فيقال أين الخليفة الأول في الزمان الثاني؟ أين صنو العتيق؟ وأين الذين عملوا لإيجاده وتنصيبه، وأين الذين آزروهم وأيدوهم رغم بطش طواغيت ذلك الزمان، نرجو أن نكون من بين الملبين لهذه النداءات الخيرة، وأن ندعى بإمام لم يتلوث بولاء لغير الله، ولم يهادن يوماً على حساب الدين والعقيدة، ولم يسر أبداً في ركب السياسة الخاطئة الكاذبة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:21 PM
مشاركة #52


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 14 ربيع الثاني 1427 هـ
الموافق 12 أيار 2006 م

كاترينا وفلسطين
(الخطبة الأولى) أيها الناس: عقد في مدينة الدوحة قبل أيام قليلة مؤتمر لنصرة الشعب الفلسطيني حضره نخبة من علماء المسلمين الذين اختارهم منظمو المؤتمر، ووافقت حكوماتهم وحكومة قطر على تسهيل وصولهم واستقبالهم واستضافتهم وطيب إقامتهم في عاصمة دولة قطر. وكان السبب المعلن لعقد هذا المؤتمر هو الحصار المالي للفلسطينيين، وأنه وجب على علماء المسلمين أن يجتمعوا ليقولوا كلمتهم بصراحة إزاء ذلك الحصار! وقد تمخض المؤتمر عن توصيات باهتة خافتة لا ترقى إلى مستوى النظر الشرعي، ولا تؤثر في مسار السياسة الخاطئة الكاذبة شيئاً. والدليل على ذلك ما قاله مسئول في منظمة التحرير الفلسطينية بأن الأمين العام لجامعة الدول العربية أبلغ رئيس السلطة الفلسطينية أن الجامعة لن تتمكن من تحويل الأموال التي من المقرر أن تتبرع بها الدول العربية. وأضاف المسئول أن سبب ذلك يعود إلى رفض البنوك تحويل الأموال نتيجة الضغوط الدولية والأميركية. وكانت جامعة الدول العربية قد تمكنت من جمع تبرعات للسلطة الفلسطينية تقدر بـ 70 مليون دولار من قطر والسعودية.
أيها الناس: حقاً إنها لمفارقات عجيبة أن تتبرع قطر والسعودية بمبلغ 70 مليون دولار لحكومة فلسطين ولا تستطيع إيصالها، في حين تمكنت قطر من التبرع بـ 100 مليون دولار لحكومة أميركا بعد إعصار كاترينا وأوصلتها، وتبرعت الكويت بـ 500 مليون دولار وتمكنت من إيصالها، وتبرعت الكويت كذلك بـ 400 ألف برميل نفط كويتي لمتضرري إعصار كاترينا، ثم قام أحد شيوخهم بدفع مبلغ 25 مليون دولار أخرى إلى الرئيس بوش الأب – وهو رئيس صندوق هذه التبرعات فى فندق استوريا، وقال بعدها: إن الحكومة والشعب الكويتيين يعبران عن تضامنهما مع أمريكا للتغلب على محنة إعصار كاترينا! وهذا غيض من فيض من المعلومات المتعلقة بمواقف تلك الدول وعلمائها الرسميين. هؤلاء العلماء الذين اقتصر موقفهم في المؤتمر على انتقاد الغرب مزدوج المعايير الذي رفض الديموقراطية الفلسطينية بعد أن كان يحث عليها لانها لا توافق اهواءه، واكتفوا بوصف ذلك بانه "نفاق سياسي مرفوض"!
أيها الناس: لست اليوم بصدد بيان تآمر حكام المسلمين على شعوبهم، ولن أسترسل في توجيه الانتقادات لعلمائهم الرسميين الذين أظهروا الفقه الاسلامي عاجزاً ضعيفاً كعجز الحكام وضعفهم، ولكني سألت نفسي سؤالاً محدداً: ماذا كان ينبغي للعلماء الذين اجتمعوا في الدوحة أن يقولوا في أزمة تحويل الأموال إلى الفلسطينيين؟ وبعبارة أخرى: ما هو الحكم الشرعي الذي يجب أن يبينه هؤلاء العلماء للناس ولا يكتمونه؟ والجواب على هذا السؤال طبقاً لمعلوماتي المتواضعة في الفقه والسياسة ينبغي أن يأتي من معرفة واقع فلسطين والوقوف على آخر المستجدات فيها، إضافة إلى تحديد ماهية هذه الأموال والجهات التي تبرعت بها، ثم النظر في طريق وصولها والعوائق التي تشكلت أمامها، ثم البحث في الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة وما أرشدا إليه مما يغلب على الظن انطباقها على هذا الواقع، وبعد ذلك يطبق الحكم المستنبط على الواقع المراد بيانه لكافة المعنيين. لقد كان على هؤلاء العلماء أن يقولوا إن فلسطين أرض محتلة من قبل عدو غاصب يتنفس من الرئتين الأميركية والأوروبية، ويتلقى الدعم من حكومات دويلات الضرار في العالم الإسلامي، وتلك حالة مزرية لا يقرها الشرع الإسلامي، بل يعتبرها من أكبر الجرائم. وكان عليهم أن يقولوا إن المسلمين داخل فلسطين يرزحون تحت نير الاحتلال ولا حول لهم ولا قوة تذكر، ونصرتهم واجبة على جميع إخوانهم المسلمين في شتى أنحاء العالم. وكان عليهم أن يقولوا إن الواجب الشرعي يحتم تحرير أرض فلسطين وطرد الغاصبين المحتلين، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أهلها من ظلم الاحتلال وغدر الحكومات وتآمر القادة والزعماء المحليين والاقليميين والدوليين عليهم. وكان عليهم أن يقولوا بوجوب تصويب الأوضاع الشاذة التي سادت في بلاد المسلمين عموماً، وفي دول الطوق حول فلسطين خصوصاً، تلك الأوضاع التي منعت التواصل بين المسلمين في دويلات الضرار وبين أهل فلسطين تحت الاحتلال، بل قيدت تواصلهم فيما بينهم، وشكلت تلك الأوضاع عوائق حقيقية تمنع وصول الأموال وغير الأموال إلى هذا الشعب المنكوب. وكان عليهم أن يقولوا إن الواجب الشرعي يحتم علينا أن نفكر في سبل إزالة تلك العوائق وليس التغافل عن وجودها وأسباب وجودها. وكان عليهم أن يقولوا إن حاجة أهل فلسطين الملحة تكمن في تحريرهم وليس في تمرير الأموال إليهم، وتحريم دمائهم على بعضهم قبل إقامة سلطة لهم وحكومات تذكي نار الفتنة بين فصائلهم، وربطهم بأمتهم الإسلامية لا فصلهم عنها. وكان عليهم أن يقولوا بوجوب إزالة الحدود المصطنعة بين بلاد المسلمين، وإلغاء الوطنية المقيتة، والطائفية البغيضة المفرقة، وكافة أشكال التعزي بعزاء الجاهلية الأولى. وكان عليهم أن يقولوا بوجوب الإطاحة بجميع حكام دويلات الضرار التي لا تحكم بما أنزل الله، وأضرت بالمسلمين كثيراً وآذتهم أذىً بليغاً، أن فرقتهم وضيعتهم وبددت ثرواتهم، وسخرت بلادهم إرصاداً لمن حارب الله ورسوله. وكان يجب عليهم أن يقولوا بوجوب مبايعة المسلمين جميعاً لإمام واحد يحكمهم بشرع الله يسمعون له ويطيعون، ويكون لهم جُنةً يقاتل من ورائه ويتقى به. وكان يجب عليهم أن يقولوا بضرورة قطع كافة العلاقات مع أميركا وأوروبا، والشروع فوراً بالإعداد المرهب للقوة وفق أقصى درجات الاستطاعة، كي يمتلك المسلمون زمام أمرهم، ويكونوا أمة واحدة، يقاتلون في سبيل الله صفاً كأنهم بنيان مرصوص. وكان يجب عليهم أن يقولوا لضباط الجيوش وجنودهم هبوا لنصرة دينكم وإخوانكم ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار. وكان يجب عليهم أن يقولوا لشباب الأمة الإسلامية وشاباتها أفيقوا من غفلتكم وأعيدوا عقولكم المستلبة، وأقبلوا على الله بطاعته يقبل عليكم برحمته، واعملوا مع العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين وإنقاذ المستضعفين من المسلمين في فلسطين وغيرها، وذلك بإقامة دولة خلافة المسلمين الراشدة الثانية على منهاج النبوة.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: هكذا يجب أن يكون بيان العلماء وإلا فلا، وهكذا يكون الرشد في القول. فوا حزناً عليكم يا علماء القصور، أليس منكم رجل رشيد؟ أو أملك لكم أن نزع الله الفقه من صدوركم؟ أو أملك لكم أن طمس الله على عقولكم فأصبحتم كالمضبوعين تفتون على ذهب المعز وسيفه وهوى النفوس؟ أو أملك لكم أن أعمى الله بصيرتكم فانتصرتم لأصنامٍ تدمر، وسكتم عن مليارات لمتضرري إعصار كاترينا تدفع. وهل سترضون إذ سمحت أميركا وإسرائيل بإدخال هذا الفتات إلى فلسطين؟ وهل سيحقق مؤتمركم غايته بعد ذلك، وتنامون بعدها قريري العين؟ فلا نامت أعين الجبناء، ولا هدأ بال للجهال.
أيها الناس: إلى متى نبقى ساكتين على هذا الكفر والغدر من الحكام؟ وإلى متى نبقى ساكتين على هذا الجهل والجبن من العلماء؟ وإلى متى تبقى يدنا سفلى نستجدي المساعدات، ونركع تحت أقدام الكفار حتى يصلنا فتاتها؟ وهل خلقنا الله وكرمنا وأعزنا بالإسلام لنكون متسولين متسكعين أذلة مستضعفين؟ أين هي عزتنا وكرامتنا من قول الله عز وجل {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون}؟ وأين هي عزتنا وكرامتنا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه"؟ بل أين ذلك من قول الشاعر الجاهلي عنترة العبسي:
لا تسقني ماء الحياة بذلة
بل فأسقني بالعز كأس الحنظلِ
ولقد أبيت على الطوى واظلّه
حتى أنال به كريم المأكل
أيها الناس: لا تعطوا الدنية في دينكم، ولا تطيعوا هؤلاء الحكام وعلماءهم، وتأملوا قول زيد بن عمرو بن نفيل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنه يبعث أمة وحده"‏:‏
تركت اللات والعزى جميعاً
كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها
ولا صنمي بني غنمٍ أزور
ولا هبلاً أزور وكان رباً
لنا في الدهر إذ حلمى صغير‏
أيها الناس: انبذوا أصنام عصركم كما نبذ زيد أصنام عصره، وارتقوا في أسباب العز والسؤدد ولا تنحدروا في دركات الذل والمسكنة، وانشدوا أرشد الأمر واتركوا السفه وصغر الحلم، والله معكم ولن يتركم أعمالكم.

........................................................






الجمعة 28 ربيع الثاني 1427 هـ
الموافق 26 أيار 2006 م

رسالةٌ مُشفَّرة

(الخطبة الأولى) أيها الناس: جاء في مجلة الجندي المسلم العدد 98 بتاريخ 3/1/2000 م ما نصه: عزم أحد الخلفاء على محاربة عدو له، فأرسل من يتجسس، فلما دخل أرض العدو، وجده محصناً، وشعر به الحرس، فقبضوا عليه وأرسلوه إلى ملكهم، الذي أمره بالكتابة إلى الخليفة ما يفيد بأن "القوم أحوالهم مضطربة، ويحسن له غزوهم في الحال"، وهدده الملك بالقتل إن لم يفعل.. وبذكاء حاد كتب هذه الرسالة: "أما بعد، فقد أحطت علماً بالقوم، وأصبحت مستريحاً من السعي في تصرف أحوالهم. وإني قد استضعفتهم بالنسبة إليكم، وقد كنت أعهد في أخلاق الخليفة المهلة في الأمور، والنظر في العاقبة، ولكن ليس هذا وقت النظر في العاقبة، فقد تحققت أنكم الفئة الغالبة بإذن الله. وقد رأيت من أحوال القوم ما يطيب به قلب الخيفة. نصحت فدع ريبك ودع مهلك، والسلام". فلما انتهى الكتاب إلى الخليفة قرأه على رجاله، فقويت قلوبهم. ثم أن الخليفة خلا بكبرائه، وقال: أريد أن تتأملوا هذا الكتاب فإني شعرت منه بأمر، وإني غير سائر حتى أنظر في أمري. فقال بعضهم: ما الذي لحظه الخليفة في الكتاب؟! فقال: إن فلاناً من ذوي الحصافة والرأي، وقد أنكرت ظاهر لفظه، فتأملت فحواه فوجدت في باطنه خلاف ما يوهم الظاهر، وذلك في قوله "أصبحت مستريحاً من السعي" فإنه يريد أنه محبوس وقوله "استضعفتهم بالنسبة إليكم" يريد أنهم ضعفنا لكثرتهم. وقوله "إنكم الفئة الغالبة بإذن الله" يشير إلى قوله تعالى: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله . وقوله: "رأيت من أحوال القوم ما يطيب له قلب الخليفه" فإني تأملت ما بعده فوجدت أنه يريد بالقلب في قوله "قلب الخليفة" العكس، لأن الجملة الآتية مما يوهم ذلك، فقلبت الجملة، وهي قوله "نصحت فدع ريبك ودع مهلك"، فإذا مقلوبها "كلهم عدو كبير عد فتحصن".
أيها الناس: لو كان لدى قادة فلسطين بصيرة سياسية لاستفادوا من هذه القصة البليغة في فهم الرسالة التي أرسلها الأسرى في سجون الغاصبين، ولعكفوا على دراستها بنداً بنداً وأخذوا مقلوبها تماماً، وذلك لأنها رسالة كتبت بإرادة المحتل، ونقلت تحت سمعه وبصره، وهو المسيطر عليهم، وهم الأسرى فاقدو الإرادة. فكيف لأسير أن يوجه طليقاً، وأنى لمسلوب الإرادة أن يقود حراً؟ كيف يقوم مسجونون - وهم لا يملكون أن يفكوا قيد أنفسهم - بتقرير مصير أرض خراجية إسلامية فتحها المسلمون وسالت فيها دماء المجاهدين أنهاراً؟ وهل كان في اعتبار هؤلاء الأسرى عندما قاوموا وجاهدوا وأُسروا أن يعترفوا بالسيادة على البلاد والعباد والمقدسات لمن قاوموه وجاهدوه فأسرهم؟ ولكن إذا عُرِف السبب بطل العجب، فعندما يصير المجاهد قاعداً، وتصبح السلطة مطلباً، ويكون شرع الله خلف الظهور، تصبح الثعالب إخوة الخراف، ويصبح اللص شريك القاضي، وتُنسى الشعارات والمواثيق، ويصبح الهدهد صقراً مفترساً، ويصبح الغراب دليل القوم والبوم حليفهم. وليس غريباً عند ذلك أن يخسف الله الأرض بمن عليها، ويقال للمصلحين الغرباء الذين يسعون جاهدين للتغيير وإصلاح ما أفسد الناس من سنة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، يقال لهم: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها! لكم الله أيها الغرباء، لكم رب عزيز جبار قادر منتقم قهار.
أيها الناس: إني أعلم أن اعتبار وثيقة الأسرى التي اعتمدها القوم أساساً لحواراتهم السياسية رسالة مشفرة هو اعتبار مغلوط، وتفكير سطحي ساذج، ولكن الشيء بالشيء يُذكر! ولا بد لنا أن نستلهم الرؤى السياسية من سِيَرِ العمالقة الذين صنعوا لهذه الأمة مجداً تليداً وتاريخاً مجيداً. فإن لم نفعل ذلك وتنكرنا لماضينا وتراثنا ومصدر إلهامنا ومنبع طاقاتنا ومصنع رجالنا ونسائنا، فإننا سنبقى نتنكب السير، ونقع في الشراك القاتلة والحفر العميقة، ننشد الخلاص فلا نجده، ونرجو النجاة فلا نهتدي لسفينتها التي تقودنا إلى بر الأمان. ولست أزعم أن الأسرى في سجون الاحتلال – فك الله أسرهم - على درجة من الوعي السياسي لحل المعضلة الفلسطينية، ولكني أجزم بأن السياسيين الذين يعبثون بالقضية قد ركبوا الموجة المشاعرية في قضية الأسرى لتنقذهم من الغرق في أتون الصراعات على زعامة هذا الشعب المنكوب، وليحولوا دون المضي قدماً في استخدام لغة السلاح والفتنة الفصائلية المقيتة، وتفعيل لغة الحوار الوطني دون أن يلحظ أحد بأنهم يضللون الناس، وليقطعوا الطريق على المزايدين عليهم وطنياً بأن الكلمة الأخيرة قد قالها أكثر الناس تضحية في سبيل الوطن وهم الأسرى. بل إن في ذلك مخرجاً للحكومة الحالية أحادية القطب من الفشل الذريع الذي أصابها، فتستقيل لتحل محلها حكومة ائتلاف بين القطبين المتنافسين، وقد قالها صراحة أحد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني الذي ينتمي إلى تيار القطب الآخر قبل أيام قليلة.
أيها الناس: إن أقل ما يمكن قوله في وصف هذا العمل السياسي هو العجز، أجل، العجز! فلا يصح أن يكون العاجز قائداً، ومنقوص الإرادة سيداً، والغائب حاضراً، وقديماً قالوا: فاقد الشيء لا يعطيه! وللسائل أن يسأل: لماذا تكون حكومة وحدة وطنية حلاً أمثل للأزمة؟ آلله أمركم بهذا أم على الله تفترون؟ ولماذا تكون وثيقة الأسرى صالحة للسير اليوم، في حين فشلت كافة الوثائق التي قُدمت فيما مضى، وانتفخ بها الملف الفلسطيني منذ أن وجدت القضية قبل قرن من الزمان؟ ألا يمكن الحكم عليها بالفشل من خلال القياس الصحيح على ما سبقها من الوثائق لاشتراكها جميعا في علة واحدة وهي: عدم استناد تلك الوثائق إلى الكتاب والسنة وما أرشدا إليه، فنقول إنها وثيقة فاشلة كسابقاتها؟ نعم، فاشلة كما فشلت وثيقة تينيت، ووثيقة شرم الشيخ، ووثيقة كمب ديفد، ووثيقة مكلوسكي، ووثيقة بيلن ووثيقة ألون ووثيقة أوسلو ووثيقة خارطة الطريق وغيرها من الوثائق والاتفاقيات والبيانات ما يصعب حصره. ولماذا لا تعتمدون وثيقة محمد صلى الله عليه وسلم التي كتبها في المدينة مباشرة بعد أن من الله عليه بالحكم والسلطان، وباركها الله من فوق سبع سماوات؟ أأنتم أعلم أم الله؟ (الخطبة الثانية) أيها الناس: إنا نناشد قادة فلسطين بالله العظيم قائلين لهم: بالله عليكم لا تفجعونا بمزيد من النكبات أيها القوم، وكفانا ما نحن فيه. بالله عليكم لا تكونوا عوناً لأميركا علينا، بل كونوا عوناً لنا على أميركا وكافة دول الكفر. بالله عليكم لا تقتتلوا فيما بينكم وانظروا فيمن يمدكم بالسلاح؟ بالله عليكم إرحمونا من جهلكم السياسي وفقركم الفقهي وسوء تقديركم وفساد تدبيركم. بالله عليكم إرجعوا إلى حضن الأمة الإسلامية الدافيء، وفروا إلى الله، إني لكم منه نذير مبين. بالله عليكم أجيبوا داعي الله، وانبذوا الفرقة والوطنية والفصائلية، وكونوا عباد الله إخواناً. فوالله الذي لا إله غيره إن الحل قد أصبح واضحاً كالشمس في رابعة النهار، فما لكم لا تبصرون، وإذا ذُكّرتم لا تذكرون؟ هدانا الله وإياكم أجمعين.
أيها الناس: إذا أردتم الحل الأمثل لقضية فلسطين وقضية الأسرى وباقي قضايا المسلمين العالقة، فما عليكم إلا أن تتخلوا عن السير في مخططات الكفار التي أوردتكم المهالك في فلسطين والسودان ولبنان وأفغانستان والعراق وغيرها من بلاد المسلمين، وتسيروا في خطة خارطة الشرع القويم التي تبناها العاملون المخلصون لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة. فالسير فيها فرض من الله عليكم، ونتيجتها نصر وفلاح وتحققٌ لوعد الله لكم بالاستخلاف والتمكين والأمن. فاللهم مكن للعاملين المخلصين من تحقيق غايتهم، بإقامة دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، لتعيد بلاد المسلمين عامة وأرض الإسراء خاصة إلى مكانتها وقدسيتها، وتضع قضاياها في الموضع الذي يلائمها، وما ذلك على الله بعزيز.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:24 PM
مشاركة #53


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 5 جمادى الأولى 1427 هـ
الموافق 02 حزيران 2006 م

أيّهما الأعز ؟

(الخطبة الأولى) أيها الناس: لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة قبل البعثة صاحب مكانة رفيعة واحترام كبير لم يحظ بمثله أقرانه من الرجال، وكان يتمتع بسمعة طيبة يشهد لها القاصي والداني، فمحمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة يصدر عن نفس بشرية صافية وإنسانية مثالية جمعت كل صفات الكمال الإنساني، تحوطها العناية الإلهية لتمنعها من الوقوع في الرذائل البشرية ولتصل بها إلى الكمال البشري المطلق. وكان يصل الرحم ويحمل الكل ويكسب المعدوم ويقري الضيف ويعين على نوائب الدهر، ولُقّب بالصادق الأمين. وأما بعد البعثة فيكفي فيها قول الله عز وجل {وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحي يوحى علمه شديد القوى}، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن. ورغم هذه الصفات الحميدة والخصال الرفيعة إلا أن سادة قريش وزعاماتها وقادة الطائف وسفاءها قد نالوا من شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أتباعه الصحب الكرام عندما صدع بدعوة الحق وصدع بها أصحابه. ولم نعهد منه صلى الله عليه وسلم أنه انتصر لنفسه قط، أو رد اعتداءً من أحد من الزعامات أو السوقة على شخصه أبداً. جاء في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها". بمثل هذه القيم كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، يسراً في كل شيء، وذوداً عن حرمات الله لا عن عرض الدنيا أو أهواء النفوس، وتعاملاً مع الآخرين بحكمة وأسلوب حسن، ومراعاةً لأحوالهم وتقديراً لظروفهم. كيف لا وهو الرحمة المهداة للعالمين؟ وكان صلى الله عليه وسلم يتجاوز عن مخالفيه ممن نصبوا له العداء، فقد كانت سماحته يوم الفتح غاية ما يمكن أن يصل إليه صفح البشر وعفوهم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء". وكان صلى الله عليه وسلم يدعو لمخالفيه من غير المسلمين، فقد قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا: يا رسول الله إن دوساً قد كفرت وأبت فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس - ظناً بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رفع يديه للدعاء عليها - فقال صلى الله عليه وسلم : "اللهم اهد دوساً وأئت بهم"، ودعا صلى الله عليه وسلم لأم أبي هريرة قبل إسلامها، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اهد أم أبي هريرة"، فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء، قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح. وجاء الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ادع الله على ثقيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اللهم اهد ثقيفاً"، قالوا: يا رسول الله ادع عليهم. فقال: "اللهم اهد ثقيفاً"، فعادوا فعاد، فأسلموا فوجدوا من صالحي الناس إسلاماً، ووجد منهم أئمة وقادة. وروى أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد غليظ الحاشية فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عنقه ثم قال: يا محمد احمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الذي عندك فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك! فسكت عليه الصلاة والسلام ثم قال: المال مال الله وأنا عبده وأعطاه ما طلب.
أيها الناس: أين المسلمون اليوم من هذه الصفات الحميدة؟ فما أن يتعرض أحد المسلمين اليوم لتطاول من أحد على شخصه حتى يرغي ويزبد ويذهب إلى أبعد مدى في تحصيل حقه الشخصي ولا يكاد يرضى. وأما حرمات الله فتنتهك في كل آونة وحين ولا يحدث ذلك عنده أي ردة فعل تُذكر، ولربما تجاهلها كأن في أذنيه وقراً. فأيهما الأعز: الشخص أم الإسلام؟ وكيف يكون وضع أحدنا إذا تعرض لمسؤول أو موظف حكومي بالنقد والمحاسبة على سوء سلوك إداري أو سياسي؟ فإن معاملته تتعطل تقوم الدنيا عليه ولا تقعد، ويتمنى لو تنشق الأرض فتبلعه من هول ما يرى وسمع، فأيهما الأعز: المنصب والوظيفة أم الإسلام؟ وماذا يحدث عندما تتعرض لملك أو رئيس دولة ناصحاً أو ناقداً أو محاسباً؟ إنك تكون بهذا قد ارتكبت جريمة لا تغتفر، ويعدونها من أحدى الكُبر، وستُستنفر عليك الأجهزة الأمنية بكل إمكاناتها، وستصبح هدفاً يتقعبه كل من أدلى لهذا الحاكم بسبب. فأيهما أعز الملك والرئيس أم الإسلام؟ وليس حال الأحزاب والجماعات والحركات أفضل في هذه المقام، إلا من رحم ربي. فلا تكاد تذكر حزباً أو جماعة أو حركة في معرض حديثك ناصحاً أو ناقداً حتى تتفجر المظاهرات، وتنهال عليك الكلمات والتعليقات، وتطاردك كل أنواع الملاحقات والمتابعات، هذا إذا سلمت من الطلقات التي قد تسكتك إلى يوم الدين، يوم تجتمع الخصوم. فأيهما الأعز: الحزب والجماعة والحركة أم الإسلام؟ وأما إذا احتلت أرضنا وشتم نبينا ونهبت ثروتنا وقتلت نفوسنا واغتصبت نساؤنا واستصرخت القوم فلا حياة لمن تنادي.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن تاريخنا المشرف العظيم يشهد بأن الإسلام والنبي عليه السلام كانا أعزَّ على أسلافنا من أنفسهم وأهليهم والناس أجمعين. ولا عجب، فعلى قدر الإيمان يكون الحب والتعظيم والتوقير، وعلى قدر الحب والتعظيم والتوقير تكون النصرة والحمية والغضبة والدفاع. رُوي أنَّ غلمانًا من أهلِ البحرين خرجوا يلعبون بالصوالجة، وأسقف البحرين قاعد، فإذا بالكرة تقع على صدرِ الأسقف فأخذها فذهب له الغلمان وقالوا له: من فضلك أعطنا الكرة.. فقال الرجل: لن أعطيكم إياها، فقال له أحد الغلمان: أقسم عليك بمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أن تُعطينا الكرة، فإذا بالرجل يسبهم ويسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاموا إلى ما معهم من عصي فرفعوها وضربوا الرجل ضربًا حتى قتلوه، فوصل الخبر إلى عمر بن الخطاب، يقول الراوي: ففرح بهذا الأمر فرحًا ما رأيناه في فتح ولا غنيمة، فلمَّا سُئل في ذلك قال: "الآن عزَّ الإسلام، هؤلاء أطفال، سُبَّ أمامهم نبيهم فغضبوا له وانتصروا".
ولما بلغ عبدَ الله بنَ عبدِ الله بنِ أُبيّ قولُ أبيه: (ليخرجن الأعز منها الأذل)، أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرَّ بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل رجلا مؤمناً بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا. فلمَّا نهاه رسول الله عن القتلِ قام ينتصر لرسول الله من أبيه أمام الناس فتبرأ منه ووقف لأبيه بالسيفِ على باب المدينة يمنعه من دخولها، ويقول له: "والله لن تدخل المدينة حتى تشهد أنك الأذل وأنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم هو الأعز، ففعل ذلك على مرأى ومسمع من الجيش كله.
أيها الناس: إننا بحاجة ماسة لمعرفة الأعز والأذل في زماننا، حيث اختلطت الأوراق وضاعت الحقائق وأصبحنا نعاني من أزمة ترتيب في أولوياتنا. فوالله ما حل بنا ما حل إلا بعد غياب خلافتنا، فنحن لسنا بحاجة إلى سلطان ليس في يده قرآن، ولا علاج لهذه الأزمة إلا بإعادة المياه الإسلامية إلى مجاريها، ووضع أمورنا في نصابها الصحيح، ولا يتأتى ذلك إلا إذا بجمع قرآننا وسلطاننا معاً في دولتنا، دولة الخلافة الإسلامية التي تربينا التربية الصحيحة وتنشيء أبناءنا النشأة الطيبة، فاعملوا مع العاملين لإقامتها ترشدوا وتغنموا.
......................................


الجمعة 12/جمادى الأولى/1427 هـ
الموافـق 09/حزيران/2006 م

قد بدت البغضاء من أفواههم

الخطبة الأولى (أيها الناس) نشرت مجلة الوعي في عددها الأخير برقم 232 ترجمة لنتيجة دراسة قدمتها مديرة قسم الأمن الدولي وبرامج الطاقة في مركز نيكسون زينو باران خلال شهادتها مؤخراً أمام اللجنة المصغَّرة (حول الإرهاب والتهديدات والقدرات)، وهي اللجنة المتفرعة عن لجنة الخدمات العسكرية في الكونغرس الأميركي جاء فيها:
1. إن المشكلة الأساسية تكمن في الانتشار السريع لأيديولوجية معاكسة تماماً للنظام الرأسمالي الديمقراطي ولمفهوم الغرب للحرية.
2. أصبح الإسلام الآن يمثل البديل الوحيد للاستعمار في العالم الإسلامي الذي دام لعقود طويلة.
3. ليس باستطاعة أوروبا أن تنتظر أن يأخذ هذا الإصلاح الإسلامي في الشرق الأوسط مفعوله تدريجياً، حيث إن هذا الإصلاح يسير ببطء شديد في الشرق الأوسط، وهنالك مشاكل طارئة يفرضها واقع التطرف الشديد لا تترك لأوروبا خياراً سوى تغذية ولادة إسلام أوروبي.
4. إن تركيا تعتبر هامة جداً في محاولة التغلب على مشكلة رفض المسلمين للاندماج في المجتمع الأوروبي. فمنذ أكثر من 80 عاماً، تعايش الإسلام التركي مع دولة علمانية، ويعود الفضل الكبير للدائرة الفريدة "رئاسة الأديان"، المسؤولة عن 75 ألف مسجد في تركيا، إضافةً إلى جاليات دينية تركية مشتتة، وتتكفل بنشر تفسير معتدل للإسلام عن طريق برامجها التدريبية للأئمة وبعثاتها الدينية. يجب على جميع الأئمة من "رئاسة الأديان" أن ينهوا تعليمهم الإعدادي وأن ينجحوا بامتحانات ثقافية ولغوية، وبالتالي يحمون الأتراك من مخاطر الوعظ الراديكالي. على سبيل المثال، يرى الإسلام التركي أنه لا يوجد أي تعارض بين تعاليم الإسلام ومبادئ الديمقراطية. وأعلن هاسي كاراسير، زعيم المنظمة التركية - الهولندية لشمال ميلي غوروش، متصدياً لهؤلاء الذين يدعون إلى الشريعة: "أنا أؤمن بالله كما أؤمن بالعدالة الهولندية، إن الدستور الهولندي هو شريعتي"! ثم تقول الدراسة: من المهم للغاية لمستقبل أوروبا أن تصبح مثل هذه الأقوال أساسية في المناهج المسلمة.
5. إن محاربة انتشار النشاط الإسلامي سينجح فقط إذا تمكن الغرب من احتواء قلوب وعقول المسلمين.
6. يؤمن أكثر المسلمين - وليس فقط الإرهابيين - أنهم لن يصبحوا أبداً لاعبين متساوين في النظام الغربي. بل ويؤمنون أن "حرية وديمقراطية" أميركا ليست إلا خدعة لإيقاعهم في الفخ، كي تتمكن هذه الأخيرة من الحفاظ على سيطرتها العالمية.
7. إن أفضل الحلفاء في هذا الصراع هم المسلمون المعتدلون، ويجب إعطاؤهم مساحة سياسية كي لا يبقى الإسلام أسيراً في أيدي المتطرفين بينما يبقى المسلمون المعتدلون على الهامش. ومن أجل تمكين المعتدلين بأن يمسكوا بأنفسهم زمام الإسلام - والذي سيستغرق وقتاً ومالاً - من الضروري العثور على طرق لقمع نشاطات الإسلاميين ومنظمات المقاومة، ولكن دون التضحية بالحريات المدنية. ثم عليهم أن يجدوا طرقاً لحماية مجتمعاتهم ليس من الإرهاب فحسب بل من التحريض غير المباشر كذلك.
8. يجب أن نستمر بحملتنا العسكرية ضد المتطرفين المسلحين، ويجب أن نركز أيضاً على إزالة البنية التحتية الأيديولوجية لأعدائنا، وإلا لن يعم الأمن الشامل في المجتمعات الغربية.
أيها الناس: قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. صدقت يا ربنا فيما أعلمتنا عن نوايا القوم، صدقت يا ربنا فيما كشفت لنا من مستور لؤمهم وخبث سريرتهم وفساد طويتهم، مما خفي على كثير من المسلمين، وأوقعهم في شراك الكفار القاتلة. ها هم يبدون البغضاء لنا من أفواههم، ويخاطبوننا علناً بخطاب لا يحتمل التأويل بأنهم يريدون تعديل ديننا، والاستفتاء على ثوابتنا، وقتل مجاهدينا، وإشغال جيوشنا بمشاهدة مباريات كأس العالم لكرة القدم، وكبح جماح علمائنا المخلصين وفقهائنا الموثوقين ومفكرينا المستنيرين. ويريدون أن يوصلوا المعتدلين منا بزعمهم إلى سدة الحكم والسلطان المجزأ من غير سيادة تذكر، ويريدون أن يمحوا من ذاكرتنا كل إساءاتهم ضدنا، ويريدون أن يبدلوا كلام الله الذي نزل على رسولنا صلى الله عليه وسلم من فوق سبع سماوات، ويريدون أن ينفقوا الأموال الطائلة على برامجهم ضدنا، يريدون هذا كله وأكثر من أجل هدف واحد ليس له ثان، وهو تحقيق الأمن الشامل لمجتمعاتهم الغربية!
أيها الناس: ما هو هذا الأمن الشامل للمجتمعات الغربية وكيف يتحقق؟ إن الأمن الشامل في مفهومهم يعني سرقة ثروات المسلمين لتوفير الأمن الغذائي والرفاه الاجتماعي لهم وليبق المسلمون فقراء معوزين. ويعني أيضاً السيطرة على بلاد المسلمين وخصوصاً الممرات الاستراتيجية فيها لتوفير الأمن الحركي لوسائل مواصلاتهم دون إعاقة تذكر، وليبق المسلمون قابعين خلف الحواجز والجدر والحدود المصطنعة ينتظرون عندها الساعات الطوال ليمروا فقط. ويعني كذلك أن تسود ثقافتهم عقول المسلمين لتوفير الأمن الفكري والثقافي لهم فلا يفكر مسلم بالتغيير أبداً، بل ينساق وراء الحضارة الرأسمالية ومفاهيمها الفاسدة كالمضبوع لا يلوي على شيء. ويعني بصراحة ودون أي مواربة منع قيام الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة كونها الوحيدة القادرة على إحداث الاضطراب الأكيد في مفهوم الأمن الشامل للمجتمعات الغربية. فهل أنتم مدركون؟ وهل أنتم للخلافة عاملون؟
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن الذي حصل في العراق وفلسطين يوم أمس من قتل قيادات عسكرية ميدانية انفلتت من عقال القيادات العسكرية التقليدية الموالية لحكام السوء، وعزم أكبر ولايات ألمانيا منع المعلمات المسلمات من ارتداء الحجاب الشرعي، وزيارة رئيس تركيا لبيت المقدس وما ترتب عليه من اعتقال بعض الشباب المسلم فيه وفي أكنافه وحجزهم في مراكز الأمن لساعات طويلة، والتتبع الدقيق من قبل دوائر الأمن في دويلات الضرار للمعلومات المتعلقة بحركة المسلمين المخلصين ولو كانت قراءة صفحة من كتاب أو حضور درس في مسجد أو قول كلمة في مجلس. بل إننا نجزم بأن كافة ممارسات الكفار والسلطات الموالية لهم في بلاد المسلمين لتدل دلالة صريحة لا تحتمل التأويل على حقدهم على الإسلام والمسلمين، وأنهم يبذلون ما وسعهم لإحباط مسيرة المسلمين نحو النهضة والتغيير.
أيها الناس: القافلة تسير والكلاب تنبَح، ولا يضر السحابَ نُباحُ الكلاب، وستصل القافلة إلى مبتغاها، وسيبقى السحاب مرتفعاً، وقد خاب من افترى. وإن لنا في قول الله سبحانه وتعالى خيرَ عزاء وطمأنينة {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}. قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين كفروا بالله ورسوله ينفقون أموالهم، فيعطونها أمثالهم من المشركين ليتقوَّوا بها على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، ليصدّوا المؤمنين بالله ورسوله عن الإيمان بالله ورسوله، فسينفقون أموالهم في ذلك، ثم تكون نفقتهم تلك عليهم "حسرة"، يقول: تصير ندامة عليهم، لأن أموالهم تذهب ولا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من إطفاء نور الله، وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله، لأن الله مُعْلي كلمته، وجاعل كلمة الكفر السفلى، ثم يغلبهم المؤمنون، ويحشر الله الذين كفروا به وبرسوله إلى جهنم، فيعذبون فيها، فأعظِم بها حسرةً وندامة لمن عاش منهم ومن هلك! أما الحيّ، فحُرِب مالُه وذهبَ باطلاً في غير دَرَكِ نفع، ورجع مغلوبًا مقهورًا محروبًا مسلوبًا. وأما الهالك، فقتل وسُلب، وعُجِّل به إلى نار الله يخلُد فيها، نعوذ بالله من غضبه. أهـ
أيها الناس: سيهزم الجمع ويولون الدبر، وسيرد كيد الكافرين الرأسماليين وأعوانهم من أذناب المسلمين إلى نحورهم قريباً بإذن الله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وما علينا معشر المسلمين إلا أن نواصل العمل مع العاملين المخلصين لإقامة دولة خلافة المسلمين الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي ستحطم آمال الكفار وأعوانهم بالنيل من المسلمين، وستوقف هذا الكيد العظيم والمكر الهائل، بل سترده بعون الله إلى نحورهم. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:26 PM
مشاركة #54


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 20/5/1427 هـ
الموافق16/6/2006 م

أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تبصرون؟

(الخطبة الأولى) أيها الناس: روى الإمام أحمد في مسنده عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ الْهَرْجَ، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: الْقَتْلُ، قَالُوا: أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ؟ إِنَّا لَنَقْتُل كُلَّ عَامٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا، قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، قَالُوا: وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَتُنْزَعُ عُقُولُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيُخَلَّفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ يَحْسِبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ. قَالَ عَفَّانُ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ أَبُو مُوسَى: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجًا إِنْ أَدْرَكَتْنِي وَإِيَّاكُمْ إِلَّا أَنْ نَخْرُجَ مِنْهَا كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا لَمْ نُصِبْ مِنْهَا دَمًا وَلَا مَالًا‏.‏
أيها الناس: هل تلاحظون فرقاً بين المسلمين وباقي أمم الكفر والشرك في تأثرهم بسحر المونديال الكروي؟ وهل تلاحظون فرقاً في سلوك المسلمين السياسي والاقتصادي والعسكري وباقي أنواع السلوك الفردي والمجتمعي بينهم وبين الأمم الأخرى؟ ما الفرق بين الحكام في بلاد المسلمين ونظرائهم في مجاهل أفريقيا وأميركا الوسطى والجنوبية؟ وما الفرق بين بنوك مملكة البحرين وبنوك مملكة سوايزلاند؟ ما هذا الهباء؟ إن سودوا الشعب وجعلوه مصدر السلطات سودناه وجعلناه حكماً على قول خالق الشعب، وإن انتخبوا انتخبنا، وإن استفتوا استفتينا، وإن اشرأبت أعناقهم إلى شاشات عرض مباريات كرة القدم اشرأبت أعناقنا، وإن زوروا إرادة الشعب زورناها، وإن هتكوا أستار الحياء عند نسائهم هتكنا أستار الحياء عند نسائنا، وإن رقصوا وطبلوا رقصنا وطبلنا، وإن دخلوا جحر ضب دخلناه! فما الذي يمنعنا من دخول النار إذا أُدخلوها؟
أيها الناس: {أَفَسِحْر هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ}؟ قال ابن جرير: يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَمَّا يَقُول لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ إِذَا وَرَدُوا جَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة: أَفَسِحْرٌ أَيّهَا الْقَوْم هَذَا الَّذِي وَرَدْتُمُوهُ الْآن أَمْ أَنْتُمْ لَا تُعَايِنُونَهُ وَلَا تُبْصِرُونَهُ؟ وَقِيلَ هَذَا لَهُمْ تَوْبِيخًا لَا اسْتِفْهَامًا. ونحن للمسلمين اليوم: أفسحر هذا الذي يحصل بكم ومنكم أم أنتم لا تبصرون؟ هل بقي أحد لا يبصر أن منظمة التحرير الفلسطينية قد ماتت سريرياً منذ أمد بعيد، ولم يبق إلا أن تُدفن في غير مقابر المسلمين؟ فلماذا يسعى القوم لترميم بناء هالك، ونفخ الروح في جسد ميت؟ وهل بقي أحد لم يبصر وحشية الكفار في قتل المسلمين في العراق وفلسطين وأفغانستان وغيرها من بلاد العالم؟ من يثأر لشهدائنا ويعيد شرف مغتصباتنا ويحرر بلادنا ويطهر مقدساتنا؟ وهل بقي أحد يشك في عدم جدوى الحلول الأميركية والدولية والمبادرات العربية؟ ولماذا السير في ركابها وما زادتنا إلا رهقاً؟ وهل يقول مؤمن عاقل بجواز المساومة على أرض الإسراء مقابل ثمن معقول؟! كلا، والله إن فلسطين أغلى من ملء الأرض ذهباً ومثله معه، ذلك بأنها أرض خراجية رويت بدماء الصحابة الأخيار والشهداء الأبرار. وهل يكفي رفض الإستفتاء على استحياء أيها السادة، ثم التسلل عبر الحدود لتهريب النقود بحجة إطعام الجياع فُتاتاً وكفافاً؟ كلا، فليطعمهم من جوَّعهم، أو تحرق الأرض من تحت أقدامهم، وتشتعل السماء من فوق رؤوسهم، أو نصبر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وننال كريم المأكل.
أيها الناس: إننا اليوم أمام منعطف خطير يستحق موقفاً حاسماً، فعلينا أن ندرك طريق الخلاص ونتفادى الانزلاق إلى الهاوية. فواجب المسلمين عموماً هو العمل مع العاملين دون تردد لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وواجب المسلمين في فلسطين رفض الاستفتاء كما رفض كثير منهم الانتخابات، وواجب الحكومة الفلسطينية التي تحظى بتمثيل الشعب المنكوب أن تعلن باسم هذا الشعب إلغاء جميع الاتفاقيات والقرارات الدولية جملة وتفصيلاً، واتخاذ قرار عاجل يتصدر الأخبار العاجلة في كافة وسائل الإعلام مفاده التخلي عن معالجة القضية الفلسطينية بصفتهم التمثيلية، والخروج من هياكل السلطة ومجلسها التشريعي، وإعادة القضية إلى أصحابها الحقيقيين وهم المسلمون جميعاً، والطلب منهم ومن أهل القوة فيهم أن يتحملوا المسؤولية الكاملة عن هذا الملف الكبير. هكذا تكون القرارات المصيرية وإلا فلا، وهكذا تجهض الحلول الاستسلامية وإلا فلا، وهكذا يفهم الحكم الشرعي ويطبق وإلا فلا. إياكم ثم إياكم أن يستزلكم الكفار والمجرمون فتشاركوهم جرائمهم، واحذروا أن تنطلي عليكم مخططاتهم الخبيثة، بل اثبتوا على الحق واعلموا أن الله وعدكم بأن تكون لكم الغلبة في صراعكم مع الكفار، فقال سبحانه {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون}.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد بدا واضحاً أن معظم العاملين الناشطين في قضايا المسلمين الجزئية يسعى كل منهم كي يرى له موقعاً في التوليفية السياسية مهما كانت التضحيات والتنازلات، وأن كلاً منهم – إلا من رحم ربي - يعمل جاهداً ليرى له مكاناً تحت الشمس، ولا يرون مانعاً يمنعهم من الاقتتال ورفع السلاح في وجوه إخوانهم إذا لزم الأمر، وساهم ذلك في الدفاع عن مكتسباتهم الفصائلية وتحقيق أهدافهم الحزبية! ما هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إنه ضرب لنا مثلاً في عمل حزبه وأهدافه وطريقة سيره لتحقيق تلك الأهداف دون مساومات أو تنازلات مهما اشتدت الكربات وادلهمت الخطوب، وذلك لأنه أراد أن يكون للمسلمين مكان تحت الشمس وليس لشخصه عليه السلام أو حزبه أو أصحابه. ولما فُتح باب العروض من طواغيت مكة محاولين جره إلى دوائر سياساتهم الكاذبة الخاطئة، أجابهم الجواب الخالد: والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه. فداك أبي وأمي يا رسول الله، يا خير قائد وخير معلم، نستميحك عذراً مما فعل القوم، ونبرأ إلى الله ثم إليك من كل عمل يقوم به مسلم يغضب الله ورسوله، ونعاهد الله ونعاهدك يا رسول الله أن نبذل قصارى جهدنا في بذل النصيحة المخلصة لهم، ونعاهد الله ونعاهدك يا رسول الله أن نعمل جاهدين كي نرى للأمة الإسلامية مكاناً تحت الشمس.
أيها الناس: روى مسلم في صحيحه بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ‏"‏مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ‏".‏ صدقت يا رسول الله، ولبيك لبيك، فوربك لنُقارعن هذه الخُلوفَ الهباءَ حتى تصبح هشيماً تذروها الرياح، ولنفضحن مخططاتهم، ولننزعن ثقة الناس منهم، ولنحركن عليهم أهل القوة والمنعة من أبنائنا كي يهدموا عروشهم ويبيدوا خضراءهم، ولنجعلنهم عبرة لكل من تسول له نفسه يوماً أن يمس أمتك بسوء، فنفوسنا فداك يا رسول الله، ودماؤنا رخيصة في سبيل الله، وطاقاتنا وإمكانياتنا طوع بنان أمتنا حتى يخلصها الله مما هي فيه، ولتعلمن نبأه بعد حين.
أيها الناس: أوصيكم جميعاً حركاتٍ وأحزاباً وقادةً ووجهاءَ وسياسيين ومسوسين أن تنبذوا الأنانية وحب الذات والتفاخر بالرايات العصبية العُمّية، وأوصيكم جميعاً بأن تبحثوا للأمة الإسلامية عن مخرج لضيقها وتفريج لهمها وتنفيس لكربتها، ولا تنشغلوا بالبحث عن تنفيس كرباتكم الشخصية وتتركوا أمتكم تغرق في بحار الخيانة والعمالة والتآمر. أفيقوا أيها المسلمون، واعلموا أن الذي يجري أمامكم هو سحر إن الله سيبطله، إن الله لا يصلح عمل المفسدين. أوصيكم أن لا تكونوا من الخلوف الهباء الذين يحسبون أنهم على شيء وليسوا على شيء، وأوصيكم أن تأخذوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقتدوا بأمره، وتعملوا مع العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين وتنفيس جميع كرب المسلمين، وذلك بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة. فالعمل فرض والوعد حق وإن مع العسر يسراً. اللهم هل بلغت، اللهم اشهد.
...........................................................


الجمعة 27/5/1427 هـ
الموافق23/6/2006 م

اليمن في قلق!

(الخطبة الأولى) أيها الناس: "قلق يخيم على اليمن"! هذا هو العنوان العريض لإحدى الصحف اليمنية التي صدرت مؤخراً تشير فيه إلى إصرار الرئيس اليمني على عدم ترشيح نفسه لولاية جديد بعد 28 عاماً في الحكم، مما اضطر حزب المؤتمر الشعبي الحاكم في اليمن أمس الخميس لتمديد مؤتمره الاستئنائي إلى يوم غد السبت ضمن مسعى لإقناع الرئيس علي عبد الله صالح بالعدول عن قراره. وشهد المؤتمر في يومه الثاني محاولات بذلها زعماء في الحزب لإقناع صالح بالعدول عن قراره، وجرت مسيرات شعبية في عموم المحافظات اليمنية مطالبة الرئيس بترشيح نفسه في الانتخابات المقبلة. ونقل عن صالح قوله في جلسات المؤتمر "أنا لست تاكسي يستأجرني حزب المؤتمر أو القوى السياسية الأخرى لصالحها لكي أقلها إلى الفنادق، فأنا أرعى مصالح الأمة التي وثقت بي منذ 28 عاماً". وأضاف "أنا لست مظلة لفساد حزب سياسي أو قوى معينة ولست مظلة لأن يفسدوا على حساب سمعتي وجهدي وعرقي وسهري ليل نهار على مصالح هذه الأمة لا على مصالحي". وقال "أريد أن أسلم السلطة سلمياً"، مضيفا "دعونا نتبادل السلطة وبطرق ديمقراطية وحرية مطلقة".
وأوضح "أنا لست مريضاً ولست عاجزاً عن تحمل المسؤولية ولكنني أسست ما أسسته في الماضي وهو تحقيق وإعادة الوحدة اليمنية وتسوية الحدود اليمنية وإيجاد تنمية شاملة والآن أريد أن أرعى هذا الإنجاز عندما أسلم السلطة رسميا للشعب اليمني".
أيها الناس: لا أكاد أصدق ما أسمع، بل إني قد عدت بذاكرتي إلى أيام الهزيمة والنكسة التي منيت بها الجيوش المصرية والسورية والأردنية عام 67 وضاعت على إثرها فلسطين كاملة إضافة إلى الجولان وكامل سيناء، ثم قام عبد الناصر بعدها بأيام قليلة بمسرحية الاستقالة والتنحي، وأُخرجت الجماهير إلى الشوارع تطالب بإعادة الزعيم المنهزم، والقائد الفاشل، والرئيس المتنحي! أي سذاجة تلك التي دفعت بالجموع المصرية إلى الشوارع تطالب ببقاء زعيم ما فقه أبجديات الدفاع عن شعبه وبلاده، وملأ الدنيا بالخطابات الرنانة والوعود الكاذبة والإنجازات الوهمية؟ وأي غفلة سياسية تلك التي جعلت الجماهير التي احتلت أرضها وقتل أبناؤها وهدمت بيوتها وأصابها ما أصابها من الخيبة والهزيمة والخسران تطالب بعدم تنحي الرئيس الذي تسبب في كل ذلك، ولا تطلب منه أو من خلَفه أن يثأر لكرامتها، ويعيد المحتل من أرضها، وينتقم لها من عدوها الذي أغرقها في بحر من الدماء؟ ولما عاد الرئيس المتنحي وعدل عن قراره وأمضى أعواماً في الحكم، ماذا صنع ليكفر عن خطيئته الكبرى وخيانته العظمى، إنه أتبعها بخطيئة هي أكبر من أختها وخيانة هي أعظم من سابقاتها، بأن تخلى عن لهجته الخطابية القومي الرنانة، وفتح الباب واسعاً أمام كافة الأعمال السياسية الخيانية والاستسلامية التي تدور في منطقتنا منذ قبوله مبادرة روجرز عام 70 وحتى وثيقى الأسرى والاستفتاء عليها في عامنا هذا في شهرنا هذا وفي يومنا هذا؟
أيها الناس: لا أصدق أن رئيساً أو ملكاً من رؤساء وملوك دويلات الضرار القائمة في العالم الإسلامي يتنحى بمحض إرادته زهداً في الحكم والسلطان وخدمةِ الإنجليز والأميركان، ولا أصدق أن أحداً من هؤلاء الرؤساء والملوك الذين يخدمون الكفار وليس شعوبهم، لا أصدق أنهم يملكون قرارهم بالاستقالة أو التنحي أو عدم الترشح، بل إنه كالدمى المعلقة بالخيوط يلعب بها أسيادهم كيف يشاؤون. فلماذا يبقى الرئيس المصري في الحكم خمس ولايات متعاقبة؟ ولماذا يمضي الرئيس الليبي 38 عاماً في السلطة؟ ولماذا حكم الملك الأردني، قبل البلوغ وبعده، خمسة عقود أو أقل قليلاً، ولم يترك مكانه حتى جاءه ملك الموت ليختار له مكاناً آخر وفق قرار سيادي عُلوي جرده من كافة صلاحياته تجريداً أبدياً؟ أي منطق يحكم رفض الرئيس اليمني ترشيح نفسه لولاية خامسة أو سادسة أو سابعة، وكل أقرانه يفعلون ذلك حتى لو وصل بهم الأمر إلى تغيير مادة من مواد الدستور المقدس بزعمهم، ولتذهب القدسية الدستورية إلى الجحيم إذا تعارضت مع رغبات الزعيم؟
أيها الناس: وصف المعارض اليمني عن الحزب الاشتراكي عبد الباري طاهر ما يجري بين الرئيس اليمني وحزبه بأنه تكتيك لتسجيل نسبة عالية في الانتخابات المقبلة. وسواء صدقت كلمات هذا المعارض أم لا فإن المسألة لا تقاس عندنا بإجراءات معينة تقوم بها الأحزاب لتحقيق تداول السلطة، فتلك شنشنة نعرفها من أخزم، وما تداول السلطة في فلسطين والعراق منكم ببعيد، فليس هذا هو المهم، بل الأهم هو بماذا تحكم هذه الأحزاب، أبالإسلام أم بالديمقراطية، أبالحق أم بالباطل، أهي مستقلة حقاً في قراراتها، أم تابعة تدور في فلك الدول الكبرى التي أوجدتها؟ ومن ناحية ثانية، هل ترسيم الحدود اليمنية أو الفلسطينية مثلاً مع جيرانها إنجاز يفتخر به؟ تلك لعمري هي الطامة الكبرى أن يكون ترسيم الحدود وتجزئة بلاد المسلمين إنجازات يتفاخر بها زعيم أمضى في الحكم 28 عاماً، ولم يحكم بما أنزل الله، بل لم يستطع بعد طول مكثه في الحكم أن يحل مشكلة المجاري والمياه العادمة التي تفيض في الأحياء السكنية وتتجمع في بحيرات راكدة تفسد على الناس معايشهم! فضلاً عن تآمره على قتل أبنائه. فلا تقلقوا يا أهل اليمن، وليذهب رئيسكم إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لقد حفلت سجلات النظام اليمني خلال فترة حكم الرئيس المتنطع بالقمع للمناوئين ودعاة التغيير والعاملين لإقامة حكم الله في أرض الحكمة والإيمان! ولنا أن نسأل هذا المتشدق بالديمقراطية وتداول السلطة: لماذا قام جهاز الأمن السياسي في الحديدة باعتقال تعسفي للشيخ والعالم/إبراهيم عبد الباري مقبولي الأهدل (58 عاماً)، إمام وخطيب جامع النور في حارة القلعة، شارع الحمدي بالحديدة، والأمين الشرعي لحارة القلعة، وموظف المحكمة الابتدائية في الحديدة؟ ولماذا وسعت حكومته نطاق إجرامها ليمتد إلى العلماء والدعاة الذين تخشى منهم أن يعكروا مزاج احتفالات المترفين، ويزعجوا مواكبهم الفارهة، وينغصوا فرحة الفاسدين؟ فأي نظام هذا الذي يملك الجيش والأمن والإعلام والمال ويخاف من عالم قد يخطب خطبة أو يوزع ورقة حول الفساد والمفسدين في الأرض؟! لقد برر الأمن السياسي اعتقال الشيخ بأنه (تحفظي) حتى لا يهاجم النظام في عرسه، والحقيقة أنهم يعرفون أن الشيخ رجل يقول كلمة الحق ولا يخشى في الله لومة لائم، لهذا اعتقلوه!! لقد تبجحت السلطة كثيراً بدعوات الديمقراطية والتعددية والحريات، وكررها الرئيس في خطاباته، وأن الديمقراطية هي خيار النظام، وهي سفينة النجاة له، وأنه ولى زمن المعتقلات السياسية،....إلخ، ولكن الحقيقة هي على عكس ما يزعمون، اعتقالات، ملاحقات، تكميم أفواه، إخراس ألسن، ممارسات قمعية، مطاردات لأصحاب الرأي، تجسس، تحرش بالصحفيين، محاكمات جائرة!!
أيها الناس: ليست اليمن وحدها من يفعل ذلك، بل إن العالم بأسره اليوم يكاد يُجمع على تبني إجراءات من شأنها أن تحد من نشاط وحركة العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة. فهم يشعرون أكثر من أي وقت مضى بأن طوفان العمل للخلافة قد بدأ يجتاحهم، وأن الخلافة القادمة ستلقف ما يأفكون من سحر الوطنية والقومية والاشتراكية والديمقراطية، إن ما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى.
أيها الناس: كما أن الكفار وأعوانهم من حكام المسلمين يسابقون الزمن كي يحققوا أكبر حجم من الإنجازات ضد خير أمة أخرجت للناس، باحتلال أراضيها ونهب ثرواتها وتغيير مناهج الدراسة فيها وترتيب أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفق أهوائهم ومصالحهم، فإنكم معشر المسلمين مدعوون لتحقيق قصب السبق في هذا المضمار، والقيام بما يفرضه الواجب الشرعي عليكم لمناهضة هذه الاجراءات العدوانية عليكم وعلى دينكم وعلى عقيدتهم ونظام حياتكم، وذلك بالعمل الجاد المخلص مع العاملين الجادين المخلصين والهادفين لإقامة الخلافة الراشدة، يكون على رأسها خليفة يطبق شرع الله، وليبق في الحكم ما شاء. فكونوا من جنودها فعسى الله أن يمن عليكم بأن تكونوا من شهودها قريباً بإذن الله، ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:30 PM
مشاركة #55


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 4/6/1427 هـ
الموافق30/6/2006 م

أواه يا فلسطين!

(الخطبة الأولى) أيها الناس: آيات من كتاب الله تشخص حالنا في فلسطين تشخيصاً قوياً، وتبين طريق الخلاص بياناً شافياً، قال تعالى {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون، وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بانهم قوم لا يفقهون، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم}. فقد كانت فلسطين على الدوام مطمعاً لشياطين الإنس وذئاب البشرية، وهدفاً للغزاة والمستعمرين، فضلاً عن أن أهل الكتاب يتذرعون بعلاقة عدد من الأنبياء السابقين بالأقصى وفلسطين، ليغلّفوا أطماعهم فيها بدوافع دينية. ولا عجب، فهي أرض ذات موقع استراتيجي، وهي بوابة الدخول إلى منابع النفط براً وبحراً وجواً، ولكنها في نفس الوقت الأرض التي لا يعمر فيها ظالم، ففيها كانت نهاية الدولة الرومانية الشرقية في معركة اليرموك، وفيها كانت نهاية البطش المغولي في عين جالوت، وفيها كانت هزيمة الصليبيين في حطين، وتحطمت فيها أحلام نابليون على أسوار عكا، وفيها سينتهي الإفساد اليهودي المعاصر الذي تحدثت عنه آيات الإسراء والذي يأخذ اليوم أبعاداً عالمية، وستكون فيها نهاية المسيح الدجال، ونهاية يأجوج ومأجوج بإذن الله. فيستدل من هذه الأحداث وغيرها أن الله تعالى يستدرج الطغاة المفسدين إلى الأرض المقدسة المباركة، ليجعل نهايتهم فيها ويريح البشرية من شرورهم، وفي الوقت ذاته يستنهض الأمة الإسلامية كي ترجع إلى دينها وتتوحد لرد العدوان وتحرير المقدسات واستئناف الدور الحضاري وإقامة الخلافة في الأرض. ويقف على رأس تلك الأدلة نشوء أعظم دعوة معاصرة لإنهاض الأمة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الإسلامية الثانية الراشدة على منهاج النبوة من بيت المقدس قبل نصف قرن من الزمان لتصبح دعوة مترامية الأطراف تهز كيانات الكفر ومن شايعها من دويلات الضرار هزاً، وتؤز الحضارة الغربية أزاً، وتتوعد الطغاة في العالم بأسره أن موعد زوال سلطانهم قد اقترب، وأن شعاع النور الذي انبثق من بيت المقدس قد أصبح ضياءً يمشي به المسلمون في الظلمات، وموقظاً لهم من المظاهر العميقة للسكرتين، حب الدنيا وكراهية الموت، وأن الخلافة قاب قوسين أو أدنى.
أيها الناس: إن فلسطين اليوم تمر اليوم في لحظات عصيبة، كُشفت فيها العورات، وصُنِّفت المواقف، وبانت الحقائق، وسقطت كافة الأقنعة. أواه يا فلسطين، وقعتِ أسيرة ولا من منقذ، أواه يا فلسطين، اغتصبتِ ولا من معتصم، أواه يا فلسطين، تُفتنين في كل ساعة مرة أو مرتين ولا يتوب أهلُك ولا هم يذّكرون. أواه يا فلسطين، حطمتِ الأرقام القياسية في أخبارك بين الأمم، وسجلت أكثر عدد من المبادرات والاتفاقيات والمعاهدات والوثائق ومشاريع الحلول، وشهدت أكبر حشد من الزائرين السياسيين والسائحين البريئين وغير البريئين، أواه يا فلسطين، صرتِ قميص عثمان يبكي عليك القوم دموع التماسيح بكرة وعشياً، أواه يا فلسطين، أصبحت قاصيةً فعاثت الذئاب في أرضك فساداً، ثم أكلوك يا فلسطين، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذى رواه أصحاب السنن بسند صحيح عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية). أجل أيها المسلمون، بعد أن كانت فلسطين جوهرة في قلب العالم الإسلامي تعز على من يرومها، أصبحت درة ملقاةً على قارعة الطرق السياسية الضالة المضلة، ورميت تلك الدرة أمام الخنازير الكفرة وأعوانهم الظلمة الفسقة. أواه يا فلسطين، جرفك تيار السياسات العفنة، وانزلق أهلك في مستنقعات الخيانة ووقعوا في الشراك القاتلة للحلول الترقيعية وأنصافها وأرباعها وأعشارها. أواه يا فلسطين، تخلى عنك الأهل والأحباب، وأسلمك الطغاة، وتآمر عليك الأشقاء، وتنكّر لك الخلان، وراغوا عن الحل الصحيح لمشكلتك المستعصية كما تروغ الثعالب.
أيها الناس: إن فلسطين التي تعيش اليوم حالاً استثنائياً وأصبح المسلم فيها غريب الوجه واليد واللسان، مستهدفاً من الظالمين الذين أحاطوا به من كل جانب، لا تنقذها خطة خارطة الطريق، ولا تنتج فيها أعمال جهادية مناسبية، ولا تقودها إلى بر الأمان حكومة هزيلة نصف أعضائها قيد الاعتقال، ولا تحررها فصائل لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً، ولا يحررها رئيس أرضه محتلة، وطائرات أعدائه المفترضين تدخل عرينه وتحلق فوق قصره، وقد عُقد لسانه، ودارت عيناه كالذي يغشى عليه من الموت. أين الذين تنافخوا شرفاً لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر؟ وأين مقررات القمامة العربية ومؤامرات ما يسمى بالدول الإسلامية؟ ولا أريد أن أسأل عن قرارات مجلس الهم واللمم، فهي أولى بالاهمال وأجدر بالازدراء.
أيها الناس: لم يستشهد الشهداء ويكلم الجرحى ويؤسر الأسرى من أجل فتات من السياسة دون سيادة، ولم يتحمل أصحاب البيوت أن تهدم فوق رؤوسهم، وتطاردهم لعنة الطائرات المغيرة والصواريخ الموجهة كي يبقى اللاجيء لاجئاً والنازح نازحاً والفقير فقيراً ينتظرون المزيد من اللجوء والنزوح والفقر، أبداً لم يفعلوا ذلك من أجل ذلك، أبداً لم يعلقوا الآمال على الزعماء كي يتوجوا ويلتقطوا الصور ويتبادلوا الأنخاب والقبلات مع أعدائهم، أبداً لم يقدموا أبناءهم وأموالهم ويصبروا العقود الطويلة من السنوات العجاف كي يُثبَّت عدوهم على أرض الإسراء ويصبحوا غرباء ضمن الأقليات بعد أن كان أجدادهم سادة الدنيا، أبداً لم ينتخبوا ممثليهم كي يفرطوا بحقوقهم ويهادنوا أعداءهم هدنة أبدية، بل انتخبوهم ليشدوا وثاق السياسة المرخي، وليعقدوا العزم على مواصلة العمل الجاد المخلص لتصويب الأوضاع الشاذة التي خلفها لهم أسلافهم، وليقلبوا الطاولة في وجوه كالحة، ونواصي كاذبة خاطئة. فإن كنتم أيها الممثلون صادقين في التعبير عن رغبة أبنائكم وإخوانكم الذين أولوكم ثقتهم، فاتركوا الجمل بما حمل، ولا ينبغي لكم أن تذلوا أنفسكم وأمتكم بتحملكم ما هو فوق طاقاتكم وإمكانياتكم، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن فلسطين بلاد أسيرة، وحدودها مغلقة بإحكام من مشارقها ومغاربها، وأهلها قيد الإقامة الجبرية، يرى كثير منهم المسجد الأقصى بعينية المجردتين ولا يمكنه بحال من الأحوال أن يشد إليه الرحال، رغم شوقه الحار للصلاة في رحابه، هوياتهم مختلفة، وولاءاتهم متعددة، وقلوبهم لاهية وراياتهم متناقضة، بل زادت تناقضاً برفع أعلام دول المونديال فوق منازلهم. فلا تنفع فيهم أعمال الإغاثة والإنعاش، ولا يصلح حالهم سياسي غشاش، فنار فتنتهم أعظم من أن تطفئها فرق الإطفاء الوطنية الفصائلية، وفقرهم أعظم من أن يزيله قرض أو مساعدات متواضعة، وأرضها أوسع من أن يحررها سيف مكسور، وسماؤها أرحب من أن يجوبها طائر جريح. فلسطين أيها القوم أرض مقدسة عند المسلمين جميعاً، فمن أراد بقضيتها خيراً فليقل خيراً أو ليسكت. ولتعد القضية إلى صعيدها الأصلي ومسارها الصحيح، وليتحمل المسلمون جميعاً مسؤولية تحريرها، تماماً كما فتحها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكما حررها صلاح الدين، فلسنا والله أخير منهم ولا أرشد، ولسنا والله أرجح عقولاً من الذين توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض. فلا تغالطوا أنفسكم أيها القوم، ولا تخادعوا شعوبكم وأمتكم، فاصدقوا الله فيهم يوفقكم، وسيروا على خطى أسلافكم الأخيار تهتدوا، واعلموا أنكم إن توليتم فسيستبدل الله قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم. فإلى تسليم قضية فلسطين إلى المسلمين أدعوكم، وهبوا إلى العمل لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة من فوركم، فهي الوحيدة القادرة على تحرير فلسطين وباقي بلاد المسلمين المحتلة. فاللهم اجعلنا من جنودها وشهودها، ومن العاملين المخلصين لإقامتها. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

....................................................

الجمعة 11/6/1427 هـ
الموافق7/7/2006 م

كيف تتشكل قضية؟

(الخطبة الأولى) أيها الناس: ذكر ابن سعد في الطبقات عن عثمان بن طلحة قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل رسول الله يوماً يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظت له ونلت منه، فحلم عني ثم قال: يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح يوماً بيدي أضعه حيث شئت، فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت، فقال: بل عمرت وعزت يومئذ. ودخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعاً ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قاله، فلما كان يوم الفتح قال: يا عثمان ائتني بالمفتاح، فأتيته به، فأخذه مني ثم دفعه إلي وقال: خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف، قال: فلما وليت ناداني فرجعت إليه فقال ألم يكن الذي قلت لك؟ قال: فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث شئت، فقلت: بلى، أشهد أنك رسول الله. وذكر سعيد بن المسيب أن العباس تطاول يومئذ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم فرده رسول الله إلى عثمان بن طلحة، وأمر رسول الله بلالاً أن يصعد فيؤذن على الكعبة وأبو سفيان ابن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام وأشراف قريش جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيداً ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه حق لا تبعته.
أيها الناس: مُنع النبي صلى الله عليه وسلم من دخول الكعبة قبل الهجرة ولم تتشكل قضية، وعُذب الصحابة الكرام وحوصروا وهجّروا ولم تتشكل قضية، وقُتلت سمية رضي الله عنها ولم تتشكل قضية، وذلك بالرغم من خطورة منع الرسول عليه الصلاة والسلام من دخول الكعبة وما في ذلك من تقييد لحرية العبادة، وكذلك فإن ضرب شخص أو تعذيبه أو حبسه بسبب عقيدة يحملها، أو رأي يقوله ويدعو له يعتبر انتهاكاً لحقوق الإنسان، وتعدياً على كرامته بغير وجه حق لاسيما وأنه لم يؤذ أحداً بعقيدته أو برأيه. ورغم ذلك لم نسمع أن قضية شكلت للنظر في ضرب كفار قريش لعمر أو أبي بكر أو عبد الله بن مسعود أو أبي ذر الغفاري أو غيرهم. ثم إن الحصار والإخراج من الديار بالهجرة القسرية يعتبران من الأمور المحرمة والممجوجة عند كافة شعوب الأرض وأعرافها. ولكن الفرس والروم ودويلات يهود في المدينة وما حولها لم تطالب قريشاً برفع الحصار عن المحاصرين في شعاب أبي طالب، أو إعادة المهجرين إلى بيوتهم في مكة. وثالثة الأثافي هي القتل! القتل الذي تحرمه كافة الشرائع السماوية والأرضية، وتنبذه جميع الأعراف الدولية عبر العصور والآوان، وينفر منه الطبع البشري كونه يخالف حب البقاء المتأصل في الإنسان، ومع ذلك فلم نسمع أن القضاء القرشي قد شكل قضية من مقتل سمية رضي الله عنها. هكذا وبكل بساطة تحصل الجريمة ولا تتشكل قضية، فلماذا يا ترى يكون ذلك؟ والجواب بكل بساطة أيضاً، إن الذي يشكل القضية هو السلطان أو من ينيبه، فإن أمر السلطان بتشكيلها تشكلت، وإلا طويت.
أيها الناس: أخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أنس ‏"‏أن نفراً من عكل قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وآمنوا، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها (للعلاج)، فقتلوا راعيها واستاقوها، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا، فأنزل الله ‏{‏إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏. أجل، أيها المسلمون، لما قامت دولة الإسلام الأولى في المدينة، ووجد السلطان المسلم الذي يشكل قضية عند كل حادثة تستوجب ذلك، ويقضي فيها بالعدل والإنصاف ويزنها بالقسطاس المستقيم، لم نسمع عن قضية طويت أو أهملت أو غُيرت حيثياتها لتلائم هوى الحاكم، بل كان القصاصُ هو الأساسَ في كل جناية، والحفاظُ على الدين والنفس والعقل والنسل والمال قوامَ كل رعاية، فإذا حصلت مخالفة تشكلت قضية. وسجلات القضاء الإسلامي حافلة بما يجسد هذا المفهوم تجسيداً تاماً، سواء كان في مجال قضاء المظالم أم الحسبة أم الخصومات. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن أبا بكر رضي الله عنه قد جرد جيشاً لمحاربة المرتدين، واستدعى عمر رضي الله عنه والي مصر ليحاسبه وولده عندما ضرب ابنه القبطي في مضمار السباق، والرشيد سار إلى هرقلة بجيش عرمرم فأدب نقفوراً تأديباً تاريخياً، والمعتصم قد حشد كافة الخيل البُلق في الدولة لفتح عمورية استجابة لاستغاثة امرأة مسلمة، وصلاح الدين قتل أرناط بيده قائلاً له: والله لا تروع بك مسلمة بعد اليوم أبداً.
أيها الناس: ألا ترون أن تشكيل القضايا اليوم يخضع لنفس المعايير والمقاييس؟ فإن وجد سلطان وحصلت مخالفة شُكلت قضية، وإن غاب السلطان فلا تشكلُ قضيةٌ ولو ملئت الأرض بالمخالفات. فلم تشكل قضية في اغتصاب ستين ألف امرأة في كوسوفا من قبل علوج الصرب، ولم تشكل قضية لمقتل وتهجير عشرات الآلاف من البوسنة والهرسك وكوسوفا، ولم تشكل قضية إثر تهجير مئات الآلاف من فلسطين ودارفور وكشمير وغيرها، ولم تشكل قضية بعد مذبحة جانجي في أفغانستان، وقتل الآلاف وخطف آخرين واحتجازهم في غوانتانامو وغيره من السجون السرية والعلنية في أوروبا وبلاد أخرى من العالم. ولم تشكل قضية في مقتل أي مجاهد مقاتل أو غير مقاتل من حملة الدعوة أو أي مدني في العراق أو فلسطين والشيشان وكشمير وغيرها من بلاد المسلمين. وآخر ما حُرر من هذا القبيل قضية خطف أو أسر الجندي اليهودي، فقد شكل اليهود والعالم منها قضية قامت لها الدنيا ولم تقعد، وأما قوافل الشهداء في غزة والضفة فلم تشكل قضية واحدة لمقتل أي منهم! فما هو السبب؟ إنه السلطان الغائب، إنه الإمام الجنة الذي نفتقده، إنه الحكم بما أنزل الله الذي غاض من الأرض منذ أمد بعيد.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: قاتل الله حكام المسلمين، ما من أحد منهم يملك سلطاناً حقيقياً لتشكيل قضية تهم المسلمين، قاتلهم الله، فإنهم لا يشكلون قضية إلا إذا مست أمن دويلات الضرار التي يتربعون على عروشها ظلماً وعدواناً، قاتلهم الله، لا يشعرون بمعاناتنا، ولا يتألمون لآلامنا، ولا يكترثون بقضايانا، ولا يسمعون صرخات الثكالى والأرامل والأيتام ولو بلغت عنان السماء. قاتلهم الله، وأصم آذانهم عن سماع صوت الرعد القاصف بعد أن لم يسمعوا دوي القنابل والصواريخ وهدير دبابات الكفار تنشر الموت والرعب وتثخن الجراح في المسلمين في العراق وفلسطين وأفغانستان، قاتلهم الله أمواتٌ غيرُ أحياء، صدق فيه قول الله عز وجل: {إنما يستجيب الذين يسمعون، والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون}. وأما الشاعر فقال: لقد أسمعت لو ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي. نعم، أيها المسلمون، لا حياة لمن تنادي، فما في القوم معتصم، بل ما في القوم رجال يلجأ إليهم في الملمات، فلقد جاءت الملمات واستفحلت، وما من مغيث، فما حاجتنا لأمثال هؤلاء الحكام.
أيها الناس: إن لم يستجب الحكام ويتنحوا، فالواجب الفوري عليكم أن تقلعوهم من عروشهم كما تقتلع الاصطفلينة، ولو أدى ذلك إلى تعطيل كافة مناحي الحياة العامة والخاصة، وليكن ما يكن. انهضوا من غفلتكم، واخلعوا حكامكم، وبايعوا إمامكم، وحكموا قرآنكم وسنة نبيكم، وجاهدوا الكفار بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. وستقوم دولة الخلافة الإسلامية قريباً بإذن الله، وستحرك القضايا التي حصلت فيها إساءة للإسلام والمسلمين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:32 PM
مشاركة #56


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 18/6/1427 هـ
الموافق14/7/2006 م

فلسطين هي الأندلس الثانية

(الخطبة الأولى) أيها الناس: لو قُدّر لي أن أخاطب المسلمين يوم أن كانت بلاد الأندلس تُقضمُ الولايةَ تلو الأخرى، ويوم أن كان ملوكُ الطوائف لاهين في ملذاتهم وشهواتهم، لقلت لهم عندها: لُمّوا شعثكم، وجددوا البيعة لإمامكم أمير المؤمنين بعد أن غرتكم الحياة الدنيا، وقاتلوا في سبيل الله صفاً كأنكم بنيان مرصوص، فخلافتكم قائمة، وجيوشها جرارة، وأرضها واسعة، ومواردها هائلة، وما عليكم إلا أن تستعينوا بالله وتصبروا وتقاتلوا عدوكم المتربص بكم، ولن يصمد أمامكم فواق ناقة. ودون أن أطلع على التاريخ الذي مضى، فإني على يقين بأن هذه الرسالة قد وصلتهم في حينها من أكثر من خطيب أو كاتب أو مستشار أو حتى عابر سبيل من نهر الشارع الإسلامي، ولكن الحقيقة الساطعة تقول بأن القوم قد أصموا آذانهم وأغمضوا عيونهم وأقفلوا قلوبهم فما استجابوا للنصيحة المخلصة، فكانت النتيجة أن دمر الله عليهم، وضاعت الأندلس من تحت أقدامهم، وأُخذوا وقتُّلوا تقتيلاً، وقليل منهم أو من شعوبهم من نجا من التطهير العرقي والقتل الجماعي والتعذيب الرهيب. وكان الوضع آنئذ أسهلَ بكثير من وضع المسلمين اليوم، حيث لا خلافة تجمعهم، ولدينا تخمة من ملوك الطوائف ما يقارب الستين، وفينا تخمة من الأحزاب والحركات والجماعات المسلحة وغير المسلحة، وحالنا يغني عن أي مقال فينا. ولقد تكررت ظاهرة الأندلس في بلاد المسلمين، وسقطت بلدان العالم الإسلامي في أيدي الكفار الطامعين من الصليبيين وغيرهم الواحدةُ تلوَ الأخرى في غرب إفريقيا وشمالها، ثم في البلقان وما جاورها، ثم في الهند وما حولها، ثم في خراسان والأناضول والشام والجزيرة، ثم سقطت دولة الخلافة الإسلامية العثمانية مضرجة بالدماء تحت وطأة ضربات سيوف الكفر والغدر. وصارت الأندلس في عمق الحضن الكافر، ولم يبق للمسلمين فيها إلا حجارة القصور وحدائق الزهور.
أيها الناس: نقل عن الباحث المقدسي المختص في شؤون الاستيطان خليل التوفكجي أنه أطلق صرخةَ تحذيرٍ مدويةً قائلاً: «سيبكي العرب على القدس كما بكوا على الأندلس». وذكرت وسائل الإعلام عن رئيس الوزراء الإسرائيلي قولَه إنه متمسك بفكرة «أرض إسرائيل الكاملة» وإنه سيسعى إلى ترجمة هذه الفكرة على أرض الواقع بكل الطرق التي تتيح لليهود السيطرة على أكبر مساحة من الأرض بالشكل الذي يضمن غالبية يهودية ضمن الحدود التي يسعى لترسيمها. ويجري الحديث عن بدائل أخرى منذ الآن: فهناك خطة (إسرائيلية) مقترحة لضم أراضٍ أردنية تبلغ آلاف الكيلومترات إلى الضفة، كذلك تناولت الصحف العبرية في أوائل شهر حزيران الفائت تفاصيل خطة مقترحة لتبادل أراضٍ مع مصر تقوم على توسيع مساحة قطاع غزة بـ 600 كلم2 في صحراء سيناء. واليوم تشتعل الأجواء اللبنانية كما اشتعلت أجواء غزة من قبل في موجة أحداث ساخنة نوعاً ما، تشي بمؤامرة جديدة لا تختلف كثيراً عن سابقاتها بغرض ترسيخ الوضع الشاذ والمؤقت في فلسطين وجعله طبيعياً دائمياً، من خلال تدخل شرطي العالم وعرّابي السلام وسماسرة السياسة، لفتح قنوات التفاوض من جديد، وصيانة ما صدأ منها، وتحريك المسارات اللبنانية والسورية، وترسيم الحدود اللبنانية والسورية والإسرائيلية والفلسطينية والأردنية والمصرية على نحو يضمن خلق أندلسٍ جديدة في فلسطين لا يبقى للمسلمين فيها إلا الأحجار وآثار الدمار.
أيها الناس: إن الأحداث الجارية تكشف جملة من الحقائق التي لا بد لنا من إدراكها بعمق كاف يعيننا على اتخاذ خطوات حاسمة. تكشف أولاً مدى التآمر على قضية المسلمين في فلسطين، ومدى تواطؤ ملوك الطوائف من حكام المسلمين. فهم – قاتلهم الله – يستنكرون الأعمال البطولية التي يقوم بها المقاتلون المسلمون، ويزعمون أنها تتم دون إذن وموافقة من أحد منهم، ويطلقون المبادرة تلو المبادرة، ويعقدون المؤتمر تلو المؤتمر، ويبددون الأموال على تنقلاتهم من عاصمة إلى أخرى من غير أي فائدة، بل كلها ضرر محقق وتآمر على شعوبهم قتلاً وتهجيراً، ويفتشون عن بدائل تكون على حساب شعوبهم، والمهم أن تبقى ممالكهم وتسلم رؤوسهم، وتثبت عروشهم خدمة لأسيادهم. وتكشف هذه الأحداث ثانياً أن جيوش الكفار التي نرى نماذج منها في فلسطين والعراق وأفغانستان جيوش جبانة هشة رغم حيازتها لأكثر الأسلحة تطوراً وأكبرها كمية، فما أن توجد إرادة القتال ولو كانت فردية فإنها تخترق دفاعاتهم وتمزق انضباطهم وتفرق جمعهم وتشتت شملهم، تقتل وتجرح وتأسر، فكيف بالله عليكم لو ولي الناس إمام عادل يقود جحافل المسلمين المجاهدة في سبيل الله لإعلاء كلمة الله واستنقاذ البلاد والمقدسات والثأر للمغتصبات؟ كم سيثبت وقتها أعداء الله أمام ضربات المجاهدين؟ وهل سيتمكن الإعلام عندئذ من تغطية جميع الفعاليات السياسية والعسكرية الإسلامية المؤيدة بمدد من ملائكة السماء الثالثة؟
أيها الناس: إن (إسرائيل) لا ترى أحداً يدافع عنكم، ولا ترى سياجاً يمنعها عنكم، ولا ترى إلا حكاماً متواطئين هم أقرب منها إليكم... فابتدعت الحل الأحادي الجانب، وها هي تضرب في غزة وتحاصرها، وتضرب في لبنان وتحاصره، مستغلة انشغال العالم بالحرب على الإسلام تحت مسمى الإرهاب، ليسوقوا خطتهم هذه باعتبارها جزءاً من هذه الحرب. وسيستغلون انشغال كل من بوش وبلير وشيراك بتدني شعبيتهم وقرب موعد الانتخابات عندهم، وسيستغلون انشغال ملوك الطوائف بأنفسهم عن أمتهم، وتواطؤهم مع أعدائها عليها، وسيستغلون انشغال المسلمين داخل فلسطين والعراق وغيرها ببعضهم. فالوضع الحالي المتردي يشكل فرصة ذهبية للكفار كي يتصرفوا كما يريدون من غير رادع، فماذا أنتم فاعلون؟! إن دول العالم تحاربكم لدينكم فحاربوها بدينكم، لا بوطنيتكم ولا بقوميتكم، ولا بأصدقائكم المزعومين من الروس والصينيين وأمثالهم، فملة الكفر واحدة، وفرصتكم أعظم من فرصتهم بإذن الله.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وإن كنتم تريدون العزة، وإن كنتم تحبون الله ورسوله، وإن كنتم ترغبون في استرداد الأندلس وباقي بلاد المسلمين، وإن كنتم تكرهون أن تصير فلسطين إلى أندلس ثانية، فلن يحقق لكم ما تصبون إليه، ويخرجكم مما أنتم فيه حقيقة إلا الإسلام، بفهم صحيح والتزام دقيق، ولن يخرجكم إلا أن تفكروا تفكير الأسياد، بأن تكون لكم دولة تعد القوة وتخوض معارك الجهاد التي تحقق حسنى الشهادة وحسنى النصر. إن (إسرائيل) دولة، وتدعمها وتحميها دول، ولا يواجهها ويقضي عليها إلا دولة إسلامية تكون خلافة راشدة، فلتتجمع إمكانات ومقدرات المسلمين جميعهم، وخاصة أهل القوة منهم، لنصرة هذا الدين عن طريق نصر الجماعة التي أعدت مشروعها للنهضة على أساس الإسلام. وما عدا مشروع الدولة الإسلامية الراشدة الثانية على منهاج النبوة، سينتقل المسلمون من سيئ إلى أسوأ، وسيبكون على اليوم الذي مر عليهم لأنه أقل سوءاً من اليوم الذي هم فيه. خذوها كلمة صادقة تخرج من القلب، تبحث عن قلب مؤمن غيور، فأين الأذن التي تسمع، والقلب الذي يشهد؟ أين الرجال الصادقون؟ إن الأمة لم، ولا، ولن تعدمهم، فليتقدموا من غير خوف إلا من الله، فإن أجلهم المكتوب والمحتم حاميهم، ليتقدموا حتى يكون لهم شرف النصرة، قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
أيها الناس: من أجل بلوغ ذلك اليوم الموعود، يجب عليكم جميعاً أن تتلبسوا من فوركم هذا بالعمل الجاد المخلص والهادف لإقامة تلك الدولة التي تطبقُ الإسلام وتحمي جموع المسلمين، وتردُّ الصاع صاعين للكفار المعتدين الطامعين، وتقلع يهود من أرض فلسطين، وتعيد الأندلس إلى حظيرة المسلمين، وتحمل الإسلام هدى ونوراً إلى البشرية جمعاء لتخرجهم من الظلمات إلى النور. ولن يذرف أحدٌ دمعةً واحدة على رؤساء الكفر وملوك الطوائف بعد أن يجتاحهم طوفان الخلافة، ويصبحوا للناس عبرة وآية. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
....................................................

الجمعة 25/6/1427 هـ
الموافق21/7/2006 م

نِصابُ النَّصَّابين

(الخطبة الأولى) أيها الناس: جاء في معاجم اللغة العربية أن كلمة المَنْصِب تعني الأصل والمرجع. وعند أرباب السياسة: المأْموريَّة ومقام الوالي، وجمعها مَنَاصِب. ومَنَاصِب البلاد عند أهل البنان حكَّامها وأعيانها. ويقال: لفلانٍ مَنْصِب أي علوٌّ ورفعةٌ. والأَنْصَاب حجارة كانت حول الكعبة تُنصَب فيُهَلُّ عليها ويُذبَح لغير اللَّه تعالى. ومنهُ في سورة المائِدة إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأََنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ونِصَابُ السِّكِينِ: مَقْبَضُهُ. ويقال: عَادَ الْهُدُوءُ إِلَى نِصَابِهِ": عَادَ الْهُدُوءُ إِلَى مَجْرَاهُ، و"عَادَتِ الأُمُورُ لِتَسْتَقِرَّ فِي نِصَابِهَا": أي فِي مَجْرَاهَا الطَّبِيعِيِّ. و"أَعَادَ الأُمُورَ إِلَى نِصَابِهَا". والنصاب من المال: القَدْرُ الذي عنده تَجِبُ الزَّكاة. والنصاب في عددِ الأعضاء: العددُ الذي يَصحُّ به عقْـدُ الجلسة، يقال: تأجل الاجتماعُ لعدم اكتِمالِ النِّصاب القانونيٌ، و"بِمُجَرَّدِ مَا اكْتَمَلَ النِّصَابُ بَدَأَتْ جَلَسَاتُ الْمُؤْتَمَرِ": هُوَ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْحَاضِرِينَ فِي مُؤْتَمَرٍ أَوْ مَجْلِسٍ أَوِ اجْتِمَاعٍ يَتَجَاوَزُ نِصْفَ أَعْضَائِهِ حَسَبَ مَا يَنُصُّ عَلَيْهِ القَانُونُ لِتَكُونَ مُقَرَّرَاتُهُ قَانُونِيَّةً، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِالنِّصَابِ القَانُونِيِّ. ورَجُلٌ نَصَّابٌ: مَنْ يُوقِعُ النَّاسَ فِي فَخٍّ، وهو اللِّصُّ.
أيها الناس: إن الذي دفعني للبحث عن كلمات النصب والنصابين ما أذيع من إلغاء الدعوة لعقد مؤتمر قمة عربية طارئة لملوك الطوائف ورؤساء الغدر والخيانة وحكام دويلات الضرار العربية بسبب عدم اكتمال نصاب النصابين القانوني لعقد هذا المؤتمر الطارئ لبحث مجريات الأحداث في لبنان. ذلك لأن لكل أمر قوانينه التي تحدد نصابه، حتى النصابين لهم قانون يحدد نصابهم، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون! وحين يفكر شخص بأن يصبح نصاباً فهناك مجموعة من القواعد ينبغي أن يلتزم بها، وأول هذه القواعد هي أن ينسى تماماً أي حرمة لأي شيء، وأن يستغل كل الفرص ليزيد من نسبة فوزه حتى لو كان باستغلال الموت الذي يتفطر له قلب كل بشر، كونه نهاية كل حي، وكفى بالموت واعظاً. ففي مصر مثلاً، حيث يكثر النصابون، يبرز الموت كواحد من أهم موارد النصابين. ففي صلاة العصر من أحد أيام رمضان، وفي مسجد بالإسكندرية حيث تتجمع أعداد كبيرة من المصلين، وقبل الإقامة دخل مجموعة من الشباب يحملون نعشاً ووضعوه قرب الإمام، وانضموا سريعاً لصفوف المصلين على أمل أن يصلوا عليه بعد انتهاء صلاة العصر. وبعد انتهاء الصلاة بدأ الإمام في ذكر فضل الموت في رمضان، وفي شرح كيفية صلاة الجنازة.. وقبل أن يقول الله أكبر، صرخ أحد الداخلين إلى المسجد.. "الله يجحمه مكان ما راح".
التفت الجميع، فإذا برجل غاضب يصرخ فيهم، لا يصلين أي منكم على هذا الميت، لأن عليه ديْناً لم يسدده لي قدره عشرة آلاف جنيه! ولأن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم لم يصلّ على المتوفى الذي عليه دين! فقرر بعض المصلين الانصراف في هدوء وعدم المشاركة في صلاة مشبوهة عملاً بالسنة. وهنا يبكي شاب يخبر الحضور أنه ابن المتوفى، وأن أباه سيدخل النار لو لم يسدد الدين، وأنه لا يملك أي أموال لسداد الدين، فأموال أبيه ضاعت في علاجه، ويعلو الاقتراح الذي نادى به أحد المصلين، إذن نجمع نحن المبلغ. وبقليل من المحايلة يقرر صاحب الدين أن يرضى بمبلغ 5 آلاف جنية على أن يسدد الابن الباقي على شهور، وأخيرا يبدأون من جديد في التجهيز لصلاة الجنازة، لكن ما أن انتهت الصلاة حتى اختفى كل أقارب المتوفى! ويقترب الإمام من النعش ليكتشف أنه فارغ إلا من بعض قطع الحجارة.
أيها الناس: هكذا يفعل النصابون بالناس، وهم ليسوا حكاماً، فما بالكم بالحكام النصابين الذين يملكون المال والسلطان والإعلام والجيوش والشرطة والمخابرات ولديهم التأييد المطلق من أسيادهم الأميركيين والأوروبيين الرأسماليين وهم أكبر النصابين على وجه الأرض؟ قمة عربية طارئة لم يكتمل النصاب القانوني لعقدها من أجل مناقشة قضية لبنان العربي، ومن يجرؤ على التشكيك بعروبة لبنان؟ لماذا يا ترى لم تنعقد القمة الطارئة رغم الدماء والدمار؟ ليس لدي شك في أن السبب الوحيد وراء عدم انعقادها هو انشغال القادة والزعماء النصابين في أعمال نصب أكثر أهمية من اعتداء يهود على لبنان، مما يمنعهم من البحث في القتل والدمار الذي خلّفه هذا العدوان البربري، ففيم انشغالُ النصابين؟
أيها الناس: إن أسرع جواب على هذا السؤال هو انشغالهم في أعمال النصب على لبنان، فهم جزء من عصابة النصب والاحتيال العالمي الذي تقوده أميركا وأوروبا لاستنزاف طاقات المسلمين وقتلهم وسلب ثرواتهم ومنع قيام دولتهم، دولة الخلافة الثانية الراشدة على منهاج النبوة. إن هؤلاء النصابين الأقزام قد أوقعوا شعوبهم في فخاخ كثيرة وشراك قاتلة، ولو ضربنا الذكر صفحاً عن الفخين الفلسطيني والعراقي الذين أدميا هذين الشعبين ولا زالت جراحهما تنزف حتى الساعة، والفخ الجزائري الذي لم تجف جراحه بعد، وباقي الفخاخ التي نصبها هؤلاء النصابون للمسلمين العرب، وسلطنا الضوء على الفخ اللبناني لوجدنا أنه من أخطرها وأكثرها دموية بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السكانية وشكل نظام الحكم فيه. فلبنان جزء لا يتجزأ من أرض المسلمين في بلاد الشام، ولم يكن يوماً دولة مستقلة شأنه كشأن فلسطين وسوريا وغيرها من ولايات الدولة الإسلامية، ولكن وبعد اتفاقية سايكس/بيكو قرر النصابون الإنجليز والفرنسيون أن يسلخوا لبنان عن أصله سوريا، ليكون بوابة للدخول إلى بلاد الشام، ورأسَ حربة في غزوتهم الصليبية الأخيرة على الإسلام والمسلمين، وليكون لبنان وكراً للدسائس والمؤامرات، ومنبعاً لحرب الأفكار، وجسراً لعبور الطامعين إلى بلاد المسلمين. فلبنان هو بلد الفتنة الطائفية العفنة التي صُدّرت إلى مصر والعراق والأردن، ولبنان هو منتجع الخليجيين من أصحاب السياحة المشبوهة، ولبنان هو الذي قُبرت فيه الثورة الفلسطينية بعد أن طردت من الأردن، ولبنان هو بؤرة الفساد الخلقي في المنطقة، ولبنان هو طاولة القمار السياسي للأميركيين والأوروبيين، ولبنان هو مركز الاستثمار الأول في الشرق الأوسط لتجار الحروب الذين يربحون أولاً حين يوردون الأسلحة، ويربحون ثانياً أكثر حين يوقعون عقود إعادة أعمار ما دمرته أسلحتهم بأيدي اللبنانيين أنفسهم، والخلاصة أن لبنان هو مختبر النصب والاحتيال على أمة الإسلام.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن حكامنا هم وكلاء النصب العالمي في بلادنا، وهم أس البلاء وموطن داء النصب الذي أهلكنا ودمر مساكننا فوق رؤوسنا، ولولاهم لما أمكن لأساطين النصب العالمي من النفاذ إلى عوراتنا ونقاط ضعفنا. فلقد نصبوا علينا بأكذوبة الوحدة العربية، ونصبوا علينا بمهزلة معاهدة الدفاع المشترك، ونصبوا علينا بجامعة الخمول والكسل العربية، ونصبوا علينا بأوهام الأمال والآلام التي تجمعنا، ونصبوا علينا بتفتيت بلادنا إلى مزق كرتونية لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً، ونصبوا علينا بصمتهم الرهيب والمريب عما يجري في لبنان وفلسطين، ونصبوا علينا لما خذلونا وأسلمونا لأعدائنا وحقرونا بين الشعوب، ونصبوا علينا أخيراً لما لم يكتمل نصابهم القانوني لبحث قضية العدوان على لبنان. فالحمد لله أنهم لم يجتمعوا، والحمد لله أنه لم يبق مواطن ذو لب يقول بأنهم أمل الأمة المرجّى، والحمد لله أن سقطت هيبتهم وبانت خيانتهم وظهر نصبهم وسقطت ورقة التوت عن آخر عوراتهم، وما بقي إلا أن تسقط عروشهم وليذهبوا إلى الجحيم.
أيها الناس: إن البديل الوحيد المناسب لنا عن هؤلاء النصابين هو تنصيب إمير للمؤمنين وخليفة للمسلمين بعد مبايعته على السمع والطاعة للحكم بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو الشخص الذي أمر الشرع بإيجاده، وهو الذي يسهر على مصالح المسلمين ويبكي على مصابهم ويهب لنجدتهم إذا نُصب عليهم دون أن ينتظر اكتمال أي نصاب، فنصابه دوماً مكتمل، وجاهزيته عالية، ولا يتردد في إغاثة أي مسلم أو مسلمة ينصب عليه أحد النصابين كائناً من كان. فإلى العمل لتطهير بلادنا من هؤلاء النصابين وتنصيب أمير للمؤمنين أدعوكم أيها المسلمون لعلكم تفلحون، وأنشدكم الله أن تدعو من استطعتم لمثل هذا ما استطعتم وما حييتم.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو كامل2
المشاركة Feb 9 2007, 08:33 PM
مشاركة #57


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 579
التسجيل: 3-May 05
رقم العضوية: 571



اللهم اجعل اعمالنا كلها صالحة
لوجهك خالصة
ولا تجعل لاحد منها شيئا
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:35 PM
مشاركة #58


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



إقتباس(ابو كامل2 @ Feb 9 2007, 08:33 PM)
اللهم اجعل اعمالنا كلها صالحة
لوجهك خالصة
ولا تجعل لاحد منها شيئا
*


اللهم آمــــــــــــــــــــين
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:37 PM
مشاركة #59


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 3/7/1427 هـ
الموافق28/7/2006 م

نصاب العلماء

(الخطبة الأولى) أيها الناس: تحدثنا في الأسبوع الماضي عن نصاب النصابين من حكام المسلمين، وقلنا إن اجتماعهم في قمة طارئة لم يتحقق بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، فلم يجتمعوا، ولم يتم بحث العدوان الإسرائيلي على لبنان أو فلسطين. ودخلت الحرب أسبوعها الثالث ولا تلوح في الأفق أي بادرة على مستوى الحكام، وصار الأمر واضحاً جلياً أنهم جزء لا يتجزأ من الكارثة التي حلت بلبنان وفلسطين، كما كانوا دوماً جزءاً من الكارثة التي حلت بالمسلمين في العراق وأفغانستان والجزائر واليمن وكل مكان من أرض المسلمين. وقد كشفهم الله للقاصي والداني، وأصبح أمرهم مفضوحاً، ولم يعد لأحد من الناس فيهم من مثقال ذرة من الثقة، والحمد لله رب العالمين. وبناءً عليه، وبعد انكشاف المعلوم على ما هو عليه، وتشخيص هذا الداء العضال، فإن الناس مطالبون بالتخلص من هذه الأوبئة والأدواء من غير تأخير أو تسويف، فليس من المعقول أن نمهل مريضاً مصاباً بمرض خطير استعصى تشخيصه على الأطباء، ليس من المعقول أن نتأخر في علاجه بعد تشخيصه، وإلا كنا سبباً مباشراً في إيذائه وربما قتله.
أيها الناس: إننا اليوم أمام معضلة جديدة قديمة اسمها العلماء، فبعد أن ظهرت حقيقة الحكام، يبدو أن الله سبحانه وتعالى قد أذن بظهور حقيقة العلماء الذين سخرهم الحكام ردحاً طويلاً من الزمن لخدمته، ومشاغلة المسلمين بفتاوى مثيرة للجدل تارةً، ومخدرة للأعصاب تارةً أخرى، وبعيدة كل البعد عن متطلبات الأوضاع واستحقاقات الشريعة في معظم الأحيان، مستغلين طيبة الناس وخضوعهم لفتاوى مشاهير العلماء. وقد ظهر جلياً فساد فتاوى علماء السوء من الناحية الشرعية أولاً، وعدم تلبيتها إلا لمطالب السلطان المتخاذل. من ذلك، ما صدر من فتاوى أيام غزو الحلفاء للعراق إثر دخوله الكويت من أن العراق ليس بحاجة إلى مجاهدين أو أسلحة، بل إنه بحاجة إلى بعض المال والطحين وأقلام الرصاص! ما أحبط آمال المحتشدين أمام مكاتب التعبئة، وأضاع عليهم فرصة الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، وتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا لهم منفذاً إلى ساحات الوغى. وكذا فتوى جواز الصلح الساداتي مع يهود، وتبجحه أمام طلبة الجامعات المصرية بأنه لن يرسل أحداً من أبناء مصر الكنانة إلى ساحات الوغى بعد ذلك اليوم المشؤوم، مغلقاً أبواب الاستشهاد في سبيل الله في وجوههم، ومثبطاً ومبطئاً ومعطلاً لكل من يريد أن يغزو أو تحدثه نفسه بالغزو. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات ولم يغز ولم يحدّث به نفسه مات على شعبة من نفاق. وفتاوى مشايخ السلطان السعودي في بلاد نجد والحجاز أيام الغزو الأميركي للخليج والجزيرة، وفتاواهم مؤخراً بخصوص رموز الحرب الدائرة رحاها في لبنان اليوم، وما تعنيه من شق لصف المسلمين، ونقل لجرائم سفك دمائهم في العراق إلى لبنان والباكستان وغيرها من المناطق التي يقطنها أصحاب المذاهب المتناحرة.
أيها الناس: كان من الأجدر بهؤلاء العلماء البارزين وأمثالهم أن يجتمعوا ولو بالحد الأدنى من النصاب ليضطلعوا بدورهم الخطير في توجيه الناس نحو وحدة الصف ومواجهة العدو المشترك للأمة الإسلامية، وإذكاء روح المقاومة فيهم، وتحريضهم على هدم عروش حكامهم التي تقف سداً منيعاً أمامهم يمنعهم من قتال عدوهم والذب عن حياضهم ونصرة إخوانهم الذين يتعرضون للقتل جراء القصف والاجتياح والاعتقال وشتى صنوف العذاب. كان الأجدر بهؤلاء العلماء الذين تملأ وجوههم شاشات الفضائيات أن يخرجوا ولو مرة ليفتوا بوجوب نصرة إخوانهم في الدين عملاً بقوله تعالى: وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر، وقوله تعالى: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً. أليس عاراً عليهم أن ينتصروا لأصنام تهدم ولا ينتصرون لدماء زكية تسفك؟ ما الذي يمنع نصابهم من الاكتمال؟ أليس أمرهم بأيديهم؟ فإن لم يكن فلماذا لا يكون؟ أم تأمرهم مراكزهم وألقابهم بهذا، أم هم قوم عمون؟ أم عندهم من العلم ما لم يطلع عليه غيرهم فهم العالمون؟ أم تمنعهم رواتبهم وقصورهم وسياراتهم وأرصدتهم في البنوك وصداقاتهم مع الحكام من قول الحق، ألا ساء ما يحكمون؟ أم أنهم بهذا يحملون أوزارهم وأوزار الأمة الإسلامية مع أوزارهم، ألا ساء ما يزرون؟!
أيها الناس: ليس العلماء بحاجة إلى نصاب يكتمل، أو مزيد من الاستبصار في الواقع المستجد حتى يقال إنهم معذورون في تأخر فتاواهم، فالمسألة بسيطة جداً وخطيرة جداً في آن واحد. بلادنا محتلة، وشعوبنا تضرب وتقصف وتقتل وتذل، وأطفالنا تيتم، ونساؤنا تثكل، بل وتغتصب وتحرق بعد أن تقتل، وتحصيناتنا تدمر، ومقدساتنا تدنس، والقائمة طويلة فماذا ينتظرون؟ ولو سألت أقل الناس علماً عن هذا الواقع لقال لك إن الفتوى هي القتال في سبيل الله ولو أدى إلى إعلان النفير العام عند جميع المسلمين. وعندما تسأله ذلك السؤال الذي سئل ملايين المرات، وهل يسمح حكام دويلات الضرار بإعلان النفير العام، فسيكون الجواب طبعاً: كلا، لن يسمحوا، فيقول لك المفتي صاحب العلم القليل: وهل تنتظر منهم أن يسمحوا؟ فتسأله: ما الحيلة إذن، فيقول لك: يسيرة، أن تحسن فيما بقي، يغفر لك ما قد سلف، فإنك إن أسأت فيما بقي أُخذت بما مضى وما بقي! فتقول له: فسر لي ما تقول يرحمك الله، فيقول: إعمل على إزالة الحكام فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون"، فجلس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان متكئاً فقال: لا، والذي نفسي بيده حتّى تأطروهم على الحق أطراً. ورواه الطبراني عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بلفظ ... والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي المسئ ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم. فيا أيها العلماء الأجلاء كونوا كالمفتي الصغير صاحب العلم القليل، ولا تغرنكم الشهادات العالية والمناصب الرفيعة فكل ذلك إلى زوال ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: لا تنتظروا نصاباً للحكام يكتمل، ولا تلتفتوا إلى فتاوى علمائهم، ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون، وكونوا أحد رجلين: إما مجاهداً في سبيل الحق يستعر، وإما عاملاً لإقامة الخلافة ناصباً نحره لإعلاء كلمة الله. ولا تكونوا الثالث فتهلكوا، والثالث أن تقعدوا بكل صراط توعدون، وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً، وإني أربأ بكم أيضاً أن تكونوا سلبيين وكأن الأمر لا يعنيكم، فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه، ولا يقولن أحد منكم إن الأمر لا يعنيني، أو إن هذا العمل يقوم به غيري. كلا، والله إنه إذن لمن الآثمين، فلا يسد أحد حفرة أحد، ولا يعذب أحد مكان أحد، كل نفس بما كسبت رهينة، ومن ظن أنه ناج من البلاء الذي أصاب إخوانه فهو واهم، قال تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم» رواه أحمد والترمذي.
أيها الناس: كفانا قعوداً عن نصرة ديننا، وكفانا تكاسلاً عن نصرة إخواننا، وكفانا سكوتاً عن حكامنا وعلمائنا، وليكن اليوم آخر عهدنا بالقعود والتكاسل والسكوت، ولنطو صفحة الخوف إلا من الله، ولنفتح صفحة جديدة في حياتنا نتجاوز فيها حكامنا وعلماء قصورهم، ونواجه الأحداث بفقه نير، وعزيمة لا تفتر، وتصميم لا يقهر، فما أقصر العمر، وما أطول يوم الحساب، فأعدوا له عدته، ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، واصبروا إن العاقبة للمتقين.
............................................

الجمعة 10/7/1427 هـ
الموافق4/8/2006 م

نصاب الجيوش

(الخطبة الأولى) أيها الناس: إن عناصر القوة البشرية في الإسلام خمسة: الأول وهو السلطان أي الحاكم والدولة باعتبار ذلك كله الكيان التنفيذي لما يحمله الناس من عقائد ومفاهيم، والثاني هم العلماء باعتبارهم المرجعيات الفقهية والفكرية التي تحدد المقاييس والموازين التي توزن بها الأمور طبقاً لعقيدة الأمة، والثالث هم الجيوش باعتبارها القوة الضاربة في الداخل والخارج حماية لمكتسبات الأمة وحملاً لعقيدتها ونظامها إلى العالم أجمع، والرابع هي الأمة باعتبارها الكيان المجتمعي القوي الذي إذا تحرك فإن طوفانه يجتاح أي قوة مهما عظمت، والخامس وهي الأحزاب السياسية التي تراقب أعمال الدولة وتقوم اعوجاجها وتبصرها بعيوبها وتمارس أعمال القوامة على فكر الأمة وحسها، وتواكب كافة التحولات التي تحصل في المجتمع لتحول دون انتكاسه، بل تضمن سيره المتصاعد في سلم القيم.
هذا وإن لكل عنصر من عناصر القوة تلك نصاباً لا بد من توفره، ولا بد له كذلك من استيفاء شروطه كي تنعقد له أعماله وتتحقق فعالياته. وقد تحدثنا في الأسبوعين الماضيين عن نصاب الحكم، وكيف أنه ينعقد بواحد فقط ليوجد أمير المؤمنين الذي يبايع على السمع والطاعة للحكم بكتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه إذا جاء آخر ينازعه يقتل كائناً من كان. وقد ظهر لنا جلياً أن حكام المسلمين اليوم ليست لهم صفة الأئمة الشرعية كونهم أكثر من واحد ولا يحكمون بما أنزل الله، وأن أقل ما يقال فيهم أنهم نصابون وخونة عملاء، لا نقبل منهم صرفاً ولا عدلاً. وبينا كذلك أحوال علمائنا اليوم وكيف تمكن الحكام الأوغاد من تسييسهم أو معظمهم لمصالحهم دون مصالح الأمة، وكيف أنهم فقدوا النصاب القانوني الذي يمكنهم من التأثير الشرعي الصحيح في مسارات الأمور فضلوا وأضلوا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. واليوم جاء دور العنصر الثالث من عناصر القوة ألا وهو الجيش والقوات المسلحة، هذه الفئة التي تملك كافة أنواع الأسلحة، والمفروض أنها تدربت على استخدامها بشكل جيد، ولا ينقصها إلا حصول الظرف الذي يستلزم تدخلها، ثم صدور الأمر لها بالتدخل.
أيها الناس: إن لدى المسلمين ما يزيد عن عشرة ملايين جندي تحت السلاح، وتملك تلك الجيوش كافة أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة وحتى النووية، بل إن صفقات شراء السلاح لا زالت تعقد بمليارات الدولارات سنوياً، وإني أجزم أن تلك الجيوش تملك الجرأة والشجاعة والدافعية القتالية ما لا تملكه جيوش الكفار ولو عظمت، وأنها على يقين من نصر الله لها في أي حرب تدخلها مع جيوش الكفار مهما تفاوتت القدرات العسكرية بينهما. ويكفي في العسكرية الإسلامية قول الله عز وجل: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. وبناءً عليه فإنا نستطيع القول بأن نصاب الجيوش عند المسلمين مكتمل للقيام بواجباتها على أكمل وجه، إضافة إلى تأييد جماهير الأمة الإسلامية لهذه الجيوش روحياً ومادياً، فالأمة الإسلامية تملك أكبر مخزون من تلك القوى فهي أمة مجاهدة معطاءة، وهي دوماً قادرة على إمداد جيوشها بتلك القوى دون انقطاع أو تردد.
أيها الناس: إن الفاجعة الكبرى والمصيبة العظمى تكمن في بقاء هذه الجيوش الجرارة في ثكناتها لا تحرك ساكناً رغم توفر كافة الظروف التي تلزمها بالتحرك. فالجيوش الأميركية الكافرة تحتل بلاد المسلمين في أفغانستان والعراق وتعيث فيهما فساداً، ولها قواعد عسكرية في الجزيرة وقطر والبحرين وباكستان وغيرها من بلاد المسلمين، وبوارجها العسكرية تجوب البحار والمحيطات الإسلامية وتعبر ممراتنا الاستراتيجية، ولها حكام من دون ذلك هم لها عاملون، وعلى خدمتها مقيمون، ولرب البيت الأبيض خاضعون، ولأموامره مطيعون، وهذا أكبر سبب يوجب على تلك الجيوش أن تتحرك لرد هذا العدوان التاريخي الفظيع على المسلمين. ثم إن القوات الإسرائيلية الكافرة التي جمعت من أمم شتى، ومن أعراق متعددة، وبلاد متباعدة تجوس خلال الديار الفلسطينية واللبنانية اليوم، تقتل وتدمر وتحرق وتغنم وتصطلم، ولا يقارعها إلا قوات مقاومة قليلة جداً لا علاقة لها بالجيوش، أخلصت فثبتت، وصدقت فدافعت، وليس لها أي رديف أو مدد حقيقي، لا من الجيوش ولا من الأمة، بل إنها مكشوفة للعدو براً وبحراً وجواً، وفوق ذلك فهي محاصرة جغرافياً وعسكرياً وسياسياً ومحاربة من بني جلدتها وطنياً وعقائدياً ومذهبياً وإعلامياً، كان الله بعونها، ولا يجوز لها أن تذرف دمعة واحدة على أحد من الحكام، أو تأسف لزوال عروشهم.
أيها الناس: أليس ما يجري في بلاد المسلمين من فظائع ومذابح كافياً لتتحرك الجيوش لنصرة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً؟ أليس فيما جرى في الفلوجة وقانا وباقي المدن والقرى ما يجعل الدماء تغلي في عروق الضباط والجنود كي يهبوا للثأر والانتقام من الذي اجتاح أهلهم وقتلهم وحرقهم ودمر البيوت فوق رؤوسهم وهجّرهم وأفسد عليهم معايشهم؟ عجباً لهم، يملكون القوة والجرأة والرتب العسكرية والعلوم الحربية والتدريب الميداني والقرب المكاني من ساحات القتال والذبح، وأكاد أجزم بأن قوات الجيش السوري واللبناني يسمعون أصوات القذائف التي تودي بحياة الأطفال والنساء وتدمر البيوت، يسمعون ذلك بآذانهم فوق مشاهدته عبر وسائل الإعلام! وكذلك يحصل مع القوات المسلحة المصرية المجاورة لقطاع غزة. عجباً لهم، بل تباً لهم وتعساً، أي إحساس متبلد هذا الذي يملكون؟ وأي نخوة تلك التي تختلج بها قلوبهم؟ وأي عقول تلك التي بها يفكرون؟ أم أنهم قد أجمعوا جميعاً على خيانة الله ورسوله والمؤمنين؟ أم تراهم قد استمرأوا الذل وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وكرهوا أن يجاهدوا في سبيل الله؟ كلا، والله فهذا من أحفاد علي وعمر وخالد وصلاح الدين بعيد.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن أعداد الجيوش الإسلامية وعدتها اليوم كافية لخوض أعظم الحروب العالمية، وإن نصابها العسكري المادي والروحي مكتمل تماماً للتحرك على كافة الجبهات، وإن الأمة الإسلامية تتحرق شوقاً لسماع أخبار بدر وأحد وخيبر وقينقاع وقريظة وتبوك واليرموك والقادسية ونهاوند وحطين وعين جالوت من جديد، وإنها على استعداد لبذل الغالي والنفيس لتمويل المجهود الحربي الجهادي ضد الكفار أعداء الله وأعدائهم، ونصابها في ذلك مكتمل وزيادة، ولكن المعضلة الكبرى التي أفقدت الجيوش والأمة معاً نصابها لتحقيق أهدافها تكمن في القرار السياسي الذي يمنع الجيوش من أداء مهماتها، وتحول دون تحقيق طموحات الأمة بالعزة والنصر والسؤدد. فمن الذي يملك هذا القرار السياسي والمفتاح السحري؟ إنهم الحكام وأسيادهم الكفار.
أيها الناس: من أجل اكتمال النصاب العسكري عند جيوشنا، لا بد لهذه الجيوش من كسر الأطواق التي تمنعها من خوض الغمرات الجهادية وتحقيق أهداف الأمة الإسلامية. ولذلك فإن عليهم أن يتمردوا على قرارات حكامهم السياسية، ويتحركوا من فورهم هذا لتدمير قصور الحكام فوق رؤوسهم، فيفقدوهم التحكم في حركتهم العسكرية الواجبة لنصرة إخوانهم وأخواتهم وآبائهم وأبنائهم من المسلمين المستضعفين. وبعد هذه الخطوة الأولى، تأتي الخطوة الثانية بتسليم هذا المفتاح لحاكم مسلم مخلص يبايع أولاً على السمع والطاعة للحكم بكتاب الله وسنة رسوله، ثم يصبح بهذه البيعة قائداً فعلياً لتلك الجيوش يعقد لها الألوية والرايات، ويحدد لها الأهداف الجهادية، ويهيء لها كافة أسباب الجهاد والإعداد وفق أقصى الاستطاعة المحققة لإرهاب الأعداء المباشرين وغير المباشرين ما علمنا منهم وما لم نعلم. قال سبحانه وتعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوك وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم.
أيها الناس: بهذا فقط يمكن اكتمال نصاب الجيوش للقيام بمهماتها وبما أمرها الله به من القتال في سبيل الله، والذود عن حرمات الله، ونصرة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، بهذا فقط نأمل أن نوقف مسلسل القتل والدمار المستمر في بلادنا دون انقطاع، بهذا فقط نوقع الرعب في قلوب الذين كفروا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
.........................................................
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو رافت
المشاركة Feb 9 2007, 08:39 PM
مشاركة #60


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 807
التسجيل: 1-September 05
رقم العضوية: 1,353



الجمعة 17/7/1427 هـ
الموافق11/8/2006 م

نصاب الأمة

(الخطبة الأولى) أيها الناس: بعد تمام الأعمال الدعوية في المرحلة المكية، أذن الله عز وجل بإعزاز دينه ونصرة نبيه، والتحمت الدعوة مع المنعة، وصدر قرار الهجرة، وقامت الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة. وكان من أوائل الأعمال التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم بصفته رئيساً لهذه الدولة وقائداً لهذا المجتمع الجديد أن بنى المسجد الذي يعتبر رمزاً للقيادة السياسية الجديدة المبنية على أساس ديني، ولم يكن المسجد مكاناً للصلاة وحسب، ولكنه كان جامعة علمية ومنتدى مفتوحاً للقاء كافة الفعاليات، وقاعدة لإدارة جميع الشؤون وبث الانطلاقات، وبرلماناً لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية، وداراً يسكن فيها كل من لا مأوى له. ثم قام صلى الله عليه وسلم بمؤاخاة المهاجرين والأنصار في إشارة إلى تمتين الجبهة الداخلية، وبنائها على أسس عقائدية وربطها بالأربطة المبدئية. ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية فلا حمية إلا للإسلام، وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه. وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخوة عقداً نافذاً وعملاً يرتبط بالدماء والأموال، وحكمة فذة، وسياسة صائبة حكيمة، وحلاً رائعاً لكثير من المشاكل التي كان يواجهها المسلمون. وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال. فقد روى البخاري أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن وسعد بن الربيع، فقال لعبد الرحمن إني أكثر الأنصار مالاً، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك اللَّه لك في أهلك ومالك، وأين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو، ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مهيم؟ قال: تزوجت. قال: كم سقت إليها؟ قال: نواة من ذهب. وروى عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا، فقالوا: فتكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة قالوا سمعنا وأطعنا. وهذا يدلنا على ما كان عليه الأنصار من الحفاوة البالغة بإخوانهم المهاجرين، ومن التضحية والإيثار والود والصفاء، وما كان عليه المهاجرون من تقدير هذا الكرم حق قدره فلم يستغلوه ولم ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم أودهم. ثم عقد النبي عليه السلام ميثاق التحالف الإسلامي الذي أزاح به كل ما كان من حزازات الجاهلية، والنزعات القبلية، وجاء فيه: هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس. المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وكل قبيلة من الأنصار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وأن المؤمنين لا يتركون مُفرَحاً بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. وأن المؤمنين المتقين على من بغى عليهم، أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين. وأن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر. ولا ينصر كافراً على مؤمن. وان ذمة المسلمين واحدة يجير عليهم أدناهم. وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم. وأن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل اللَّه إلا على سواء وعدا بينهم. وأن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل اللَّه. وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن. وأنه من اعتبط مؤمناً قتلا عن بينة فإنه قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول. وأن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه. وأنه لا يحل لمؤمن أن ينصر محدثاً ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة اللَّه وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى اللَّه عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم.
أيها الناس: بهذا اكتمل نصاب الأمة الشرعي، وبهذا فقط يكتمل نصاب الأمة الإسلامية في كل آونة وحين، بل إن عزتها وكرامتها وثرواتها تنقص بالقدر الذي ينتقص فيه شيء من هذا النصاب الوافر. ولما اكتمل نصاب الأمة على النحو الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش الناس في مجتمع قريب من المثالية، واتسمت علاقاتهم بمنتهى الشفافية، فإذا تاجروا ربحوا، وإذا أبرموا أمراً نجحوا، وإذا حاربوا انتصروا، وإذا أقسموا على الله أبر قسمهم، وإذا وعدوا أوفوا، وإذا حدثوا صدقوا، وإذا استنفروا نفروا، وإذا قاتلوا عدوا الله وعدوهم نزلت ملائكة السماء فقاتلت معهم.
أيها الناس: لما خلف من بعد الأوائل خلوف من الهباء يحسبون أنهم على شيء وليسوا على شيء، نقص النصاب عن قدره الوافر، فدارت على المسلمين الدوائر. فانقلب الاستخلاف والتمكين والأمن إلى ضياع للملك وشتات واهتزاز وخوف، وكثرت الشُرط، وملكت الإماء، وقعدت الحملان على المنابر، واتخذ القرآن مزامير وزخرفت المساجد، ورفعت المنابر، واتخذ الفيء دولا، والزكاة مغرما، والأمانة مغنما، وتفقه في الدين لغير الله، وأطاع الرجل امرأته، وعقّ أمه، وأقصى أباه، ولعن آخرُ هذه الأمة أولَها، وساد القبيلةَ فاسقُهم، وكان زعيمُ القوم أرذلَهم، وأُكرم الرجل إتقاءَ شرّه. أجل أيها المسلمون، لقد حصل كل ذلك فينا وزيادة، وصرنا في ذيل الأمم بعد أن كنا خير أمة أخرجت للناس بأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر وإيماننا بالله. فهل من الوفاء لأمتنا الكريمة أن نتركها تهوي في الوهاد السحيقة ونحن قادرون على إنقاذها؟ وهل من المروءة أن تحترق بقاع عزيزة من أمتنا كلبنان وفلسطين والعراق وأفغانستنان وغيرها بأيدي نيرونات هذا الزمان وتجار الحروب وسماسرة الدمار والخراب، ثم نقف عاجزين كالقواعد من النساء نردد أخبار العاملين المخلصين والمجاهدين والاستشهاديين ونتغنى ببطولاتهم ونعد أيام صمودهم، وكأن الذي يقومون به مشهد تمثيلي عبر الشاشات الفضية، ومباريات مونديال عسكري طاحن ننتظر نتيجة أشواطه لنصفق للفائز الذي سيرفع كأس النصر بكلتا يديه؟! تعست أمة ينقص نصابها ولا تغضب، ويعطل شرعها فلا تعتب، ويشتم نبيها ولا تزأر، ويقتل مستضعفوها ولا تثأر، وتحرق مدنها وقراها ولا يرف لها جفن أو يخفق لها قلب. تعست أمة تسكت على حكامها الخونة الذين يوالون أعداءها ويتآمرون عليها، تعست أمة تطيع علماء السوء فيها من الذين تتلجلج كلمة الحق في صدورهم فلا تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذباً. تعست أمة تبني من عرقها ودمها ومالها وأبنائها جيوشاً لتحمي بيضتها وتدافع عن أعراضها ومقدساتها ثم تصطف هذه الجيوش طوابير لتؤدي وظيفة معكوسة بكل المقاييس، فتكون قوة جيوشها وبالاً عليها. فلا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل!
(الخطبة الثانية) أيها الناس: ما الذي دهى أمة الإسلام؟ ما هذا الوضع المتردي الذي نحياه وأمتنا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ لماذا يقرر مصيرنا في واشنطن ولندن وباريس وموسكو؟ ولماذا تعرض قضايانا في أروقة الأمم المتحدة الكافرة؟ ومن هي كوندوليزا رايس هذه التي تؤم المحافل السياسية في عواصمنا وحواضرنا؟ من هو هذا الويلش الذي يتابع أدق تفاصيل حياتنا؟ ما علاقة شيراك ببنت جبيل ومرجعيون؟ ومن الذي فوض بواب الخارجية القطرية وحارس العديد الأميركية والسيلية أن يتسنم الدبلوماسية العربية والإسلامية -على حد تعبيرهم-؟ كيف أصبح هؤلاء الرويبضات رؤوساً وأئمة للناس؟ أسئلة كثيرة ومعضلة كبيرة والجواب واحد والحل واحد: استأتن الحمار واستنسر البغاث واستنوق الجمل واستفيل ‏واستتيست الشاة واستأسد الحمل، وكل هذه الألفاظ تفيد معنى واحداً وهو اختلال النصاب، وهذا ما حصل لأمتنا يوم ضاعت خلافتنا، فقد اختل نصابها الأمة الشرعي، وفقدت خاصية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما الحل فالعمل لإعادة الخلافة الضائعة حتى يكتمل نصاب الأمة، وتعود كما كانت خير أمة أخرجت للناس، وعندها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

..............................................



الجمعة 24/7/1427 هـ
الموافق18/8/2006 م

نصاب الأحزاب

(الخطبة الأولى) أيها الناس: إن الخطاب الحزبي هو الخطاب الأكثر تأثيراً في الحياة السياسية للأمم والشعوب، ذلك أن الأحزاب جماعات منظمة، وتسير على رأي واحد، وتعمل للتأثير في كيان الأمة والدولة، وبيدها أوراق ضغط كبيرة في مسار السياسة، وتستطيع أن تصنع جزءاً لا بأس به من الرأي العام لدى الناس، بل إنها تستطيع أن تقود الناس إلى القيام بأعمال من شأنها أن تغير حكومات وأن تسقط زعامات وتقيم زعامات أخرى غيرها. هذا وإن للأحزاب نصاباً كما لغيرها من القوى السياسية والعسكرية والعلمية في المجتمع أنصبة لا بد من توافرها كي تؤدي دورها على الوجه الأكمل. ونستطيع من خلال تعريف الحزب لغة وشرعاً أن نتبين دوره المهم والخطير في المجتمع. جاء في معاجم اللغة أن الحزب هو الوِرْدُ (مجموعة آيات)، والطَّائِفَةُ، والسِّلاحُ، وجماعَةُ النَّاس، وجُنْدُ الرَّجُلِ، وأصْحابُهُ الذين على رَأيِهِ. وفي هذا دلالة كافية على قوة الحزب كونه مجموعة قوى متحدة ومؤتلفة تعمل لتحقيق أهداف محددة. وتستطيع الأحزاب بهذا المعنى أن تحقق ما لا يستطيع الفرد تحقيقه، فإن وجد فرد متميز بطاقات عالية فإنه يسمى أمة من باب التعظيم والإشادة بقدراته، كما قال الله تعالى في إبراهيم عليه السلام: إن إبراهيم كان أمة، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل من زيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة الإيادي: يبعث أمة وحده. وأما شرعاً فإن تعريف الحزب يؤخذ من قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}. وقد استنبط العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب وجود الأحزاب في الأمة الإسلامية، وحدّها الأدنى حزب واحد لتحقيق فرض الكفاية المطلوب فيها، وإن تعددت كان ذلك خيراً وأحسن مسيراً، ولا عبرة بقول من قال "لا حزبية في الإسلام" فهو قول ساقط لا يرقى إلى مستوى النظر، وأصحابه قد وقعوا في شر قولهم، فهم حزب ينادي باللاحزبية ولكنهم لا يشعرون! وهذا من أعظم التناقض والتهالك الفكري. وأما الأحزاب المطلوب إيجادها في الإسلام فتتميز عن غيرها من الأحزاب كونها مقيدة بالشرع في تكوينها وأعمالها وأهدافها، تفلح إن هي التزمت به.
أيها الناس: لا يتوفر النصاب الشرعي في الحزب إلا إذا تكوَّن على أساس شرعي لتحقيق غاية شرعية ضمن سياق أعمال شرعية، فإذا انتُقص واحدٌ من هذه الشروط فقدَ الحزبُ نصابَه الشرعي، وكان وبالاً على أعضائه وعلى أمته، وبالتالي يخفق في تحقيق أهدافه، ولا يكون من المفلحين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وقد ابتلينا في هذا الزمان بأحزاب وجماعات لبست لبوس الإسلام، لا تعمل لتحقيق أهداف للأمة الإسلامية كي يكون لهذه الأمة مكاناً تحت الشمس، بل تسير وفق جدول أعمال خاص بها، لترى هي لنفسها مكاناً تحت الشمس! وساقت الناس معها في عسرها ويسرها وتخبط سيرها، واستهلكت منهم أرواحاً كثيرة وأموالاً طائلة وأوقاتاً كبيرة وجهوداً عظيمة، وما حققت لها من الأهداف المرجوة والشعارات المرفوعة شيئاً يذكر، بل إن الأمة كانت بحال أفضل قبل وجودها، وما زادتها إلا رهقاً. وقد تجمع لدينا من التجارب مع هذه الأحزاب ما يكفي للحكم عليها بالفشل الذريع وفقدانها للنصاب الشرعي الذي يبرر قيامها أو استمرار وجودها. فهي أحزاب ألعوبة في يد الكفار وأعوانهم من الحكام، ترتفع أسهمها وتنخفض تبعاً لأحوال البورصة السياسية في أسواق أميركا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من دول الكفر. وإذا حصل ونبغ من بين أعضاء تلك الأحزاب رجال مخلصون فإن جهدهم يسرق، وعرقهم يباع، وإخلاصهم في سوق النخاسة السياسية يضيع، وتراهم يفقدون كل ثمرة من ثمرات تضحياتهم المخلصة، وإذا لزم الأمر فالتصفية الجسدية لهم بالمرصاد. ويوجد بعد ذلك من يجيّرُ نصرهم وثباتهم ويستخدمه ضدهم، ويزايد على دمائهم ويقفز فوق جماجمهم وجراحهم، ويضيق الخناق عليهم، ويصبح سلاحُهم وثباتهم وتضحياتهم سبةً في وجوههم بعد أن كان من قبل تاجَ فَخارٍ على رؤوسهم ورؤوس غيرهم. قبح الله المتخاذلين من حكام العرب والمسلمين، وقبح الله طاغوت الشام فقد سكت شهراً ونطق كفراً، وقبح الله حكومة الغدر في لبنان، وقبح الله الأحزاب اللبنانية، وقبح الله جيش لحود، فكأنه قد حرر الجنوب مستعيناً باليهود!!!
أيها الناس: إن النصاب الشرعي للحزب الإسلامي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر حتى النصر، فإن فقده فقد عموده الفقري وأساس وجوده، ولا يقول عاقل بأن الدوران في دوائر السياسة الكاذبة الخاطئة يمت إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصلة، أو يدلي إليه بسبب. ولا يقول عاقل بأن دخول دهاليز الكفار السياسية والوقوف على أعتاب الحكام المجرمين إن ذلك من أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد بات الأمر واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار، فاعتبروا يا أولي الأبصار. قال سبحانه وتعالى: {ولقد كُذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كُذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، ولا مبدل لكلمات الله}. أما الأحزاب العلمانية والوطنية والقومية فهي فاقدة أصلاً للنصاب الشرعي عند المسلمين، إذ يحرم إقامتها، ويحرم العمل معها، ويحرم الانتماء إليها، ويحرم مساندتها والترويج لها، ويحرم مجرد أن يحسب الإنسان نفسه عليها. فليست منا ولسنا منها، ولن يكون لها أي وجود في دولة الخلافة الإسلامية إطلاقاً.
أيها الناس: ينبغي على الأحزاب في الإسلام أن تسير وفق برامج شرعية لا تحيد عنها حتى تحققها، وأن يكون عملها خالصاً لوجه الله، وموجهاً لخدمة الأمة الإسلامية، للسير بها نحو مرضاة ربها، وتستمر هذه الأحزاب المخلصة في العمل مع أمتها كي تحول دون انتكاسها، وتصبر على ذلك ولو قُطّعت إرْباً إرباً حتى يأذن الله بتحقيق أهدافها.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: عندما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الإسلام وتحزب معه نفر من خيرة الناس ليكونوا من حزب الله في مواجهة حزب الشيطان، كانوا يسيرون وفق جدول أعمال منزل من السماء، فليس لهم أن يتقدموه أو يتأخروا عنه، وصبروا على ما أصابهم من لأواء، وثبتوا أمام الأذى والمغريات، فاجتازوا مرحلة الدعوة بنجاح منقطع النظير، ولما أصبحوا دولة تفجرت كمائنهم وصاروا رجال دولة من الطراز الأول، ولما كتب عليهم القتال رأيتهم يخوضون غمراته كالأسود الضارية وقد أعدوا له عدة، وقاتلت معهم الملائكة، فذاق عدوهم بأسهم وجرعوه كؤوس الهزيمة.
أيها الناس: هؤلاء والله هم القدوة والمثال، وعلى مثل هذا فلتتشكل الأحزاب وإلا فلا، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وعلى خطى النبي عليه السلام وصحبه الكرام فليسر السائرون، ففي سنتهم منارة للسالكين وهداية للحيارى والمترددين، ونجاح وفلاح للمستمسكين الملتزمين. فمن أراد العمل - وهو عليه فرض - فليعمل مع العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين، وليعلن نفسه على الملأ أجمعين أنه من الحزب العامل لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، فعسى أن يكون من المفلحين. ولا يخافُ في الله لومة لائم، ولا يأبه بالجهلة والمرجفين، ولا يصغي للواقعيين المتهالكين، ولا يلتفت إلى أشباه الرجال والأغبياء من الزعماء والسياسيين، فقد كشفهم الله لنا، وعرفناهم في لحن قولهم.
أيها الناس: إن طول الطريق، واستبطاء النصر يحتاج إلى صبر، وصبر حار شديد ولذا خوطب المؤمنون في القرآن بقوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب}، وقوله: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين}. فاستعينوا بالله أيها المسلمون واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، وقولوا كما قال أيوب عليه السلام: {رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين}. فاللهم إن الضر قد مسنا وأنت أرحم الراحمين، فارحمنا يا رحيم، واكشف عنا الضر واجعلنا من عبادك الصابرين، واحشرنا معهم وآجرنا بأجرهم، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة

9 الصفحات V  < 1 2 3 4 5 > » 
إضافة رد على الموضوعموضوع جديد
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



نسخة خفيفة الوقت الآن: 16th July 2019 - 04:09 AM