منتدى العقاب

هذا المنتدى هو أرشيف منتدى العقاب حتى عام 2012

وهو فقط للمطالعة والتصفح، للمشاركة نرجو الانتقال للمنتدى الجديد

http://www.alokab.com

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )



 
إضافة رد على الموضوعموضوع جديد
> ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة, الحلقة الأولى
خالد ابراهيم
المشاركة Aug 7 2008, 10:59 AM
مشاركة #1


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 81
التسجيل: 6-May 05
رقم العضوية: 597



بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة
الحلقة الأولى


بادئ ذي بدء يجب أن يعلم المسلمون أننا لا ننتظر هذه المناسبة من كل سنة لنذكرهم بواجب العمل للخلافة. وواجب استئناف الحياة الإسلامية. بل نحن – بلا رياء ولا غرور- نعمل لها بالليل والنهار، وذلك منذ عقود، دون انقطاع ولا ملل ولا تراجع ولا فتور ولا استسلام ولا يأس ولا خوف، في انتظار اليوم الذي يمن الله فيه علينا بنصر من عنده. كما أننا في إحياءنا لهذه الذكرى الأليمة، أي ذكرى هدم الخلافة الإسلامية، لا نود منهم أن يقلدوا غيرهم ممن ترسموا خطى الغرب في أعياده ومواسمه فيعلنوا الحداد عليها في اليوم الذي يقابل تاريخ هدمها، وأن يقيموا لها المراسم ويشعلون الشموع ويقفون صامتين ومنتكسي الرؤوس لبضعة دقائق ثم يبكون. إننا لا نود منكم ذلك مطلقا أيها المسلمون. فهذه عادات سخيفة وتقاليد تافهة ليس لها أصل في ديننا وحضارتنا وثقافتنا الإسلامية. بل هي دخيلة علينا مثلها مثل الأفكار التي وفدت علينا من أرض الصليب في عاصفة هوجاء ملأت سماءنا بعجاجها وحجبت عنا شمس إسلامنا. فاختفى النور الذي كان يضيء حياتنا وخيمت الظلمات وتحركت وحوش الليل وأفاعي الظلام تفتك بنا وتنفث فينا سمومها.

إذن لا نريد في هذه الذكرى نواحا ولا بكاءًا، وإنما نود منكم أيها المسلمون الإستجابة للنداء. وها نحن نجدد التذكير لقوله تعالى : ( وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ )[الذاريات: 55]. ونعيد الخُطَبْ ( لِنَجۡعَلَهَا لَكُمۡ تَذۡكِرَةً۬ وَتَعِيَہَآ أُذُنٌ۬ وَٲعِيَةٌ۬ )[الحاقة: 12]. ونكرر الأسئلة نفسها عساها توقظ نائما أو تنبه غافلا فيتوب إلى ربه. قال تعالى: ( يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةً۬ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَڪُمۡ جَنَّـٰتٍ۬ تَجۡرِى مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ )[التحريم: 8]. فيا أمة الإسلام إلى متى هذا الانحناء والركوع للأعداء؟ إلى متى هذا الركون والخضوع للحكام العملاء؟ إلى متى هذا الاستسلام للرويبضات السفهاء؟ إلى متى ستبقى السياط تُلهبُ ظهركِ وأنتِ تئنينَ من الألم في الخفاء؟ أذهب الرجال وبقي الغثاء؟ أم عقمت أرحام نساءك فما عادت تنجب الأبطال الأقوياء؟. أما آن لك يا أمة الإسلام أن تنهضي وترفعي رأسك إلى العلا، وتضحي بحياتك في سبيل دين الله فإن الحياة مهما طالت بك فإنها آيلة للزوال والفناء. أما آن لك يا أمة الإسلام أن تستجمعي قواك وتستردي سلطانك وتعيدي مجدك الذي بلغ في السابق عنان السماء. أوَ يرضى العقاب بالعيش في قن الدجاج ويدع الغربان حرة طليقة تحلق عاليا في الفضاء. أوَ تروم الأسود عيش النعاج وتتخلى عن عرينها للذئاب ليكونوا هم الملوك والأمراء؟

فيا خير أمة أخرجت للناس من سيتولى عنك تطبيق شرع الله وتنفيذ أحكامه ويتولى عنك رعاية شؤون الناس بأنظمة الإسلام؟ من الذي سينهي تسلط دول الكفر الاستعمارية على بلاد المسلمين؟ من سيتولى عنك حماية الثغور وحفظ الأعراض والديار ؟ من الذي سيسترد الثروات المنهوبة والأراضي المغصوبة ؟ من الذي سيخرج من بلادنا القواعد العسكرية ويبعد عن مياهنا الأساطيل الحربية؟ من الذي سيقفل أوكار الجوسسة ويطرد الجواسيس من بلادنا ؟ من سيتحمل عنك مسؤولية حمل رسالة الهدى ومشعل النور إلى البشرية؟ من الذي سيخرج الناس من الظلمات إلى النور؟ من الذي سيكسر قيد الاستعباد ويحرر العباد؟ من الذي سيعيد الكرامة والمساواة والعدل للبشرية؟ من الذي سيطهر الأرض من قاذورات الشرك والكفر والإلحاد؟ من الذي سيرفع عن البشرية هيمنة المبدإِِ الرأسمالي الجائر؟ من ومن ومن.....؟ إننا ندعوكم أيها المسلمون لتفكروا مليا فيما صنعه الكافر المستعمر بكم. تفكروا مليا في تلك المكائد والمؤامرات والدسائس والخطط التي حبكوها ليقضوا عليكم قضاءً مبرما ويمحوكم من على وجه الأرض محوا تاما حتى يخلو لهم الجو وينفردوا بالبشرية فيصنعون بها ما يشاءون ويذلونهم ويظلمونهم ويقهرونهم كيفما يريدون. إننا ندعوكم لتقوموا بالواجب المتروك والفرض المهمل. ندعوكم لتنصروا دين الله وتحملوا إسلامكم حملا مبدئيا ، فكريا وسياسيا. ففيه حياتكم وعزتكم وعلوكم وظهوركم وقوتكم وسعادتكم وفوزكم في الدنيا والآخرة. ندعوكم لتتبصروا وتتمعنوا في أحوالكم ووضعكم، ندعوكم لتستشرفوا مستقبلكم، ندعوكم لتقيموا دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة بعدما هدم الكفار خلافتنا الأولى.

وكما تعلمون فإن الخلافة الأولى سقطت عام 1924م ولم يتم إعادة الحكم بهذا النظام في أي مكان حتى الآن. ومن لازال حيا وعمره تجاوز الأربعة وثمانين عاما يكون من حيث تاريخ الميلاد متصلا بدولة الخلافة لأنه ولد زمن وجودها من قبل أن يتم إلغاءها. مما يعني أن المدة الفاصلة بيننا وبين آخر عهدنا بالخلافة لا تزيد عن عمر هذا الإنسان. وحتى الذين ولدوا بعد هدمها ببضعة عقود لا يقبل منهم التنكر لها لقرب عهدهم بها. ولذلك لا نستطيع أن نفهم حقيقة دهشتهم وتعجبهم من الخلافة. أو كيف ينسونها وتغيب عن أذهانهم بهذه السرعة العجيبة وهي التي كان لها حضور في المحفل الدولي وكانت الدول الكبرى تتعامل معها. وحتى الأحداث الكبرى التي وقعت في القرن الماضي فإن لها علاقة أو اتصالا بدولة الخلافة. كاتفاقية " سايكس- بيكو- سازانوف " عام 1916م. فالمعروف عن هذه الاتفاقية أنها كانت اتفاقية سرية بين فرنسا وبريطانيا بمصادقة روسيا القيصرية على اقتسام بلاد المسلمين بعد القضاء على الخلافة العثمانية التي كانت حامية لها. وقد تم الوصول إلى هذه الاتفاقية ما بين تشرين الثاني 1915 وأيار 1916م. بمفاوضات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي " فرانسوا جورج بيكو" والبريطاني " مارك سايكس"، وقد تم الكشف عنها لما وصل الشيوعيون إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917م. وهذه الاتفاقية تدل على أن بلاد المسلمين كانت قبل هدم الخلافة بلادا موحدة ولم يكن بين أقطارها حدود فاصلة. وكذلك الحرب العالمية الأولى التي اشتعلت بين عام 1914 و 1918م. فإن دولة الخلافة بزعامة الاتحاديين شاركت فيها وخسرتها. ولا ننسى كذلك الفاجعة الثانية التي حلت بالأمة الإسلامية ألا وهي فاجعة فلسطين واحتلال يهود لها عام 1948م من بعد فاجعتهم في دولة الخلافة التي كانت حامية لها وحاجزا بينها وبين أطماع الصهيونية. فهذه الأحداث وغيرها مما لها علاقة أو اتصال بدولة الخلافة هي وقائع وحقائق تثبتها الوثائق الرسمية ويتدارسها الطلبة ولا يمكن لأحد أن يزعم أنها أساطير ووهم وخيال. فلماذا إذن نسمع تعاليق كاذبة وباطلة تسفه فكرة الخلافة وتزعم أنها خرافة؟ لماذا هؤلاء الكذابون الدجالون يوهمون أبناءنا بأن الخلافة خيال ووهم وحلم. كيف تكون وهما وخيالا وهي التي قادت العالم لأكثر من ثلاثة عشر قرنا وغيابها عنا لم يتجاوز عمر إنسان كما أسلفنا. أوَ ليس هذا عجيب غريب؟. إن هذه الزمرة من الكذابين والدجالين هي بلا شك عميلة للغرب وتعمل على طمس الحقائق ليبقى أسيادهم الغربيون مهيمنين على العالم الإسلامي فلا تصدقوهم ولا تطمئنوا لأقوالهم. فهؤلاء استمرؤوا العيش تحت مطرقة الغرب الكافر واستعماره لنا سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا ولا يريدون التحرر والتخلص منه. هؤلاء شواذ لا يمثلون طموح هذه الأمة المنكوبة. هؤلاء أقلام وأصوات وأحزاب وجمعيات وبرامج وأنظمة معادية للإسلام. هؤلاء عششت في أدمغتهم نخوة الجاهلية ويجن جنونهم إذا سمعوا حديثكم عن الخلافة. ولذلك هم يعذبونكم ويسجنونكم ويقتلونكم إذا ما رأوكم تعملون بجد وإخلاص للخلافة. فهم حراس الغرب وعيونه التي تتجسس عليكم.

أيها المسلمون إن الذين يبغضون الخلافة سيتصدون لكم بكل الوسائل، وسيحاولون معكم كل الأساليب لإقناعكم بأن فكرة الخلافة فكرة فاسدة لا تتناسب مع زمن التعددية والحريات وما شاكل ذلك. وسيقومون بنبش التاريخ ليحاجوكم ببعض الأحداث. فقد يقولون لكم إن الدعوة إلى الخلافة في هذا الزمان بدعة. وأن الخلافة التي تتحدثون عنها لم تظهر في التاريخ إلا مرة واحدة، ولفترة قصيرة جدا لم تتجاوز الربع قرن أيام الخلفاء الراشدين ثم اختفت بعد ذلك إلى الأبد. كما أن المسلمين عاشوا ولمدة قرون طويلة تحت الملك العضوض. وأن الأقطار الإسلامية كانت مستقلة عن بعضها البعض وتحكمها دول لا علاقة لها بالخلافة، وأنه كان هناك ظلم وسفك للدماء وشر مستطير فلماذا اليوم تطالبون بهذه الخلافة بعدما تخلصنا من الاستبداد والملك العضوض؟. نعم هكذا يقولون، وبهذا الشكل يطعنون في الخلافة ويروجون حولها الأكاذيب بقصد التشويش وإيجاد الكراهية لها في النفوس. ألا شاهت وجوههم وسفه الله أحلامهم. فكل ما يخرج من أفواههم عنها هو كذب ودجل وتزوير للحقائق. ونحن لهم بالمرصاد. فالخلافة أيها المسلمون ليست بدعة ولم تحكم العالم فترة وجيزة ومن بعد اختفت إلى الأبد بل كما بينا من قبل أن هذا النظام استمر لعدة قرون وانتهى العمل به في القرن الماضي. هذا من ناحية أما من الناحية الأخرى فإن القضية هنا لا تتعلق بالحكام وسلوكياتهم، وإنما تتعلق بالنظام ذاته. أي لا تتعلق بالخلفاء والولاة وعمال الدولة والأحداث والوقائع، وإنما تتعلق بنظام الحكم والدستور والقوانين. هذه هي المسألة الجوهرية في قضية الخلافة. فحينما نتحدث عن الوقائع التاريخية فإنه من الممكن أن يحصل مثلها في أي زمان. سواء كان زمن الخلافة أم هذا الزمان. لأن الذين يسوسون الناس هم بشر غير معصومين. فصحيح أنه كان هناك ظلم وتجاوزات لا يقرها الإسلام، وأن الذين حكموا المسلمين وصلوا إلى سدة الحكم عن طريق الوراثة وولاية العهد. وصحيح أنه كانت هناك دويلات انفصلت عن جسم الخلافة كليا أو جزئيا. وأنه كان هناك قتل وسجن وتعذيب وعزل لبعض الخلفاء. وأنه كانت هناك مذابح ومطاردة، وكان هناك تمرد على الدولة وثورات وقلاقل ومعارك واصطدام بين جيوش المسلمين. لكن رغم ذلك كله فإن الأمة لم تعرف قط في حياتها أيام الدولة الإسلامية أن حكامها حكموها بأحكام الكفر ولو ليوم واحد، بل حكموها على مدى القرون التي خلت بكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم- ولم تدخل أحكام الكفر بلاد الإسلام إلا في أواخر الدولة العثمانية لما وصل حزب الاتحاد والترقي للحكم، وسنتحدث عن ذلك في الحلقات القادمة بإذن الله. فما حدث إذن في تاريخ الأمة هي حوادث وأمور تتعلق بالبشر وسلوكياتهم وليس بنظام الحكم. فالبيعة مثلا سواء أخذت بمشورة من المسلمين أو بالقهر فإنها في كل الأحوال هي بيعة لخليفة وليست لملك. لأن الملوك لا يحتاجون إلى بيعة، وكرسي الملك تابع لسلالة العائلة المالكة ولا ينازعهم في ذلك أحد. أما الذي تعقد له الخلافة في الإسلام لا يشترط فيه أن يكون من سلالة الخليفة السابق له. ولهذا تعاقب على الحكم خلفاء ليسوا من سلالة واحدة مثل الأتراك العثمانيين الذين ليس لهم أي علاقة بسلالة الأمويين أو العباسيين. كما أن النظام الملكي يختلف عن نظام الحكم في الإسلام. وأما الظلم والتعدي على الحقوق الذي يتحدثون عنه فذلك كان ولا شك ولكن ليس بشكل دائم ومستمر على طول تاريخ الأمة. بل عاشت الأمة الإسلامية ولفترات طويلة في هناء واطمئنان وعدل وازدهار حتى أن المضطهدين في العالم حينذاك كانوا يفرون إلى الدولة الإسلامية لتحميهم وترعاهم مثلهم مثل بقية رعاياها دون تمييز أو تفاضل. ومهما يكن فإن الشرع طلب منا طاعة أولي الأمر على شرط أن لا يحكموننا بالكفر أو يأمروننا بمعصية. فإن أحسنوا إدارة شؤوننا فقد أحسنوا لأنفسهم وإن أساؤوا فقد أساؤوا لأنفسهم لأن الله سائلهم يوم الحساب عما استرعاهم. فعن " ‏أَبَي حَازِمٍ ‏قَالَ قَاعَدْتُ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏خَمْسَ سِنِينَ ‏فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ ‏‏عَنْ النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏كَانَتْ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ ‏" [البخاري ومسلم]. أما قولهم إنه لم تكن هناك دولة خلافة واحدة وموحدة للعالم الإسلامي وإنما كانت هناك عدة دول حكمت المسلمين تختلف في شكل الحكم عن بعضها البعض، فإن هذا القول باطل وغير صحيح. إذ أن الذي حدث هو انفصال لبعض الولايات عن الدولة إما جزئيا أو كليا. وكل ما في الأمر أن بعض الولاة استقلوا جزئيا عن الدولة وبقوا على ولائهم للخليفة يدعون له فوق المنابر ويرسلون له شيئا من الخراج والجنود وقت الحاجة. وحتى العملة الرسمية التي كانوا يتعاملون بها هي العملة المسكوكة باسم الخليفة. وأما الولايات الأخرى التي استقلت كليا عن الدولة وأعطاها المؤرخون أسماء مؤسسيها كالدولة الرستمية في المغرب أو الدولة الطولونية في مصر، فإنها في الحقيقة ولايات نازعت الخليفة في الخلافة وزعمت أنها أحق بها منه. ورغم ذلك فإن هذا الانفصال لم يستمر وسقطت تلك الدويلات بعد ظهورها لفترة قصيرة وعادت إلى جسم الدولة. وأطول فترة حكمت فيها دولة مستقلة عن الدولة الأم هي فترة حكم الأمويين في الأندلس. وأما شكل الحكم فإن الذين انفصلوا عن الدولة لم يطبقوا نظاما آخر مخالفا لنظام الدولة الإسلامية، ولم يحكموا المسلمين بأحكام الكفر ولم يأتوا بنظام مخالف لنظام الحكم في الإسلام، وإنما حكموا المسلمين بكتاب الله وسنة رسوله. وخلاصة القول إن العالم الإسلامي لم يعرف من ذي قبل، وعلى مدى تاريخ الإسلام الحكم بغير ما أنزل الله. ولم يأخذ المسلمون من قياصرة الشرق ولا من ملوك الغرب ولو حكما واحدا. بل كانوا في فتوحاتهم يحكمون الشعوب بالإسلام والإسلام فقط، سواء دخلت تلك الشعوب في الإسلام أم بقت على دينها. هذه هي النقطة الجوهرية في بحث هذه القضية أما ما عداها من أمور كالحوادث والوقائع، والأحول والظروف، وكالقوة والضعف، والصعود والهبوط، والمد والجزر، فإنها أمور طبيعية تظهر وتختفي. أما أن تحكم الأمة بالكفر وتنقلب عن شرع الله وتتنكر له وتحاربه وتحارب أتباعه فإن هذا غير طبيعي . إذن متى عرف المسلمون الحكم بغير شرع الله. ومتى كان ذلك. وعلى يد من حدث ذلك. ومتى انتهى الحكم بالإسلام؟ هذا ما سنعرفه في الحلقات القادمة إن شاء الله.


يتبع
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أسامة الثويني
المشاركة Aug 7 2008, 11:34 AM
مشاركة #2


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,443
التسجيل: 13-February 07
رقم العضوية: 5,227



أحسنت أحسن الله إليك.
بانتظار الحلقة القادمة، عافاك الله.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
طبيب القرمي
المشاركة Aug 7 2008, 01:23 PM
مشاركة #3


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 34
التسجيل: 10-May 08
رقم العضوية: 8,757



بارك الله فيك, أحسنت أحسن الله إليك,وزادك من فضله.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
خالد ابراهيم
المشاركة Aug 7 2008, 11:34 PM
مشاركة #4


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 81
التسجيل: 6-May 05
رقم العضوية: 597



بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الثانية

إنشاء الدستور العثماني



كنا في الحلقة الماضية قد بينا أن المسلمين لم يحكموا طوال فترة الخلافة بغير الإسلام، وأن الخلفاء أبرياء من تغيير نظام الحكم، وأن الذين قاموا بهذه الفعلة الشنيعة هم فئة من الخونة الماسونيين العملاء للغرب. فمن هم هؤلاء وكيف ومتى كان ذلك؟

في أواخر الدولة العثمانية تكونت حركة سياسية يهودية ماسونية تسمى " جمعية الإتحاد والترقي " وكانت هذه الحركة مدعومة من الدول الأجنبية التي تهدف إلى الإطاحة بالخلافة العثمانية وإلغاء الحكم الإسلامي. وقد تأسست هذه الجمعية عام 1894م. ووصلت إلى الحكم في الدولة العثمانية بعد الإنقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله في (27 نيسان 1909م). ومن ثم بدأت هذه الجمعية بفرض عملية التتريك على جميع المحافظات العربية وغيرها. ففرضت اللغة التركية في الدواوين والمدارس والمناهج. ثم ورطت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى مما أدى بها إلى الانهيار والسقوط وتقاسم الدول الاستعمارية لأراضيها. ومن المعلوم أن قادة الاتحاد والترقي كلهم على الإطلاق من الماسونيين وأغلبهم ليسوا من المسلمين ولا من عرق تركي. فأنور- بولندي، وجاويد – من يهود الدونمة, وكراصو - يهودي أسباني. والحديث عن هذه الحركة يحتاج إلى موضوع مستقل. لكن الذي يهمنا هنا هو الانقلاب على نظام الحكم والدستور الذي أحدثوه. فهو أول مشروع كفر يظهر في تاريخ الخلافة الإسلامية والبداية الأولى للحكم بغير ما أنزل الله.

ظهر الدستور في الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر الميلادي بعد ما شهدت الدولة مشروعات إصلاحية متعددة عرفت باسم التنظيمات الخيرية، قام بها بعض رجال الدولة من أمثال مصطفى رشيد باشا، ومحمد فؤاد باشا كشيسي زاده، ومحمد أمين عالي باشا، ومدحت باشا، وهؤلاء شغلوا منصب الصدر الأعظم في الدولة. وتشتمل تلك الإصلاحات على مبادئ عامة في الحكم والإدارة، وكانت تصدر مراسيم سلطانية تتناول إصلاح بعض الأمور في الدولة. خاصة بعدما تولى السلطان عبد الحميد الثاني الحكم خلفًا لأخيه السلطان مراد الخامس الذي أصدر فيه مجلس الوزراء بقيادة الصدر الأعظم قرارًا بعزله بناءًا على فتوى شرعية، وكان ذلك في (10 من شعبان 1293هـ الموافق31 من أغسطس 1876م).

وقد أمر السلطان عبد الحميد بتشكيل لجنة لوضع مسودة لمشروع الدستور، تحت رئاسة مدحت باشا بصفته رئيسًا لمجلس الدولة، وكان أعضاء اللجنة يتألفون من 28 عضوًا من كبار موظفي الدولة وعلماء الدين والعسكريين وبعض الشخصيات العامة.

وبعد عدة جلسات مطولة ومناقشات حامية، انتهت اللجنة إلى وضع هيكل للنظام البرلماني يقوم على مجلسين، هما: مجلس للشيوخ ويطلق عليه إسم " مجلس الأعيان"، ومجلس للنواب ويطلق عليه إسم "مجلس المبعوثان". وبانتهاء اللجنة من مهمتها عين رئيسها مدحت باشا صدرًا أعظم للمرة الثانية في (3 من ذي الحجة 1293 هـ الموافق 19 من ديسمبر 1876م)، وبعد أربعة أيام من توليه المنصب الكبير أُعلن عن الدستور وسط قصف المدافع في اليوم الذي تزامن مع افتتاح مؤتمر إستانبول الدولي.

وكان هذا المؤتمر قد عقد بقرار من الدول الأوروبية الكبرى وتحت إشرافها ؛ للنظر في وضع شروط الصلح بين الدولة العثمانية والصرب، وفي أوضاع سكان الولايات المسيحية الخاضعة للدولة العثمانية في أوروبا. ولقد استغل مدحت باشا انعقاد هذا المؤتمر للضغط على الخليفة العثماني في التعجيل بإصدار الدستور؛ مبديا له أن صدوره، أي الدستور، سيجعل الدول الأوروبية الكبرى تكف عن تدخلها في الشؤون الداخلية للدولة، بتعلة المطالبة بإدخال الإصلاحات في ولاياتها المسيحية في أوروبا.

وقد أطلق على هذا الدستور اسم المشروطية الأولى، وهو المصطلح التاريخي كما يطلق عليه القانون الأساسي، وهو مقسم إلى 12 قسمًا ويضم 119 مادة، ومواده مأخوذة من الدستور البلجيكي والروسي.

فالقسم الأول منه حدد الدولة العثمانية وعاصمتها. وقرر أن دينها الرسمي هو الإسلام بعدما كان نظام حكمها هو الإسلام. ثم تناول وضع السلطان وامتيازاته وطرق توارث الحكم، كما حدد الدستور حقوق السلطان وواجباته في مراقبة تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية، وسك العملة باسمه، والدعاء له في الخطب، وتعيين الوزراء وعزلهم، وإعلان الحرب وعقد الصلح وإبرام المعاهدات، والقيادة العليا للقوات المسلحة. ونصَّ الدستور على ضرورة تصديق السلطان على الأحكام القضائية الصادرة بالإعدام، وخوّله أن يسن قانونًا أو يصدر مرسومًا دون موافقة البرلمان.

وأما القسم الثاني من الدستور فقد نصَّ على الحقوق العامة لرعايا الدولة؛ وأكد على مساواتهم أمام القانون دون نظر إلى ديانتهم، وقرّر أن لهم كل الحقوق وعليهم جميع الواجبات، وأقرّ أن الحرية الشخصية مصونة ولا تُنتهك، وكفل حرية العبادة لغير المسلمين شريطة ألا يرتكب أحد في إقامة شعائره الدينية ما يخل بالنظام العام أو يتعارض مع الأخلاق الطيبة. ونصّ على أن التعيين في المناصب الحكومية ميسور للجميع بشرط توفر الكفاءة والمقدرة وإجادة اللغة التركية، وشدّد على تجريم انتهاك حرمة المساكن. إذ لا يُسمح لرجال الحكومة باقتحامها إلا في الأحوال التي يحددها القانون. وقرّر عدم السماح بجمع الأموال على شكل ضرائب أو تحت أي تسمية أخرى إلا طبقًا للقانون.

ثم تناول الدستور الفصل بين السلطات الثلاثة؛ وهذا الفصل بين السلطات يحدث لأول مرة في دولة الإسلام. فالصدر الأعظم يتولى السلطة التنفيذية، وهو رئيس مجلس الوزراء ويرأس اجتماعاته، ويكون شيخ الإسلام عضوًا في المجلس. أما السلطة التشريعية فينهض بها البرلمان الذي يتكون من مجلسين، أحدهما مجلس الأعيان أو مجلس الشيوخ، ولا يتجاوز عدد أعضائه ثُلث عدد أعضاء مجلس المبعوثان. ويتم تعيينهم من قبل السلطان، ويكون تعيينهم مدى الحياة، ويجب ألا تقل سن العضو عن 40 عامًا، ويكون قد أدى من قبلُ خدمات جليلة للدولة.

وأما مجلس المبعوثان فيتم اختيار أعضائه عن طريق إجراء انتخابات عامة في أنحاء الدولة، ويمثل كل نائب 50 ألف فرد من رعايا الدولة الذكور، ومدة العضوية 4 سنوات. وكفل الدستور الحصانة البرلمانية لأعضاء مجلس المبعوثان، فلا يجوز القبض عليهم أو محاكمتهم، إلا إذا قرر المجلس بأغلبية الأصوات رفع الحصانة عن العضو.

وأما السلطة القضائية فتمارس من خلال المحاكم الشرعية المختصة بالنظر في قضايا الأحوال الشخصية بالنسبة إلى رعايا الدولة المسلمين، أما غير المسلمين فتنظر في قضاياهم محاكم ملِّية خاصة بالمتنازعين. وإلى جانب المحاكم الشرعية توجد المحاكم المدنية التي تختص بالقوانين الوضعية، وكفل الدستور صيانة القضاء من أي نوع من أنواع التدخل في شؤونه، واحتفظ الدستور باختصاصات مجلس الدولة التي كان يمارسها قبل، باعتباره محكمة استئناف تنظر في الطعون المقدمة ضد القرارات الإدارية.

وقد أمر السلطان عبد الحميد بوضع الدستور موضع التنفيذ، فأجريت انتخابات عامة لأول مرة في التاريخ العثماني، وأسفرت عن تمثيل المسلمين في مجلس المبعوثان بـ71 مقعدًا، والمسيحيين بـ 44 مقعدًا، و4 مقاعد لليهود. وتألف مجلس الأعيان والشيوخ من 26 عضوًا. واجتمع البرلمان رسميًا في (4 من ربيع الأول 1294هـ الموافق 19 من مارس 1877م) في حفل كبير أقيم في قاعة الاحتفالات في قصر ضولمة باشي.

وبدأ المجلسان عملهما، وناقش مجلس المبعوثان بعض المشروعات، مثل: قانون الصحافة، وقانون الانتخابات، وقانون عدم مركزية الحكم، وإقرار الموازنة العامة للحكومة. وبعد إحدى عشر شهرًا من تاريخ الحياة النيابية أصدر السلطان عبد الحميد قرارا بتعطيل مجلس الأعيان والمبعوثان في (13 من صفر 1295هـ الموافق 14 من فبراير 1878م). واستمر هذا التعطيل زهاء 30 عامًا لم تُفتح خلالها قاعة البرلمان مرة واحدة. وظل العمل بالدستور معطلا حتى أصدر السلطان عبد الحميد الثاني في (23 من جمادى الآخر 1326هـ الموافق 23 من يوليو 1908م) قرارًا بإعادة العمل بالدستور. إلا أن أنصار الخلافة استنكروا مظاهر العلمانية والسير على خطى الغرب التي اتصف بها عهد الدستور، فطالبوا بالعودة إلى أحكام الشريعة الإسلامية. وفي 13 نيسان 1909م تحول السخط إلى تمرد قام به عدد من الضباط والجند، وهاجموا مجلس «المبعوثان» والباب العالي. وطالبوا بسقوط الحكومة الاتحادية وحل المجلس ونادوا بإلغاء الدستور وإعلان حكم الشريعة الإسلامية وانتشرت الفوضى وحمي الصراع بين الاتحاديين والمعادين لهم.

ثم توالت الأحداث وأخذ بعضها برقاب بعض إلى أن حققت هذه الجمعية غرضها الدنيء ونجحت في خلع السلطان عبد الحميد وإبعاده عن الحكم. وذلك باستصدار فتوى شرعية من شيخ الإسلام لخلع السلطان. وقد تم ذلك واستدعي رئيس الوزارة توفيق باشا إلى المجلس الذي عقد فيه الإجتماع لإبلاغ الخليفة القرار، لكنه امتنع فانتخب الاتحاديون وفدا عجيبا يندى له الجبين سيظل يذكره التاريخ أبدا، إذ كان هذا الوفد مؤلفا من الفريق البحري عارف حكمت - الكرجي - وآرام أفندي – الأرمني - وعمانوئيل قراصو – اليهودي - وأسعد طوبطاني – الأرناؤوطي- ، ودخل الوفد على السلطان عبد الحميد فوجدوه واقفا وكأنه بانتظارهم هادئ الأعصاب متزنا، فقرأ الفتوى الفريق عارف حكمت أمامه فأجابه السلطان : " ذلك تقدير العزيز العليم". ثم تقدم أسعد طوبطاني وقال له : لقد عزلتكم الأمة، فغضب عبد الحميد وقال: " تقصد أن الأمة خلعتني لا بأس ولكن لماذا جئتم بهذا اليهودي ( ويقصد قراصو) إلى مقام الخلافة؟".

هكذا نجح الماسون ومن وراءهم وكالة الاستخبارات الإنكليزية في القضاء على أخلص رجل لهذه الأمة. وبإبعاده عن الحكم خلا لهم الجو. ولم يخف الماسون علاقتهم بعملية الانقلاب على الخليفة وفرحتهم وبهجتهم بإبعاد هذا الخليفة الشهم عن الحكم، بل يفخرون بالأدوار الإجرامية التي قاموا بها. فقد قال الفيلسوف الماسوني " شاربيا" في حفل أقيم للماسون : " انظروا إلى إخوانكم الماسونيين السالونيكيين الذين قاموا بالحركة الدستورية التي قلبت الحكم العثماني في آخر عهد السلطان عبد الحميد دون أن تسيل نقطة دم واحدة ".

يجب إذن على أبناء الأمة الإسلامية أن يعلموا أن خلفاءهم لم يخونوهم ولم يحكموهم يوما واحدا بأحكام الكفر، وآخرهم هذا الخليفة الشهم. الذي وصفه " بسمارك يوما فقال : " إنه العقل المفكر والمخطط للدولة ولا يحظى سياسيوها بأكثر من 5% فقط". ولا يفوتنا هنا أن ننقل إليكم مقطعا من رسالة كان قد أرسلها السلطان عبد الحميد الثاني إلى الشيخ محمود أبو الشامات لتعرفوا من خلالها مدى وعي هذا الخليفة وإخلاصه للأمة الإسلامية. يقول في رسالته رحمه الله : "....ثم أعرض لرشادتكم على سبيل التاريخ ولِيُعلمَ عند ذوي العقول السليمة أمثال سماحتكم أنني ما تركت الخلافة الإسلامية إلا للضغط عليّ من قبل الجمعية العليا لجماعة الاتحاد (جون تورك) وقد عرضوا عليّ مبلغا قيمته مائة وخمسون مليون ليرة إنكليزية ذهبية لأبيعهم أرضا في فلسطين يسكنها اليهود فلم أقبل. وإني خدمت الملة الإسلامية مدة تفوق الثلاثين سنة لم أسود خلالها صحيفة للمسلمين ولا صحيفة آبائي وأجدادي من الخلفاء العثمانيين لذلك لا أقبل مطلقا. فاتفقوا حالا على خلعي ونفيي إلى سلانيك فقبلت بذلك وحمدت الله على أني ما خططت قلما ولا حرفا يسوء الدولة الإسلامية العثمانية وحصل ما حصل والحمد لله على ذلك وفهمكم كفاية". رحم الله السلطان عبد الحميد الثاني وأسكنه جنان الفردوس.

هذه إذن الخطوة الأولى في القضاء على الخلافة الإسلامية ثم تلتها خطوات أخرى لم يعرفها التاريخ الإسلامي من قبل وهي فصل السلطنة عن الخلافة ثم إلغاء الخلافة نهائيا. وهذا ما سنتحدث عنه في الحلقة القادمة إن شاء الله .


يتبع
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
خالد ابراهيم
المشاركة Aug 8 2008, 08:28 AM
مشاركة #5


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 81
التسجيل: 6-May 05
رقم العضوية: 597



بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الثالثة

فصل السلطنة عن الخلافة


لقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن بداية الحكم بالكفر وإنشاء الدستور العلماني في أواخر الدولة العثمانية. وقد بينا بالأدلة القطعية أن خلفاء المسلمين أبرياء من هذا الجرم العظيم وأن الذين قاموا بهذا الأمر هم مجموعة من الخونة والمنافقين والكفار. وفي هذه الحلقة سنبين لكم كيف تمت عملية فصل السلطنة عن الخلافة، أو بالأحرى فصل الدين عن الدولة كمقدمة لإلغاء الخلافة نهائيا.

في زحمة الأحداث رأى أعداء الإسلام أن إلغاء الخلافة الإسلامية ليس بالأمر الهين وأن ذلك لا يمكن أن يتم دون وجود بطل وهمي يحيطونه بهالة ويظهرونه للعامة كأنه البطل المعجزة لتجري على يديه القذرة إلغاء الخلافة. وهكذا ظهر على مسرح الأحداث شخص سيء الذكر من يهود الدونمة إسمه مصطفى كمال أتاتورك. ( لعنه الله وحشره مع من أحب من الكافرين).

في بداية ربيع 1338هـ أرسلت انكلترا قواتها البحرية لاحتلال استانبول وألقت القبض على عدد من النواب من أعضاء حزب مصطفى كمال ورئيس الوزراء الأسبق سعيد حليم وسيقوا إلى السجون لمدة يوم واحد ثم نقلوا إلى مالطة. وسيطر الانكليز على العاصمة وفرضت الرقابة على الصحف والبريد والبرق والوزارة. وقد أظهرت بريطانيا بخبث ودهاء للعامة أنها تعادي مصطفى كمال وحزبه وأنها حليفة للخليفة العثماني وصديقة له. وهكذا انطلت الحيلة على العامة البسطاء وظهر لهم أن هناك فريقين متصارعين: الفريق الأول يمثله السلطان وإلى جانبه الانكليز، والفريق الثاني يمثله مصطفى كمال وجماعته الذين بدوا للناس أنهم ضد الانكليز. فأيدهم العامة وأغلبية ضباط الجيش.

وكانت تلك فرصة ذهبية للخائن مصطفى كمال فاغتنمها وأعلن عن إجراء انتخابات، بحيث تكون أنقرة مقرا للمجلس الجديد بعيدا عن مقر الحكم في استانبول. وانعقد المؤتمر القومي، ومن بعد نقل الموظفون والضباط وأجهزة الدولة إلى أنقرة. وبدأ بإنشاء الجيش والدولة. وأخذ يضع أسس الجمهورية التركية الجديدة سرا متظاهرا بكفاح المحتل الأجنبي وكان يقول: " إن كل التدابير التي ستتخذ لا يقصد منها غير الاحتفاظ بالخلافة والسلطنة وتحرير السلطان والبلاد من الرق الأجنبي".

وبعد انتخاب لجنة تنفيذية برئاسته لإدارة شؤون البلاد وانضمام الكولونيل "عصمت إينونو" للوزارة اتخذت قرارات خطيرة أدت إلى الصدام المسلح مع حكومة استانبول. وكاد الخليفة بمساعدة المقاطعات والقبائل التي انضمت إليه بسرعة لنصرة الخلافة أن يقضي على حكومة أنقرة لولا تدخل الإنكليز لصالح مصطفى كمال. إذ بعد المعارك التي استمرت طيلة شهر أيار أوشكت أنقرة على السقوط. وفي هذه اللحظات الحاسمة التي أصبح فيها مصير مصطفى كمال وجماعته على كف عفريت أذاعت بريطانيا بأسلوب إعلامي واسع وخبيث شروط الصلح التي مضى عليها سنة ونصف من تاريخ الهدنة، وهي شروط معروفة باسم " معاهدة سيفر" التي وافق عليها السلطان ووقعها الداماد فريد باشا. فنتج عن ذلك تحول في الرأي العام وانصبت النقمة على الخليفة ورئيس وزرائه وعلى الإنكليز وهكذا تغير الموقف لصالح أنقرة وربح مصطفى كمال الجولة التي هيأها له الإنكليز.

بعد تلك الأحداث دعت إنكلترا إلى عقد مؤتمر لندن من أجل إعادة النظر في معاهدة " سيفر" وبحث المسألة الشرقية. والغريب أنها قامت بدعوة وفدين لهذا المؤتمر. وفد يمثل حكومة أنقرة وآخر يمثل الحكومة العثمانية الشرعية والتي يفترض أن تكون هي الممثل الشرعي الوحيد. لكن مصطفى كمال اعترض عن الدعوة وطلب أن يكون هناك وفد واحد يتكلم بصوت واحد. فأرسل الإنكليز دعوة مباشرة إليه باسم الحلفاء وذلك بمثابة اعتراف صريح بحكومة أنقرة. فذهب الوفدان منفصلين، وفد الخليفة برئاسة " توفيق باشا" رئيس الوزراء ووفد أنقرة برئاسة " بكير سامي بك" وعقد المؤتمر في شباط عام 1339هـ وتنازل وفد الخليفة عن حقه في الكلام لصالح وفد أنقرة، وحضر المؤتمر " لويد جورج " ممثلا لانكلترا، و" بريان " لفرنسا و الكونت " سفورزا " لإيطاليا.

بعد ذلك شعر رجال البلاد بنوايا مصطفى كمال تجاه الخلافة الإسلامية فحذروه من القيام بأي إجراء لإلغاء الخلافة. وهدده الجنرال " كاظم قره باكير"، المتحمس القوي للسلطان وصاحب المركز المرموق في الجيش والدولة، ومنعه من الإقدام على ذلك. لكن مصطفى كمال قام بتهدئته وطمأنه وأعلمه بأنه ليس في نيته التعدي على مركز الخلافة والسلطنة. وأيقن هذا المجرم أن الحل الوحيد لتنفيذ مخططاته هو اكتساح معارضيه وخصومه باستعمال القوة.

وفي تموز من عام 1340 هـ عقدت معاهدة الهدنة وانسحب اليونان من البلاد ولم يبق فيها سوى الإنكليز. فانفرد حينها " هارنجتون" بالعمل ودعيت حكومتا استانبول وأنقرة لمؤتمر " لوزان" بغية عقد معاهدة الصلح في 17 تشرين الأول. فسخط المجلس الوطني الكمالي واستطلع رأي مصطفى كمال الذي كان آنئذ في إزمير فلم يجب بشيء فاجتمع ذلك المجلس في جو مكفهر. وبعد أن حضر مصطفى كمال وصعد المنبر طلب من الحضور الإصغاء إليه واقترح فصل السلطنة عن الخلافة وأن تلغى السلطنة ويخلع وحيد الدين. فبرز الخطر وظهر الهياج، ورأى أغلبية المجلس أن يناقشوا الفكرة وأن يتعرّفوا على حقيقتها وأن يزِنوا نتائجها بضمائرهم وأفكارهم. فخاف مصطفى كمال من عقبى نتيجة البحث والدرس، فطلبَ أن يؤخذ الرأي دون نقاش، ووافقه على ذلك أصدقاؤه من النواب. إلا أن المجلس قرر إحالة الاقتراح إلى لجنة الشؤون القانونية لتبدي أولاً وجهة نظرها فيه ثم تعرضه بعد ذلك على المجلس. وذهب الاقتراح إلى اللجنة التي عكفت على دراسته ولم تلبث طويلاً حتى رأت مخالفته الجلية لأصول الإسلام فرفضته.

وما إن رأى مصطفى كمال توجه اللجنة إلى رفض الاقتراح حتى فقد سيطرته على أعصابه وقفز فجأة واعتلى مقعداً وهو يتميّز من الغيظ وصاح: " أيها السادة! لقد اغتصب السلطان العثماني السيادة من الشعب بالقوة، وبالقوة اعتزم الشعبُ أن يستردّها منه. إن السلطنة يجب أن تفصل عن الخلافة وتلغى، وسواء وافقتم أم لم توافقوا فسوف يحدث ذلك. كل ما في الأمر أن بعض رؤوسكم سوف تسقط في غضون ذلك". وكان يتكلم بلهجة الديكتاتور، فانفض اجتماع اللجنة. ثم دعيت الجمعية الوطنية من فورها لتناقش الاقتراح فجمع أنصاره من حوله وطلب أخذ الرأي عليه برفع الأيدي مرة واحدة، فاعترض النواب على هذه الخطة وقالوا: " إن كان لابدّ من أخذ الرأي فليكن مناداة بالاسم. فرفض مصطفى كمال وصاح وفي صوته رنة تهديد قائلاً: " أنا واثق من أن المجلس سيقبل الاقتراح بإجماع الآراء، ويكفي التصويت برفع الأيدي". ثم طرح الاقتراح على الأعضاء فلم ترفع غير أياد قليلة لتأييده. لكن النتيجة أَعلنت بأن المجلس أقر الاقتراح بالإجماع، فدهش النواب لذلك وقفز بعضُهم فوق مقاعدهم محتجّين صارخين: " هذا غير صحيح ونحن لم نوافق"! فصاح فيهم أنصار كمال يسكتونهم ويتبادلون معهم الشتائم.

وصدر قرار المجلس الوطني التركي متضمناً الفصل بين الخلافة والسلطنة، أي جعل الخليفة مجرداً من السلطات واعتباره صاحب منصب ديني وشخصية روحية فحسب، مخوِّلاً تصريف أمور تركيا السياسية والإدارية للوزراء.

وبعد خمسة أيام جرى انقلاب في استانبول تحت بصر الجنرال " هارنتجون" وعزلت حكومة السلطان بالقوة. وتحت حماية القائد الإنكليزي أجلي السلطان " وحيد الدين " وابنه وسمح لهما باصطحاب حقيبة صغيرة للملابس وحمّال لحمل بعض الأمتعة وانطلقت بهم سيارة إسعاف إلى زورق بخاري حملهم بدوره إلى بارجة حربية انكليزية كانت راسية بالميناء تنتظر ذلك، وأقلعت بهم إلى مالطة وذلك في 17 تشرين الثاني عام 1340 هـ ونودي بالأمير عبد المجيد بن عبد العزيز ابن عم وحيد الدين خليفة للمسلمين بعد موافقة المجلس الوطني على ذلك.

وقد احتوى البيان الذي أصدره المجلس الوطني التركي على أربعة فصول بعد مقدمة عامة، وكان الفصل الأول منه خاصا بتعريف الخلافة وتوضيح شروطها، وأما الثاني فبكيفية اكتسابها، وأما الثالث فيتعلق بتقسيم الخلافة أو تفريق السلطنة عن الخلافة ليصل في النهاية إلى النتيجة التي كان يرمي إليها. وهذا عرض موجز لمضمون القرار:

يبدأ البيان بتعريف الخلافة وإيضاح مفهوم أهل السنة لها، وينتهي إلى أن الخلافة مسألة دنيوية سياسية أكثر منها دينية، ولذلك خلتْ النصوص الشرعية من إيضاحها بالتفصيل. ثم تعرض البيان إلى الأصوات التي تعارض القرار، وهذا يدل على قوة الأصوات المعارضة، فيذكر في إحدى عباراته : " وحيث أننا نلاقي أفكاراً باطلة وتعصباً لا مبرر له في شأن مسألة الخلافة في زماننا، كما هو الحال في كثير من الأحكام الشرعية سِواها، شرعنا إلى تحرير هذه الرسالة، وغرضنا منها تصحيح الأفكار وتنوير الأذهان بتفهيم حقيقة هذه الشرعية".

أما في فصل التعريف بالخلافة وإيضاحها يقرن المجلس كلمة (الخلافة) بالإمامة، فهي مرادفة لها، ولكنه يحصر الخلافة بالخلفاء الراشدين وحدهم، وأما الخلفاء من بعدهم لم يكونوا في حقيقة الأمر سوى رؤساء جمهور المسلمين لأن ولايتهم سياسية إدارية وليست روحية.

وتنتقل حيثيات القرار بعد هذا إلى عرض لما يُطلق عليه اسم " الخلافة الحقيقية والخلافة الصورية والحكمية". فالأولى هي الكاملة الجامعة للصفات والشروط والتي تمت عن طريق الانتخابات بواسطة الأمة، بخلاف الثانية وهي العارية عن هذه الشروط لأنها تمّت بالتغلب والاستيلاء، فهي ملك وليست خلافة من جهة، كما أن صاحبها لا تتوافر فيه الشروط اللازمة لها من ناحية أخرى شأن خلفاء الأمويين والعباسيين، ما عدا عمر بن عبد العزيز الذي اقتفى أثر النبي صلى الله عليه وسلم فألحقه البعض بالخلفاء الراشدين.

ثم يعتبر البيان أن الخليفة يعدّ من جهة نائباً عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن ناحية أخرى نائباً عن الأمة الإسلامية بصفته وكيلاً عنها فيحق للأمة عزله.

أما فيما يتعلق بتقييد حقوق الخلافة وواجباتها فيعود البيان إلى تقسيم الخلافة السابقة إلى خلافة كاملة حقيقية وخلافة صورية حكمية، ليضع نتائج البحث في ضوء هذا التقسيم بأن الخلافة بالمعنى الأول لا يجوز تطبيقها لأنها خلافة نبوة، بخلاف الشكل الثاني لها وهي الخلافة الصورية فإنه يجوز تقييدها.

والنتيجة المباشرة لكل هذه المقدمات التي ساقها هو أن الخلافة بعد أن أصبحت مرادفة للملك والسلطنة لم تعد إلا من المسائل السياسية، لهذا ألغاها المجلس بحيث " لا تضر الأمة والبلاد بتصرفاتها الاستبدادية، وأبقى السلطنة في يد الأمة التي هي صاحبتها الحقيقية".

وتيقّن الناسُ بعد هذا أن حكام أنقرة الجدد كفرة، وصاروا يلتفون حول الخليفة عبد المجيد ويحاولون إرجاع السلطة إليه ليكون هو الحاكم الحقيقي للبلاد ويقضي على هؤلاء المرتدين. فأدرك المجرم مصطفى كمال الخطر، وعرف أن أكثرية الشعب تكرهه وتصفه بالزندقة والإلحاد، فنشط في الدعاية ضد الخليفة والخلافة، وأثار حماسة الجمعية الوطنية حتى سنّت قانوناً يقضي باعتبار كل معارضة للجمهورية، وكل ميل إلى السلطان خيانة عقابها الموت.

وشرع مصطفى كمال يهيئ الأجواء لإلغاء الخلافة. إلا أن النواب صاروا يتحدثون عن الخلافة وفائدتها لتركيا من الوجهة السياسية العامة. فقاومهم مصطفى كمال وقال : " أليس من أجل الخلافة والإسلام ورجال الدين قاتل القرويون الأتراك وماتوا طيلة خمسة قرون؟ لقد آن الأوان لتنظر تركيا إلى مصالحها وحدها، وتتجاهل الهنود والعرب وتنقذ نفسها من زعامة المسلمين".

وواصل مصطفى كمال حملته ضد الخلافة ودعايته ضد الخليفة، وأبرزه هو وأنصاره في صورة الخونة الذين يشتغلون لحساب الإنجليز. ولم يكتفِ بذلك، بل خلق موجة من الإرهاب ضد معارضيه من النواب الذين يريدون استبقاء الخلافة في تركيا. فإذا صرّح أحدهم بضرورة الخلافة ووجوب المحافظة على الدين، كلف المجرم شخصاً لاغتياله في الليلة التي تحدّث فيها. وإذا ألقى نائب آخر خطبة إسلامية أحضره وهدده بالشنق إذا فتح فمه بمثلها مرة أخرى.

وبهذا الترهيب والوعيد نشر الرعب في طول البلاد وعرضها، وضمن لنفسه ألا يعترض عليه معارض. ثم أرسل إلى حاكم إستانبول يأمره بالتشديد على الخليفة وإنذار أتباعه كي يتخلوا عنه.

وبعد أن نجح أعداء الله في تحقيق هذين الهدفين، أي إحداث الدستور العلماني المناقض لشرع الله ثم فصل السلطنة عن الخلافة لم يبق أمامهم بعد ذلك إلا إلغاء الخلافة كليا. وهذا ما سنراه في الحلقة القادمة إن شاء الله.


يتبع
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
خالد ابراهيم
المشاركة Aug 8 2008, 09:08 PM
مشاركة #6


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 81
التسجيل: 6-May 05
رقم العضوية: 597



بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الرابعة

إلغاء الخلافة



رأينا في الحلقة السابقة كيف تمت عملية فصل السلطنة عن الخلافة، وحالة الرعب والترهيب التي مارسها المجرم مصطفى كمال أتاتورك على معارضيه وعلى كل من كان يرغب في إبقاء الخلافة. وفي هذه الحلقة سنرى كيف تم القضاء على الخلافة بالرغم من كونها صارت في النهاية رمزا فحسب، إلا أن أعداء الله ما كانوا ليرضوا ببقاء هذا الرمز مخافة أن يلتف المسلمون من جديد حول خليفتهم ويعيدوا له ما فقد منه.

في 20 تشرين الثاني افتتح مؤتمر " لوزان " وحضره وفد أنقرة فقط ووضع " كرزون " رئيس الوفد الإنكليزي أربعة شروط للاعتراف باستقلال تركيا وهي كالتالي:

1 - إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاءًا تاما.
2 - طرد الخليفة خارج الحدود.
3 - مصادرة أموال الخليفة.
4 - إعلان علمانية الدولة.

وعلى إثر إخفاق المؤتمر وفشله في تحقيق هذه الشروط عاد " عصمت إينونو" رئيس الوفد إلى تركيا ولقيه مصطفى كمال وعرف منه كل ما جرى في المؤتمر. والجدير بالذكر هنا أن عمله هذا كان غير دستوري مما أثار الاحتجاج عليه فاستقال رئيس الوزارة الذي وقفت الأكثرية إلى جانبه ضد مصطفى كمال وعصمت إينونو. ولكن مصطفى كمال أخذ يدبر المكائد ضد الجمعية الوطنية إذ لم يبق في صفه سوى عصمت وفوزي والقلة القليلة. وعند ذلك قرر مصطفى كمال تنفيذ الشروط البريطانية ففكر في حل الجمعية، وقد تم ذلك وجاء بمجلس جديد، لكن هذا المجلس جاء ضده أيضا. فلجأ إلى الكيد ووضع المآزق والعراقيل أمامه وحرض الوزراء على الاستقالة وفشلت الجمعية في تشكيل حكومة جديدة وكثر الجدل وحلت الفوضى.

وفي اليوم التالي قرر مصطفى كمال إعلان الجمهورية فاجتمعت الجمعية في جو صاخب وعراك بين النواب. ولإنقاذ الموقف وحسم المسألة أُستدعيَ مصطفى كمال لتشكيل الوزارة، لكنه اشترط على الجميع قبول رأيه بلا مناقشة فوافقوا على ذلك. وفي 29 تشرين الأول عام 1341 هـ ، صعد المنبر وأعلن عن مولد الجمهورية التركية فذهل الجميع. وعلى الرغم من عدم مشاركة أربعين في المائة من النواب بالتصويت، فقد أقر الأمر وانتخب مصطفى كمال رئيسا للجمهورية. ومن ثم أخذ يعمل لإلغاء الخلافة وإعلان العلمانية. وشاع حينها أن حكام أنقرة الجدد من الكفرة وهاجمه الخطباء وغادر الكثيرون من رجالات البلاد أنقرة إلى استانبول والتفوا حول عبد المجيد. ولما اشتدت الحملة عليه تدخل الإنكليز وأمدوه بالسلاح.

وفي أول آذار من عام 1341 هـ دعا المجلس الوطني لعقد جلسة، وقدم مرسوما بطرد الخليفة وإلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة. واستمر الجدل والنقاش لعدة أيام. وفي الساعة السادسة والنصف من صباح اليوم الثالث من آذار (مارس) سنة 1924 أذيع نبأ إلغاء الخلافة والسلطنة وفصل الدين عن الدولة وأمر في الوقت نفسه بطرد الخليفة عبد المجيد وأفراد أسرته وترحيلهم من البلاد إلى سويسرا. وهكذا فاجأ هذا المجرم المرتد العالم الإسلامي والعالم أجمع بإلغاء الخلافة بعد سنة من فصل السلطنة عن الخلافة. وهدّم دولة الإسلام التي بناها الرسول – صلى الله عليه وسلم-. وبعد إلغاءه للخلافة قام بإلغاء كل مظاهر الإسلام فألغى الوظائف الدينية، وصادر أوقاف المسلمين وضمها للدولة، وحول المدارس الدينية إلى مدنية وخاضعة لرقابة وزارة المعارف. وبذلك نفذ مصطفى كمال الشروط الأربعة السالفة الذكر التي اشترطها الإنكليز. ثم أرسل عصمت وزير خارجيته إلى مؤتمر الصلح وأعيد افتتاح المؤتمر في 23 نيسان 1341 هـ ووقعت معاهدة لوزان في 24 تموز من العام نفسه. واعترفت انكلترا باستقلال تركيا، وانسحبت من استانبول والمضائق، وغادر قائد قوات الحلفاء والصديق الحميم لمصطفى كمال: " هارنجتون" البلاد ظافرا. وقد قام أحد النواب الانكليز إثر ذلك واحتج على " كرزون" في مجلس العموم لاعترافه باستقلال تركيا فأجابه هذا : " إن القضية هي أن تركيا قد قضي عليها، ولن تقوم لها قائمة، لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها وهي الخلافة الإسلامية". وصدق هذا الكافر فيما قال فإن تركيا والعالم الإسلامي بأسره لم تقم له قائمة بعد سقوط الخلافة وها أنكم لترون الحالة التي نحن عليها اليوم.

وهكذا أسفر مصطفى كمال عن وجهه القبيح، وشرع يوجه الدولة الجديدة نحو العلمانية. واستهل عهده بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة التركية، وبإلغاء وزارة الأوقاف الإسلامية ونظام الوقف والمحاكم الشرعية وقوانينها ثم عمد إلى رفع الحجاب وإلغاء تعدد الزوجات، وأمر بإلغاء الطرق الصوفية والتكايا ومصادرة أموالها وبإخلاء جامع آيا صوفيا وإعداده في مصافّ الآثار القديمة.

ثم منع الطربوش ودعا إلى استبداله بالقبعة عام 1925م، وعدّل الدستور لكي يحذف منه العبارة التي تنصّ على أن الإسلام دين الدولة عام 1928م، وألغى تدريس العلوم الدينية عام 1929م. وأدخل إلى الجوامع تلاوة القرآن بالتركية وحول الأذان إلى هذه اللغة عام 1932م، ورفع من برنامج جامعة إستانبول القسم الديني عام 1933م، وحظّر على الأئمة والخطباء الاستمرار على ارتداء لباسهم التقليدي عام 1934م، وأعلن المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الميراث، بالإضافة إلى تبديله الحروف العربية بالحروف اللاتينية، وحمل الشعب على تغيير أسمائهم وكُناهُم بأسماء وكنى ترجع إلى الطورانية وذلك أسوة به إذ سمّى نفسه أتاتورك عوضاً عن مصطفى كمال. وفرض القانون المدني السويسري وقانون الجرائم الإيطالي بعد التصويت عليهما في المجلس الوطني.

هذه هي فصول قضيتكم أيها المسلمون عرضناها عليكم لتعلموا ماذا جرى لكم وماذا صنع بكم الكفار الأعداء. ولتعلموا أن الذين غدروا بكم البارحة هم الخونة والعملاء الحقيرون وليس الخلفاء. والذين يغدرون بكم اليوم هم خلف لؤلئك السلف المجرمين. وهاهم أبناءهم وأحفادهم بين ظهرانينا بعضهم في سدة الحكم وبعضهم في وظائف الدولة وبعضهم الآخر في الإعلام وفي المناصب الحساسة. وها إنكم لترونهم كيف يقتفون الأثر نفسه ويمارسون الخطة نفسها ليواصلوا مشروعهم الخبيث، وليقضوا على الإسلام نهائيا. وها أنكم لترون كيف يتضاعف حقدهم على الإسلام والمسلمين يوما بعد يوم . ولما ظهرت من جديد الدعوة إلى الخلافة وتبينوا أن الأمة تسعى لإعادة الخلافة جن جنونهم وطارت عقولهم وصاروا كالوحوش الضارية يفتكون بشباب الأمة. فيقتلون ويعذبون ويسجنون ويشردون ويعبثون بالأعراض. وليس ذلك فحسب وإنما سخروا زمرة من المرتزقة تعمل لصالحهم وتشكك المسلمين في وجوب إعادة الخلافة. فتراهم يستخفون بها ويستهجنونها ويسخرون ممن يعمل لها ويزعمون أنها هرطقة وترهات وأوهام وخيال وحلم يصعب تحقيقه في عالم الحضارة والتمدن والتنوع الفكري والإيديولوجي. فلا تسمعوا لهؤلاء الكذابين الدجالين. فإن الخلافة فرض أوجبه الله سبحانه وتعالى فبها يقام الدين وبها تحفظ الأعراض وبها تحرس الثغور وبها تحمل رسالة الإسلام إلى العالم. وهذا ما سنراه بإذن الله في الحلقة القادمة والأخيرة.


يتبع
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
خالد ابراهيم
المشاركة Aug 9 2008, 09:32 PM
مشاركة #7


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 81
التسجيل: 6-May 05
رقم العضوية: 597



بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الخامسة والأخيرة

فرض تنصيب خليفة للمسلمين



سنبحث في هذه الحلقة معنى الخلافة والأحكام الشرعية المتعلقة بها ووجوب إعادتها ووجوب العمل لاستئناف الحياة الإسلامية، وإقامة دولة الإسلام، ونصب خليفة ونبين إثم القعود عن هذا الواجب. فما معنى الخلافة؟...

الخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا. وهي إقامة لأحكام الشرع الإسلامي، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، وهي عينها الإمامة، فالإمامة والخلافة بمعنى واحد. وقد وردت الأحاديث الصحيحة بهاتين الكلمتين وبمعنى واحد، ولم يرد لأي منهما معنى يخالف معنى الأخرى في أي نص شرعي، أي لا في الكتاب ولا في السنّة لأنهما وحدهما النصوص الشرعية. ولا يجب أن يلتزم بهذا اللفظ ، أي الإمامة أو الخلافة، وإنما يلتزم بمدلوله.

ونصب خليفة فرض على المسلمين كافة في جميع أقطار العالم. والقيام به ـ كالقيام بأي فرض من الفروض التي فرضها الله على المسلمين ـ وهو أمر محتم لا تخيير فيه ولا هوادة في شأنه، والتقصير في القيام به معصية من أكبر المعاصي يعذب الله عليها أشد العذاب.

وقد تضافرت الأدلة على وجوب نصب خليفة على المسلمين في الكتاب والسنة وإجماع الصحابة.

أما الكتاب، فإن الله تعالى أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم - بأن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله، وكان أمره له بشكل جازم، قال تعالى مخاطباً الرسول عليه السلام : ( فَٱحۡڪُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ‌ۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّ‌ۚ )[المائدة: 48]. وقال : ( وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَہُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَ‌ۖ )[المائدة: 49]. وخطاب الرسول هو خطاب لأمته ما لم يرد دليل يخصصه به، وهنا لم يرد دليل تخصيص فيكون خطاباً للمسلمين قاطبة بإقامة الحكم. ونصب خليفة يعني إقامة للحكم والسلطان. كما أن الله تعالى فرض على المسلمين طاعة أولي الأمر، أي الحاكم الذي يحكم بكتاب الله وسنة رسوله وليس الحاكم الذي يحكم بشرعة الكفر كحكام اليوم، فهؤلاء لا طاعة لهم علينا. وهذا يدل على وجوب وجود ولي الأمر على المسلمين. قال تعالى : ( يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ‌ۖ )[النساء: 59]. ولا يأمر الله بطاعة من لا وجود له. ولما يأمر الله بطاعة ولي الأمر فإنّه يكون قد أمر بإيجاده. فدل هذا على أن إيجاد ولي الأمر واجب. لأن وجود ولي الأمر يترتب عليه إقامة الحكم الشرعي. وترك إيجاده يترتب عليه تضييع الحكم الشرعي. وتضييع الحكم الشرعي فيه الحرمة والإثم.

وأما السنّة فقد روى مسلم " ‏عَنْ ‏زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏عَنْ ‏نَافِعٍ ‏قَالَ ‏جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏إِلَى ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ ‏حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ ‏الْحَرَّةِ ‏مَا كَانَ زَمَنَ ‏يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ‏فَقَالَ اطْرَحُوا ‏لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏وِسَادَةً فَقَالَ إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ ‏أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُهُ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَقُولُ ‏مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏لَا حُجَّةَ ‏لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ ‏بَيْعَةٌ ‏مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ‏".[رواه مسلم]. فالنبي – صلى الله عليه وسلم- فرض على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة، ووصف من يموت وليس في عنقه بيعة بأنه مات ميتة جاهلية. والبيعة لا تكون إلا للخليفة ليس غير. فالرسول هنا أوجب على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة لخليفة، ولكنه لم يوجب مباشرة البيعة من كل مسلم للخليفة. فالواجب هو وجود بيعة في عنق المسلم. فوجود الخليفة هو الذي يوجد في عنق المسلمين بيعة سواء بايعوا بالفعل أم لم يبايعوا. ولهذا كان الحديث دليلاً على وجوب نصب الخليفة وليس دليلاً على وجوب أن يبايع كل فرد الخليفة. لأن الذي ذمّه الرسول هو خلو عنق المسلم من بيعة حتى يموت، ولم يذم عدم البيعة. " عَنْ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏عَنِ ‏الْأَعْرَجِ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ ‏يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ ‏وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَإِنْ أَمَرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ فِيهِ وِزْرًا ‏". [رواه أحمد].

وروى مسلم " عَنْ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏قَالَ ‏قَاعَدْتُ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏كَانَتْ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏تَسُوسُهُمْ ‏الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُرُ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ " [رواه مسلم]. و" عَنْ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ‏"[رواه البخاري]. فهذه الأحاديث فيها إخبار من الرسول بأنه سيتولى أمر المسلمين ولاة، وفيها كذلك وصف للخليفة بأنه جُنة، أي وقاية. ووصف الإمام بأنه جنة هو إخبار عن فوائد وجود الإمام وهو في الوقت نفسه طلب. لأن الإخبار من الله ومن الرسول إن كان يتضمن الذم فهو طلب ترك، أي نهي، وإن كان يتضمن المدح فهو طلب فعل، فإن كان الفعل المطلوب يترتب على فعله إقامة الحكم الشرعي، أو يترتب على تركه تضييعه، كان ذلك الطلب جازماً. كما أن هذه الأحاديث تبين أن الذين يسوسون المسلمين هم الخلفاء، وهذا يعني طلبا لإقامتهم، وفيها تحريم خروج المسلم من السلطان، لأن من خرج من سلطان الإسلام خلع من عنقه البيعة فإذا مات على هذه الحال مات ميتة جاهلية. وقد أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم- بطاعة الخلفاء، وبقتال من ينازعهم في خلافتهم، وهذا الأمر يتضمن إقامة خليفة، ولزوم طاعته والمحافظة على خلافته بقتال كل من ينازعه. " عَنْ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الْآخَرِ".[سنن أبي داود] . فالأمر بطاعة الإمام هو أمر بإقامته، والأمر بقتال من ينازعه قرينة تفيد الجزم بأن لا يكون هناك في الدنيا أكثر من خليفة واحد، وأن يكون وجوده على الدوام. أي إذا مات أو عزل لابد من مبايعة غيره.

وأما إجماع الصحابة فإنهم رضوان الله عليهم أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته، فأجمعوا على تنصيب أبي بكر خليفة للمسلمين ولما توفي أقاموا عمر مكانه ومن بعده عثمان ثم عَلِيًا رضي الله عنهم جميعا. وهكذا كلما توفي واحد خلفه الآخر. وقد ظهر إجماع الصحابة وتأكيدهم على أن تنصيب خليفة هو من أولى الأولويات، حينما أخروا دفن الرسول – صلى الله عليه وسلم - واشتغلوا بمبايعة من سيخلفه. مع أن دفن الميت عقب وفاته فرض، ويحرم على من يجب عليهم تجهيزه ودفنه الاشتغال بشيء غيره حتى يتم الدفن. فالصحابة الذين من المفروض أن يقوموا بتجهيز الرسول ودفنه، اشتغل قسم منهم بنصب الخليفة، وسكت القسم الآخر عنهم ولم ينكروا عليهم ذلك. وشارك الجميع في تأخير الدفن ليلتين، ولا يكون ذلك إلاّ إذا كان نصب الخليفة أوجب من دفن الميت. فكان ذلك إجماعاً على أن الاشتغال بنصب الخليفة يتقدم عن أي شيء آخر. وقد أجمع الصحابة طوال أيام حياتهم على وجوب نصب الخليفة، ومع اختلافهم على الشخص الذي ينتخب خليفة فإنهم لم يختلفوا مطلقاً على إقامة خليفة، لا عند وفاة رسول الله، ولا عند وفاة أي خليفة من الخلفاء الراشدين، فكان إجماع الصحابة دليلاً صريحاً وقوياً على وجوب نصب الخليفة.

فإقامة الدين وتنفيذ أحكام الشرع في جميع شؤون الحياة فرض على المسلمين بالدليل، القطعي الثبوت، القطعي الدلالة. ولا يمكن أن يتم ذلك إلاّ بحاكم ذي سلطان. والقاعدة الشرعية تقول : ( ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب) فكان نصب الخليفة فرضاً من هذه الجهة أيضاً.

فهذه الأدلة صريحة بأن إقامة الحكم والسلطان فرض على المسلمين، وصريحة بأن الخليفة هو من يتولى الحكم وذلك من أجل تنفيذ أحكام الشرع، لا مجرد حكم وسلطان. انظر قوله – صلى الله عليه وسلم- فيما روى مسلم عن طريق عوف بن مالك " ‏خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قَالُوا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا ‏ ‏نُنَابِذُهُمْ ‏عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ".[رواه مسلم]. فهو صريح في الإخبار بالأئمة الأخيار والأئمة الأشرار، وصريح بتحريم منابذتهم بالسيف ما أقاموا الدين، لأن إقامة الصلاة كناية عن إقامة الدين والحكم به. ففرض وجوب وجود خليفة يقيم أحكام الإسلام، ويحمله بالدعوة والجهاد، أمر لا شبهة في ثبوته في نصوص الشرع الصحيحة. وهذا الفرض هو فرض على الكفاية، فإن أقامه البعض ووجد فقد سقط عن الباقين، وإن لم يستطع أن يقيمه بعضهم ولو قاموا بالأعمال التي تقيمه فإنه يبقى فرضاً على جميع المسلمين، ولا يسقط عن أي مسلم ما دام لم يوجد الخليفة.

والقعود عن إقامة خليفة للمسلمين معصية من أكبر المعاصي لأنها قعود عن القيام بفرض من أهم فروض الإسلام، يتوقف عليه إقامة أحكام الدين، بل يتوقف عليه وجود الإسلام في معترك الحياة. فالمسلمون جميعاً آثمون إثماً كبيراً في قعودهم عن إقامة خليفة للمسلمين. فإن أجمعوا على هذا القعود كان الإثم على كل فرد منهم في جميع أقطار المعمورة. وإن قام بعض المسلمين بالعمل لإقامة خليفة ولم يقم بعضهم الآخر فإن الإثم يسقط عن الذين قاموا يعملون لإقامة الخليفة ويبقى الفرض عليهم حتى يقوم الخليفة. لأن الاشتغال بإقامة الفرض والتلبس به يسقط الإثم عن تأخير إقامته عن وقته وعلى عدم إنجازه. أما الذين لم يتلبسوا بالعمل لإقامة الفرض فإن الإثم بعد ثلاثة أيام من ذهاب الخليفة يبقى ساريا عليهم حتى ينصبوا من يليه ، لأن الله قد أوجب عليهم فرضاً فامتنعوا عن القيام به ولم يتلبسوا بالأعمال التي من شأنها أن تقيمه، ولذلك استحقوا الإثم واستحقوا عذاب الله وخزيه في الدنيا والآخرة. فاستحقاق العذاب على ترك أي فرض من الفروض التي فرضها الله ظاهر صريح، لا سيما الفرض الذي به تنفذ الفروض، وتقام به أحكام الدين، ويعلو به أمر الإسلام، وتصبح كلمة الله هي العليا في بلاد الإسلام، وفي سائر أنحاء العالم.

وأما ما ورد في بعض أحاديث العزلة عن الناس والاقتصار على التمسك بأمور الدين، فإنها لا تصلح دليلاً على جواز القعود عن إقامة خليفة، ولا على إسقاط الإثم عن هذا القعود. والمدقق فيها يجدها قد وردت في شأن التمسك بالدين لا في شأن الترخيص بالقعود عن إقامة خليفة للمسلمين. فمثلاً روى البخاري عن " ‏بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ‏يَقُولُ ‏: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ ‏نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ ‏ ‏دَخَنٌ ‏قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ".[رواه البخاري]. فإن هذا الحديث صريح بأن الرسول يأمر المسلم بأن يلزم جماعة المسلمين وأن يلزم إمامهم، ويترك الدعاة الذين هم على أبواب جهنم. فسأله السائل عن الحالة التي لا يكون فيها للمسلمين إمام وليس لهم جماعة ماذا يصنع مع الدعاة الذين على أبواب جهنم، فأمره حينئذ باعتزال تلك الفرق، لا أن يعتزل المسلمين، ولا أن يقعد عن إقامة إمام. فأمره صريح « فاعتزل تلك الفرق كلها» وقد بالغ في وصف اعتزاله لتلك الفرق إلى درجة أن لو بلغ به الاعتزال إلى حد أن يعض على أصل شجرة حتى يدركه الموت ويترك تلك الفرق التي على أبواب جهنم. وهذا معناه تمسك بدينك وابتعد عن الفرق الضالة، لتسلم بدينك من دعاة الضلال ولو تعض على أصل شجرة، لا أن تبتعد عن جماعة المسلمين وتقعد عن القيام بأحكام الدين وعن إقامة إمام للمسلمين. فهذا الحديث ليس فيه أي عذر لترك القيام بالعمل لإقامة خليفة ولا أي ترخيص في ذلك، وإنما هو محصور بالأمر بالتمسك بالدين واعتزال الدعاة الذين على أبواب جهنم، ويبقى الإثم ساريا إذا لم يعمل لإقامة خليفة.

أما ما روي ‏" عَنْ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُوشِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ ‏وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ‏يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ ".[رواه البخاري]. فإن هذا لا يعني اعتزال جماعة المسلمين والقعود عن القيام بأحكام الدين وعن إقامة خليفة للمسلمين حين تخلو الأرض من الخلافة، بل كل ما فيه هو بيان خير مال المسلم في أيام الفتن وخير ما يفعله للهروب من الفتن، وليس هو للحث على البعد عن المسلمين واعتزال الناس.

وعليه فإنه لا يوجد أي عذر لمسلم على وجه الأرض للقعود عن القيام بما فرضه الله عليه لإقامة الدين. ألا وهو العمل لإقامة خليفة للمسلمين حين تخلو الأرض من الخلافة، وحين لا يوجد فيها من يقيم حدود الله ويحفظ حرماته، ولا من يقيم أحكام الدين، ويجمع شمل المسلمين تحت راية لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. لا توجد في الإسلام أية رخصة تعفي من القيام بهذا الفرض حتى يُقام.

وقد بينا لكم من خلال هذه الحلقات خيوط المؤامرة والدور الذي قامت به الأحزاب والجمعيات ومعهم الجيش والضباط في هدم الخلافة وإلغاء الحكم بما أنزل الله. فكما أن الخلافة هدمت بعمل هذه الأحزاب والجمعيات والجيش فكذلك تقوم ويعاد بناءها من جديد بعمل الأحزاب ومساندة أهل القوة والنصرة من جيش وقبائل وقوى فاعلة في الأمة. وهاهو حزب التحرير يعمل منذ عقود في الأمة ومع الأمة لصالح الأمة. ويحمل الدعوة إلى الإسلام ويعمل للإسلام فقط. لتخليص هذه الأمة المنكوبة من أذرع الإخطبوط التي التفت حولها ولتحريرها من أفكار الكفر وأنظمة الكفر وهيمنة المستعمر الكافر. فيا أبناء الإسلام لا تفوتوا على أنفسكم فرصة الالتحاق بهذا الحزب والانضمام إليه، لتشاركوه في هذا العمل العظيم، وتبنوا معه دولتكم دولة الخلافة. فبادروا بتسجيل أسماءكم وأعمالكم في صحيفتين، صحيفة التاريخ لتذكركم الأجيال القادمة فتترحم عليكم، وصحيفة يوم العرض والحساب، يوم لا ينفعكم شيء إلا ما ادخرتم لأنفسكم من صالح الأعمال. أما أنتم أيها الجنود والضباط، أنتم يا أهل القوة والمنعة والنصرة، إننا نناديكم بهذا الإسم ونصفكم بهذا الوصف لأننا نأمل أن تكونوا من أهل النصرة والمنعة كما كان أهل يثرب من قبل أنصار رسول الله – صلى الله عليه وسلم- هبوا لنصرة أمتكم وحماية أبناءكم وإخوانكم. هبوا للمشاركة في إنجاز هذا الفرض وتشييد هذا الصرح. فإن لكم مقاما وشأنا عظيما في إعلاء كلمة الله ونصرة دينه. فلا تكونوا أعوانا للسلاطين، لا تكونوا ترسا يتترس بكم رويبضة هذا الزمان. لا تكونوا جند حراسة تحرسون الذين كانوا سببا في هذه المصائب وهذه الأحزان. فإلى الخلافة ندعوكم أيها الضباط والجنود، إلى الخلافة ندعوكم يا قادة.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون النداء فيلبون. فقد قلت وأنت خير القائلين : ( ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُ ۥۤ‌ۚ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ ٱلَّذِينَ هَدَٮٰهُمُ ٱللَّهُ‌ۖ وَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ )[الزمر: 18]. اللهم أنجز لنا وعدك وأيدنا بنصرك، ومُنَّ علينا بخليفة يقيم فينا دينك، ويطبق علينا شرعك. اللهم آمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


بقلم : خالد إبراهيم العمراوي
في : 21 رجب الفرد عام 1429 هـ
الموافق: 24 تموز (جويلية) 2008م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو حمزة
المشاركة Aug 10 2008, 12:34 PM
مشاركة #8


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 2,611
التسجيل: 14-April 05
رقم العضوية: 338



استمعوا عبر إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير إلى كامل حلقات موضوع الأستاذ خالد إبراهيم العمراوي بالضغط على العناوين:

الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
الرايات السود
المشاركة Jun 21 2009, 12:13 AM
مشاركة #9


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,573
التسجيل: 12-April 05
رقم العضوية: 283



إقتباس(أبو حمزة @ Aug 10 2008, 01:34 PM) *

إخوتي الروابط تعمل لكن مشغل الريال بلاير لا يشتغل ولا يمكن التحميل كذلك
كيف السبيل للإستماع أو التحميل وبارك الله فيكم
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
قيصر النور
المشاركة Jun 12 2010, 07:47 AM
مشاركة #10


عضو نشيط
**

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 23
التسجيل: 1-June 10
رقم العضوية: 12,851



شكر لك علي الروابط
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
سردار
المشاركة Jun 12 2010, 08:45 AM
مشاركة #11


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 852
التسجيل: 10-April 05
رقم العضوية: 162



السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

رحم الله خليفتنا ونحن نذكر انفسنا ونذكر امتنا بهذا التاريخ الاليم ليس ذلك معناه ان نبكي على الاطلال بل نجد السير ونكثف العمل تلو العمل لنصل فاننا نسارع الهواء ونتحدى الارض ومن عليها لنعيد حكم الله للارض

تبكي العيون على يوم هدمت في خلافة اسس بنيانها الاول محمد رسول الله الاعظم عليه الصلاة والسلام

وانصافا لخليفتنا رحمه الله لابد من هذه الكلمات

دوافع تشويه صورة عبد الحميد الثاني
إن الصورة التي رسمت للسلطان عبد الحميد، هي جزء من مخطط كبير يهدف إلى:



أولاً: تشويه تاريخ المسلمين وتزييف ماضي الأمة وتهميش رموزها، وتغييب أعلامها عن ذاكرة أبنائها؛ ليقتلوا فيهم اعتزازهم بدينهم وتراثهم، وليخفّفوا بعد ذلك من أثر العقيدة الصحيحة في النفوس، وما يمكن أن تؤديه في حياة الناس.



ثانيًا: تعبئة هذا الفراغ بصنع تاريخ جديد أبطاله تشي غيفارا، وفرويد، وداروين، وكارل ماركس، وطابور المطربين والمطربات والممثلين والممثلات، كل ذلك عن طريق المدارس والجامعات والصحف والتلفاز والسينما والإنترنت، وغيرها.



ثالثًا: تنشئة أجيال من المسلمين لا يحملون من الإسلام إلا اسمه؛ ليكون الأداة التي تُستخدم لتدمير الإسلام من الداخل، كما تفعل الحشرة في باطن الثمرة[22].



لذلك لا بدَّ لنا من أن نقف إزاء التاريخ وخصوصًا أمام أعلامه موقف عدل وإنصاف، وأن نحاول التمييز ما بين الغث والسمين، ونحاول أيضًا إزالة ما عَلِق من شبهات وافتراءات حتى تظهر لنا الصورة بأكملها بسوادها وبياضها دون تغليب السواد على البياض؛ لذلك واجبنا كمسلمين هو أن نميز بين عهدين، عهد السلطان عبد الحميد الذي انتهى عام 1908م، والذي اتسم بشهادة المؤرخين غير المتعصبين بالعدل والتسامح؛ حيث عمل السلطان على جمع القلوب، وعلى تقدير العلماء وإنشاء المدارس والمساجد، وإعطاء الحقوق للطوائف الأخرى، حتى حاز على محبَّة الناس وثقتهم. وما بين حكم الاتحاديين الذي يمثِّل أسود صفحات الحكم التركي ولاءً للصهيونية، وضرب للوحدة الإسلامية، وإعلاءً للحركة الطورانية، ومحاولة لتتريك العرب في سوريا ولبنان، وتعليق زعمائهم على المشانق[23].



لذلك لو ذكر فقط الموقف المشرِّف للسلطان عبد الحميد تُجاه فلسطين، والذي بسببه حكم السلطان على نفسه بالنفي وعلى عرشه بالخلع، وعلى سمعته بالتشويه، وعلى تاريخ خلافته بالافتراء والتجريح، لكفى ذلك لجعله من الأبطال الذي يجب أن لا تنساهم أمتنا خصوصًا اليوم... في زمنٍ عزَّ فيه الرجال أمثاله الذين لا يميلون حيث تميل بهم الريح؛ لذلك صدق فيه قول الإمام علي
t: "لا يُعرف الحق بالرجال، ولكن اعرف الحقَّ تعرف أهله".



عبد الحميد الثاني وشهادات الغرب المنصفين
وهناك دومًا في كل زمان ومكان منصفون يُجري الله الحقّ على لسانهم ليُزهقوا به الباطل، وخصوصًا كُتَّاب الغرب الذين شهدوا بما أملاهم عليهم ضميرهم، وفي مقدمتهم (لوثروب ستيوارت) في كتابه: (حاضر العالم الإسلامي)، و(د. آلما والتن) في كتابها: (عبد الحميد ظلُّ الله على الأرض)، والبروفيسور ورئيس جامعة بودابست اليهودي (أرمينيوس وامبري) الذي زار تركيا عام 1890م، والتقى السلطان، وقال عنه في كتاب (31 مارت) ص61، 62: "إرادة حديدية، عقل سليم... شخصية وخُلُق وأدب رفيع جدًّا، يعكس التربية العثمانية الأصيلة، هذا هو السلطان عبد الحميد، ولا تحسبوا معلوماته الواسعة تخص الإمبراطورية العثمانية المنهكة وحدها، فمعلوماته حول أوربا وآسيا وإفريقيا حتى حول أمريكا معلومات واسعة، وهو يراقب عن كثب جميع الحوادث في هذه الأماكن... والسلطان متواضع ورزين إلى درجة حيّرتني شخصيًّا، وهو لا يجعل جليسه يشعر بأنه حاكم وسلطان كما يفعل كل الملوك الأوربيين في كل مناسبة، يلبس ببساطة ولا يُحبُّ الفخفخة، أفكاره عن الدين والسياسة والتعليم ليست رجعية، ومع ذلك فإنَّه متمسك بدينه غاية التمسُّك، يرعى العلماء ورجال الدين، ولا ينسى بطريرك الروم من عطاءاته الجزيلة.



إنَّ بعض ساسة أوربا يريدون أن يصوروا السلطان متعصّبًا ضد المسيحيين، وليس هناك ادعاء فارغ أكثر من هذا الادعاء... الحقيقة أنني أستطيع أن أقول وبكلّ ثقة: إنه إذا استمر الأتراك بالسير في الطريق الذي رسمه هذا السلطان، وإذا لم يظهر عائق سياسي؛ فإنهم سيسترجعون مجدهم وقوتهم وأكثر من ذلك، فإنهم سيصلون إلى مستوى الدول الأوربية في مجال الثقافة والاقتصاد في مدة قصيرة".



وصدق الله تعالى في قوله: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32].



قالوا في السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله:
- جمال الدين الأفغاني: "إنّ السلطان عبد الحميد لو وزن مع أربعة من نوابغ رجال العصر، لرجحهم ذكاء ودهاء وسياسة".



- البطريرك الماروني إلياس الحويك: "لقد عاش لبنان وعاشت طائفتنا المارونية بألف خير وطمأنينة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ولا نعرف ماذا تخبئ لنا الأيام بعده".



من أقوال السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله:
"يجب تقوية روابطنا ببقية المسلمين في كل مكان، يجب أن نقترب من بعضنا البعض أكثر وأكثر، فلا أمل في المستقبل إلا بهذه الوحدة، ووقتها لم يحن بعد، لكنه سيأتي اليوم الذي يتحد فيه كل المؤمنين وينهضون نهضة واحدة، ويقومون قومة رجل واحد يحطمون رقبة الكفار".
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة

إضافة رد على الموضوعموضوع جديد
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



نسخة خفيفة الوقت الآن: 20th July 2019 - 08:00 PM