منتدى العقاب

هذا المنتدى هو أرشيف منتدى العقاب حتى عام 2012

وهو فقط للمطالعة والتصفح، للمشاركة نرجو الانتقال للمنتدى الجديد

http://www.alokab.com

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )



2 الصفحات V   1 2 >  
إضافة رد على الموضوعموضوع جديد
> الخلافة القادمة وحلول مشاكلنا الغذاء، الصحة ، الزراعة ، العملة ، البيئة, سلسلة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:17 PM
مشاركة #1


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



الأمن الغذائي في دولة الخلافة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأمن الغذائي في دولة الخلافة


قال تعالى: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) [يوسف 46-49].
هذه الآيات من سورة يوسف عليه السلام تدل على أن مشكلة الأمن الغذائي قديمة، فهي أقدم من المصطلح بكثير، وإن كان الإخبار عن مصر قبل وقوع المجاعة وحياً من عند الله، كان الحل وحياً من عند الله أيضاً عن طريق الادخار، ادخار الطعام لوقت الحاجة حتى لا يجوع الناس أو يموتوا من الجوع.

لما رأى المفكرون وخاصة في الغرب في بدايات القرن العشرين أن أعداد الناس تتزايد بالمليارات، تنبأ بعضهم بأن العالم سيعجز عن توفير الغذاء لهذه الأعداد المتزايدة، وفي عام 1968 كتب العالم البيولوجي المعروف (بول أيرلخ) في كتابه الشهير (القنبلة السكانية) ما نصه: «لقد انتهت معركة توفير الغذاء للجميع بالفشل التام، وسيعاني العالم في السبعينات من هذا القرن ( العشرين) من المجاعات وموت الملايين من البشر جوعاً»،وخاب ما تنبأ به،ولكن مشكلة توفير الغذاء قائمة، و الأصعب توفير الغذاء في حالات الحروب أو الكوارث الطبيعية، كالجفاف والزلازل والبراكين والأمراض الوبائية. ومن هنا ظهر مصطلح الأمن الغذائي
ولا يخفى على أحد خطورة عدم توفير لقمة العيش للناس في الظروف العادية، فكيف تكون الحال في ظروف الحصار والحرب، فكم من دول انهارت نتيجة نقص الغذاء والماء، وكم من دولة سلمت مقدراتها وخيراتها لغيرها من الأمم والشعوب من أجل الحصول على رغيف الخبز. فالأمر جد خطير، وناقوس الخطر يدق محذراً من المخاطر الكثيرة والكبيرة القاتلة.
فالأمن الغذائي: هو قدرة دولة ما على توفير الحاجات الأساسية من الغذاء والماء لأبنائها، وفي كافة الظروف العادية وغير العادية كالحروب والحصار والجفاف...
صحيح أن التنبؤ بأزمة عالمية في الغذاء قد كذبت،والله سبحانه وتعالى قد بين في كتابه العزيز أنه قدر في هذه الحياة أقواتها قال تعالى: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) [فصلت 10]، فالغذاء موجود وهو بحاجة إلى الإنتاج وإلى التوزيع العادل. والقول إن ازدياد عدد الناس، وقلة الماء، وقلة الأرض الزراعية سبب في موت الناس جوعاً لا أساس له من الصحة،فقد تحدث المجاعة في أماكن قليلة السكان ولا تحدث في مناطق كثيرة السكان، فالصين لا تعاني مشكلة في الغذاء وفيها أكثر من مليار نسمة، ودول أفريقية تعيش على أنهار وهي قليلة العدد ومع ذلك أبناؤها يعيشون مجاعة دائمة.
ومع أن سكان العالم قد تضاعفوا منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، إلا أن إنتاج الغذاء قد تضاعف [ثلاث مرات] في الفترة نفسها.وهذا مطمئن،وبالتالي يرى بعض العلماء أن كوكب الأرض يستطيع إطعام 47 بليون نسمة، بالمستويات الممتازة الموجودة في الولايات المتحدة الأميركية، و157 بليون نسمة، بمستويات التغذية في اليابان، ويرى علماء آخرون أن الأراضي الزراعية لو أحسن استغلالها لأطعمت عشرة أضعاف عدد سكان العالم حالياً (6 بليون نسمة)، وبمستوى استهلاكي مرتفع.و ذهب علماء آخرون إلى مدى أبعد من كل ما سبق، حين قدروا أن كوكب الأرض يطعم 132.000 بليون نسمة، وهو رقم كبير جداً أشبه بالخيال، ذلك أن الإنسان لم يكتشف ولم يستثمر من طاقة الكون والطبيعة اللذين يعيش في كنفهما سوى 1% حتى الآن، رغم ثورات العلوم وقفزاتها الكبرى في القرن العشرين.
نعم، إن توفير الغذاء مسؤولية عظيمة، والإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، ومن رعايته توفير الأقوات للناس، حتى لا يجوعوا أولاً، وحتى تبقى الأسواق عامرة بالمواد الغذائية فتستقر الأسعار، ويقطع دابر المحتكرين. وخاصة الاحتكار العالمي الذي تقوم به حفنة من الرأسماليين، ومن باب الرعاية أن يحسب الإمام حساباً لأوقات الحروب والقحط العام والكوارث الجسام، حيث تقل الزراعة، وتضعف إمكانية نقل المواد. وبما أن حفظ النفس واجب فإن توفير الغذاء واجب لأن (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
وتحقيق الأمن الغذائي يقتضي الأمور التالية:
أولاً: توفير الأغذية الأساسية عن طريق الإنتاج والاستيراد
أ- استغلال الأراضي الزراعية استغلالاً تستخدم فيه كافة الأساليب والوسائل العلمية الحديثة، وتشرف على العملية الزراعية مراكز أبحاث تنشئها الدولة لهذا الغرض. ولابد لدولة الخلافة، وعلى أية بقعة أرض، أن تزيد من الإنتاج الزراعي والحيواني حتى يحصل الاكتفاء الذاتي بل ويزيد. ومن الملاحظ أن الدول المتقدمة لديها فائض في الإنتاج، مع قلة مساحتها وكثرة سكانها. والدول الفقيرة لا إنتاج لها يكفيها، مع كثرة أراضيها، ووفرة مياهها وقلة سكانها. ومن قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، يتوجب على الدولة أن توفر كل ما يؤدي إلى الاكتفاء الذاتي وزيادة.ومن الأمور التي يمكن للدولة أن تقوم بها في هذا المجال وضمن النظام الاقتصادي والتي تندرج في جانب منها تحت العلوم وينطبق عليها قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنتم أدرى بشؤون دنياكم», والتي يرجع فيها إلى أصحاب الخبرة:
1) التوسع في إنتاج الأرض أفقياً وعمودياً. وقد عالج الإسلام مسألة تعمير الأرض بقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أحيا أرضاً ميتةً فهي له» وقوله: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه».
2) تقديم زراعة المحاصيل المهمة لغذاء الإنسان على المحاصيل الأقل أهمية.
3) مقاومة التصحر.
4) إنشاء مراكز الأبحاث لتحسين البذور والأدوية وغير ذلك.
5) تأمين التسويق الزراعي داخلياً وخارجياً.
6) الاهتمام بالتصنيع الزراعي والحيواني، وخاصة ما فيه حفظ للأغذية لمدة طويلة.
7) إيجاد مراعٍ، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ». والاهتمام بتربية الحيوانات وفق أحدث الأساليب العلمية.
8) دعم الدولة للمزارعين ومربي المواشي، وتأمين ما يلزم لزيادة الإنتاج من أعلاف وأسمدة...
9) العمل على إيجاد مصادر غير تقليدية للغذاء ،كالبروتين وحيد الخلية طعاماً للحيوانات.
أما بالنسبة لتوفير الغذاء عن طريق الاستيراد فإنه جائز شرعاً بشرط أن لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، فقد كان المسلمون يشترون الحنطة والشعير والزبيب من نبط الشام سلفاً. واستيراد الأطعمة له مخاطر كثيرة يجب التنبه إليها.والحذر منها.
ب- التركيز على المواد الأساسية في الإنتاج الزراعي كالقمح والزيوت النباتية, والحيواني كاللحوم والحليب ومشتقاته والسمك والبيض.
ثانياً: تخزين هذه الأغذية فترة طويلة،أي لسنين. كتخزين القمح في سنبله أو حباً، ومجفف التمر والتين والعنب والزيوت، واللحوم المجففة والمعلبة، والحليب المجفف... ويفضل تخزين المواد الغذائية التي وردت في كتاب الله وسنة رسوله.
هذا من ناحية دور الدولة في التخزين، أما الأفراد فيحثون على تخزين المواد الغذائية في بيوتهم, والتي يحتفظ بها لفترة طويلة كالقمح والزيوت وما يجفف من الثمار واللبن. جاء في صحيح مسلم عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يجوع أهل بيت عندهم التمر» وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا عائشة، بيت لا تمر فيه جياع أهله، أو جاع أهله». وقد ثبت أن المسلمين كانوا يدخرون التمر في زمن الرسول، وإباحة بيع العرايا خير شاهد على ذلك. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، لِيَتَّسِعَ ذو الطَّوْلِ على من لا طَوْلَ له، فكلوا ما بدا لكم، وأطعموا، وادخروا» الترمذي. وقال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله امرأ اكتسب طيباً،وأنفق قصداً، وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته».
ولادخار المواد الغذائية ضوابط شرعية لا بد من مراعاتها:
أ) أن لا يؤدي ادخار الأفراد إلى احتكار السلع، وسحبها من الأسواق، وبالتالي ترتفع أسعارها في الأسواق. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «كل محتكر خاطِئ»، وقال: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فإن حقاً على الله أن يقعده بعُظم من النار يوم القيامة».
ب) أن لا يكون للناس حاجة فيما يدخر،فلا يدخر الطعام والناس جياع. فادخار الطعام يجب أن يكون من فائض الإنتاج. عن خيثمة قال: كنا جلوساً مع عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان له (الخازن بالفارسية) فدخل، فقال: أعطيتَ الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعطهم،قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته».
ثالثاً: جعلها في متناول الناس عند الحاجة، وخاصة في الحروب والظروف غير الاعتيادية، تتولى دولة الخلافة تخزين المواد الغذائية ببناء صوامع القمح, ومراكز التخزين, والثلاجات الكبيرة, بحيث تكون متعددة متباعدة محمية من الأعداء, قريبة من التجمعات السكانية, يسهل نقل المواد الغذائية إليها ومنها إلى الناس.
رابعاً: المحافظة على أسعار المواد الغذائية ثابتة، بعيدة عن القفزات في أسعارها بحيث يتعذر على أفراد الرعية شراؤها.
إن الأصل في ما يأكله المسلم في كل الأوقات أن يكون قليلاً، فالمسلم يأكل ليعيش لا العكس، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمسلم يأكل في معي واحد» والمعنى فيه حض للمؤمنين على قلة الأكل، والكفار صفتهم كثرة الأكل كما وصفهم الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) [محمد 12]. ويقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة, وطعام الأربعة يكفي الثمانية».
أما بالنسبة للماء فموارد الماء كثيرة والحمد لله، فالأنهار والآبار الارتوازية متواجدة، وإقامة السدود في المناطق التي أمطارها شتاءً، والمناطق التي أمطارها صيفاً، ونقل الماء من منطقة إلى منطقة أخرى لتفي بحاجات الإنسان والحيوان والنبات. وتقوم الدولة بإيصال الماء إلى البيوت، وبتشجيع الناس على تخزين الماء في آبار قريبة من بيوتهم, لتكون في متناول أيديهم وخاصة في الظروف القاهرة. وترشيد استهلاك الماء واجب لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر جار».
خامساً: التوزيع العادل للطعام. كماً ونوعاً، ويكون هذا بما يلي:
أ- بالأحكام التي منعت أن يكون المال دولة بين الأغنياء، قال تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) [الحشر 7].
ب- وجوب الإطعام على المسلمين لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به». ولقوله: «أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله».
أما دول الضرار التي ابتلي بها المسلمون اليوم،فإنها لا تعطي مسألة توفير الغذاء قيمة، لأنها أصلاً لا تعطي الإنسان ذاته قيمة، فالسودان مثلا يجوع سكانه، مع أن قيمة الحليب المراق على الأرض يقدر بسبعمائة مليون دولار سنوياً (تقرير الجزيرة 16/6/2008م. فكيف يجوع بلد فيه 35 مليون رأس بقر، بحسب إحصائية منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة لعام 1998م. وفيه 126 مليون رأس من الثروة الحيوانية، ولا نجد لها أثراً لا في غذاء أهل السودان، ولا في تصدير اللحم أو الحليب ومشتقاته أو الجلود.
ومنذ أربع وثلاثين سنة والفاو ترشح السودان مع كندا وأوستراليا لتكون سلة غذاء العالم. لأنه يملك مئتي مليون فدان من أخصب الأراضي الزراعية في العالم، وثروة مائية هائلة، من أنهار ومياه جوفية وأمطار. وتنوع في المناخ، ولكن سوء السياسة والإدارة والرعاية رفعت فاتورة وارداته من المواد الغذائية من اثنين وسبعين مليون دولار سنة 1990م إلى مليار دولار، وإذا كانت كندا وأوستراليا من أكبر مصدري القمح، فإن السودان من أكبر مستوردي القمح، إذ يستورد 2.2 مليون طن سنوياً.
هذه حال دول الضرار كلها، أرض خصبة واسعة، ومياه وفيرة، وعقول كبيرة، وسواعد عاملة، ولكنها تعجز عن توفير الغذاء في أوقات السلم فكيف توفرها في أوقات الحروب والكوارث الطبيعية!
إن الحل يكمن في تطبيق الإسلام، وإعادته إلى معترك الحياة، وتنصيب خليفة يسوسنا بشرع الله، يطبق أحكام الأراضي، ويوظف الإنتاج الوفير خير توظيف لمصلحة الأمة، ويزيد من إنتاج الأمة زراعياً وحيوانياً وصناعياً، لتستغني عن غيرها، ويصبح غيرها محتاجاً لها. اللهم عجل لنا بنصرك وفرجك.


من مجلة الوعي
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:19 PM
مشاركة #2


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



أزمة غلاء الأسعار وطريقة علاجها
بسم الله الرحمن الرحيم

يقول الحق تعالى في كتابه العزيز: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)[طه 123-124].
موضوع غلاء الأسعار وطريقة علاجها سنتناوله من ثلاثة زوايا، الأولى: تعريف الأسعار وواقعها، الثانية: أسباب الغلاء التي تحدث في العالم اليوم، الثالثة: طريقة علاج هذا المرض وحاجة البشرية اليوم إلى مثل هذا العلاج.

قبل البداية في عرض هذا الموضوع نذّكر بأصواتٍ قد تعالت في الفترة الأخيرة على مستوى مسؤولين عالميين، ورؤساء هيئات دولية، ومختصّين في الجامعات تحذّر من عواقب هذه الأزمة العالمية؛ فقد صرّحت رئيسة برنامج الغذاء العالمي "جوزيث شيران " حيث قالت في 22/4/2008م: «إنه من الضروري إيجاد إجراءات لإنعاش الإنتاج العالمي الغذائي ومساعدة الفقراء»، وقالت: «إن حوالى مئة مليون شخص في العالم غير قادرين على توفير الغذاء لعائلاتهم»، وقال مبعوث الأمم المتحدة المكلف بشؤون الفقراء "خان زجلر" الأستاذ في علم الاجتماع السويسري في 20/4/2008م: «إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية في العالم سيؤدّي إلى مذبحة جماعية صامتة».
وقد انعقدت في 16/5/2008م قمة ضمت خمسين دولة من أوروبا وأميركا اللاتينية، وحوض الكاريبي في البيرو لبحث مشكلة الفقر وارتفاع الأسعار، وقد حذر المجتمعون من كوارث عالمية جماعية ستترتب على مشكلة ارتفاع الأسعار وأوصوا بضرورة إيجاد الحلول السريعة.
فما هي أسباب هذه الأزمة الحقيقية، وما هي طريقة علاجها الناجعة؟
قبل البداية في عرض الأسباب نريد أن نقف على حقيقة الأسعار من حيث معناها وواقعها.
- ما هو المقصود أولاً بالأسعار وما هو واقعها؟
جاء في لسان العرب: السعر: الذي يقوم عليه الثمن وجمعه أسعار، وقد أسْعروا وسعّروا بمعنىً واحد، أي اتفقوا على سعر، وفي الحديث أنه قيل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : سعِّر لنا، فقال: «إن الله هو المسعّر..» أخرجه أبو داود، أي إنه هو الذي يُرخِصُ الأشياء ويغليها، فلا اعتراض لأحد عليه، والتسعير تقدير السعر.
والمعنى الشرعي هو قريب من هذا المعنى، فما ورد في الحديث من طلب الصحابة لوضع سعر للسلع، هو وضع مقادير من الذهب والفضة -حيث كانت هي أداة التبادل- مقابل السلع والخدمات.
فنقول: السعر: هو ما يعرضه الناس في معاملاتهم للسلع والخدمات، مقابل الأثمان من الذهب والفضة وغيرها، فمثلاً نقول: سعر السلعة الفلانية هو دينار، أي أن مقدار المبادلة بالثمن لهذه السلعة هو دينار فأصبح الدينار هو سعراً لهذا السلعة، والدينار الذي يبذله المشتري هو الثمن لهذا السعر. ونقول: سعر صرف الدولار بالدينار هو سبعون قرشاً فأصبح سعر الصرف للدولار الواحد هو سبعون قرشاً.
وقد ورد في الموسوعة الفقهية الكويتية، «الثمن ما يكون بدلاً للمبيع ويتعين في الذمة... والسعر ما يعرضه صاحب السلعة كثمن مقابل سلعته..».
من هنا نستطيع أن نقول بأن الأسعار للسلع والخدمات هو «ما يحدده السوق كمقادير من النقد أو غيره من أدوات تبادل، لحيازة هذه السلع، والانتفاع بالخدمات سواء أكانت أثماناً مقرونة بالذهب والفضة أم مبادلات مع سلع أخرى». هذا ما يتعلق بتعريف الأسعار وواقعها.
- أما أسباب الغلاء غير الطبيعي الذي يحدث في العالم بشكل عام وفي بلاد المسلمين بشكل خاص، ويطال حاجات الناس الأساسية في المأكل والملبس والمسكن والخدمات الضرورية، فإن ذلك عائد لفساد النظام المطبّق على البشرية هذه الأيام وهو النظام الرأسمالي الغربي، ومنه النظام الاقتصادي. ويمكن إجمال الأسباب في هذا النظام الاقتصادي السقيم ضمن النقاط الآتية:
1- الأزمات الاقتصادية المصطنعة الناتجة عن سياسات الدول الرأسمالية الجشعة:
فالدول الرأسمالية الكبرى وخاصة الدول الصناعية الثماني الكبرى وعلى رأسها أميركا وأوروبا الغربيّة هي دول تنطلق في سياساتها الاقتصادية داخل حدودها وخارجها من المبدأ الرأسمالي، الذي يهدف إلى تحقيق أكبر قدر من الأرباح والثروات والأموال، حتى وإن كان ذلك على حساب الشعوب الفقيرة.
لذلك تلجأ الدول إلى افتعال الأزمات ورعايتها من أجل تحقيق أكبر قدر من الأرباح، مثل هزّات الأسواق المالية التي كانت تفتعلها بعض الشركات الكبرى في آسيا، وتحقق من وراء ذلك أرباحاً طائلة، وتترك خلفها بلاداً مدمرة اقتصادياً كما حدث في جنوب شرق آسيا في تشرين أول سنة 1997م.
وهذه الأزمات والسياسات الإجرامية لم تتوقف على موضوع هزّات الأسواق المالية، بل تتجاوز ذلك إلى أسعار البترول، وإلى أسعار العملات النقدية مثل الدولار.
فهذه الأمور تؤثر في ارتفاع الأسعار، لأن هزات الأسواق تتسبب في أزمات مالية داخل الدولة مما يدفع الدولة لتعويض النقص الناتج عن طريق الضرائب ورفع الأسعار، وكذلك انخفاض قيمة الغطاء المالي العالمي مثل الدولار يؤدي إلى رفع قيمة السلع والخدمات لتفادي الخلل الناتج، وكل هذا يكون من عرق الناس وتعبهم وعلى حساب أجورهم اليومية، وعلى حساب مدخراتهم.
2- النظام النقدي السقيم، المستند إلى النظام الرأسمالي عند الغرب:
فهذا النظام يتصف بعدم الاستقرار؛ لأنه لا يستند إلى غطاء ثابت يحمل قيمته في نفسه مثل الذهب والفضة، بل إنه في بعض الدول لا يحمل أي غطاء، أو يحمل غطاءً جزئياً. وهذا بالتالي يؤدي إلى التذبذب المستمر ارتفاعاً وانخفاضاً ما يؤثر على أسعار السلع والخدمات، فترتفع ارتفاعاً غير طبيعي، أو يحدث العكس من ذلك.
3- النظام الربوي الناتج من صميم المبدأ الرأسمالي، حيث إنه أباح للفرد أن ينمي ماله بأي طريقة وبحرية كاملة تحت شعار حرية الملكية.
أما كيف يؤثر هذا النظام في الأسعار، فإن الربا المترتب على الأموال المستغلة في المشاريع الاقتصادية، يرجع في نهاية المطاف على كاهل المستهلك، فصاحب المصنع الذي اقترض من البنك يريد أن يسدد القرض، وربا القرض الذي يزداد في كل شهر يتأخر فيه عن السداد!!
هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن الأموال التي يجمعها البنك أو المؤسسات الربوية الأخرى تسهل عملية الاحتكار للمشاريع الكبيرة بسبب الربا. لأنه لا يستطيع أن يقوم على الاقتراض لمبالغ كبيرة إلا الرأسماليون الكبار، وبالتالي لا يستطيع أن يقوم بالمشاريع الكبيرة إلاّ هؤلاء، وهذا يؤدي إلى سياسة التحكم في سعر السلع المنتجة.
4- التحكمات الاقتصادية والمضاربات والاحتكارات:
وهذه الأمور نابعة من مبدأ الحرية في التملك وتنمية الملك، الذي يبيح لأصحاب الشركات الكسب بأي طريق، ومن طبيعة النظام المنبثق عن المبدأ الرأسمالي في الدول.
فالدول التي تستند إلى المبدأ الرأسمالي، ترعى وتساند مجموعة من الرأسماليين المساندين لهذا النظام مقابل مساندتهم للنظام القائم أو الحاكم، ويقوم الحاكم بتقديم خدمات لهذه الشركات الكبرى مثل إعطائهم امتيازات أو أسواق أو غير ذلك.
وكل ذلك يصب في نهاية المطاف في زيادة الأسعار على كاهل المواطن نتيجة عدم وجود منافسة حقيقية في الأسواق ونتيجة الاحتكارات والتحكمات.
فلو نظرنا على سبيل المثال إلى بعض الشركات المتحكمة ببعض السلع والخدمات في مجتمعنا؛ لرأينا انعكاس ذلك على التحكم في سعر السلع والخدمات؛ مثل شركة الاتصالات، وشركة توريد وبيع المحروقات؛ فمثل هذه الشركات تتحكم في الأسعار، وتضع على كاهل المواطن أعباء الضريبة التي تدفعها مقابل هذه التحكمات للدولة.
5- القروض الطائلة التي تأخذها الأنظمة العميلة في دول العالم الإسلامي وما يترتب عليها:
فسياسات الدولة العميلة في الاقتراض من الدول الكافرة، يتحمل أعباءها في نهاية المطاف أفراد الشعب البائس الفقير.
ومن نتائج سياسات الاقتراض، فتح أسواق تلك الدول للدول المقرضة وبالتالي ضرب الصناعات المحلية، والتسبب في كساد اقتصادي، ورفع أسعار السلع والخدمات، لجمع ما يلزم لسداد ربا الديون المستحقة في كل عام، ورفع الضرائب على كاهل المواطن. وقد تلجأ بعض الدول إلى خفض قيمة عملتها نتيجة ضغوطات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهذا يتسبب في زيادة سعر السلع والخدمات وبقاء الأجور على ما هي عليه؛ وكل ذلك يتحمل نتيجته المواطن البائس الفقير، فيزداد فقراً على فقره!!
6- اعتماد الدول الفقيرة على صناعات الدول الكبرى وخاصة في بلاد المسلمين، إذ تعتمد على صناعات الدول الكافرة اعتماداً يكاد يكون كلياً، وعدم وجود سياسة للتصنيع وهذا بالتالي يؤدي إلى فرض أسعار باهظة للسلع الغربية مثل السيارات والأدوات الكهربائية وغيرها.
ويزيد الطين بلة النظام الضرائبي الكبير المفروض على هذه السلع، في نفس الوقت فإن المواد الخام الأولية تخرج من بلاد المسلمين بأبخس الأسعار!
7- تقييد أيدي الناس في عملية استغلال الثروة الطبيعية، أو التجارية، وفي نفس الوقت فرض نظام ضرائبي وربوي كبير على من يقوم بالمشاريع بدل مساعدتهم وتشجيعهم في هذا المجال.
فالثروات الطبيعية تضع الدولة يدها عليها، ولا تترك للناس مجالاً للانتفاع، وتعطي امتيازات لشركات معينة مقابل مصدر ضرائبي يرجع في نهاية المطاف على كاهل المواطنين.
8- عدم وجود نظام رعوي عادل يحقق مسألة توازن الأسعار، إذا حدث خلل غير طبيعي في المجتمع نتيجة لانقطاع سلعة معينة من السوق، ولا تتدخل الدول الحالية في النظم الرأسمالية لإنقاذ المواطن من الأزمات. فالثمن هو المنظم للتوزيع الحافر على الإنتاج في هذه النظم السقيمة، ولا يوجد سياسة تدخّل من قبل هذه النظم لمعالجة الأزمات.
هذه هي أبرز الأمور التي تؤدي إلى وجود الغلاء بشكل غير طبيعي في الأسواق -في بلاد المسلمين وغيرها من بلاد تطبق النظام الرأسمالي الفاسد-، وتؤدي إلى مفاسد أخرى كثيرة؛ مثل زيادة نسبة الفقراء في كل يوم لصالح الرأسماليين الكبار، ونهب الأجور باستمرار، والكوارث الاقتصادية المدمرة التي تجتاح الشعوب الضعيفة.
وهناك أسباب أخرى مستجدة أدّت إلى ارتفاع الأسعار وزيادتها بشكل غير طبيعي -زيادة على ما ذكرنا من أسباب تتعلق بالنظام الرأسمالي بشكل عام- من هذه الأسباب:
1- ارتفاع أسعار البترول بشكل كبير حوالي 300% نتيجة زيادة الطلب عليه ، ونتيجة سوق المضاربات على هذه السلعة الحيوية وذلك من قبل المضاربين في الأسواق المالية، وتحول قسم كبير منهم للمضاربة في أسواق البترول، فقد أثر ارتفاع أسعار البترول في ارتفاع جميع السلع تقريباً نتيجة ارتباط الصناعات والزراعة بهذه السلعة الحيوية.
2- ازدياد إنتاج الطاقة الحيوية -أو الطاقة البديلة- وهذا الأمر أثر بشكل كبير على ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية، وخاصة الزراعية منها مثل الحبوب.
3- المضاربات من قبل المضاربين على السلع الغذائية؛ حيث فقد هؤلاء الناس الثقة بالأسواق المالية فتحولوا إلى الأسواق الأخرى؛ ومنها سوق الذهب، وسوق العقارات، وأسواق المعادن، وأسواق المواد الغذائية، ونتيجة هذه المضاربات الجنونية ارتفعت الأسعار بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، حيث ارتفعت أسعار بعض السلع مثل الحبوب إلى ما يقارب 200%.
4- انخفاض سعر الدولار بشكل عالمي إلى ما يقارب الربع، وهذا الأمر أدّى إلى ارتفاع أسعار السلع وخاصّة في الدول التي تعتمد الدولار غطاءً مالياً، أو تلك التي تعتبره نقداً رئيسياً مثل الولايات المتحدة وغيرها من دول مرتبطة بها؛ فانخفاض سعر الدولار أدى بشكل طبيعي إلى انخفاض أسعار السلع المنتجة في الدول التي تتخذه أداة تبادل، وأدى كذلك إلى انخفاض أسعار العملات المرتبطة بالدولار وبالتالي إلى رفع الأسعار من قبل المنتجين في كلا النظامين هنا وهناك.
هذه بعض الأمور التي زادت الطين بلة، فأدت إلى ارتفاع جديد في الأسعار، بشكل غير طبيعي، وخارج حتى عن المعدلات الطبيعية في النظام الرأسمالي.
- فما هو طريق الخلاص من هذا الوحش المفترس (النظام الاقتصادي الرأسمالي)، ما هو السبيل كي تعيش الشعوب في بلاد المسلمين وفي غيرها من بلاد في ظل عدل اقتصادي، ومحافظة على الثروات والمدخرات، وفي تقدم اقتصادي وبحبوحة من العيش تطال جميع فئات المجتمع ولا تقتصر على الرأسماليين الكبار، ما هو الحل لمثل هذه المشاكل والأزمات التي تسبب القلق والإزعاج والحِرْمان لكثير من أبناء المسلمين؟!
وقبل أن نذكر طريق الخلاص، لا بد أن نذكّر بحقيقتين ذكرها رب السماوات والأرض في كتابه العزيز وهي أن ألوان الفساد والضنك، وقسوة العيش، والبلايا العظام التي تجتاح بني الإنسان مرتبطة أولاً: بالبعد عن طريق الاستقامة والرشاد والهدى، وإنه على العكس من ذلك فإن بحبوحة العيش، واستقامة الحياة، والأمن والأمان وطمأنينة الحياة والسعادة الحقيقية، إنما هي مرتبطة باتباع نظام الهدى والاستقامة. وثانياً: إن الحق تبارك وتعالى يسلط على الناس الضنك وسوء الأحوال والغلاء والقحط ونقص الأموال والبأساء والضراء وذلك عقوبة منه سبحانه وتعالى كي يتذكّر الناس ما هم عليه من عدم استقامة، وحاجتهم للاستقامة والهدى.
قال تعالى في ذكر الحقيقة الأولى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم 41]، وقال: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) وقال: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ) [نوح 10ـ12]، وقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) [المائدة 66].
وقال في ذكر الحقيقة الثانية: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) [الأنعام 42]، وقال: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) [الأعراف].
فيجب على المسلمين بشكل خاص وعلى البشرية بشكل عام أن تدرك هاتين الحقيقتين وأن تدرك طريق النجاة منهما.
إن طريق الخلاص هو تطبيق نظام عادل مستقيم يخلّص الناس من كل هذه الآفات الاقتصادية؛ نظام يحرم الربا تحريماً قاطعاً، ويحرّم جميع مظاهره في المؤسسات العامة والخاصة، وبالتالي يقضي على مسألة تكدّسِ الأموال بأيدي فئة من الناس، وانحصار المشاريع الكبيرة بأيديهم، وكذلك يخلص الناس من مآسي النظام الربوي في كافة المجالات الاقتصادية.
نظام يحافظ على ثروات الأمة من الضياع والسرقات المنظمة فيحافظ على المال العام وعلى المال الخاص من أي عبث؛ نظام يقوم على مساعدة الناس اقتصادياً ورعاية حاجاتهم، بدل الاقتراض من الدول الكبرى على أكتافهم، ثم تحميلهم أعباء الربا المترتب على هذه الديون، ويجعل من بلادهم مسرحاً مستباحاً لاقتصاد الدول الكبرى؛ في فتح الأسواق، وفي خصخصة الشركات، وفي تخفيض قيمة النقد وغير ذلك من مآثمٍ ومآسٍ اقتصادية تجرّ على البلد الويلات والدمار!
نظام يمنع الأذى عن الناس في لقمة عيشهم، وحاجاتهم الأساسية، فيمنع الاحتكار للسلع والخدمات بكافة صوره وأشكاله.
... نظام يرعى شؤون الناس في أمور الاقتصاد، فلا يدع مجالاً للاستفراد في الأسواق، وإذا ما غابت سلعة من السوق لأي سبب حرص على جلبها من الأسواق الأخرى، سواء أكان ذلك من الداخل أم الخارج، فيمنع بذلك الغلاء الفاحش الخارج عن مسألة العرض والطلب والمنافسة الصحيحة.
... نظام يسعى باستمرار لرفع مستوى الناس الاقتصادي فيؤمّن الحاجات الأساسية لجميع أفراد الرعية؛ فرداً فرداً دون استثناء، ويسعى لرفع مستوى الناس في الحاجات الكمالية كذلك بأقصى قدرٍ مستطاع، ويعمل على إيجاد سياسة من التوازن الاقتصادي بين أفراد الرعية، بحيث لا يشعر البعض بالحرمان من الحاجات الكمالية وبحبوحة العيش؛ فيعيش أناسٌ في القصور الفارهة، وأناس عند حد الحاجات الأساسية فقط، أو لا يحصّلونها!!
إن هذه المعالجات ليست خيالاً وإنما هي فكر يعالج واقعاً، وقد طبقت بالفعل في التاريخ الإسلامي في عهد الخلافة الإسلامية.
ففي عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، عمّ العدل الاقتصادي جميع أفراد المجتمع، ونَعِم الناس بتوفر السلع والخدمات للجميع، لدرجة أن الأموال من الزكاة لم تجد من يأخذها، حيث قُضِيَ على الفقر نهائياً.
وسيعود هذا الأمر مرة أخرى كما ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الصحيح: «سيكون في آخر الزمان خليفةٌ يحثو المال حثواً ولا يعده عداً» كنـز العمال.
إن هذا النظام بهذه المواصفات السامية يكون فقط عندما يُحكّمُ الناسُ شريعةَ ربهم عزّ وجل في ظلّ سلطان الإسلام؛ عندما تصبح جميع بلاد المسلمين بلداً واحداً، ويُقضى على هذه الأنظمة العميلة للكفار، وتعود الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس على وجه الأرض سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فتكون كما وصفها ربها جل جلاله بقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).
نسأله تعالى أن يمنّ على المسلمين بنظامٍ عادلٍ مستقيمٍ عمّا قريب، آمين يا رب العالمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أبو المعتصم- بيت المقدس


الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:23 PM
مشاركة #3


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



حماية البيئة (2)
بسم الله الرحمن الرحيم

الصحة العامة
تتعلقُ الرعايَةُ الصحيةُ العامةُ بالعواملِ التي تُؤَثِّرُ على صِحَةِ الجَماعَةِ كَكُلٍّ، كصلاحيةِ مياهِ الشربِ والغذاءِ ونَقاءِ الهواءِ ونَظافةِ البيئةِ والتطعيمِ وغيرها من المجالاتِ. وتهدفُ الرِّعايةُ الصحيةُ العامةُ إلى تَعْزيزِ الصحةِ عنْ طريقِ سياساتٍ على مُستوى الدَّوْلَةِ كُلِّها، وهذهِ السياساتُ تشملُ إِجْراءاتٍ وَمشاريعَ تَقومُ بها الدولةُ، كَمَدِّ شَبَكاتِ الصَّرْفِ الصِّحِيِّ وَإِقامَةِ المَحْمِياتِ الطَّبيعِيَّةِ، وَتَشْمَلُ أيضًا قوانينَ يَتَبَناها الخَليفَةُ وَيُلْزِمُ الرَّعِيَّةَ بها كقوانينِ السَّيْرِ وَمَنْعِ الضَّجيجِ أَوْ تَلْويثِ البيئَةِ.
وَتُرَكِّزُ الرعايةُ الصحيةُ العامةُ في الغالبِ على الوقايةِ مِنَ الأمراضِ أكثرَ مِنَ العلاجِ، ولذلكَ فالوقايةُ مِنْ أَهَمِّ أَقسامِ الرعايةِ الصحيةِ وَأَعَمِّها نَفْعًا وأَكْثَرِها إِنْتاجًا. فعلى سبيلِ المثالِ، فإنَّ إضافةَ اليودِ غيرِ المُكْلِفِ إلى ملحِ الطعامِ في كثيرٍ منْ دُوَلِ العالمِ، خَفَّضَ مِنْ نِسْبَةِ أمراضِ الغُدَّةِ الدَّرَقِيَّةِ والتَّخَلُّفِ العَقْلِيِّ الناتجِ عنْ نقصِ اليودِ بصورةٍ كبيرةٍ. وَيُقَدَّرُ اليومَ أَنَّ أَكثرَ منْ 91 مليونَ طِفْلٍ سَنَوِيًّا كانوا سَيُصابُونَ بمشاكلَ تعليميةٍ وَنَقْصٍ في القُدُراتِ الذِّهْنِيَّةِ لَوْلا هذا الإجْراءِ، وَلأَنَّ مِلحَ الطعامِ يَصِلُ الفَقيرَ وَالغَنِيَّ، كانَ نَفْعُ مِثْلِ هذا الإجراءِ عامًّا. وَكَذلِكَ الأمرُ بالنسبةِ لإضافَةِ فيتامين "دِي" إلى حليبِ البقرِ في الولاياتِ المتحدةِ، فَقَدْ أَدَّى هذا الإجراءُ العامُّ مَطْلِعَ ثلاثيناتِ القرنِ الماضي إلى تَحَوُّلِ مَرَضِ الكُساحِ إلى مَرَضٍ نادِرٍ في الولاياتِ المتحدةِ.
وَمِنْ مجالاتِ الرعايةِ الصحيةِ العامةِ في الدولةِ الإسلاميةِ: 1- حماية البيئة. 2- البيطرة. 3- الرقابة الصحية. 4- الحجر الصحي. 5- بنك الدم.
حماية البيئة
خَلَقَ اللهُ سبحانه وتعالى الإنسانَ مِنَ الأرْضِ، وَاسْتَعْمَرَهُ فيها، وَسَخَّرَ لهُ كلَّ ما في الكونِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ ويستفيدَ منهُ، فَقالَ سبحانه وتعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) [هود 61]، وقال سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) [الأعراف10]، وقال سبحانه وتعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) [الجاثية13]، وقال سبحانه وتعالى أيضًا: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل 14].
ولا قِيَامَ للإنسانِ بِغَيْرِ الوَسَطِ وَالبيئَةِ التي خُلِقَ فيها وسُخِّرَتْ لَهُ، وصَلاحُ الإنسانِ وَصِحَّتِهِ مِنْ صَلاحِ هذِهِ البيئَةِ واستِمْرارِها على طَبيعَتِها. قالَ سبحانه وتعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) [الملك 30]، وقال سبحانه وتعالى أيضًا: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [القصص].
وَتَشْتَمِلُ البيئةُ على عواملَ فِيزْيَائِيَّةٍ وَكِيمْيَائِيَّةٍ وَبيُولوجِيَّةٍ تُؤَثِّرُ على الصِّحَّةِ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ، بلْ إِنَّ تَأْثيرَها على الصحةِ يَأْتي في المرتبةِ الثانيةِ مِنْ حيثُ الأهميةُ بعدَ أنماطِ الحياةِ والسلوكِ الذي يَتَّبِعْهُ الفَرْدُ. ففي سنةِ 2002م كانَ مَرَدُّ ثُلُثِ الأَمْراضِ أَلتي يُعاني منها الأَطفالُ دونَ سِنِّ الخامسةِ في العالمِ إلى عواملَ بيئيةٍ مثل المياهِ غيرِ النَّقِيَّةِ وتلوُّثِ الهواءِ، وتسبَّبَتْ هذهِ العواملُ بِشَكْلٍ مُباشرٍ بِثُلُثِ حالاتِ الوَفِياتِ والأمراضِ التي حَدَثَتْ في البُلْدانِ الأَقَلِّ نُمُواً. وَوَفْقَ منظمةِ الصحةِ العالميةِ فَإِنَّهُ منَ المُمْكِنِ إِنقاذُ أربعةِ ملايينَ منَ الأطفالِ دونَ سِنِّ الخامسةِ كلَّ عامٍ -في البُلدانِ النَّامِيَةِ بالدَّرَجَةِ الأُولى- بِتَوَقِّي المَخاطِرِ البيئِيَّةِ مثلِ المياهِ غيرِ النَّقِيَّةِ وَتَلَوُّثِ الهَواءِ.
وقدْ حرَّمَ الإسلامُ الإضْرارَ بالبيئَةِ، لأَنَّ بِها قِوامَ الإنسانِ، وتوعَّد اللهُ سبحانه وتعالى المُفسِدَ للطبيعةِ والبيئةِ بالعقابِ، فقالَ سبحانه وتعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [البقرة 205]، فَذَكَرَتِ الآيةُ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ، وَإِهْلاكَ الْحَرْثِ، وَهُوَ مَحَلُّ نَمَاءِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَالنَّسْلِ وَهُوَ نِتَاجُ الْحَيَوَانَاتِ الَّذَيْنِ لا قِوَام لِلنَّاسِ إِلا بِهِمَا، وإهلاكُ الحرثِ والنَّسْلِ كِنايَةٌ عَنِ اختلالِ ما بِهِ قِوَامُ أحوالِ الناسِ، وكانوا في السابقِ أَهْلَ حَرْثٍ وَماشِيَةٍ، فَلَيْسَ المُرادُ خُصوصَ هذَيْنِ، بلِ المُرادُ ضَياعُ ما بِهِ قِوَامُ الناسِ، وهذا جارٍ مَجْرَى العِلَّةِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ الإضرارُ بالبيئَةِ أَيْضًا. وقالَ الطَّبَرِيُّ والسُّيُوطِيُّ أَنَّ المَعْنِيَّ في الآيةِ هُوَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثّقَفِيِّ فِي إِحْرَاقه الزَّرْعَ وَقَتْلِهِ الْحُمُرَ، فَقَدْ أَقْبَلَ إِلى النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينةِ وقالَ: "جِئْتُ أُرِيدُ الإِسلامَ، وَيَعْلَمُ اللهُ أَني لَصادِقٌ". فَأَعْجَبَ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلكَ مِنْهُ، ثمَّ خرجَ من عندِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المسلمينَ وَحُمُرٍ، فأحرق الزَّرْعَ وَعَقَرَ الحُمُرَ. غيرَ أنَّ اللفظَ في الآيَةِ عامٌّ، والقاعدةُ تَقْضِي أنَّ العِبْرَةَ بِعُمومِ اللَّفْظِ لا بِخُصوصِ السَّبَبِ، وَلذلكَ كانتِ الآيَةُ عَامَّةً لِجَمِيعِ النَّاسِ، فَمَنْ عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِ الأَخْنَسِ اسْتَوْجَبَ اللَّعْنَةَ وَالْعُقُوبَةَ. والآيَةُ دالَّةٌ على أنَّ منْ يَتَسَبَّبُ في مثلِ ذلكَ مُسْتَحِقٌّ للعقابِ في الآخرةِ، ولذلكَ جاءت خاتمة الأية: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) تحذيرًا وتوبيخًا، وَهذِهِ قَرِينَةٌ عَلى أَنَّ النَّهْيَ جَازِمٌ.
مِنْ هُنا فإِنَّ الحفاظَ على البيئةِ وحمايَتَها منَ التَّلَوُّثِ والآفاتِ يُعْتَبَرُ مِنْ أهَمِّ رَكائِزِ الرِّعايَةِ الصحيَّةِ، ويَتِمُّ ذلكَ منْ خِلالِ قيامِ الدولةِ بالأُمورِ التالِيَةِ:
1- التقليل من التلويث الصناعي:
الصِّناعةُ أساسٌ هامٌّ مِنْ أُسُسِ الحياةِ الاقتصاديَّةِ لأيَّةِ أُمَّةٍ أو أَيِّ شعبٍ في أيِّ مُجْتَمَعٍ، وفوقَ ذلكَ، فإنَّ كَوْنَ الدولةِ الإسلاميةِ دولةً صاحبةَ رسالةٍ تحملُ الإسلامَ إلى باقي الأمَمِ بالدعوةِ والجهادِ، يَقْتَضِي أنْ تكونَ الصناعَةُ في هذه الدولةِ مَبْنِيَّةً على أساسِ الصناعةِ الحربيةِ وأَنْ تكونَ على أَرْفَعِ دَرَجَةٍ مِنَ التقدُّمِ والتطوُّرِ، قال سبحانه وتعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) [الأنفال 60].
إلا أنَّ الصناعةَ الحديثةَ تُنْتِجُ انْبِعاثاتٍ مختلفةٍ في الهواءِ، وَتَدَفُّقَاتٍ سائِلَةٍ في الأنهارِ والبحارِ والمياهِ الجوفيَّةِ، ومُخَلَّفاتٍ صُلْبَةٍ أُخرى، وهنالكَ أيضًا الفَضَلاتُ المُشِعَّةُ الناتِجَةُ عنِ الصناعاتِ النَّوَوِيَّةِ. وكلُّ هذهِ الانبعاثاتِ والمخلفاتِ تؤثِّرُ بِصورةٍ أوْ بِأُخْرَى على صحةِ الإنسانِ وتُؤَدِّي إلى تَلَوُّثِ البيئةِ وإفسادِها. ولذلكَ كانَ فرضًا على الدولةِ أنْ تُقَلِّلَ أوْ تُعالِجَ هذهِ الفَضَلاتِ الصِّناعِيَّةِ بصورةٍ تُحافِظُ على البيئةِ وصِحَّةِ الرَّعِيَّةِ، قالَ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواهُ الإمامُ البخاري: "الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". ورَوى مُعاذُ بنُ جَبَلٍ (رضي الله عنه)، عنِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَوْلَهُ: "اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَالظِّلِّ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ"، رواهُ ابنُ ماجةَ في سُنَنِهِ بسَنَدٍ حَسَّنَهُ الألبانيُّ. والحديثُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ في الفضلاتِ الصِّناعيَّةِ، ولكنَّ النهْيَ وَرَدَ لِمَنْعِ الضَّرَرِ اللاّحِقِ بالمسلمينَ، فَيَكونُ عِلَّةً يُقاسُ عَلَيْها كُلُّ ما آذى المُسْلِمينَ في مَوارِدِهِم العامَّةِ وبِيئَتِهِم وَطُرُقِهِم. وقدْ جعلَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) إماطَةَ الأَذى (مُطْلَقَ الأَذى) ‏عنِ الطريقِ مِنْ شُعَبِ الإيمانِ، فقالَ (صلى الله عليه وآله وسلم): "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ"، رواهُ مُسْلِمٌ. وَفَوْقَ ذلكَ فَالقاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالحديثُ "لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ" يُوجِبُ إِزالَةَ الضَّرَرِ الحاصِلِ مِنَ المُخَلَّفاتِ الصِّناعِيَّةِ.
ويكونُ عِلاجُ هذِهِ المُشْكِلَةِ في الدولةِ الإسلاميةِ بِتَخْصِيصِ مَناطِقَ صِناعِيَّةٍ بَعيدَةٍ عنِ المناطقِ السَّكَنِيَّةِ لِلصناعاتِ المُلَوِّثَةِ، ومُراقَبَةِ المُنْشَآتِ الصِّناعِيَّةِ والزِّراعِيَّةِ وَأَيَّةِ مَصادِرَ أُخْرى لِلتَّلَوُّثِ، وإلزامِ تلكَ المنشآتِ والمصادرِ -سواءَ ما كانَ منْها داخلاً في المُلْكِيَّةِ الخاصَّةِ أمِ العامَّةِ- باتِّباعِ أَساليبِ وَنُظُمِ الإنْتاجِ النَّظيفِ، كَوِحْداتِ مُعالَجَةِ الفضلاتِ الصناعيةِ، وَبِعَدَمِ السَّماحِ بِتَسَرُّبِ المُلَوِّثاتِ للبيئةِ المحيطةِ بِما يَتَعَدَّى الحدودَ المسموحَ بِها، وهذهِ الحدودُ يقومُ بِتَعْيينِها أَهْلُ الاخْتِصاصِ منَ العُلماءِ، بِحَيْثُ يُسمحُ فقطْ بالحدِّ الأَدْنى مِنَ الانْبِعاثاتِ والفَضَلاتِ التي لا تُؤَثِّرُ على التَّوازُنِ البيئِيِّ.
كما وتهتمُّ الدولةُ بإنشاءِ مصانعَ لإعادةِ تصنيعِ الفضلاتِ الصناعية المباحة واستِغْلالِها ثانيةً كَأَشْكالٍ جديدةٍ منَ المادةِ والطاقةِ، وهو ما يُسَمَّى بِإعادَةِ التَّدْويرِ، للتقْليلِ منْ كميَّةِ المُخَلَّفاتِ الصناعيةِ. وما يَتَبَقى بعدَ ذلكَ مِنْ هذهِ المُخَلَّفاتِ غَيْرِ القابِلَةِ لِلاسْتِغْلالِ أَوِ التَّدْوِيرِ، فَإِنَّهُ يَتِّمُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ بالدَّفْنِ في المناطِقِ النَّائِيَّةِ. وَيَتِمُّ إنْشاءُ فريقٍ مِنَ العلماءِ لدراسةِ واستحداثِ سُبُلٍ جديدةٍ للتخلُّصِ منْ هذهِ المُخَلَّفاتِ غَيْرِ القابِلَةِ لِلاسْتِغْلالِ أَوِ التَّدْوِيرِ وإزالةِ خَطَرِها وضَرَرِها عَنِ الرَّعِيَّةِ.
وبما أنَّ التلويثَ البيئِيَّ منَ المُخالفاتِ الَّتي تَضُرُّ بالجَماعَةِ، فَإِنَّ قاضيَ الحِسْبَةِ في الدَّوْلَةِ الإسلاميةِ هوَ المسؤولُ عنْ مُراقَبَةِ المصانِعِ والمُنْشَآتِ، للحدِّ منَ الانْبِعاثاتِ الضَّارَّةِ بالبيئةِ، وَيُمْكِنُهُ أنْ يستعينَ بأهلِ العلمِ والمُخْتَصينَ بالبيئةِ للقيامِ بذلكَ، بلْ يَجِبُ عليهِ الاستعانةُ بهمْ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجِبُ إِلا بِهِ فَهُوَ واجِبٌ. وَتُحَدَّدُ عُقوباتٌ تَعْزيرِيَّةٌ رادِعَةٌ بِحَقِّ أصحابِ المصانِعِ في حالِ تَعَدِّيهِم الحدَّ المسموحَ بِهِ منَ الانْبِعاثاتِ الصناعيةِ، ويُغْلَقُ المصنعُ إِنْ لَمْ تَرْدَعْهُ العُقُوباتُ وَاسْتَمَرَ في تلويثِ البيئَةِ.
والبيئةُ الطَّبيعِيَّةُ لا تُحَدُّ بِحُدودِ الدَّوْلَةِ، والمُخَلَّفاتُ المُلَوِّثَةُ منْ دولةٍ مُعَيَّنَةٍ قَدْ تؤثِّرُ على البيئةِ في الدُّوَلِ المُجاوِرَةِ، خُصوصًا إِذا انْتَقَلَتِ المُلَوِّثاتُ عبرَ الهواءِ أوْ مجارِي المِياهِ. ولذلكِ يجبُ على الدولةِ الإسلاميةِ مَنْعُ الدُّوَلِ المجاوِرَةِ مِنْ تَلْويثِ البيئةِ ومَنْعُها مِنْ إِلْقاءِ مُخَلَّفاتِها الصناعيَّةِ في أَراضي الدولةِ الإسلاميةِ، وَيُعْتَبَرُ أيُّ تجاوزٍ لهذهِ الشُّروطِ مِنْ قِبَلِ الدُّوَلِ المجاوِرَةِ تَعَدِّيًا على الدولةِ الإسلاميةِ ورَعاياها يَسْتَوْجِبُ إِعْلانَ الجِهادِ والحَرْبِ أوْ تَراجُعَ تلكَ الدُّوَلِ عَنِ التَّلْويثِ.
أَمَّا فيما يخصُّ الاتفاقياتِ والمعاهداتِ الإقليميةِ والدوليةِ بخُصوصِ التلويثِ الصِّناعِيِّ، كبروتوكولِ كيوتو الخاصِّ بِالاحْتِباسِ الحَرَارِيِّ والمُلْحَقِ باتِّفاقِيَّةِ تَغَيُّرِ المناخِ 2003م، واتفاقيةِ استوكهولم لِلْمُلَوِّثاتِ العُضْوِيَّةِ الثَّابِتَةِ سنة 2004م وغيرِها مِنَ الاتفاقياتِ، فَيُنْظَر، فما كانَ منْ هذهِ الاتفاقياتِ والمعاهداتِ تَحْتَ مِظَلَّةِ المُنَظَّماتِ الَّتي تقومُ على غيرِ أساسِ الإسلامِ أوْ تُطَبِّقُ أَحْكامًا غيرَ أَحْكامِ الإسلامِ، كَهَيْئَةِ الأُمَمِ المُتحدةِ ومحكمةِ العدلِ الدَّوْلِيَّةِ وصُندوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيِّ، والبنكِ الدَّوْلِيِّ، وكالمنظماتِ الإقليميةِ مثل الجامِعَةِ العربِيَّةِ وغيرِها، فإنه لا يجوزُ للدولةِ أَنْ تَشْتَرِكَ فيها إِنِ اشْتُرِطَ عليها أَنْ تَكُونَ عُضْوًا في هذهِ المنظماتِ. وَحَتَّى لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ على الدولةِ الإسلاميةِ أَنْ تَنْضَمَّ إِلى هذهِ المنظماتِ، فإِنَّ عَقْدَ اتفاقياتٍ ومعاهداتٍ مَعَ هذهِ المنظماتِ يُساهِمُ في تَقْوِيَتِها مَعْنَوِيًّا.
وذلكَ لأَنَّ الموضوعَ الذي قامَتْ عَلَيْهِ مثلُ هذهِ المُنَظَماتِ الدوليةِ والمُنظماتِ المحليَّةِ يُحَرِّمُهُ الشَّرْعُ، فهيئةُ الأُمَمِ تقومُ على أساسِ النِّظامِ الرأْسمالِيِّ وهو نظامُ كُفْرٍ، علاوةً على أنَّها أداةٌ في يدِ الدولِ الكُبرى ولا سِيَّما أميركا، تُسَخِّرُها مِنْ أَجْلِ فَرْضِ سيطَرَتِها على الدولِ الصُّغْرى، ومنها الدولُ القائِمَةُ في العالمِ الإسلاميِّ. لذلكَ نرى أنَّ الدولَ الكُبرى تُوَقِّعُ على الاتفاقياتِ التي تَضْمَنُ مصالِحَها على حسابِ باقي الدولِ فَقَطْ، وعلى سبيلِ المثالِ فإِنَّ أميركا رفضَتِ التوقيعَ على بروتوكولِ كيوتو الذي يَتَضَمَّنُ تخفيضَ انبِعاثاتِ الغازاتِ السَّامَةِ مِنْ قِبَلِ الدُّوَلِ الصِّناعِيَّةِ بِنِسْبَةِ 5.2 بالمائة، خوفًا منْ أَنْ تَتَأَثَّرَ صناعاتُها، عِلْمًا أنَّ أَميركا مَسؤُولَةٌ عنْ رُبْعِ كَمِّيَّاتِ الغازاتِ الصناعيةِ المُنْبَعِثَةِ في الجَوِّ.
وَلِذلِكَ يُعْمَلُ على هَدْمِ هذِهِ المنظماتِ بَدَلَ تَقْوِيَتِها بِعَقْدِ المعاهداتِ والاتفاقياتِ مَعَها، وَعَلَى استبدالِها بِمُنَظَّمَةٍ عالميَّةٍ جديدةٍٍ، لا يكونُ للدولِ العُظْمَى عَلَيْها هَيْمَنَةٌ وَلا سُلْطانٌ، وَلا تكونُ بمثابَةِ دولَةٍ عالميَّةٍ، بَلْ تقومُ هذهِ المُنَظَّمَةُ الجديدةُ على احترام قواعد متعارف عليها من جميع المجموعات البشرية، ويقرها الإسلام، مثل انصاف المظلوم ومنع الظلم وما يسمى بحصانة السفراء... وهكذا، ومن ثم َإِشاعَةِ العَدْلِ بَيْنَ البشريَّةِ جمعاءَ، بِمَا لَهَا مِنْ قُوَّةٍ مَعْنَوِيَّةٍ تَتَمَتَعُ بِها، وَمِنْ قُوَّةِ رَأْيٍ عامٍّ عالميٍّ يُؤَازِرُها وَيُوَلِّيها تَأْيِيدَهُ وَيَمْنَحُها احتِرامَهُ وَثِقَتَهُ، لِكَوْنِها منظمةً لا تَعْمَلُ لحسابِ دولةٍ مِنَ الدُّوَلِ، وَإِنَّما تعملُ لمصلحةِ البشريةِ جمعاءَ، وتكونُ مِثْلَ حِلْفِ الفُضُولِ الذي قامَ قَبْلَ البِعْثَةِ، حيث تعاهدوا فيه على رفع الظلم وإنصاف المظلوم، وقد حَضَرَهُ رَسولُ اللهِ ص وَقالَ عَنْهُ بَعْدَ البِعْثَةِ: "لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ"، رَواهُ ابنُ هشامٍ في سيرتِهِ. وَرَوى أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عوفٍ (رضي الله عنه) عَنِ الرسولِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قالَ: "شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلامٌ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ"، والحديثُ صَحَّحَهُ الألبانيُّ في السلسلةِ الصحيحةِ، والمقصودُ بِحِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ في الحديثِ هُوَ حِلْفُ الفُضُولِ، لأنَّ أَصْحابَهُ هُمْ في الأصْلِ مِنْ جَماعَةِ المُطَيَّبِينَ، والرَّسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمْ يَشْهَدْ حِلْفَ المُطَيَّبِينَ.
أَمَّا مُعاهداتُ واتفاقياتُ مَنْعِ التَّلَوُّثِ البيئِيِّ التي تعقِدُها دولةُ الإسلامِ معَ غَيْرِها منَ الدُّوَلِ خارِجَ مِظَلَّةِ المُنَظَّماتِ الدُّوَلِيَّةِ، فهيَ جائِزَةٌ إِنْ كانَ موضوعُ التعاقُدِ قَدْ أَجازَهُ الشَّرْعُ، وَكانَتْ هذِهِ المعاهداتُ لا تُؤَثِّرُ على كيانِ الدولةِ، ولا تُنْقِصُ مِنْ سُلْطانِها الداخلِيِّ والخارجِيِّ، ولا تجعلُ للكافرِ سُلطانًا عَليها، كأنْ تُخْرِجَ الموادَّ الخامَّ منَ البلادِ، أوْ تُسَبِّبَ إِقْفَالَ مصانعِ البلادِ أوْ ما شاكَلَ ذلكَ. وَإِنَّما تُحَدَّدُ المعاهداتُ بِما لا ضَرَرَ مِنْهُ وتُمْنَعُ مِنْ كُلِّ ما فيهِ ضَرَرٌ عملاً بالقاعِدَةِ الشرعيةِ "كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أفرادِ المُباحِ إِذا كانَ يُؤَدِّي إلى ضَرَرٍ يُمْنَعُ ذلِكَ الفَرْدُ ويَبْقى الأَمْرُ مُباحًا". وَهذِهِ القاعدةُ اسْتُنْبِطَتْ منْ مَنْعِ الرَّسولِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أفرادَ الجيشِ أنْ يَخْرُجُوا مُنْفَرِدِينَ لَيْلاً وَهُوَ في طَريقِهِ إلى تبوكَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّما حَرَّمَ على الجيشِ الخروجَ مُنْفَرِدينَ لِما ثَبَتَ لَهُ فيهِ مِنْ ضَرَرٍ، فَكانَ الضَّرَرُ في هذا الأَمْرِ المُعَيَّنِ هوَ سَبَبُ تحريمِهِ، فكأَنَّهُ كانَ عِلَّةً. ووجودُ الضَّرَرِ في خُروجِ الشخصِ مُنْفَرِدًا في تلكَ الليلةِ وِمِنْ ذلكَ المكانِ حَرَّمَا خُروجَ الشَّخْصِ منفرداً هناكَ في تِلْكَ الليلةِ، وَلكِنْ ظَلَّ خُروجُ الشَّخْصِ مُنْفَرِدًا مُباحًا في غيرِ ذلكَ المكانِ وفي غيرِ تلكَ الليلةِ. وَإِذَنْ، وجودُ الضررِ لمْ يُحَرِّمْ ما أَباحهُ الشرعُ، وَإِنَّما وُجودُ الضررِ في فَرْدٍ منْ أَفْرادِهِ يُحَرِّمُ ذلكَ الفردَ ولكنْ يَظَلُّ الأَمْرُ مُباحًا.
والدليلُ على جَوازِ عقدِ المعاهداتِ البيئيةِ مَعَ الدولِ، هو دليلُ جوازِ عَقْدِ المعاهداتِ العامّ، كقولِهِ سبحانه وتعالى: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) [النساء 90]، وقولِهِ سبحانه وتعالى: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) [النساء92] وقَولِهِ سبحانه وتعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) [الأنفال72]، والميثاقُ في هذهِ الآياتِ هوَ المعاهدةُ. كما أنَّ الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلم) عَقَدَ معاهدةً مَعَ يُحَنَّةَ بْنِ رُؤْبَةَ، صَاحِبِ أَيْلَةَ، وعقدَ معاهدةً معَ بَني ضَمْرَةَ.
وتُطَبَّقُ في هذهِ المعاهداتِ الشروطُ التي تَضَمَّنَتْها، ويجبُ أَنْ يتقيَّدَ المسلمونَ بهذهِ الشُّروطِ لقولِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): "المسلمونَ عِنْدَ شُروطِهِم"، صَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ، على أنْ لا يكونَ هذا الشرطُ مُناقِضًا للإسلامِ، فإنْ كانَ مُناقِضًا للإسلامِ رُفِضَ لِقَوْلِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ"، رَواهُ ابنُ ماجه وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ، فيقومُ المسلمونَ بتنفيذِ هذهِ الشروطِ حسبَ ما وردتْ في نُصوصِ المعاهداتِ على أَنْ لا تُخالِفَ الإسلامَ.

يتبع
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:25 PM
مشاركة #4


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



2- نظافة مصادر المياه وجودة ماء الشرب:
الماءُ مادةٌ ضروريَّةٌ لا تقومُ حياةٌ بدونِها، ولا يستوي أيُّ كائِنٍ إنْ لم يتوَّفَر لهُ الماءُ الصالحُ، يقولُ الله سبحانه وتعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء30]، وقال سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل].
وكما أنَّ الماءَ ضَروريٌّ لكُلِّ كائِنٍ حيٍّ، فهوَ ضروريٌّ لوجودِ الحياةِ الجماعيَّةِ واستمرارِها، لأنهُ مَرْفِقٌ منْ مَرافِقِ الجماعةِ، إنْ لمْ يتوَّفَر تفرَّقتِ الجماعةُ في طلبِهِ، لذلكَ جاءَ الشرعُ بمجموعةٍ منَ الأحكامِ الخاصَّةِ بهذا المَوْرِدِ الحيَوِيِّ، لِضَمانِ حِفْظِهِ وتوفيرِهِ صالِحًا لكُلِّ الرَّعِيَّةِ. فقدْ عَدَّ الإسلامُ الماءَ ملكيَةً عامةً لتمكينِ جميعِ أفرادِ الرَّعِيَّةِ مِنَ الانتفاعِ بِهِ، فعنْ أَبي خِدَاشٍ عنْ بعضِ أَصحابِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قالَ: "غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ثَلاثًا أَسْمَعُهُ يَقُولُ: الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ، فِي الْكَلإِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ"، رواهُ أبو داودٍ في سُنَنِهِ وصَحَّحَهُ الألْبانِيُّ، وفي رِوايةٍ أُخْرى:"النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ". وروى ابنُ ماجةَ بسندٍ صَحَّحَهُ الألبانيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: "ثَلاثٌ لا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلأُ وَالنَّارُ"، ورَوى البُخارِيُّ في صَحيحِهِ أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قالَ: "ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" وَمِنْهُم: "رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ"، وروى أحمدُ في مُسندِهِ عنْهُ عليْهِ وآلِهِ أفضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْليمِ: "لا يُمْنَعُ نَقْعُ مَاءٍ فِي بِئْرٍ"، والحديثُ صَحَّحَهُ حَمْزَةُ أَحْمَدُ الزَّيْنُ وأَخرجَهُ الحاكمُ وقالَ: "صحيحُ الإسناد"، وَذَكَرَ الشَّوْكانِيُّ في نيلِ الأوطارِ بسندٍ صحيحٍ عَنْ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَضَى بينَ أَهلِ المدينةِ في النَّخْلِ أنْ لا يُمْنَعَ نَقْعُ بِئْرٍ، وَقَضَى بَيْنَ أَهْلِ البادِيَةِ أنْ لا يُمْنَعَ فَضْلُ ماءٍ لِيُمْنَعَ الكَلأُ. ونَقْعُ البئرِ- الماءُ المُجْتَمِعُ فيها قَبْلَ أَنْ يُسْتَقَى.
ونلاحظُ أنَّ المسلمينَ قدْ أدركوا أهميةَ الماءِ منذُ نشوءِ الدولةِ الإسلاميةِ في المدينةِ، فقدْ روى الأمامُ أحمد بسندٍ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ شاكِر عنْ عثمانِ بنِ عفانٍ (رضي الله عنه) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِئْرٌ يُسْتَعْذَبُ مِنْهُ إِلا رُومَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): "مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ فَيَكُونَ دَلْوُهُ فِيهَا كَدُلِيِّ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟" فَاشْتَرَاهَا عثمانُ (رضي الله عنه) مِنْ خَالِصِ مَالِهِ. وقد نزلَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) عندَ رأْيِ الحُبابِ بن المنذرِ بأَنْ يُعَسْكِرَ الجيشُ في بَدْرٍ عندَ أَدْنى ماءٍ منَ القومِ، ثمَّ يُغَوِّرُوا ما وَراءَهُ منَ الآبارِ، ويَبْنُوا عليهِ حوضًا يَمْلَؤُوهُ ماءً حتى يشربَ جيشُ المسلمينَ ولا يشربَ المشركونُ.
والماءُ كَما هوَ لازمٌ للشُّرْبِ والطَّهْيِ والتنظيفِ فهو لازمٌ لريِّ المزروعاتِ وتربيةِ الحيواناتِ ولإقامةِ الصِّناعاتِ، ولكلِ نوعٍ مواصفاتٌ تختلفُ باختلافِ استخداماتِهِ.
وقد يتلوَّثُ الماءُ بفعلِ الإنسانِ نتيجةً لمِا يستخدمهُ منْ مَواد في الصناعةِ والزراعةِ، كالمعادن الثقيلة مثل الرَّصاصِ والزِّئْبَقِ، والكيماوياتِ والمُرَكَّباتِ الخَطِرَةِ مثل المبيداتِ الحشريةِ والمُخَصِّباتِ. وقد يتلوثُ الماءُ أيضًا نتيجةً لمَوادٍ طبيعيةِ المَنْشَأ، مثل معدنِ الزِّرْنِيخِ أو الكائناتِ الدقيقةِ المُسَبِّبَةِ للأمراضِ منْ بكتيريا وفيروساتٍ وطُفَيْلِيَّاتٍ كالكائناتِ أُحادِيَّةِ الخلِيَّةِ والدِّيدانِ. وهذهِ المُلَوِّثاتُ تجعلُ الماءَ غيرَ صالحٍ للاستخدامِ. ويمكنُ تشخيصُ بعضِ الملوثاتِ بسهولةٍ بتَقْييم طَعْمِ ورائحةِ ودرجةِ تَعَكُّرِ المياهِ، غيرَ أَنَّ اكتشافَ بعضِها يَتَطَلَّبُ اختباراتٍ خاصَّةً للكشفِ عمَّا إذا كانتِ المياهُ ملوثةً أم لا. وإذا تُرِكَتْ هذهِ الملوثاتُ دونَ معالجةٍ فمنَ المُمْكِنِ أنْ تُسَبِّبَ طائفةً كامِلَةً منَ الأمراضِ المُتعلقةِ بالماءِ، والتي تُلْحِقُ ضَرَرًا كَبيرًا بصحَّةِ الإنسانِ. وَوَفْقَ منظمةِ الصحةِ العالميةِ، فإِنَّّ أكثرَ منْ مليارِ نسمةٍ على مُستوى العالمِ محرومونَ منْ مياهِ الشُّربِ النظيفةِ، ويموتُ سَنَوِيًّا ما لا يَقِلُّ عنْ أربعةِ ملايينَ شخصٍ مُعظمُهُم منَ الأطفالِ بسببِ الأمراضِ الناتجةِ عنْ تلوُّثِ مياهِ الشُّرْبِ، كأمراضِ الحُمَّى التِّيفِيَّةِ والكوليرا وداءِ المُنْشَقَّاتِ (البَلْهارِسْيا) والزُّحَارُ (الدُّوسِنْطَّارْيا) وأَمْراضِ الإِسْهالِ الأُخْرى.
وقد أمرَ الإسلامُ بالحفاظِ على جودةِ المياهِ ونَظافَتِها، وحذَّرَ أشدَّ التحذيرِ منْ تلويثِ مصادرِ المياهِ، فعنْ معاذٍ بنِ جبلٍ (رضي الله عنه) قالَ: لقد سمعتُ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) ‏يقولُ: "اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَالظِّلِّ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ"، رواهُ ابنُ ماجةَ في سُنَنِهِ بسَنَدٍ حَسَّنَهُ الألبانيُّ، وقالَ (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ"، رواهُ مسلمٌ في صحيحِهِ، وروَى ابنُ ماجةَ بسندٍ صَحَّحَهُ الألبانيُّ عنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ (رضي الله عنه) أنَّهُ قالَ: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنْ نُوكِيَ أَسْقِيَتَنَا وَنُغَطِّيَ آنِيَتَنَا"، وذلكَ حِفْظًا لِمَا تحويهِ هذهِ الآنيةُ منَ الماءِ.
ولذلكَ كانَ منَ الواجبِ على الدولةِ الإسلاميةِ أنْ تهتمَّ بنظافةِ مصادرِ المياهِ ومُراقَبَةِ جَوْدةِ ماءِ الشُّرْبِ وخُلُوِّهِ منَ الملوِّثاتِ، عنْ طَريقِ إِنْشاءِ مختبراتٍ خاصةٍ لهذا الهدفِ، وإقامةِ مَحَطَّاتٍ لمُعالجَةِ المياهِ وتَطْهيرِها منَ المُلَوِّثاتِ، لأنَّ الرَّاعِيَ -وهوَ الإمامُ- مَسْؤُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ، وَانطِلاقًا مِنَ القاعدةِ الشرعيةِ الواسعةِ القاضيةِ بأنْ لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ، وَتَطْبيقًا للأحاديثِ السابقةِ التي تُحَرِّمُ تلويثَ المياهِ العامةِ التي هيَ مِلْكٌ لكافةِ المسلمينَ. وَيَتَوَلَّى جهازُ الحسبةِ في الدولةِ الإسلاميةِ مراقبةَ المياهِ وجودَتِها وتقريرِ عقوبةِ الأفرادِ أوِ الشركاتِ والمصانعِ التي تُلَوِّثُ مصادرَ المياهِ بحيثُ تكونُ العقوبةُ رادِعَةً ومُزيلةً للتَّلَوُّثِ الحاصلِ.
3- الحفاظ على الغابات والأحراش:
تُشَكِّلُ الغاباتُ والأحراشُ الطبيعيةُ رئَةً طبيعيةً مُكَمِّلَةً لدورةِ الحياةِ على الأرضِ، فالنباتاتُ تقومُ بالتقاطِ ثاني أكسيدِ الكربونِ منَ الجوِّ، وامتصاصِ الماءِ والموَّادِ الأساسيةِ منَ التربةِ، وتُحَوِّلُها عنْ طريقِ التمثيلِ الكلوروفيلِيِّ إلى أُكسجين تُطْلِقُهُ في الجوِّ، وإلى موادَ غذائيةٍ تختَزِنُها في الورقِ والثَّمَرِ. ولذلكَ كانتِ الغاباتُ والأحراشُ ضروريةً لبقاءِ الحياةِ واسْتِواءِ نظامِ الطبيعةِ مُتَّزِنًا، حيثُ إنَّ الإنسانَ والحيوانَ بِحاجةٍ إلى هذا الأُكسجين والموادِّ الغذائيةِ، وأَنَّ بعضَ الحيواناتِ تحتاجُ هذه الغاباتِ كأوساطٍ بيئيةٍ تعيشُ فيها. لذلكَ كانَ الحفاظُ على الغاباتِ والأحراشِ لازمًا للحفاظِ على الدورةِ الحياتِيَّةِ، وكانَ على الدولةِ الإسلاميةِ أَنْ تهتمَّ بحمايةِ هذهِ الغاباتِ والأحراشِ منَ القَطْعِ أو الإزالَةِ، وتحمِيَ الكائناتِ الحيَّةِ فيها منَ الصيدِ أوِ التهجيرِ، ما دام هذا لازماً لبقاء الدورة الحياتية الطبيعية مكتملَةً صحيحةً.
وَتُعْتَبَرُ الأحراشُ الطبيعيةُ والغاباتُ من الأَعْيانِ التي تمنعُ طبيعةُ تكوينِها اختصاصَ الأفرادِ بحيازَتِها، ولذلكَ تكونُ منَ الملكياتِ العامَّةِ، ولا يجوزُ لغيرِ الدَّولةِ أنْ يحمِيَ ما هُوَ لعُمومِ الناسِ، لقولِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواهُ أَبو داودٍ في سُنَنِهِ وصحَّحَهُ الألبانيُّ: "لا حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ"، أي لا حِمَى إلا للدولَةِ. وللدولةِ أَنْ تحمِيَ منَ الملكياتِ العامةِ ما تحتاجُهُ لمصالحِ المسلمينَ، والدليلُ على ذلكَ أَنَ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حَمَى النَّقيعَ -هوَ موضعٌ معروفٌ بالمدينةِ- لِخَيْلِ المسلمينَ، كما رَوى أَبو عُبَيْدٍ عنْ ابنِ عمر (رضي الله عنه)، وكذلكَ حَمَى أبو بكرٍ (رضي الله عنه) الرَّبَذَةَ لإبِلِ الصدقةِ، وحَمَى عمر (رضي الله عنه) الشَّرَفَ والرَّبَذَةَ.
والحفاظُ على الدورةِ الحياتيةِ وميزانِ الطبيعةِ بإنشاءِ محمياتٍ طبيعيةٍ وغاباتٍ مِنْ مصالحِ المسلمينَ، لذلكَ تحمي الدولةُ ما يكفي منْ هذهِ المحمياتِ لهذا الهدفِ، وتمنعُ قَطْعَ هذهِ الغاباتِ أوِ الصيدَ فيها. ويكونُ القرارُ بحمايةِ أَرْضٍ مُعينةٍ دونَ أُخْرى راجِعًا لتقديرِ الخليفةِ وَفْقَ ما يَراهُ منْ مصلحةِ المسلمينَ، ولا يُلْتَفَتُ إلى الضغوطِ الدوليَّةِ المُتَذَرِّعَةِ بحمايةِ البيئةِ لتحديدِ ما يُحْمى منْ أراضي الدولةِ الإسلاميَّةِ. وَتُراعى أَيْضًا في حِمايَةِ الأَراضِي وَزِراعَةِ الغاباتِ قَضِيَةُ مُقاوَمَةِ التَّصَحُّرِ، وَتُشَجِّعُ الدولةُ رَعِيَّتَها كذلكَ على زراعةِ المناطقِ التي تُعاني منْ خطرِ التَّصَحُّرِ منعًا لامتدادِهِ.
4- الصرف الصحي:
الصرفُ الصحيُّ هوَ الإدارةُ السليمةُ بيئيًّا وصحيًّا للنفاياتِ، وهوَ يَشْمَلُ تصريفَ مياهِ المجاري والأمطار... ومعالجة مُخَلَّفاتِ الصناعةِ والزراعةِ على نَحْوٍ يحمي البيئةَ وصحةَ الرعيةِ منْ تأثيراتِ هذهِ الفضلاتِ.
وتكمنُ أهميةُ الصرفِ الصحيِّ في الضررِ الجَسِيمِ الذي يمكنُ أنْ يُسَبِّبَهُ سوءُ الإدارةِ في هذا المجالِ على التوازُنِ البيئيِّ وصِحَّةِ الجماعةِ، فالتقديراتُ تُشيرُ إلى أَنَّ 88% منَ العبءِ العالميِّ للأمراضِ يُعْزَى إلى إمداداتِ المياهِ غيرِ المأْمونةِ وانعدامِ الصرفِ الصحيِّ والنظافةِ الصحيةِ. ويعيشُ 2.6 مليارِ شخصٍ في العالمِ -منهمْ مِليارُ طفلٍ على وجهِ التقريبِ- في ظلِّ انعدامِ القواعدِ الأساسيةِ للصرفِ الصحيِّ. وَتُشِيرُ التقاريرُ الغربيةُ إلى أَنَّ طفلاً واحدًا يُفارِقُ الحياةَ كلَّ عشرينَ ثانيةً نتيجةَ رَداءَةِ الصرفِ الصحيِّ، أيْ ما يقاربُ 1.5 مليونَ وفاةٍ سنوياً. وقدْ اعتبرتِ المجلةُ الطبيةُ البريطانيةُ في استطلاعٍ أجرتهُ معَ مجموعةٍ منَ المختصينَ أَنَّ الإنجازَ الصحيَّ الأهمَّ مُنْذُ سنةِ 1840م هوَ الصَّرْفُ الصحيُّ، وقدْ فاقَ في الأهميةِ اكتشافَ المُضَادَّاتِ الحيويةِ وجميعَ إِنجازاتِ القرنِ العشرين الطبيةَ.
لذلكَ كانَ منَ الواجبِ على الدولةِ أَنْ تُهَيِّئ شبكاتٍ للصرفِ الصِّحِّيِّ في التجمعاتِ السَّكَنِيَّةِ لتصريفِ مياهِ المجاري والفضلاتِ، وأنْ تقومَ أيضًا بإنشاءِ مراكزَ لعلاجِ هذهِ الفضلاتِ، بِدَفْنِها أو حرقِها أوْ إعادَةِ تدويرِ النفاياتِ غَيْرِ النجسَةِ منها واستغلالها مُجَدَّدًا، منْ بابِ رعايةِ الشؤونِ ومنعِ الضررِ. ومن هذا البابِ أيضًا ينبغي أنْ تكونَ المزابلُ ومراكزُ مُعالجةِ الفضلاتِ بعيدةً عنْ التجمعاتِ السكنيةِ ومواردِ المياهِ.
أمَّا بالنسبةِ لإعادةِ تدويرِ الفضلاتِ النجسَةِ كالبَرَازِ والبَوْلِ وغيرِها وتحويلِها إلى موادَّ نقيةٍ لاستعمالِها مُجَدَّدًا، فلا يجوزُ شرعًا، لأنَّ النجاساتِ لا يحلُّ الانتفاعُ بها مُطْلَقاً، لا بالاستعمالِ ولا بالبيعِ ولا بالإهداءِ ولا بالإرثِ، ولا تُعدُّ مالاً محترماً مُقوَّماً شرعاً، باستثناءِ جِلْدِ الميتَةِ بعدَ دباغِهِ، لورودِ النصِّ باستثنائهِ، فقدْ جاءَ في السُّنَنِ الكبرى لِلْبَيْهَقِيِّ أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قالَ: "طَهُورُ كُلِّ إِهَابٍ دِبَاغُهُ"، وَقالَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ رُوَاتَهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ.
وعليهِ فإنَّ ما تقومُ بهِ بعضُ الدولِ منْ تَقْطِيرِ الأَبوالِ والعِذَرِ كمياهِ مجاري المُدُنِ لِتَسْتَخْرِجَ مِنْها الماءَ المُقَطَّرَ لاستعماله والانتفاع به هو حرامٌ لا يجوزُ للمسلمينَ أنْ يفعلوهُ، بل الواجب التخلص من هذه النجاسات بدفنها أو حرقها... وإذا رأت الدولة الإسلامية أن التخلص منها بعد تحويلها إلى مواد أساسية هو أفضل للبيئة وإبعاداً للضرر عن الرعية، كتحويلها إلى مياه مقطرة ثم إعادتها للبحار أو دفنها، إذا رأت ذلك، فإنه يجوز للدولة هذا الفعل بالفضلات النجسة للتخلص منها وليس لاستغلالها أو استعمالها. وذلك لأن الحرمة واقعة على الانتفاع بالنجاسة، أما مجرد تكريرها للتخلص منها دون الانتفاع بها، بل لإزالة الضرر الناتج عنها، فلا حرمة فيه.
5- الهندسة الصحية للبيئة السكنية:
إنَّ هندسةَ المُدُنِ والتجمعاتِ السكنيةِ في الدولةِ الإسلاميةِ يجبُ أَنْ تُراعي صحةَ الرعيةِ وراحَتَهُم، وذلكَ بالحدِّ منَ التَّلَوُّثِ وَالضجيجِ والضوضاءِ بأَنْ تكونَ البيوتُ بعيدةً عنِ المصانعِ وورشاتِ العملِ المختلفةِ، وأنْ تكونَ الطرقُ السريعةُ والقطاراتُ والمطاراتُ معزولةً عنِ البيوتِ والسُّكانِ بحواجزَ صَوْتِيَّةٍ.
وعلى الدولةِ أيضًا أنْ تمنعَ الأفرادَ منْ إصدارِ الضجيجِ في أوقاتِ الراحةِ كساعاتِ الليلِ، وقدْ قالَ لُقْمَانُ لابنِهِ وهوَ يَعِظُهُ: (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان 19]. وتقومُ الدولةُ بهذا المنعِ إزالةً للضررِ الواقعِ بالرعيةِ جَرَّاءَ هذهِ الضوضاءِ، ويتولَّى المحتسبُ مسؤوليةَ مُراقبةِ وعلاجِ هذا الجانبِ كَوْنَهُ منَ المخالفاتِ التي تضُرُّ حَقَّ الجماعةِ.
وَقَدْ نَقَلَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ في الفتحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ فِي "أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ" بِإسْنَادٍ لَهُ إِلَى أَبِي مَوْدُودٍ قَالَ: "رَأَى عُمَر بْنُ الْخَطَّابِ كِيرَ حَدَّادٍ فِي السُّوقِ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ حَتَّى هَدَمَهُ"، ولا يَخْفَى أَنَّ الكيرَ -وَهُوَ الزِّقُّ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ الْحَدَّادُ أَوْ حانوتُ الحَدَّادِ- يُسَبِّبُ الأَذَى وَيُلَوِّثُ الهَوَاءَ بِدَخَنِهِ وَخُبْثِهِ وَضَجِيجِهِ، وَلِهذا أزالَهُ أميرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ مِنَ السوقِ لأَنَّهُ مَكَانٌ عَامٌّ يَؤُمُّهُ النَّاسُ.
وتهتمُّ الدولةُ بأنْ تُصَمَّمَ هندسةُ المُدُنِ والتجمعاتِ السكنيةِ بشكلٍ يَسْمَحُ بالتهوِئَةِ السَّليمَةِ، ويمنعُ اكتظاظَ السُّكانِ، وَيُسَهِّلُ عَمَلِيَّةَ الصرفِ الصحيِّ وتنظيفَ الشوارعِ وإزالةَ النفاياتِ.
ويجبُ على الدولةِ أنْ تُراعي المشلولينَ والعميانَ وأصحابِ الإعاقاتِ المختلفةِ بتسهيلِ المواصلاتِ والطُّرُقِ ومُلائَمَتِها لحاجاتهمُ الخاصَّةِ، وخاصةً في المؤسساتِ العامةِ كالمدارسِ وبناياتِ الدولةِ، وهذا منْ رعايةِ الشؤونِ الواجبةِ على الإمامِ. وكذلكَ على الدولةِ أَنْ تَهْتَمَّ بإنشاءِ المُتَنَزَهاتِ والملاعبِ الآمنةِ للأطفالِ وبقيةِ السكانِ بحيثُ لا يتعرضُ الأطفالُ لمخاطرِ اللعبِ في الأماكنِ غيرِ الآمنةِ.
[يتبع]

الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:28 PM
مشاركة #5


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



مشكلة البيئة من إفرازات الرأسمالية الجشعة أسبابها وكيفية معالجتها في نظر الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم 41]. بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي الذي تعقده الأمم المتحدة في العاصمة الدنمركية كوبنهاجن ما بين 7-18/12/2009م حول مشكلة البيئة، أصدر حزب التحرير - الدنمرك كتيباً تناول فيه مشكلة البيئة وبيّن أسبابها وكيفية معالجتها من وجهة نظر الإسلام. ونحن نعرض هنا في المجلة بعض ما ورد في الكتيب.
الواقع والمشكلة
إن البيئة أو البيئة الطبيعية بمفهومها الواسع مصطلح يشمل جميع الكائنات الحية والأشياء غير الحية التي توجد أو تحدث بشكل طبيعي على الأرض أو على جزء منها. ولقد شهدنا ولمدة طويلة كوارث بيئية متتالية، فالدول والشركات الغربية أتلفت مباشرة أو بطريق غير مباشر الغابات والأنهار وقضت على الكثير من الحيوانات حتى أصبح بعضها مهدداً بالانقراض، الأمر الذي دعا منظمات حماية الحيوان إلى جمع التواقيع المستنكرة لهذه الأعمال. وفي هذه الأيام يتم إرسال ملايين من أطنان النفايات من الدول الغربية الصناعية إلى ما يسمى دول العالم الثالث وقد أصبحت هذه الأعمال تجارة ضخمة رابحة. وكان من نتيجة ذلك تلوث الأراضي والأنهار في تلك البلدان لأن جزءاً كبيراً من هذه النفايات هو نفايات سامة من مثل البطاريات، والرصاص الثقيل وهي ذات تأثير مباشر على الجهاز العصبي للإنسان. وقد أدى ذلك إلى وفاة كثير من العمال وإلحاق الضرر بآلاف آخرين.
لكن نقاش موضوع البيئة والمناخ الذي دار بين الإعلاميين والسياسيين الغربيين أدى إلى إيجاد سوء فهم هيأ لإهمال قضايا حقيقية متعلقة بالبيئة بأكملها، فالبعد الواسع الذي أخذه النقاش حول المناخ قد صرف الأنظار عن التركيز على بقية المشاكل البيئية التي يواجهها العالم الآن! ولذلك فإن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على التغيير المناخي والحد من انبعاث أوكسيد الكربون، بل يجب أن يركز على السلوك المتهور، الذي تقوم به الدول والشركات الغربية إلى جانب النقاش حول البيئة، بما في ذلك تغير المناخ، وكيفية تأثيره على البشر. فالحد من انبعاث أوكسيد الكربون وحده، في الوقت الذي يلوث فيه العالم بكل وسيلة، لن يزيل الكوارث البيئية التي كان للعالم الثالث النصيب الأكبر منها. ولذا فإن المجادلات والمناظرات العلمية الجارية حول تأثير سلوك الإنسان البيسط في تسغيير المناخ هي في واقع الأمر نقاشات مضللة. ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة الأمور العلمية التجريبية، غير أنه ينبغي لفت النظر إلى أن الجامعات والمؤسسات العلمية في الغرب تعتمد في تمويل كثير من أبحاثها على المساهمات المقدمة من الشركات، الأمر الذي يجعل طبيعة هذه الأبحاث والنتائج التي تصل إليها محل شك ونظر، خصوصاً إذا تعلق الأمر بمصالح الشركات الكبرى.
إن ما يجب أن يناقش هو: كيف يمكن تجنب المخاطر البيئية كلها؟ وما هو سبب الكوارث البيئية التي شهدها العالم؟ ومن الذي يتحمل المسؤولية عن ذلك؟ وهل السعي لتحقيق التقدم الاقتصادي لابد أن يكون على حساب البيئة؟
الحل الرأسمالي للقضية
من اتفاقية كيوتر إلى مؤتمر كوبنهاغن 15 (Cap and trade system Kyoto to COP15).
الجزء الأول
جعل القضية قضية عرض وطلب.
إن نظام الحصص المتعلق بثاني اوكسيد الكربون (كاب أند تريد سيستم Cap and trade system) هو جزء لا يتجزأ من بروتوكول كيوتو واتفاقية الاتحاد الأوروبي (EU-ETS)، وسيكون أيضاً جزءاً من الاتفاقية الجديدة التي سيخلص إليها مؤتمر القمة في كوبنهاغن (COP15). إذا ما توصل المجتمعون إلى اتفاق.
وحسب هذا النظام فإن الدول المشتركة هي التي تخبر عن كمية ثاني أوكسيد الكربون المنبعث من صناعاتها، وتلتزم هذه الدول بتخفيض الكمية المخبر عنها بنسبة لم يتفق عليها حتى الآن هل هي عشرون بالمئة أو أكثر. وطريقة ذلك أن الشركات الموجودة في هذه الدول تكون لها نسبة محددة من الكمية المعطاة للدولة وعلى هذه الشركات تحفيض نسبة الانبعاثات على مر الزمن وبذلك تنخفض الانباثات إلى الحد الذي ألزمت به الدولة نفسها. ويحق للشركات التابعة للدول الموقعة أن تستخدم كل الكمية المخصصة لها من الانبعاثات أو تكتفي بكمية أقل من ذلك، ولهذه الشركات الحق في بيع ما يفيض عن الكمية المحددة لها في السوق العالمية لشركات أخرى تود أن تزيد من كمية ثاني أوكسيد الكربون المنبعث نتيجة لزيادة صناعتها. وبذلك أصبح ثاني أوكسيد الكربون سلعة تحدد أسعارها حسب قاعدة العرض والطلب. يقول نيكولاس ستيرن (كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي) معلقاً على (Cap and trade system) "إنه أعظم فشل للسوق شهده العالم". ففي هذه الاتفاقيات المتعلقة بالمناخ قد تُرِك لنظام السوق أن يقرر حل مشكلة المناخ كما برز جلياً من خلال كيوتو وEU-ETS حيث يوجد حق الملكية للتلويث.
لقد كفل نظام الحصص المخصصة لثاني أوكسيد الكربون حق الملكية في التلويث وجعلها تتركز بأيدي الشركات الغربية الأكثر قوة والأكبر ثروة. وبهذا فقد نظم النظام الرأسمالي حقوق التلويث بنفس الطريقة التي نظم بها حقوق استخراج النفط، وحقوق التعدين وغيرها من ثروات الأرض مما أدى إلى تراكمها في أيدي أولئك الذين لديهم السلطة والثروة، وبناء على هذا التنظيم يؤدي نظام حق التلويث إلى الاحتكار، وهو لا يخدم إلا الشركات الغربية الكبرى صاحبة اليد الطولى في الإضرار بالبيئة.
وبالنتيجة فإن الحلول الغربية والاتفاقيات المطروحة لحل مشكلة المناخ ما هي إلا ضمان بأن لا يكون المناخ واليبئة عائقين أمام الشركات الغربية في زيادة التلويث إذا ما كان ذلك ضرورياً للنمو الاقتصادي وتحقيق الربح، وهذه الحلول المستندة إلى سياسة السوق تجعل البيئة فريسة لجشع أولئك الذين سببوا هذه الأزمات البيئية.
الرأسمالية هي التي تسبب أزمات بيئية
إن مشكلة البيئة ليست الفشل الوحيد للنظام الرأسمالي الذي يسبب أزمة تليها أخرى، وليس آخرها ما شهدناه في الأعوام القليلة الماضية من أزمات غذائية، ومالية واقتصادية عالمية جعلت مئات الملايين من البشر في فقر مدقع في حين أتاحت لقلة قليلة من الناس أن تملك ما لا يمكن للعقل البشري أن يتخيله.
ويكمن السبب في عجز الرأسمالية عن تقديم الحلول الصحيحة للمشاكل التي يواجهها البشر في عقيدتها القائمة على فكرة الحل الوسط التي تجعل عقل الإنسان العاجز مشرعاً. ففكرة فصل الدين عن الحياة تركت الناس تحت سيطرة المشرعين الرأسماليين الذين يرون أن الغاية من الحياة هي الحصول على أكبر قدر ممكن من المتع المادية وأن المقياس لأي عمل هو المنفعة دون أخذ أي شيء آخر بعين الاعتبار. كما يكمن في نظرتها إلى المشكلة الاقتصادية بأنها قلة الموارد مقابل الاستهلاك المتجدد والتعدد (الندرة النسبية) مما جعلها تصرف الهم كله إلى الإنتاج على حساب التوزيع وعلى حساب سد الحاجات الأساسية لأفراد الناس من مسكن ومأكل وملبس، فصرنا نرى مثلاً في معقل النظام الرأسمالي، الولايات المتحدة، زيادة في حجم الإنتاج عام 2003م بينما ارتفع عدد الفقراء هناك بزيادة 1.3 مليون شخص عما كان عليه من قبل.
ثم إنه لا أخلاق في الأعمال الاقتصادية في النظام الرأسمالي، فهو اقتصاد يبحث فقط عن القيم المادية، ويرى في تعاظم ثروة الفرد مفتاح النجاح بغض النظر عن العواقب التي تترتب على ذلك فيما يتعلق بالمجتمع والطبيعة، وهذا ما عبر عنه أبو النظام الرأسمالي آدم سميث حين قال بأن الجشع هو الأخلاق للفرد وهذا الجشع هو الذي يسير الاقتصاد.
إن النتائج المترتبة على مثل هذه الفلسفة مدمرة للبشرية والبيئة وقد شهدنا تدمير الأنهار والغابات والأراضي الزراعية وتلويثها بسبب تصرفات الشركات الغربية في جميع أنحاء العالم.
فقد قامت هذه الشركات بإزالة الغابات الكبرى في العالم، سواء كان ذلك في إندونيسيا أم أميركا الجنوبية، لتصبح هذه الغابات -التي تسهم مباشرة في خفض كمية ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي- قريباً أثراً بعد عين، والمضحك أن هذه الشركات هي نفسها التي تتحدث عن حماية البيئة والمناخ.
وشاهد الناس في أميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا وحتى أوروبا الأرض التي اعتادوا العيش عليها قد تم تلويثها، حتى إن أطفالهم أصبحوا يولدون مشوهين خَلقياً، وصار الناس بفعل النفايات السامة التي تُرمى في البحار والأنهار والبحيرات يصابون بأمراض غريبة. وفي الوقت الذي يُتحدث فيه عن الحد من ثاني أوكسيد الكربون لإنقاذ المناخ، ترسل النفايات السامة إلى بلدان العالم الثالث حيث تلوث هذه النفايات الأرض وتقتل الناس وتتلف الأراضي الزراعية وتقضي على الأسماك. فنهر النيل مثلاً قد تلوث إلى درجة أن الناس الذين يشربون منه يعانون من مشاكل صحية كبيرة، فقد صرح طارق سمير أحد العاملين في مصلحة إدارة المياه التابعة للمركز الوطني للبحوث قائلاً: «هناك مناطق من نهر النيل وفروعه ملوثة بسبب مياه الصرف الصناعية غير المعالجة والتي تصب مباشرة في النهر» وأضاف: «إن المركبات العضوية المذابة، والتي تنتج عن التصنيع والزراعة ومياه الصرف الصحي التي تصب في نهر النيل، تبقى حتى بعد علاج الماء بالكلور في محطات معالجة المياه الصالحة للشرب».
إن حماية البيئة ذات تكاليف كبيرة، وعندما يكون الربح هو الهدف الوحيد فإن أي شركة ستسعى لخفض التكاليف لديها، وهذا يعني أنه وفق المنطق الرأسمالي فهناك تناسب عكسي بين حماية البيئة وزيادة حجم الأرباح كما هو الحال بين حماية كرامة الإنسان وزيادة حجم الأرباح. وإذا كان تطبيق الرأسمالية هو الذي أدى إلى هذا الدمار المشاهد الذي يعاني منه الإنسان والبيئة، فللعاقل أن يتساءل عن الدافع الذي يمكن أن يجعل الرأسماليين يهتمون بحياة البشر المستقبلية وبالحفاظ على البيئة وحمايتها!
وجهة النظر الإسلامية
وجهة النظر الإسلامية في الحياة تقوم على الاقتناع المطلق بأن الإنسان والحياة والكون لها خالق خلقها هو الله سبحانه وتعالى، وأن الإسلام هو الرسالة التي أنزلها الخالق القدير إلى البشرية ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. والإنسان إذا ما اقتنع قناعة عقلية جازمة بهذه العقيدة واطمأن بها قلبه، فإنه يجعلها الأساس لأفكاره والمقياس لأعماله كلها. لذا، يعتقد المسلم أن الله الخالق سبحانه وتعالى أنزل الرسالة الخاتمة التي تقرر ما هو الخير وما هو الشر وما هو الحق وما هو الباطل، وهو يرجع في كل شؤون حياته وحل مشاكله إلى العقيدة الإسلامية التي ينبثق عنها نظام شامل للحياة ينظم جميع احتياجات الإنسان بغض النظر عن الزمان والمكان ودون تأثر بالبيئة أو الظروف أو المصالح الفردية.
ثم إن العقيدة الإسلامية تعالج مشاكل الإنسان آخذة بعين الاعتبار جميع القيم الروحية والإنسانية والأخلاقية والمادية مراعية إياها على نحو منتناسق محقق جميع القيم، فلا تقدم القيمة المادية على باقي القيم أو تتجاهل إحداها على حساب الأخرى، بل يتم التنسيق بينها جميعها. والحكم على المجتمعات يكون على أساس التناسق بين هذه القيم الأربع وليس فقط على أساس التقدم المادي حيث المقياس هو الناتج المحلي الإجمالي أو غيره من المؤشرات الاقتصادية. إن التقدم المادي والنمو الذي يكون على حساب بقية شعوب العالم أو الطبيعة، لا يمكن أبداً أن يكون المقياس الصحيح للمجتمع الصالح.
غير أن التوازن بين هذه القيم الأربع لن يحدث أبداً إذا ترك التشريع للإنسان استناداً إلى حقيقة أن الإنسان غير قادر على التجرد من مصالحه الخاصة ورغباته حين وضعه للتشريع، ففهم الإنسان للتنظيم عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض والتأثر بالبيئة التي يعيش فيها مما ينتج النظام المتناقض المؤدي إلى شقاء الإنسان. وحال العالم اليوم بما يطغى فيه من الفساد والظلم والضرر بالإنسان والطبيعة خير دليل على عجز الإنسان عن تشريع نظام صالح يبين ما هو الخير وما هو الشر.
والإسلام لا يمنع الناس من الاستمتاع بنعم الله ولا يمنع العمل والكسب والغنى، بل يجعل العمل لازماً لتقدم حياة الإنسان ولقيامه بواجباته، قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [الأعراف 32]. لكن الذي لا يرتضيه هو تخمة البعض بينما يوجد من لا يشبع حاجاته الأساسية، ولذا فإن الإسلام يرى أن المشكلة الاقتصادية هي توزيع الثروة لا الندرة النسبية، فلا يجعل همه منصرفاً إلى زيادة الإنتاج، بل إلى مكافحة فقر الأفراد، وهو يضمن التوازن بين رعاية الجماعة والفرد فلا يلغي احتياجات الأفراد لصالح الجماعة ولا يقدم احتياجات الفرد على حساب الجماعة. والإسلام لا يقبل الظروف غير الإنسانية التي تعيشها الغالبية العظمى من سكان الأرض تحت حكم النظام الرأسمالي بسبب قلة قليلة تطارد الثروات دون شبع. إن الإسلام بنظرته هذه يوجد الفرد الذي يستشعر رقابة الله تعالى في كل أموره ويلتزم أوامر الله ويجتنب نواهيه طواعية حتى لو ترتب على ذلك خسائر مادية، ويكون بعيداً كل البعد عن الجشع والاستهلاك المفرط، ويحكم النشاط الاقتصادي بأحكام شرعية، وقيم أخلاقية وروحية تحول بينه وبين تحوله إلى نشاط اقتصادي مادي صرف لا يعمل حساباً لغير الربح. وهو بذلك يقضي على جذور السلوك الإنساني المفضي إلى خلل في التوازن البيئي. إن الإسلام يقوم على توجه واحد هو (ما يجب أن يكون عليه المجتمع، ما يجب أن تكون عليه الحياة، ما يجب أن يكون عليه الناس) وهذا لا يحدده تماماً ولا يعرف طريقه إلا خالق الإنسان ومشرعه.
نظرة الإسلام للبيئة
إن الإسلام لم ينظر إلى علاقة الإنسان بالطبيعة على أنها علاقة صراع وتضاد، بل جعلها علاقة تكامل، لأن الكون والحياة هي من خلق الله تعالى مثل الإنسان، وقد سخر الله سبحانه الكون لصالح الإنسان، وأناط بالإنسان عمارة الأرض، قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) [إبراهيم 32-33] وقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة 30]. وعمارة الأرض تقتضي الحفاظ عليها وعدم الإفساد فيها لا مادياً ولا معنوياً، قال تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف 56]. وقد جعل الإسلام الإفساد في الأرض جريمة منكرة، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [البقرة 204-205]. كما بين الإسلام أن في الكون وفي الأرض توازناً وتقديراً دقيقاً مقصوداً، قال تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) [الحجر 19]. وقال: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر 49]. إن هذه النصوص القرآنية وأمثالها تكفي وحدها لبيان نظرة الإسلام إلى الطبيعة والبيئة، وتدل على ضرورة الحفاظ على البيئة وحرمة الإخلال بتوازنها، وتجعل المسلم يحرص كل الحرص على عمارة الأرض وحسن القيام عليها وعلى مصالحه فيها. غير أنه وردت نصوص شرعية كثيرة في القرآن والسنة تتعلق بتفاصيل الحفاظ على البيئة، وهي تدل على أن الإسلام لم يكتفِ بالخطوط العريضة في ذلك بل تعداها إلى التفاصيل بحيث يحول بين الناس وإفساد البيئة وتلويثها، ولا يترك تقدير تعامل المسلم مع الطبيعة لأهوائه الفردية يتصرف حسب مصالحه دون مراعاة لها ولحياة الناس فيها، ونحن نذكر طرفاً من الأحاديث النبوية كأمثلة على غيرها.
- ففي التعامل مع الماء:
ما جاء من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» (البخاري ومسلم).
وما رواه معاذ بن جبل (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ» (أبو داود وابن ماجه).
وما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنه) «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ» (ابن ماجه).
- وفي أمر الزرع والنبات:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (البخاري).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» (أبو داود وأحمد).
وقال عليه الصلاة والسلام: «إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» (أحمد).
وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوصي أصحابه حينما يبعثهم للجاهد فيقول: «انطلقوا باسم الله، وفيه: ولا تعقرن شجرة إلا شجرة يمنعكم قتالاً، أو يحجز بينكم وبين المشركين» البيهقي.
- وفي أمر الحيوان والطير:
ما جاء عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلاَ خُفَّهُ مَاءً، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لأَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» (البخاري).
وما جاء عن ابن عمر (رضي الله عنهما) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» (البخاري).
وما جاء عن أنس قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ» (مسلم)، ومعنى تُصْبر: تُوثَقُ ثُمَّ تُقْتَلُ رَمْياً وضَرْباً.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَا مِنْ إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا إِلا سَأَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا وَلا يَقْطَعُ رَأْسَهَا يَرْمِي بِهَا».
فهذا غيض من فيض النصوص الشرعية المتعلقة بالبيئة وهي تظهر في مشهد فريد مدى اهتمام الإسلام بالطبيعة وتري أن الله خلق الطبيعة وسخرها للإنسان وجعله حارساً لها يستمتع بها لا مدمراً لها.

مجلة الوعي
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:34 PM
مشاركة #6


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



الفقر بين الإسلام والرأسمالية (مفهوماً ومعالجة)الفقر بين الإسلام والرأسمالية (مفهوماً ومعالجة)
إن من أعظم المصائب التي لحقت بأمة الإسلام في هذا العصر عقب غياب الحكم بما أنزل الله وبعد وقوعها فريسة للكافر المستعمر، ما حل بأبنائها من فقر واحتياج وعوز لم تشهد مثله من قبل رغم ما تعجّ به بلادها من ثروات وخيرات هائلة، منها الزراعية، ومنها المائية، ومنها الظاهر، ومنها الدفين كالطاقة التي هي عصب الحياة الصناعية وروحها، ومنها ما يتعلق بعمقها الجغرافي، ومنها ما يتعلق بعمقها البشري. أضف إلى ذلك أنها تحيا في عصر التقنية والتطور المادي وسرعة الاتصال ويسر المواصلات. رغم كل هذا تجدها -أي الأمة الإسلامية- تصنف في عداد الأمم الفقيرة، بل المنحطة التي تعتاش على فتات الأمم الكافرة والدول المستعمرة.

أسباب وجود الفقر:
إذا ما تجاوزنا وصف واقع الفقر الذي كثر واصفوه، وأخطأ مشخصوه، وقل معالجوه العلاج الصحيح الشافي، وأردنا أن نلقي نظرة نجمل فيها أسبابه نجدها في أمور أهمها:
1- غياب الحكم بما أنزل الله في شؤون الأمة عامة، وفي الحياة الاقتصادية خاصة، إذ استبدل الكفر جميعاً بأحكام الإسلام كافة، فغدت الأمة في مشارق الأرض ومغاربها تخضع لأحكام الكفر التي جرّت عليها ويلات تتلوها ويلات، ومصائب تعقبها مصائب، وكانت مصيبة الفقر أبرزها.
2- تجزئة الأمة الواحدة ذات الكيان الواحد والحاكم الواحد إلى كيانات متعددة مختلفة منتافرة، مما فرق شمل خيراتها ومواردها وجعلها نهباً لفئات متسلطة، يَـدَّعون أنهم حكام وما هم بحكام، وحرمها من تكامل اقتصادي يغنيها عن العالم أجمع، بل يؤهلها لتسنم مجدٍ لا يُشق له غبار.
3- الاستعمار الذي ما زال يجثو على صدرها، ويلقي بظلاله على جميع جوانب حياتها، ولا سيما الجانب الاقتصادي، حيث أصبحت بلاد المسلمين إحدى مصالحه الحيوية التي يستعد للدفاع عنها والتشبث بها ولو كلفه ذلك الغالي والنفيس، فكانت -وكما تقول أميركا- جزءاً من أمنها القومي، وأبرز معالم هذا الاستعمار:
أ- نهب المواد الخام وموارد الطاقة.
ب- استخدامها أسواقاً لسلعهِ ومنتوجاتهِ، والتفنن في ذلك حتى أدخل معظم الدول القائمة في العالم الإسلامي في ما يسمى بمنظمة التجارة الدولية، حيث رفع الجمارك وتقليص دور الدولة في التجارة الخارجية.
ج- وضعها في قفص المديونية، فلا توجد دولة من هذه الدول إلا وقد وقعت في المديونية للمؤسسات الاستعمارية.
د- تطبيق أحكام النظام الاقتصادي الرأسمالي عليها، فاستباحت الربا، والاحتكار، والتسعير والشركات المساهمة، والتأمين، وتغير مفهوم الملكية لديها واختلفت أسبابها وطرق تنميتها، ومفهوم التجارة الخارجية.
هـ - اشتغالها بالأزمات التي تستدعي تمويلاً يستنـزف خيرات البلاد دون أن تحقق نتيجة ترجى.
و- جعل وجهة نظر المستعمر في الحياة وفي الاقتصاد قِـبْـلةَ المسلمين في حل مشاكلهم الاقتصادية، والتي تتلخص في القروض والضرائب وتقليص دور الدولة في رعاية شؤون الناس، والذي يعرف بالخصخصة وفتح البلاد أمام الاستغلال أو الاستثمار الأجنبي وتأجير البلاد كقواعد عسكرية... إلخ.
4- غياب مفهوم رعاية الشؤون عن الدولة وعن الأمة، إذ إن الدولة في الإسلام تعني رعاية شؤون الناس داخلياً وخارجياً أفراداً وجماعةً، وهذا أمر كان مفهوماً عند الحكام ومن ناب عنهم، فاستقاموا وجهدوا في تحقيقه على أحسن وجه. وكان أيضاً مفهوماً عند الأمة التي ما توانت في محاسبتهم كلما رأت منهم تقصيراً أو تجاهلاً لشأن من شؤونها، إلا أن الأمر قد انقلب رأساً على عقب، فجاءنا حكام لا يعرفون إلا رعاية شؤون أنفسهم، والمحافظة على مصالح ساداتهم الكفار المستعمرين، والتسلط على الناس وإذلالهم وأكل حقوقهم، فأوجدوا جواً مفعماً بالظلم والجهل والفقر، فغاب عن الناس مفهوم الرعوية، فغدوا يرون البلاد والعباد ملكاً لهؤلاء الحكام يتصرفون فيه تصرف المالك بملكه، ولا يرون لأنفسهم حقاً عليهم، بل رأوا أنفسهم مسؤولين عن شؤونهم الخاصة والعامة، ولا أدل على ذلك من ترنحهم في الفقر والهوان دون أن يلتفتوا إلى حكامهم لمطالبتهم بما يصلح حالهم. والأدهى من ذلك أن ترى وجوههم تعلوها البهجة والسرور والعرفان بالجميل، إذا ما فطن الحاكم لبعض مآسيهم، وتصدق عليهم بفتات ما نهب منهم.
النظرة الرأسمالية للفقر:
ينطلق الرأسماليون في نظرتهم للفقر من نظرتهم للمشكلة الاقتصادية التي يسعون لحلها ويسمونها نظرية الندرة النسبية للسلع والخدمات، والتي تنص على كثرة الحاجات وقلة وسائل إشباعها، أي عدم كفاية السلع والخدمات الموجودة في هذا الكون لإشباع حاجات الإنسان المتجددة والمتزايدة إشباعاً كلياً. فالمشكلة عندهم إذن هي الحاجات والموارد وليس الإنسان، أي هي توفير الموارد لإشباع الحاجات، وليس إشباع حاجات كل فرد من الأفراد، فخلطوا بذلك بين علم الاقتصاد والنظام الاقتصادي، فكانت الدراسات الاقتصادية تدور حول العمل على زيادة ما يستهلكه مجموع الناس من السلع والخدمات. أضف إلى ذلك أنهم عرّفوا الحاجة بأنها الرغبة، فكل ما ترغب فيه فأنت تحتاجه، ولم يميزوا بين حاجات أساسية فطرية في الإنسان وهي المأكل والملبس والمسكن، وبين حاجات كمالية تتغير وتتطور كلما تقدمت المدنية، وهذا هو السر في ادعائهم ازدياد الحاجات. وذهبوا إلى ما هو أخطر عندما اعتبروا هذه الرغبة هي مقياس المنفعة في الشيء، فالرغبة في الشيء هي التي تجعله نافعاً اقتصادياً أو غير نافع.
ومن هذه النظرة التي تقوم على أساس الندرة النسبية للسلع والخدمات، وأن الحاجة هي الرغبة، وأن هذه الخدمات تتغير تبعاً للتطور المادي والمدني، عرفوا الفقر بأنه عدم القدرة على إشباع الحاجات من سلع وخدمات، وأنه يختلف باختلاف الأمم والأشخاص، فهو شيء نسبي اعتباري، فالأمم المنحطة تكون حاجات أفرادها محدودة في السلع والخدمات الضرورية، فيكون الفقر فيها عدم القدرة على الحصول على هذه السلع والخدمات. في حين أن الأمم المتمدنة المتقدمة مادياً تكون حاجات أفرادها كثيرة يحتاج إشباعها إلى سلع وخدمات أكثر، فيعتبر الفقر فيها غير الفقر في البلدان المتأخرة، فمثلاً يعتبر عدم إشباع الحاجات الكمالية في أوروبا وأميركا فقراً، في حين لا يعتبر عدم إشباع الحاجات الكمالية مع إشباع الحاجات الأساسية في مصر والعراق مثلاً فقراً، وهذا خطأ محض لأنهم جعلوا الفقر شيئاً اعتبارياً وليس حقيقياً، وهذا مخالف لواقع الفقر الذي لا يختلف باختلاف زمان أو مكان، أو بتقدم مدني أو انحطاط، ولأن التشريع أي تشريع موضوع للإنسان لا بد أن ينظر للإنسان عند وضع المعالجات للمشاكل بوصفه إنساناً يتكون من حاجات عضوية وغرائز لا بوصفه فرداً.
ولم تقف الرأسمالية عند الخطأ في تعريف الفقر، بل أنها أوجدته وساعدت في تكريسه عند نظرتها إلى توزيع الثروة، إذ يرون إنها تتم ضمن طريقتين: الأولى حرية التملك، فبعد توفير الموارد والثروات لمجموع الناس، يترك لهم حرية التملك، دونما تحديد لأسباب معينة له، أو إشارة إلى طرق تنمية معينة له، وهذا حتماً يؤدي إلى تركيز الثروة وحصرها في أيدي فئة قليلة، وحرمان فئات أخرى منها، أي يؤدي إلى سوء توزيع الثروة، فشاعت الاحتكارات الرأسمالية التي تعدت سيطرتها حدود المجتمعات الرأسمالية إلى باقي أنحاء العالم، فاستبد المنتجون بالمستهلكين وشاع الفقر والحرمان.
أما الطريقة الثانية عندهم لتوزيع الثروة فهي الثمن، فالثمن عندهم هو المنظم لتوزيع الثروة على أفراد المجتمع، فيقولون إنه القيد الذي يجعل الإنسان يتوقف عن الحيازة والاستهلاك عند الحد الذي يتناسب مع موارده. وبذلك يكون الثمن بارتفاعه لبعض السلع وانخفاضه لبعضها، وتوفر النقد عند البعض وعدم توفره عند الآخرين، يكون منظماً لتوزيع الثروة على المستهلكين، ويكون نصيب كل فرد من ثروة البلاد ليس بمقدار حاجاته الأساسية، وإنما هو معادل لقيمة الأعمال التي ساهم بها في إنتاج السلع والخدمات، أي بمقدار ما يحوز من مال.
وبهاتين القاعدتين حرية التملك والثمن يكون النظام الاقتصادي الرأسمالي قد قرر أنه لا يستحق الحياة إلا من كان قادراً على المساهمة في إنتاج السلع والخدمات أو امتلاكها بأي سبب يناسبه، أما من كان عاجزاً لأنه خُلِقَ ضعيفاً، أو لضعف طرأ عليه، فلا يستحق أن ينال من ثروة البلاد ما يسد حاجاته، وكذلك يستحق التخمة والسيادة والسيطرة على الغير بماله كل من كان قادراً على ذلك لأنه خُلِقَ قوياً في جسمه أو عقله، أو كان أقدر من غيره على الحيازة بأي طريق من الطرق.
أما تصورهم لحل مشكلة الفقر والقضاء عليه فهو على النحو التالي:
ما دامت المشكلة الاقتصادية هي محدودية الموارد، وتناقصها بالنسبة للحاجات المتزايدة غير المحدودة؛ كان تصورهم للحل هو توفير هذه الموارد، أي السلع والخدمات، بمعنى آخر هو رفع مستوى الإنتاج، أي زيادة ما يستهلكه الناس، مجموع الناس، لا الأفراد، فبرز عندهم ما يسمى بحجم الإنتاج الأهلي، وينظم هذا التوزيع بجهاز الثمن، فيترك للأفراد نوال ما يستطيعون من هذه الثروة كل بحسب ما يملك من عوامل إنتاجها، سواء حصل الإشباع لجميع الأفراد أو حصل لبعضهم دون البعض الآخر. وهذه معالجة خاطئة لا تؤدي إلى القضاء على فقر الأفراد ولا إلى رفع مستوى معيشتهم جميعاً؛ لأن الحاجات التي تتطلب الإشباع هي حاجات فردية مع كونها حاجات إنسان، ولأن معالجة فقر البلاد لا يعالج مشاكل فقر الأفراد فرداً فرداً، ولكن معالجة فقر الأفراد وتوزيع ثروة البلاد عليهم يؤدي حتماً إلى زيادة الدخل الأهلي، ولأن العوامل التي تؤثر في حجم الإنتاج وزيادة الدخل الأهلي يكون بحثها في علم الاقتصاد، أي في بحث المادة الاقتصادية وزيادتها، أما الفقر فبحثه متعلق بتوزيع الثروة بين الناس وهو ما يسمى بالنظام الاقتصادي.
أما نظرة الإسلام إلى الفقر فقد انطلقت من الاعتبارات التالية:
1- المشكلة الاقتصادية التي تواجه المجتمع هي توزيع ثروة البلاد الداخلية والخارجية على جيمع أفراد الأمة فرداً فرداً، بحيث يضمن إشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع الأفراد إشباعاً كلياً، وتمكين كل فرد منهم من إشباع حاجاته الكمالية.
2- حاجات الإنسان الأساسية من حيث هو إنسان هي: المأكل، والملبس، والمسكن، وهي لا تزيد، وإنما الذي يزيد ويتجدد هو حاجاته الكمالية، فالزيادة في الحاجات التي تحصل مع تقدم الإنسان في حياته المدنية إنما تتعلق بالحاجات الكمالية لا الحاجات الأساسية، وهذه يعمل لإشباعها ولكن عدم إشباعها لا يسبب مشكلة، بل الذي يسبب المشكلة هو عدم إشباع الحاجات الأساسية. هذا من جهة الحاجات، أما من جهة الموارد أي الأموال والجهود التي يسمونها السلع والخدمات الموجودة في العالم، فإنها كافية لإشباع الحاجات الأساسية والكمالية أيضاً.
3- زيادة الدخل الأهلي برفع مستوى الإنتاج هو أمر متعلق بواقع البلاد من حيث الموارد والثروات، ويبحث فيه علم الاقتصاد، ولا علاقة له بتوزيع الثروة الذي يبحث فيه نظام الاقتصاد. فهناك فرق بين علم الاقتصاد ونظام الاقتصاد.
وانطلاقاً من هذه الاعتبارات، نظر الإسلام إلى الفقر نظرة واحدة لا تختلف باختلاف زمان أو مكان، أو بانحطاط مدني أو تقدم، فاعتبره عدمَ إشباع الحاجات الأساسية إشباعاً كاملاً، وقد حدد الشرع هذه الحاجات الأساسية بثلاث هي: المأكل، والملبس، والمسكن، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة 233]، وقال عز وجل: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ﴾ [الطلاق 6]، وروى ابن ماجه عن أبي الأحوص قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهنّ كسوتهنّ وطعامهنّ»؛ وعليه فالحاجات التي يعتبر عدم إشباعها فقراً هي الطعام والكسوة والمسكن، أما ما عداها فيصنف ضمن الحاجات الكمالية التي لا يشكل عدم إشباعها مشكلة. وبناءً على هذه النظرة لمشكلة الفقر وضع الإسلام معالجات مباشرة وفورية للقضاء عليه، وحماية الأمة من مخاطره، تتمثل في توفير ما يسد حاجات الفقير مباشرة، وتحديد الجهات التي تتحمل مسؤولية ذلك، ووضع الإسلام أيضاً سياسة اقتصادية مثلى، يجنّب تطبيقُها والالتزامُ بها الأمةَ الفقرَ ويحميها منه، حيث تتساوق هذه السياسة ونظرته للمشكلة الاقتصادية، وتجعل من الفرد محوراً تدور حوله جميع أحكامها، حيث راعت فيه ثلاثة جوانب: الأول كونه إنساناً له حاجات أساسية يجب إشباعها جميعها إشباعاً كاملاً. أما الجانب الثاني فباعتبار فرديته، وذلك أن الحاجات الأساسية هي حاجات أفراد معينين وليست حاجات جماعة. وأما الجانب الثالث فباعتباره مرتبطاً مع غيره بعلاقات معينة تسير تسييراً معيناً، أي باعتباره يعيش في مجتمع معين له طراز خاص من العيش.
وهكذا يرى الإسلام أن الفقر ليس مشكلة أفراد عجزوا عن إشباع حاجاتهم الأساسية فحسب، بل يراه أيضاً مشكلةً تتعلق بالمجتمع من حيث الأثار التي يتركها، من مثل التفاوت الفاحش بين الأفراد في حيازة الثروة وإشباع الحاجات ما يُشعِرُ بوجود الطبقات، ومن حيث الآثار الاقتصادية الخطيرة التي يخلفها، وأهمها تلك التي تتعلق باستغلال ثروات البلاد وحرمان الجماعة من طاقات الأفراد، ومن حيث الفساد الذي يطرأ على علاقات الناس بعضهم ببعض من سرقة ونهب وحسد وتباغض مما يترك آثاراً سلبية على الأمن والاستقرار، وهكذا نرى أن الفقر هو مشكلة أفراد يعيشون في مجتمع معين له طراز خاص من العيش، فكان علاجه يتراوح بين العلاج المباشر وبين السياسة الاقتصادية التي هي أحكام شرعية تضمن الوقاية من الفقر والعلاج غير المباشر له. فهَاكُمُوها مختصرة:
المعالجة المباشرة:
وتكون من جانبين، الجانب الأول: فيما يتعلق بالفرد نفسه، حيث حثَّ الإسلامُ الفردَ على الكسب وعلى طلب الرزق، بل جعل السعي لكسب الرزق فرضاً على القادر المحتاج، روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صافح سعد بن معاذ، رضي الله عنه، فإذا يداه قد اكتبتا، فسأله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك فقال: أضربُ بالمر (الحبل) والمسحاةِ لأنفقَ على عيالي، فقبَّلَ (صلى الله عليه وآله وسلم) يدَه، وقال: كفان يحبهما الله تعالى.
أما الجانب الثاني: فقد جعل الشرع إعانةَ الفقير على غيره، حتى يتوفرَ له ما يشبع هذه الحاجات الأساسية، وقد فصلها على النحو التالي:
أ - أوجبها على الأقارب الذين يكونون رَحِماً محرّماً له، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ [البقرة 233]، أي على الوارث مثل المولود له من حيث الرزق والكسوة.
ب - إن لم يكنْ له أقارب ممن أوجب الله عليهم نفقة قريبهم انتقلت إلى بيت المال في باب الزكاة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاًّ فإلينا» والكـــلّ الضـــعيف الذي لا ولدَ له ولا والد، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ [التوبة 60].
ج - إنْ لم يَفِ قسمُ الزكاة من بيت المال في حاجات الفقراء والمساكين كان واجباً على الدولة أن تنفق عليهم من أبواب أخرى من بيت المال.
د - إن لم يوجد في بيت المال مالٌ يجب على الدولة أن تفرضَ ضريبة على أموال الأغنياء وتحصلها لتنفقَ على الفقراء والمساكين منها، فسدُّ حاجات الفقراء فرض على جميع المسلمين، قال عليه الصلاة والسلام: «أيُّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤٌ جائع فقد برئتْ منهم ذمةُ الله تبارك وتعالى» رواه أحمد. وقد ألزم الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) الأنصـارَ بإعالة المهـاجرين الفقـراء، وقال تعـالى: ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [الذاريات]، فكل ذلك يدل على أنه فرض على جميع المسلمين، وما كان فرضاً على جميع المسلمين كان على الخليفة بما عليه من واجب رعاية شؤونهم أن يحصل المال منهم؛ ليقوم بما هو فرض عليهم. والذين تجب عليهم النفقة من أقارب الفقير ويدفعون الضريبة من المسلمين هم من كانوا في حالة غناء، أي من استغنوا عن غيرهم، ويعتبر الشخص في غَناء إذا كان ممن تُطلَب منه الصدقة، أما من نهي عن الصدقة فلا؛ لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، والغنى كما حدده الفقهاء هو ما يقوم بقوت المرء من قوت مثله، وبكسوتهم كذلك وسكناهم وبمثل حاله من مركب وزي، روى مسلم عن جابر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا يقول فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك» ونفقة الإنسان عن نفسه هي سده لكفاية حاجاته التي تتطلب إشباعاً، وليست كفاية حاجاته الأساسية فحسب؛ وذلك لأن الشرع أوجب عليه نفقة زوجته بالمعروف، وقد فسر بأنه حسب حالها وأمثالها، قال تعالى: ﴿ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة 233] فتكون نفقته على نفسه أيضاً بالمعروف.
السياسة الاقتصادية أو ما نسميه المعالجة غير المباشرة للفقر:
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:38 PM
مشاركة #7


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



أولاً: الملكيات:
وإذ قسّم الإسلام الثروات في هذه الدنيا على ثلاث فئات: الفرد والجماعة والدولة، وكان الاعتبار الأول في هذا التقسيم هو توزيع الثروة بين الناس؛ فقد أقر الإسلام بحاجة الإنسان الفطرية لحيازة الثروة، فلم يمنعه من حيازتها، ولم يمنعه من السعي لها وتنميتها والتصرف بها، ولكن ضمن أسباب مشروعة تمنع الاضطراب والفساد الذي يسود علاقات الناس بسبب تفاوتهم في القوى الجسمية والعقلية وفي الحاجة إلى الإشباع. فكما أن الإسلام منع إلغاء الملكية أو تحديدها بِالكمّ فإنه أيضاً حارب حرية التملك، وجاء بتشريعات وتوجيهات تصون مالَ الفرد وتحفطه من اعتداءات الآخرين. وجعل الإسلام أموالاً أو أعياناً معينة مشتركة بين الناس ومنع الفرد من حيازتها، فجعلهم ينتفعون بها بشكل جماعي، وجعل للدولة ملكية تخضع لتدبير الخليفة يخص بعض الأفراد بشيء منها حسب ما يرى، وذلك كالجزية والفيء والخراج وغيرها، وتمكنها من رعاية شؤون الناس التي على رأسها توفير الحاجات الأساسية للفرد.
ثانياً: أحكام الأراضي:
وأبرزها إحياء الـمَوَات، فكل فرد من أفراد الرعية إذا أحيا أرضاً لم يظهر عليها أنه جرى عليها ملك أحد من إحاطة أو زرع أو عمارة أو نحو ذلك تملَّـكها، لما روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «مَن أحيا أرضاً ليست لأحد فهو أحق»، ولم يكتفِ الإسلام بذلك بل نص على جواز إقطاع الأفراد والأرض العامرة الصالحة للزراعة التي تعود ملكيتها للدولة، وهذا ما فعله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأجمع عليه الصحابة بعده.
وإمعاناً في الحرص على استغلال الأرض، أجبرَ الإسلامُ مالكَها على استغلالها، بأن نصّ على أخذها منه وإعطائها لغيره إذا ما أهملها ثلاثَ سنين، قال عمر بن الخطاب: «ليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين»؛ لأن الشرع جعل لملكية الأرض معنىً غيرَ ملكية الأموال الأخرى المنقولة وغير المنقولة، إذ جعل ملكيتها للزراعة، فإذا عُطِّلتْ المدةَ التي نص الشرعُ عليها ذهب معنى ملكيتها عن مالكها. ولا يخفى على أحد ما في هذه الأحكام من محاربة للفقر بتمليك الأفراد عنصراً هاماً من عناصر الثروة وهي الأرض دون مقابل، وإجبارهم على استغلالها.
ثالثاً: أحكام الشركات:
فقد أجاز الإسلام الشركة، واشترط في صحتها وجود البدن، ولم يشترط على شريك البدن امتلاك المال، وجعل الخسارة على المال لا على البدن. فأوجد فرصة عظيمة لمن لا يملك إلا جهده أن يوفر لنفسه مصدر رزق يسد منه حاجاته. فالعقد في الشركة منصبٌّ على القيام بعمل ماليّ بقصد الربح. فلا بد من القيام بعمل، أي لا بد من شريك بدن ولا بد من قصد الربح.
رابعاً: إعطاء الفقراء من أملاك الدولة كالغنائم والأملاك العامة:
وهي أن يُعطى الفقراء مالاً منقولاً و غير منقول، لا ليقضيَ الأفرادُ حاجاتهم بشكل مؤقت، بل من أجل تمليكهم الثروة التي تضمن سداد حاجاتهم بشكل مستمر، أي تمليكهم وسائل قضاء حاجاتهم. ويكون هذا أكثر ما يكون عندما يُرى تفاوتٌ بين الناس في الملكية، أي عندما ينحصرُ المال في أيدي فئةٍ من الناس، قال تعالى: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ ﴾ [الحشر 7]، وهذا ما فعله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بفيء بني النضير.
خامساً: منع الحمى في المنافع العامة:
والحمى هو المكان المحمي الذي لا يجوز أن يرعى فيه غيرُ مَن حماه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا حمى إلا لله ولرسوله»، والحمى المنهي عنه يشمل أمرين: الأول: الأرض الميتة التي لكل واحد من الناس أن يحيِيَها ويأخذَ منها، والثاني: ما هو من الملكية العامة من مثل الماء والكلأ والنار، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من منع فضل الماء ليمنعَ به فضل الكلأ منعه الله فضلَه يوم القيامة». أما الدولة فلها أن تحميَ من الأرض الموات وما هو داخل في الملكية العامة لأي مصلحة تراها من مصالح المسلمين، على شرط أن يكون ذلك على وجه لا يُلحق الضرر بأحد. أما الأفراد فلا يجوز لهم ذلك.
سادساً: منع كنـز الذهب والفضة:
ولعله من أبرز الأحكام التي جاءت لمعالجة سوء التوزيع بصورة غير مباشرة. والكنـز يعني جمع المال أي النقد بعضه إلى بعض لغير حاجة، وهذا يؤدي إلى تقليص المشاريع الاقتصادية مما يؤدي إلى البطالة والتي بدورها تؤدي إلى الفقر. قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِـزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [التوبة 34].
سابعاً: منع الإسلام الربا:
وواقع الربا أن هذه الفائدة التي يأخذها المرابي هي استغلال لجهد الناس، وهي جزاء من غير بذل جهد، ولأن المالَ الذي يؤخَذ عليه ربا مضمونٌ غير معرض للخسارة، وهو غير استغلال المال بالشـراكة والمضـاربة وغيرها، قال تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة 275]. وفي الوقت الذي منع فيه الربا، حث الإسلام على الإقراض والاستقراض؛ لأن المحتاج للمال إما أن يحتاجه لأجل العيش وقد سدها الإسلام بضمان العيش لكل فرد من أفراد الرعية، وإما أن يحتاجه لأجل مشروع إنتاجي وقد سدها الإسلام بإقراض المحتاج دون ربا، روى ابن حبّان عن ابن مسعود أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة»، فإقراض المحتاج مندوب، والاستقراض مندوب أيضاً؛ لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستقرض. وإذا ما قُضِيَ على البنوك الربوية يبقى بيت المال وحده الذي يقوم بإقراض المال لأصحاب المشاريع بلا فائدة، بعد التحقق من إمكانية الانتفاع بالمال، وهذا ما فعله عمر مع فلاحي العراق.
ثامناً: منع الاحتكار:
والاحتكار هو جمع السلع انتظاراً لبيعها بأسعار غالية بحيث يضيق على أهل البلاد شراؤها، وهو حرام في جميع الأشياء سواء أكانت طعاماً أم غيره. روي عن أبي أمامة قال: «نهى رسول الله أن يحتكر الطعام»، وفي صحيح مسلم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا يحتكر إلا خاطئ»، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة». والاحتكار يشكل أخطاراً كبيرة على المجتمع، منها عدم تمكين ضعيفي الحال من تحصيل حاجاتهم بسبب الغلاء، مما يوجد تفاوتاً بين الناس، ويشهد لذلك واقع الأمة بل واقع العالم أجمع اليوم، الذي تحتكر خيراته بضع شركات.
تاسعاً: منع الدولة من التسعير:
والتسعير هو أن يأمر السلطانُ أو نوابُه أو كلُّ مَنْ ولي أمراً من أمور المسلمين أهلَ السوق أن لا يبيعوا السلع إلا بسعر كذا، فيُمنعون من الزيادة حتى لا يغلوا الأسعار، أو النقصان عنه حتى لا يضاربوا غيرهم، وهذا كله حرام لما روى أحمد عن أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت، فقال: إن الله هو الخالق، القابض، الباسط، الرازق، المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال»، فالتسعير مظلمة فهو حرام. وأبرز آثار التسعير أنه يفتح سوقاً خفية يبيع فيها الناس بيعاً مستوراً عن الدولة بعيداً عن مراقبتها، وهي ما يسمونها بالسوق السوداء، فترتفع الأسعار ويحوز السلعة الأغنياء دون الفقراء.
وغلاء الأسعار إما أن يكون بسبب احتكارها وهذا قد حرمه الإسلام، وإما أن يكون ناتجاً عن ندرتها، والخليفة في هذه الحال مأمور برعاية مصالح الناس فعليه أن يسعى لتوفيرها، وبهذا يكون قد منع الإسلامُ الغلاءَ دون الحاجة إلى التسعير.
عاشراً: منع الإسلام الفرد من أن يهب أو يهدي أو يتصدق إلا فيما يبقى له ولعياله غنى:
روى الدارمي عن جابر بن عبد الله قال: «بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي (قال أحمد: في بعض المعادن، وهو الصواب)، فقال: يا رسول الله، خذها مني صدقة، فَوَاللهِ مالي مالٌ غيرها. فأعرضَ عنه، ثم جاء من ركنه الأيسر فقال مثل ذلك، ثم جاءه من بين يديه فقال مثل ذلك، ثم قال هاتها مغضباً، فحذفه بها حذفة لو أصابته لأوجعه أو عقره، ثم قال: يعمد أحدكم إلى ماله لا يملك غيره فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى، خذ الذي لك، لا حاجة لنا به، فأخذ الرجل ماله».
هذه هي بعض الخطوط العريضة من السياسة الاقتصادية في الإسلام، والتي بها ننقذ الأمة بل العالم من براثن الفقر والعوز والحاجة، ولا يمكن أن تطبق هذه السياسة إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة القادمة بإذن الله، فالأمة في أمَسِّ الحاجة لها، بل العالم أجمع؛ يقول تقرير للأمم المتحدة إن مليار شخص في العالم محرومون من الأساسيات، أي الحاجات الأساسية، ومنها الماء، وإن 20% من سكان العالم يستهلكون 86% من ثرواته.



إن من أعظم المصائب التي لحقت بأمة الإسلام في هذا العصر عقب غياب الحكم بما أنزل الله وبعد وقوعها فريسة للكافر المستعمر، ما حل بأبنائها من فقر واحتياج وعوز لم تشهد مثله من قبل رغم ما تعجّ به بلادها من ثروات وخيرات هائلة، منها الزراعية، ومنها المائية، ومنها الظاهر، ومنها الدفين كالطاقة التي هي عصب الحياة الصناعية وروحها، ومنها ما يتعلق بعمقها الجغرافي، ومنها ما يتعلق بعمقها البشري. أضف إلى ذلك أنها تحيا في عصر التقنية والتطور المادي وسرعة الاتصال ويسر المواصلات. رغم كل هذا تجدها -أي الأمة الإسلامية- تصنف في عداد الأمم الفقيرة، بل المنحطة التي تعتاش على فتات الأمم الكافرة والدول المستعمرة.

أسباب وجود الفقر:
إذا ما تجاوزنا وصف واقع الفقر الذي كثر واصفوه، وأخطأ مشخصوه، وقل معالجوه العلاج الصحيح الشافي، وأردنا أن نلقي نظرة نجمل فيها أسبابه نجدها في أمور أهمها:
1- غياب الحكم بما أنزل الله في شؤون الأمة عامة، وفي الحياة الاقتصادية خاصة، إذ استبدل الكفر جميعاً بأحكام الإسلام كافة، فغدت الأمة في مشارق الأرض ومغاربها تخضع لأحكام الكفر التي جرّت عليها ويلات تتلوها ويلات، ومصائب تعقبها مصائب، وكانت مصيبة الفقر أبرزها.
2- تجزئة الأمة الواحدة ذات الكيان الواحد والحاكم الواحد إلى كيانات متعددة مختلفة منتافرة، مما فرق شمل خيراتها ومواردها وجعلها نهباً لفئات متسلطة، يَـدَّعون أنهم حكام وما هم بحكام، وحرمها من تكامل اقتصادي يغنيها عن العالم أجمع، بل يؤهلها لتسنم مجدٍ لا يُشق له غبار.
3- الاستعمار الذي ما زال يجثو على صدرها، ويلقي بظلاله على جميع جوانب حياتها، ولا سيما الجانب الاقتصادي، حيث أصبحت بلاد المسلمين إحدى مصالحه الحيوية التي يستعد للدفاع عنها والتشبث بها ولو كلفه ذلك الغالي والنفيس، فكانت -وكما تقول أميركا- جزءاً من أمنها القومي، وأبرز معالم هذا الاستعمار:
أ- نهب المواد الخام وموارد الطاقة.
ب- استخدامها أسواقاً لسلعهِ ومنتوجاتهِ، والتفنن في ذلك حتى أدخل معظم الدول القائمة في العالم الإسلامي في ما يسمى بمنظمة التجارة الدولية، حيث رفع الجمارك وتقليص دور الدولة في التجارة الخارجية.
ج- وضعها في قفص المديونية، فلا توجد دولة من هذه الدول إلا وقد وقعت في المديونية للمؤسسات الاستعمارية.
د- تطبيق أحكام النظام الاقتصادي الرأسمالي عليها، فاستباحت الربا، والاحتكار، والتسعير والشركات المساهمة، والتأمين، وتغير مفهوم الملكية لديها واختلفت أسبابها وطرق تنميتها، ومفهوم التجارة الخارجية.
هـ - اشتغالها بالأزمات التي تستدعي تمويلاً يستنـزف خيرات البلاد دون أن تحقق نتيجة ترجى.
و- جعل وجهة نظر المستعمر في الحياة وفي الاقتصاد قِـبْـلةَ المسلمين في حل مشاكلهم الاقتصادية، والتي تتلخص في القروض والضرائب وتقليص دور الدولة في رعاية شؤون الناس، والذي يعرف بالخصخصة وفتح البلاد أمام الاستغلال أو الاستثمار الأجنبي وتأجير البلاد كقواعد عسكرية... إلخ.
4- غياب مفهوم رعاية الشؤون عن الدولة وعن الأمة، إذ إن الدولة في الإسلام تعني رعاية شؤون الناس داخلياً وخارجياً أفراداً وجماعةً، وهذا أمر كان مفهوماً عند الحكام ومن ناب عنهم، فاستقاموا وجهدوا في تحقيقه على أحسن وجه. وكان أيضاً مفهوماً عند الأمة التي ما توانت في محاسبتهم كلما رأت منهم تقصيراً أو تجاهلاً لشأن من شؤونها، إلا أن الأمر قد انقلب رأساً على عقب، فجاءنا حكام لا يعرفون إلا رعاية شؤون أنفسهم، والمحافظة على مصالح ساداتهم الكفار المستعمرين، والتسلط على الناس وإذلالهم وأكل حقوقهم، فأوجدوا جواً مفعماً بالظلم والجهل والفقر، فغاب عن الناس مفهوم الرعوية، فغدوا يرون البلاد والعباد ملكاً لهؤلاء الحكام يتصرفون فيه تصرف المالك بملكه، ولا يرون لأنفسهم حقاً عليهم، بل رأوا أنفسهم مسؤولين عن شؤونهم الخاصة والعامة، ولا أدل على ذلك من ترنحهم في الفقر والهوان دون أن يلتفتوا إلى حكامهم لمطالبتهم بما يصلح حالهم. والأدهى من ذلك أن ترى وجوههم تعلوها البهجة والسرور والعرفان بالجميل، إذا ما فطن الحاكم لبعض مآسيهم، وتصدق عليهم بفتات ما نهب منهم.
النظرة الرأسمالية للفقر:
ينطلق الرأسماليون في نظرتهم للفقر من نظرتهم للمشكلة الاقتصادية التي يسعون لحلها ويسمونها نظرية الندرة النسبية للسلع والخدمات، والتي تنص على كثرة الحاجات وقلة وسائل إشباعها، أي عدم كفاية السلع والخدمات الموجودة في هذا الكون لإشباع حاجات الإنسان المتجددة والمتزايدة إشباعاً كلياً. فالمشكلة عندهم إذن هي الحاجات والموارد وليس الإنسان، أي هي توفير الموارد لإشباع الحاجات، وليس إشباع حاجات كل فرد من الأفراد، فخلطوا بذلك بين علم الاقتصاد والنظام الاقتصادي، فكانت الدراسات الاقتصادية تدور حول العمل على زيادة ما يستهلكه مجموع الناس من السلع والخدمات. أضف إلى ذلك أنهم عرّفوا الحاجة بأنها الرغبة، فكل ما ترغب فيه فأنت تحتاجه، ولم يميزوا بين حاجات أساسية فطرية في الإنسان وهي المأكل والملبس والمسكن، وبين حاجات كمالية تتغير وتتطور كلما تقدمت المدنية، وهذا هو السر في ادعائهم ازدياد الحاجات. وذهبوا إلى ما هو أخطر عندما اعتبروا هذه الرغبة هي مقياس المنفعة في الشيء، فالرغبة في الشيء هي التي تجعله نافعاً اقتصادياً أو غير نافع.
ومن هذه النظرة التي تقوم على أساس الندرة النسبية للسلع والخدمات، وأن الحاجة هي الرغبة، وأن هذه الخدمات تتغير تبعاً للتطور المادي والمدني، عرفوا الفقر بأنه عدم القدرة على إشباع الحاجات من سلع وخدمات، وأنه يختلف باختلاف الأمم والأشخاص، فهو شيء نسبي اعتباري، فالأمم المنحطة تكون حاجات أفرادها محدودة في السلع والخدمات الضرورية، فيكون الفقر فيها عدم القدرة على الحصول على هذه السلع والخدمات. في حين أن الأمم المتمدنة المتقدمة مادياً تكون حاجات أفرادها كثيرة يحتاج إشباعها إلى سلع وخدمات أكثر، فيعتبر الفقر فيها غير الفقر في البلدان المتأخرة، فمثلاً يعتبر عدم إشباع الحاجات الكمالية في أوروبا وأميركا فقراً، في حين لا يعتبر عدم إشباع الحاجات الكمالية مع إشباع الحاجات الأساسية في مصر والعراق مثلاً فقراً، وهذا خطأ محض لأنهم جعلوا الفقر شيئاً اعتبارياً وليس حقيقياً، وهذا مخالف لواقع الفقر الذي لا يختلف باختلاف زمان أو مكان، أو بتقدم مدني أو انحطاط، ولأن التشريع أي تشريع موضوع للإنسان لا بد أن ينظر للإنسان عند وضع المعالجات للمشاكل بوصفه إنساناً يتكون من حاجات عضوية وغرائز لا بوصفه فرداً.
ولم تقف الرأسمالية عند الخطأ في تعريف الفقر، بل أنها أوجدته وساعدت في تكريسه عند نظرتها إلى توزيع الثروة، إذ يرون إنها تتم ضمن طريقتين: الأولى حرية التملك، فبعد توفير الموارد والثروات لمجموع الناس، يترك لهم حرية التملك، دونما تحديد لأسباب معينة له، أو إشارة إلى طرق تنمية معينة له، وهذا حتماً يؤدي إلى تركيز الثروة وحصرها في أيدي فئة قليلة، وحرمان فئات أخرى منها، أي يؤدي إلى سوء توزيع الثروة، فشاعت الاحتكارات الرأسمالية التي تعدت سيطرتها حدود المجتمعات الرأسمالية إلى باقي أنحاء العالم، فاستبد المنتجون بالمستهلكين وشاع الفقر والحرمان.
أما الطريقة الثانية عندهم لتوزيع الثروة فهي الثمن، فالثمن عندهم هو المنظم لتوزيع الثروة على أفراد المجتمع، فيقولون إنه القيد الذي يجعل الإنسان يتوقف عن الحيازة والاستهلاك عند الحد الذي يتناسب مع موارده. وبذلك يكون الثمن بارتفاعه لبعض السلع وانخفاضه لبعضها، وتوفر النقد عند البعض وعدم توفره عند الآخرين، يكون منظماً لتوزيع الثروة على المستهلكين، ويكون نصيب كل فرد من ثروة البلاد ليس بمقدار حاجاته الأساسية، وإنما هو معادل لقيمة الأعمال التي ساهم بها في إنتاج السلع والخدمات، أي بمقدار ما يحوز من مال.
وبهاتين القاعدتين حرية التملك والثمن يكون النظام الاقتصادي الرأسمالي قد قرر أنه لا يستحق الحياة إلا من كان قادراً على المساهمة في إنتاج السلع والخدمات أو امتلاكها بأي سبب يناسبه، أما من كان عاجزاً لأنه خُلِقَ ضعيفاً، أو لضعف طرأ عليه، فلا يستحق أن ينال من ثروة البلاد ما يسد حاجاته، وكذلك يستحق التخمة والسيادة والسيطرة على الغير بماله كل من كان قادراً على ذلك لأنه خُلِقَ قوياً في جسمه أو عقله، أو كان أقدر من غيره على الحيازة بأي طريق من الطرق.
أما تصورهم لحل مشكلة الفقر والقضاء عليه فهو على النحو التالي:
ما دامت المشكلة الاقتصادية هي محدودية الموارد، وتناقصها بالنسبة للحاجات المتزايدة غير المحدودة؛ كان تصورهم للحل هو توفير هذه الموارد، أي السلع والخدمات، بمعنى آخر هو رفع مستوى الإنتاج، أي زيادة ما يستهلكه الناس، مجموع الناس، لا الأفراد، فبرز عندهم ما يسمى بحجم الإنتاج الأهلي، وينظم هذا التوزيع بجهاز الثمن، فيترك للأفراد نوال ما يستطيعون من هذه الثروة كل بحسب ما يملك من عوامل إنتاجها، سواء حصل الإشباع لجميع الأفراد أو حصل لبعضهم دون البعض الآخر. وهذه معالجة خاطئة لا تؤدي إلى القضاء على فقر الأفراد ولا إلى رفع مستوى معيشتهم جميعاً؛ لأن الحاجات التي تتطلب الإشباع هي حاجات فردية مع كونها حاجات إنسان، ولأن معالجة فقر البلاد لا يعالج مشاكل فقر الأفراد فرداً فرداً، ولكن معالجة فقر الأفراد وتوزيع ثروة البلاد عليهم يؤدي حتماً إلى زيادة الدخل الأهلي، ولأن العوامل التي تؤثر في حجم الإنتاج وزيادة الدخل الأهلي يكون بحثها في علم الاقتصاد، أي في بحث المادة الاقتصادية وزيادتها، أما الفقر فبحثه متعلق بتوزيع الثروة بين الناس وهو ما يسمى بالنظام الاقتصادي.
أما نظرة الإسلام إلى الفقر فقد انطلقت من الاعتبارات التالية:
1- المشكلة الاقتصادية التي تواجه المجتمع هي توزيع ثروة البلاد الداخلية والخارجية على جيمع أفراد الأمة فرداً فرداً، بحيث يضمن إشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع الأفراد إشباعاً كلياً، وتمكين كل فرد منهم من إشباع حاجاته الكمالية.
2- حاجات الإنسان الأساسية من حيث هو إنسان هي: المأكل، والملبس، والمسكن، وهي لا تزيد، وإنما الذي يزيد ويتجدد هو حاجاته الكمالية، فالزيادة في الحاجات التي تحصل مع تقدم الإنسان في حياته المدنية إنما تتعلق بالحاجات الكمالية لا الحاجات الأساسية، وهذه يعمل لإشباعها ولكن عدم إشباعها لا يسبب مشكلة، بل الذي يسبب المشكلة هو عدم إشباع الحاجات الأساسية. هذا من جهة الحاجات، أما من جهة الموارد أي الأموال والجهود التي يسمونها السلع والخدمات الموجودة في العالم، فإنها كافية لإشباع الحاجات الأساسية والكمالية أيضاً.
3- زيادة الدخل الأهلي برفع مستوى الإنتاج هو أمر متعلق بواقع البلاد من حيث الموارد والثروات، ويبحث فيه علم الاقتصاد، ولا علاقة له بتوزيع الثروة الذي يبحث فيه نظام الاقتصاد. فهناك فرق بين علم الاقتصاد ونظام الاقتصاد.
وانطلاقاً من هذه الاعتبارات، نظر الإسلام إلى الفقر نظرة واحدة لا تختلف باختلاف زمان أو مكان، أو بانحطاط مدني أو تقدم، فاعتبره عدمَ إشباع الحاجات الأساسية إشباعاً كاملاً، وقد حدد الشرع هذه الحاجات الأساسية بثلاث هي: المأكل، والملبس، والمسكن، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة 233]، وقال عز وجل: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ﴾ [الطلاق 6]، وروى ابن ماجه عن أبي الأحوص قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهنّ كسوتهنّ وطعامهنّ»؛ وعليه فالحاجات التي يعتبر عدم إشباعها فقراً هي الطعام والكسوة والمسكن، أما ما عداها فيصنف ضمن الحاجات الكمالية التي لا يشكل عدم إشباعها مشكلة. وبناءً على هذه النظرة لمشكلة الفقر وضع الإسلام معالجات مباشرة وفورية للقضاء عليه، وحماية الأمة من مخاطره، تتمثل في توفير ما يسد حاجات الفقير مباشرة، وتحديد الجهات التي تتحمل مسؤولية ذلك، ووضع الإسلام أيضاً سياسة اقتصادية مثلى، يجنّب تطبيقُها والالتزامُ بها الأمةَ الفقرَ ويحميها منه، حيث تتساوق هذه السياسة ونظرته للمشكلة الاقتصادية، وتجعل من الفرد محوراً تدور حوله جميع أحكامها، حيث راعت فيه ثلاثة جوانب: الأول كونه إنساناً له حاجات أساسية يجب إشباعها جميعها إشباعاً كاملاً. أما الجانب الثاني فباعتبار فرديته، وذلك أن الحاجات الأساسية هي حاجات أفراد معينين وليست حاجات جماعة. وأما الجانب الثالث فباعتباره مرتبطاً مع غيره بعلاقات معينة تسير تسييراً معيناً، أي باعتباره يعيش في مجتمع معين له طراز خاص من العيش.
وهكذا يرى الإسلام أن الفقر ليس مشكلة أفراد عجزوا عن إشباع حاجاتهم الأساسية فحسب، بل يراه أيضاً مشكلةً تتعلق بالمجتمع من حيث الأثار التي يتركها، من مثل التفاوت الفاحش بين الأفراد في حيازة الثروة وإشباع الحاجات ما يُشعِرُ بوجود الطبقات، ومن حيث الآثار الاقتصادية الخطيرة التي يخلفها، وأهمها تلك التي تتعلق باستغلال ثروات البلاد وحرمان الجماعة من طاقات الأفراد، ومن حيث الفساد الذي يطرأ على علاقات الناس بعضهم ببعض من سرقة ونهب وحسد وتباغض مما يترك آثاراً سلبية على الأمن والاستقرار، وهكذا نرى أن الفقر هو مشكلة أفراد يعيشون في مجتمع معين له طراز خاص من العيش، فكان علاجه يتراوح بين العلاج المباشر وبين السياسة الاقتصادية التي هي أحكام شرعية تضمن الوقاية من الفقر والعلاج غير المباشر له. فهَاكُمُوها مختصرة:
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:40 PM
مشاركة #8


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



المعالجة المباشرة:
وتكون من جانبين، الجانب الأول: فيما يتعلق بالفرد نفسه، حيث حثَّ الإسلامُ الفردَ على الكسب وعلى طلب الرزق، بل جعل السعي لكسب الرزق فرضاً على القادر المحتاج، روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صافح سعد بن معاذ، رضي الله عنه، فإذا يداه قد اكتبتا، فسأله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك فقال: أضربُ بالمر (الحبل) والمسحاةِ لأنفقَ على عيالي، فقبَّلَ (صلى الله عليه وآله وسلم) يدَه، وقال: كفان يحبهما الله تعالى.
أما الجانب الثاني: فقد جعل الشرع إعانةَ الفقير على غيره، حتى يتوفرَ له ما يشبع هذه الحاجات الأساسية، وقد فصلها على النحو التالي:
أ - أوجبها على الأقارب الذين يكونون رَحِماً محرّماً له، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ [البقرة 233]، أي على الوارث مثل المولود له من حيث الرزق والكسوة.
ب - إن لم يكنْ له أقارب ممن أوجب الله عليهم نفقة قريبهم انتقلت إلى بيت المال في باب الزكاة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاًّ فإلينا» والكـــلّ الضـــعيف الذي لا ولدَ له ولا والد، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ [التوبة 60].
ج - إنْ لم يَفِ قسمُ الزكاة من بيت المال في حاجات الفقراء والمساكين كان واجباً على الدولة أن تنفق عليهم من أبواب أخرى من بيت المال.
د - إن لم يوجد في بيت المال مالٌ يجب على الدولة أن تفرضَ ضريبة على أموال الأغنياء وتحصلها لتنفقَ على الفقراء والمساكين منها، فسدُّ حاجات الفقراء فرض على جميع المسلمين، قال عليه الصلاة والسلام: «أيُّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤٌ جائع فقد برئتْ منهم ذمةُ الله تبارك وتعالى» رواه أحمد. وقد ألزم الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) الأنصـارَ بإعالة المهـاجرين الفقـراء، وقال تعـالى: ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [الذاريات]، فكل ذلك يدل على أنه فرض على جميع المسلمين، وما كان فرضاً على جميع المسلمين كان على الخليفة بما عليه من واجب رعاية شؤونهم أن يحصل المال منهم؛ ليقوم بما هو فرض عليهم. والذين تجب عليهم النفقة من أقارب الفقير ويدفعون الضريبة من المسلمين هم من كانوا في حالة غناء، أي من استغنوا عن غيرهم، ويعتبر الشخص في غَناء إذا كان ممن تُطلَب منه الصدقة، أما من نهي عن الصدقة فلا؛ لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، والغنى كما حدده الفقهاء هو ما يقوم بقوت المرء من قوت مثله، وبكسوتهم كذلك وسكناهم وبمثل حاله من مركب وزي، روى مسلم عن جابر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا يقول فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك» ونفقة الإنسان عن نفسه هي سده لكفاية حاجاته التي تتطلب إشباعاً، وليست كفاية حاجاته الأساسية فحسب؛ وذلك لأن الشرع أوجب عليه نفقة زوجته بالمعروف، وقد فسر بأنه حسب حالها وأمثالها، قال تعالى: ﴿ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة 233] فتكون نفقته على نفسه أيضاً بالمعروف.
السياسة الاقتصادية أو ما نسميه المعالجة غير المباشرة للفقر:
أولاً: الملكيات:
وإذ قسّم الإسلام الثروات في هذه الدنيا على ثلاث فئات: الفرد والجماعة والدولة، وكان الاعتبار الأول في هذا التقسيم هو توزيع الثروة بين الناس؛ فقد أقر الإسلام بحاجة الإنسان الفطرية لحيازة الثروة، فلم يمنعه من حيازتها، ولم يمنعه من السعي لها وتنميتها والتصرف بها، ولكن ضمن أسباب مشروعة تمنع الاضطراب والفساد الذي يسود علاقات الناس بسبب تفاوتهم في القوى الجسمية والعقلية وفي الحاجة إلى الإشباع. فكما أن الإسلام منع إلغاء الملكية أو تحديدها بِالكمّ فإنه أيضاً حارب حرية التملك، وجاء بتشريعات وتوجيهات تصون مالَ الفرد وتحفطه من اعتداءات الآخرين. وجعل الإسلام أموالاً أو أعياناً معينة مشتركة بين الناس ومنع الفرد من حيازتها، فجعلهم ينتفعون بها بشكل جماعي، وجعل للدولة ملكية تخضع لتدبير الخليفة يخص بعض الأفراد بشيء منها حسب ما يرى، وذلك كالجزية والفيء والخراج وغيرها، وتمكنها من رعاية شؤون الناس التي على رأسها توفير الحاجات الأساسية للفرد.
ثانياً: أحكام الأراضي:
وأبرزها إحياء الـمَوَات، فكل فرد من أفراد الرعية إذا أحيا أرضاً لم يظهر عليها أنه جرى عليها ملك أحد من إحاطة أو زرع أو عمارة أو نحو ذلك تملَّـكها، لما روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «مَن أحيا أرضاً ليست لأحد فهو أحق»، ولم يكتفِ الإسلام بذلك بل نص على جواز إقطاع الأفراد والأرض العامرة الصالحة للزراعة التي تعود ملكيتها للدولة، وهذا ما فعله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأجمع عليه الصحابة بعده.
وإمعاناً في الحرص على استغلال الأرض، أجبرَ الإسلامُ مالكَها على استغلالها، بأن نصّ على أخذها منه وإعطائها لغيره إذا ما أهملها ثلاثَ سنين، قال عمر بن الخطاب: «ليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين»؛ لأن الشرع جعل لملكية الأرض معنىً غيرَ ملكية الأموال الأخرى المنقولة وغير المنقولة، إذ جعل ملكيتها للزراعة، فإذا عُطِّلتْ المدةَ التي نص الشرعُ عليها ذهب معنى ملكيتها عن مالكها. ولا يخفى على أحد ما في هذه الأحكام من محاربة للفقر بتمليك الأفراد عنصراً هاماً من عناصر الثروة وهي الأرض دون مقابل، وإجبارهم على استغلالها.
ثالثاً: أحكام الشركات:
فقد أجاز الإسلام الشركة، واشترط في صحتها وجود البدن، ولم يشترط على شريك البدن امتلاك المال، وجعل الخسارة على المال لا على البدن. فأوجد فرصة عظيمة لمن لا يملك إلا جهده أن يوفر لنفسه مصدر رزق يسد منه حاجاته. فالعقد في الشركة منصبٌّ على القيام بعمل ماليّ بقصد الربح. فلا بد من القيام بعمل، أي لا بد من شريك بدن ولا بد من قصد الربح.
رابعاً: إعطاء الفقراء من أملاك الدولة كالغنائم والأملاك العامة:
وهي أن يُعطى الفقراء مالاً منقولاً و غير منقول، لا ليقضيَ الأفرادُ حاجاتهم بشكل مؤقت، بل من أجل تمليكهم الثروة التي تضمن سداد حاجاتهم بشكل مستمر، أي تمليكهم وسائل قضاء حاجاتهم. ويكون هذا أكثر ما يكون عندما يُرى تفاوتٌ بين الناس في الملكية، أي عندما ينحصرُ المال في أيدي فئةٍ من الناس، قال تعالى: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ ﴾ [الحشر 7]، وهذا ما فعله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بفيء بني النضير.
خامساً: منع الحمى في المنافع العامة:
والحمى هو المكان المحمي الذي لا يجوز أن يرعى فيه غيرُ مَن حماه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا حمى إلا لله ولرسوله»، والحمى المنهي عنه يشمل أمرين: الأول: الأرض الميتة التي لكل واحد من الناس أن يحيِيَها ويأخذَ منها، والثاني: ما هو من الملكية العامة من مثل الماء والكلأ والنار، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من منع فضل الماء ليمنعَ به فضل الكلأ منعه الله فضلَه يوم القيامة». أما الدولة فلها أن تحميَ من الأرض الموات وما هو داخل في الملكية العامة لأي مصلحة تراها من مصالح المسلمين، على شرط أن يكون ذلك على وجه لا يُلحق الضرر بأحد. أما الأفراد فلا يجوز لهم ذلك.
سادساً: منع كنـز الذهب والفضة:
ولعله من أبرز الأحكام التي جاءت لمعالجة سوء التوزيع بصورة غير مباشرة. والكنـز يعني جمع المال أي النقد بعضه إلى بعض لغير حاجة، وهذا يؤدي إلى تقليص المشاريع الاقتصادية مما يؤدي إلى البطالة والتي بدورها تؤدي إلى الفقر. قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِـزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [التوبة 34].
سابعاً: منع الإسلام الربا:
وواقع الربا أن هذه الفائدة التي يأخذها المرابي هي استغلال لجهد الناس، وهي جزاء من غير بذل جهد، ولأن المالَ الذي يؤخَذ عليه ربا مضمونٌ غير معرض للخسارة، وهو غير استغلال المال بالشـراكة والمضـاربة وغيرها، قال تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة 275]. وفي الوقت الذي منع فيه الربا، حث الإسلام على الإقراض والاستقراض؛ لأن المحتاج للمال إما أن يحتاجه لأجل العيش وقد سدها الإسلام بضمان العيش لكل فرد من أفراد الرعية، وإما أن يحتاجه لأجل مشروع إنتاجي وقد سدها الإسلام بإقراض المحتاج دون ربا، روى ابن حبّان عن ابن مسعود أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة»، فإقراض المحتاج مندوب، والاستقراض مندوب أيضاً؛ لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستقرض. وإذا ما قُضِيَ على البنوك الربوية يبقى بيت المال وحده الذي يقوم بإقراض المال لأصحاب المشاريع بلا فائدة، بعد التحقق من إمكانية الانتفاع بالمال، وهذا ما فعله عمر مع فلاحي العراق.
ثامناً: منع الاحتكار:
والاحتكار هو جمع السلع انتظاراً لبيعها بأسعار غالية بحيث يضيق على أهل البلاد شراؤها، وهو حرام في جميع الأشياء سواء أكانت طعاماً أم غيره. روي عن أبي أمامة قال: «نهى رسول الله أن يحتكر الطعام»، وفي صحيح مسلم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا يحتكر إلا خاطئ»، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة». والاحتكار يشكل أخطاراً كبيرة على المجتمع، منها عدم تمكين ضعيفي الحال من تحصيل حاجاتهم بسبب الغلاء، مما يوجد تفاوتاً بين الناس، ويشهد لذلك واقع الأمة بل واقع العالم أجمع اليوم، الذي تحتكر خيراته بضع شركات.
تاسعاً: منع الدولة من التسعير:
والتسعير هو أن يأمر السلطانُ أو نوابُه أو كلُّ مَنْ ولي أمراً من أمور المسلمين أهلَ السوق أن لا يبيعوا السلع إلا بسعر كذا، فيُمنعون من الزيادة حتى لا يغلوا الأسعار، أو النقصان عنه حتى لا يضاربوا غيرهم، وهذا كله حرام لما روى أحمد عن أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت، فقال: إن الله هو الخالق، القابض، الباسط، الرازق، المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال»، فالتسعير مظلمة فهو حرام. وأبرز آثار التسعير أنه يفتح سوقاً خفية يبيع فيها الناس بيعاً مستوراً عن الدولة بعيداً عن مراقبتها، وهي ما يسمونها بالسوق السوداء، فترتفع الأسعار ويحوز السلعة الأغنياء دون الفقراء.
وغلاء الأسعار إما أن يكون بسبب احتكارها وهذا قد حرمه الإسلام، وإما أن يكون ناتجاً عن ندرتها، والخليفة في هذه الحال مأمور برعاية مصالح الناس فعليه أن يسعى لتوفيرها، وبهذا يكون قد منع الإسلامُ الغلاءَ دون الحاجة إلى التسعير.
عاشراً: منع الإسلام الفرد من أن يهب أو يهدي أو يتصدق إلا فيما يبقى له ولعياله غنى:
روى الدارمي عن جابر بن عبد الله قال: «بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي (قال أحمد: في بعض المعادن، وهو الصواب)، فقال: يا رسول الله، خذها مني صدقة، فَوَاللهِ مالي مالٌ غيرها. فأعرضَ عنه، ثم جاء من ركنه الأيسر فقال مثل ذلك، ثم جاءه من بين يديه فقال مثل ذلك، ثم قال هاتها مغضباً، فحذفه بها حذفة لو أصابته لأوجعه أو عقره، ثم قال: يعمد أحدكم إلى ماله لا يملك غيره فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى، خذ الذي لك، لا حاجة لنا به، فأخذ الرجل ماله».
هذه هي بعض الخطوط العريضة من السياسة الاقتصادية في الإسلام، والتي بها ننقذ الأمة بل العالم من براثن الفقر والعوز والحاجة، ولا يمكن أن تطبق هذه السياسة إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة القادمة بإذن الله، فالأمة في أمَسِّ الحاجة لها، بل العالم أجمع؛ يقول تقرير للأمم المتحدة إن مليار شخص في العالم محرومون من الأساسيات، أي الحاجات الأساسية، ومنها الماء، وإن 20% من سكان العالم يستهلكون 86% من ثرواته.





الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:42 PM
مشاركة #9


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



النفط ملكية عامة لجميع المسلمين، وليس للغرب وحفنة من حكام المسلمين
- على أثر ظهور موجة الغلاء وتوقع استشرائها، أوصى أعضاء لجنة البحوث الفقهية بمجمعِ البحوث الإسلامية في 26/5/2008م بضرورة تحصيل قيمة الزكاة على منتجات ومشتقات البترول بنسبة 20% لصرفها في مصارف الزكاة الشرعية، على اعتبار أنه من الركاز، والركاز يشمل كل ما يخرج من باطن الأرض، مؤكداً أنه ليس ما يمنع من تحصيلها من الدولة كونها المالك الوحيد لكل آبار البترول.
- يقول الشيخ القرضاوي إنه لا خلاف في أن الزكاة تجب في النفط وعائداته إذا كان مملوكاً ملكية خاصة. ويقول: إذا كان ملك الدولة، فشأنه شأن كل أموال الدولة، وهذه لا زكاة فيها بالإجماع. ويقول: إن الدافع لهذه الفتوى هو محاولة التغلب على أوضاع التجزئة الحالية للأمة الإسلامية، بحيث ترى دولاً ودويلات قليلة السكان قد منّ الله عليها بالنفط وبالمليارات في حين ترى أخرى كثيفة السكان قليلة الموارد ينشب فيها الفقر أنيابه، وهذا ما دفع بعض الإخوة الباحثين إلى أن يحتالوا على هذه الأوضاع، فذهبوا إلى وجوب الزكاة في النفط لتؤخذ من أغنياء ذلك البلد وترد على فقراء الأقاليم الأخرى. ويقول: لو كانت الخلافة الإسلامية قائمة، والبلاد الإسلامية موحدة تحت رايتها، لما كانت هناك حاجة لمثل هذا الاجتهاد أصلاً. ويقول: أولى من هذا برأيي أن تعلن الحقائق الإسلامية واضحة، وهي أن المسلمين أمة واحدة، وهم يتكافلون في العسر واليسر... ولا يجوز أن يعاني بلد إسلامي الفقر بينما تنفق أخرى آلاف الملايين على الكماليات.
- أما نحن فنقول: إن واقع النفط من حيث تعلقه بأحكام الملكية عندما يكون مستخرجاً من آبار ينطبق عليه أنه ملكية عامة؛ لأنه ينطبق عليه أنه بمنزلة الماء العد الذي لا ينقطع، وهو لجميع المسلمين، غنيهم وفقيرهم، لا فرق بين من يعيش في الخليج أو في أفريقيا أو في آسيا.
- ونقول: إن حكم الله في البترول أنه ملكية عامة يجب تطبيقه شرعاً، وليس فقط إعطاء الحكم فيه. وهذه الفتوى علمية، ولن يجعلها عملية ويضعها موضع التطبيق إلا إقامة الخلافة.
- ونقول: إن الخلافة الإسلامية التي تشمل بحكمها جميع المسلمين في جميع أقطارهم هي التي تشرف على هذه الملكية: تنقيباً واستخراجاً، وبيعاً، وتوزيعاً لعائداته... ومن باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) يصبح العمل لإقامة الخلافة واجباً لأنها وحدها هي مناط تطبيقه.
- ونقول: إن التجزئة الحالية للأمة الإسلامية هي من صنع الغرب الكافر ليستفيد هو وحفنة من الحكام من النفط، ويحرم المسلمين حقهم منه، وهو لن يسمح بغير ذلك، ولا يعيد الأمر إلى نصابه إلا الخلافة.
- وأخيراً نسأل الله مخلصين أن يهدي علماء المسلمين إلى العمل لإقامة الخلافة ليكتمل بعملهم علمهم، فلا يحتالون على النصوص مع حكام لا ينفع معهم إلا خلعهم.


من مجلة الوعي
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:45 PM
مشاركة #10


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



2- البيطرة:
البَيْطارُ أو المُبَيْطِرُ في اللغةِ هوَ مُعالجُ الدوابِّ، وهوَ يُبَيْطِرُ الدوابَّ أَيْ يُعالجُها، ومعالجتُهُ البَيْطَرَةُ. ووظيفةُ البياطِرَةِ الأساسيةُ في الدولةِ هيَ الحفاظُ على جودةِ الإنتاجِ الحَيَوانِيِّ وتكثيرُهُ. إلا أَنَّ كَوْنَ الثروةِ الحيوانيةِ مصدرًا منْ مصادِرِ الغذاءِ، وكوْنَ بعضِ الأمراضِ الحيوانيةِ قدْ تنتقلُ إلى الإنسانِ بِطُرُقٍ مختلفةٍ وَتُؤَثِّرُ على صحتِهِ، يجعلُ وظيفةَ البيطارِ شاملةً أيضًا لمراقبَةِ صحةِ الحيواناتِ في الدولةِ، ومنعِ الأمراضِ الناتجَةِ عنِ الحيواناتِ، سواءً الداجنةَ منها أَمِ البريةِ، والتي تؤثِّرُ على الإنسانِ. ولذلكَ تهتمُ الدولةُ الإسلاميةُ بإنشاءِ جهازٍ خاصٍّ منَ البياطرَةِ يكونُ تابعًا لدائرةِ الزراعةِ باعتبارِ وظيفته الأساسِيَّةِ، ومُرْتَبِطًا بدائِرَةِ الصحةِ فيما يَخصُّ الجوانبَ التاليةَ:
أ- مراقبةُ صحةِ الحيواناتِ: يتوجبُ على جهازِ البيطرةِ في الدولةِ الإسلاميةِ أنْ يُراقِبَ جميعَ المزارعِ الحيوانيةِ التابعةِ للدولةِ أوْ للأفرادِ، بأنْ يُخَصَّصَ لكلِ مزرعةٍ أوْ مجموعةِ مزارعٍ بيطارًا يَهْتَمُّ بمراقبةِ ومتابعةِ صحةِ الحيواناتِ فيها، وينطبقُ هذا الأمرُ أيضًا على حدائقِ الحيوانِ. ويقومُ هذا البيطارُ بتطعيمِ الحيواناتِ أوِ الدواجنِ ضدَّ الأمراضِ التي قدْ تنتقلُ إلى البشرِ، فضلاً عنْ باقي الأمراضِ التي لا تُعْدِي البشرَ ولكنَّها تُؤَثِّرُ في الإنتاجِ الحيوانِيِّ. ويتوجبُ على البيطارِ إذا شَخَّصَ مرضًا مُعْدِيًا أو مُؤَثِّرًا على الإنسانِ في أَحَدِ المزارعِ أنْ يُخْبِرَ دائرةَ الصحةِ فضلاً عنْ دائرةِ الزراعةِ، حتى تقومَ بالاحتياطاتِ اللازمةِ لمنعِ انتشارِ المرضِ إلى الناسِ، أو لعلاجِ الأفرادِ الذينَ قدْ يكونُ المرضُ قدْ أصابَهُم. أما إذا شَخَّصَ البيطارُ مرضًا لا يُؤَثِّرُ على الإنسانِ لكنَّهُ يُؤَثِّرُ في الإنتاجِ الحيوانيِّ أوْ جودتِهِ فإنَّهُ يرفعُ الأمرَ إلى دائرةِ الزراعةِ فقطْ لتقومَ بالإجراءاتِ اللازمةِ.
وَيُراقِبُ البيطارُ أَساليبَ تَرْبِيَةِ وَتَنْمِيَةِ الحيواناتِ في المزارعِ، وَتَمْنَعُ الدولةُ ما يَضُرُّ مِنْ هذهِ الأساليبِ بِصِحَّةِ الرعيةِ ممنْ يتناولونَ مُنتجاتِ أوْ لحومِ هذهِ الحيواناتِ.
ب- مكافحةُ الآفاتِ الناقلةِ للأمراضِ: إنَّ بعضَ الأمراضِ تنتقلُ إلى البشرِ عنْ طريقِ الآفاتِ الحيوانيةِ كالبَعوضِ والذُّبابِ والقوارضِ والضَّواري، مثل أمراضِ المَلاَرْيَا وَالطَّاعُونِ وَدَاءِ الكَلَبِ وغيرِها مِنَ الأَوْبِئَةِ. وهذا منَ الضررِ الذي قدْ يقعُ على الرعيةِ، ولذلكَ يقومُ جهازُ البيطرةِ بعلاجِ هذهِ الآفاتِ والتخلصِ منها بِأَنْجَعِ الطُّرُقِ وَأَقَلِّهَا تأثيرًا على البيئةِ وصحةِ الرعيةِ، منْ بابِ إزالةِ الضررِ الذي أمرَ الإسلامُ بِهِ راعِيَ الشُؤُونِ.
ج- الحفاظُ على الحيواناتِ البَرِّيَّةِ: إنَّ الحفاظَ على الثروةِ الحيوانيةِ البريةِ ضروريٌّ للحفاظِ على الدورةِ الحياتيةِ وميزانِ الطبيعةِ، كما أَنَّ مُراقبةَ صحةِ الحيواناتِ البريةِ مهمٌ لِمَنْعِ انتقالِ الأمراضِ إلى الحيواناتِ الأليفةِ أوِ الإنسانِ، كداءِ الكَلَبِ أوِ السُّعَارِ وَإِنفلوانزا الطُّيورِ وغيرِها مِنَ الأمراضِ المُعْدِيَةِ. وَتُخَصِّصُ الدَّوْلَةُ لهذا الغرضِ بياطرةً يُراقِبونَ صِحَّةَ الحيواناتِ البريةِ ويُطَّعِّمُونَها ويُعالجونَ الأمراضَ التي تُصيبُها، حتى لا تَنْتَقِلَ هذهِ الأمراضُ إلى الحيواناتِ الداجنةِ في الدولةِ عنْ طريقِ الآفاتِ أو الاتصالِ المُباشرِ، وَتُهَدِّدُ بالتالي صحةَ الرعيةِ.
د- تجربةُ الأدويةِ على الحيوانِ وزراعةِ أعضاءِ الحيواناتِ وَإِنْتاجُ الأدويةِ والأَمْصالِ مِنْها: يحتاجُ البحثُ العلميُّ الطبيُّ وتطويرُ الأدويةِ والطُرُقِ العلاجيةِ في بعضِِ مراحِلِهِ إلى تجربةِ هذهِ الأدويةِ أو تطبيقِ هذهِ الطرقِ العلاجيةِ على الحيواناتِ الملائمةِ قبلَ استخدامِها لعلاجِ البشرِ، وذلكَ لفحصِ فعالِيَّتِها أو ضَرَرِها المحتملِ قبل إعطائِها للإنسانِ. واستخدامُ الحيواناتِ لهذا الغرضِ جائزٌ شَرْعًا، لأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى سَخَّرَ كُلَّ ما في الكونِ للإنسانِ، ومنهُ الحيواناتُ، فقالَ سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [لقمان 20]، وقال سبحانه وتعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الجاثية 13] والتسخيرُ حقيقتُهُ التَّذْلِيلُ والتَّطْوِيعُ، وهوَ مجازٌ في جَعْلِ الشيءِ قابلاً لتصرُّفِ غيرهِ فيهِ، ومنْ هُنا اسْتُنْبِطَتِ القاعِدَةُ الشرعيةُ أنَّ الأصلَ في الأشياءِ الإباحةُ ما لمْ يرِدْ دليلُ التحريمِ.
وقدْ نهى الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) عنْ تعذيبِ الحيواناتِ، ففي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّهُ قَالَ: "دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ"، وعنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ (رضي الله عنه) قالَ: كُنَّا معَ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتْ الْحُمَرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقَالَ: "مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا"، وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا، فَقَالَ: "مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟"، قُلْنَا: "نَحْنُ"، قَالَ: "إِنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ"، رواهُ أبو داودٍ بسندٍ صحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ. وَرَوَى أَبو داود بسندٍ صحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ أيضًا عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ (رضي الله عنه) أَنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) دَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ: "مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟"، فَجَاءَ فَتًى مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ: "لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ"، فَقَالَ: "أَفَلا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ". كَمَا أَنَّهُ (صلى الله عليه وآله وسلم) نَهَى عنْ قَتْلِ الحيواناتِ عبثًا، فقدْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا: "مَا مِنْ إِنْسَانٍ يَقْتُلُ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا إِلا سَأَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، قِيلَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا حَقُّهَا؟"، قَالَ: "يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا وَلا يَقْطَعُ رَأْسَهَا فَيَرْمِي بِهَا"، وفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ أيضًا أَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: "مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَارَبِّ إِنَّ فُلانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي مَنْفَعَةً"، وقالَ الشوكانيُّ في السَّيْلِ الجَرَّارِ إنَّ هذا الحديثَ مرويٌّ منْ طُرُقٍ قدْ صَحَّحَ الأئمَةُ بَعْضَها.
إِلا أَنَّ استخدامَ الحيواناتِ للتجاربِ العلميةِ وَمِنْها الطِّبِّيَّةِ جائزٌ وإنْ أَفضى إلى قَتْلِها، لأنَّ مفهومَ المخالفةِ للحديثِ السابقِ أنَّ منْ قَتَلَ حيوانًا في منفعةٍ لمْ يرتكبْ حرامًا. ولكنْ يُسْتَثْنَى منْ هذهِ الحيواناتِ الأصنافُ التي ذُكرتْ في الحديثِ الذي رواهُ ابْنُ عَبَّاسٍ (رضي الله عنه) فقالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ النَّمْلَةُ وَالنَّحْلَةُ وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ"، رواهُ أبو داودَ وابنُ ماجةَ وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ. ويُسْتَثْنَى كذلكَ مِنَ الحيواناتِ الجائِزِ اسْتِخْدامُها للأغراضِ الطبيةِ الضِّفْدَعُ، لما رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حَسَّنَهُ الألبانيُّ ورواهُ النسائِيُّ بإسنادٍ صَحَّحَهُ الألبانيُّ أنَّهُ (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى طَبِيبًا عنْ قتلِ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ.
وَمِنَ المفضلِ أَنْ تُقَدَّمَ العَقْرَبُ والحَيَّةُ والغُرَابُ وَالحِدَأَةُ وَالفَأْرَةُ أوِ الجُرْذُ والكلبُ العَقورُ والوَزَغُ على غيرِها مِنَ الحيواناتِ لِغَرَضِ الأبحاثِ العلميةِ إِذا اسْتَوَتِ الفائدةُ العلميةُ في كُلٍّ منها، لإباحةِ الرسولِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَتْلَ هذِهِ الأصنافِ، فقدْ رَوَى البُخارِيُّ عنْ عَائِشَةَ (رضي الله عنها) أنَّ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: "خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ، الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْحُدَيَّا وَالْغُرَابُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ"، وفي روايةٍ عندَ مُسلمٍ: "أنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْفَأْرَةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْحُدَيَّا وَالْغُرَابِ وَالْحَيَّةِ"، والجُرْذُ منْ فصيلةِ الفِئْرانِ. وَرَوَى البخاريُّ عنْ أُمِّ شَرِيكٍ (رضي الله عنها) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَقَالَ: "كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ؛".
كَما أنَّ زراعةَ أعضاءِ الحيوانات، أوَ إِنْتاجَ الأدويةِ والأَمْصالِ مِنْها جائِزٌ أيضًا بالشُّروطِ المذكورةِ، وذلكَ لعمومِ أَدِلَّةِ التَّداوِي.
ويحرصُ جهازُ البيطرةِ في الدولةِ الإسلاميةِ على تطبيقِ هذهِ الأحكامِ الشرعيةِ والمساهمةِ في تطويرِ وترقيةِ البحثِ العلميِّ الطبيِّ بالتعاونِ مَعَ الأطباءِ والعلماءِ.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:47 PM
مشاركة #11


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



- الرقابةُ الصحيةُ:
تقومُ الدولةُ الإسلاميةُ عنْ طريقِ جهازِ الحسبةِ بمراقبةِ الأمورِ التي تُؤَثِّرُ على صحةِ الجماعةِ بشكلٍ عامٍّ، بحيثُ يَمْنَعُ المحتسبُ كلَّ ضررٍ صحيٍّ يقعُ على الجماعةِ ويعاقِبُ منْ يَتَسَبَّبُ بهِ عقوبةً تزجرُهُ عنِ العودةِ إليهِ. وأما باقي القضايا التي لا تتعلقُ بصحةِ الجماعةِ ولكنَّها تضرُّ بصحةِ بعضِ الأفرادِ أوِ الفئاتِ في الدولةِ الإسلاميةِ، فيُعيَّنُ لها جهازٌ يُراقِبُها ويُتابِعُها، ويقومُ بمنْعِها إذا وَجَدَ أنها تُلْحِقُ الضررَ بهؤلاءِ الأفرادِ أو الفئاتِ. ومنَ الأمورِ التي يجبُ على المحتسبِ أنْ يُراقِبَها في الدولةِ الإسلاميةِ:
أ- جودةُ الغذاءِ في المطاعمِ والأسواقِ والمصانعِ: إنَّ الطعامَ إذا كانَ فاسِدًا أوْ لمْ تُتَوَخَّ النظافةُ أثناءَ إعدادِهِ أنتَجَ الأمراضَ المختلفةَ ونَقَلَ العَدْوَى، لذلكَ وَجَبَ عَلى مَنْ يصنعُ الطعامَ ويُقَدِّمُهُ في المحلاتِ العامَّةِ أنْ يَلْتَزِمَ بالنظافةِ الكاملةِ وبجودةِ الطعامِ المُقَدَّمِ. وعلى المحتسبِ أنْ يقومَ بإغلاقِ المطاعمِ أوْ محلاتِ الطعامِ التي يَتَبَيَّنُ أنها تُقَدِّمُ الطعامَ الفاسِدَ أوِ المغشوشَ، ومعاقبةِ أصْحابِها إنْ كانوا مُقَصِّرِينَ أو مُتَعَمِّدِينَ في بيعِ الغذاءِ الفاسِدِ. ولا يُعادُ فَتْحُها إلا بعدَ إعادَةِ فحصِ جَوْدَةِ ما تُقَدِّمُهُ للناسِ منْ غذاءٍ. روى مسلمٌ في صحيحِهِ أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟"، قَالَ: "أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ –أيِ المَطَرُ- يَا رَسُولَ اللَّهِ ". قَالَ: "أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ! مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي"، وفي روايةٍ عندَ الترمذيِّ صَحَّحَها الألبانيُّ: "مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا".
ب- المواصفاتُ والمعاييرُ للمنتجاتِ والسِّلَعِ: إنَّ بعضَ السلعِ والمنتجاتِ كَمَوَادِّ البناءِ والموادِّ الكيماويةِ كمُبيداتِ الحشراتِ وموادِ التنظيفِ يمكنُ أنْ تُسَبِّبَ ضَرَرًا على مُسْتَخْدِمِها إذا لمْ تكُنْ مُصَنَّعَةً وَفْقَ مواصفاتٍ ومعاييرَ تضمنُ السلامةَ عندَ استخدامِها، ولذلكَ كانَ لا بُدَّ مِنْ إنشاءِ جهازٍ خاصٍّ في الدولةِ يضمُّ علماءَ في مختلفِ المجالاتِ ذاتِ العلاقةِ لِوَضْعِ هذهِ المعاييرِ والمواصفاتِ وإلزامِ المصانِعِ والمُنتجينَ بها، ويقومُ المحتسبُ بمراقبةِ تطبيقِ هذهِ المعاييرِ والمواصفاتِ ومُعاقبةِ مخالِفِها ومنعِ تداوُلِ السِّلْعَةِ المُخالِفَةِ.
ج- فحصُ الموادِّ المستوردةِ: على الدولةِ الإسلاميةِ أنْ تقومَ بفحصِ الموادِّ المستوردةِ منَ الدولِ الأخرى، سواءَ أكانتْ موادَّ زراعيةً أم صناعيةً، لمنعِ دخولِ ما قدْ يَضُرُّ بالرعيةِ في الدولةِ الإسلاميةِ أو يَنْقُلُ الأمراضَ والآفاتِ منَ الدولِ الأخرى، كاستيرادِ الحيواناتِ المصابَةِ بمرضٍ مُعْدٍ أو البضاعةِ الفاسدةِ، وتقومُ الدولةُ بإنشاءِ نقاطِ فحصٍ وتفتيشٍ في ثغورِ الدولةِ لهذا الهدفِ. وقدْ روى البخاريُّ في صحيحِهِ، أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قالَ: "لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ". والروايةُ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْهُ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنَّهُ قالَ: "لا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ"، وَهذِهِ الرِّوَايَةُ عِنْدَ مُسْلِمٍ جاءَتْ بِصيغَةِ الخَبَرِ وَلَفْظِ النَّفْيِ، لكِنَّها بِمَعْنَى النَّهْيِ بِدَليلِ رِوايَةِ البخاريِّ بِصيغَةِ النَّهْيِ، والمُمْرِضُ هوَ الذي لهُ إِبِلٌ مَرْضَى، والمصحُّ منْ لهُ إبلٌ صِحاحٌ، فيكونُ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) قدْ نهى صاحبَ الإبلِ المريضةِ أنْ يورِدَها على الإبلِ الصحيحةِ.
د- مراقبةُ صحةِ القادمينَ للدولةِ: على الدولةِ الإسلاميةِ أنْ تقومَ بفحصِ المُسْتَأْمَنينَ والمُعاهِدينَ والرُّسُلِ القادمينَ إلى الدولةِ الإسلاميةِ منْ دُوَلٍ تنتشرُ فيها أمراضٌ معديةٌ كالطاعونِ أو السَّارْسِ أو السِّلِّ، والكشفِ عنْ حملِهِمْ للمرضِ قبلَ دُخولِهِمُ الدولةَ، فإن وُجِدَ أنَّ أحدهُمْ يحملُ المرضَ وفيهِ قابليةُ نقلِ العدوى مُنِعَ منْ دُخولِ الدولةِ.
وقد سُئِلَ أسامةُ بنُ زيدٍ (رضي الله عنه): "مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِي الطَّاعُونِ؟"، فَقَالَ أُسَامَةُ (رضي الله عنه): قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): "الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ -أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ-، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ"، رواهُ البخاريُّ. وروى مسلمٌ في صحيحهِ أنهُ كانَ في وفدِ ‏ثقيفٍ‏ ‏رجلٌ‏ ‏مجذومٌ،‏ ‏فأرسلَ إليهِ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم): "إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ".
هـ- قوانينُ الأمانِ في العملِ: على صاحبِ العملِ أنْ يَوَفِّرَ لعُمالِهِ البيئةَ الصحيةَ الآمنةَ للعملِ، ولا يعرِّضَهُم للخطرِ، وعلى المحتسبِ أنْ يُشْرِفَ على المصانعِ والورشاتِ، ويتأكدَّ منْ خُلُوِّ مكانِ العملِ منْ أيِّ خطرٍ على العمالِ.
4- الحَجْرُ الصحيُّ:
منَ الأمراضِ ما هُوَ مُعْدٍ وذو خطورةٍ عاليةٍ، وَلِمَنْعِ انتشارِ مثلِ هذهِ الأمراضِ يجب أحيانًا عَزْلُ المريضِ المُصَابِ تمامًا، أوِ اتخاذُ إجراءاتٍ وقائيةٍ كَلِبْسِ الكَمَّاماتِ حينَ مُخالَطَتِهِ، حتى لا يتعرضَ الأصحاءُ لما يَحْمِلُهُ المريضُ منْ كائناتٍ دقيقةٍ مُعْدِيَةٍ. وإذا قرَّرَ الأطباءُ أنَّ مريضًا مُعَيَّنًا يُشَكِّلُ خطرًا ومصدرًا لنقلِ العدوى فإنَّ على الدولةِ أنْ تقومَ بعزلِ ذلكَ المريضِ عنِ الناسِ في بيتِهِ أوْ في المُسْتَشْفَى إِنِ احتاجَ إلى علاجٍ ومُتابعةٍ، أو تُجْبِرَهُ على اتخاذِ الإجراءاتِ الوقائيةِ اللازمةِ إنْ لمْ يَتَطَلَّبِ الأمرُ عزلَهُ تمامًا عنِ الناسِ.
وإذا لمْ يلتزمِ المريضُ بقرارِ العزلِ في هذِهِ الحالةِ أَجبرتْهُ الدولةُ وعزلتْهُ بالقوةِ، لأنَّ في خروجِهِ ومخالطتِهِ للناسِ ضررًا عليهِمْ، وذلكَ لأنَّ الإمامَ راعٍ وهوَ مسؤولٌ عنْ رعيتِهِ، ولأنَّ القاعدةَ الشرعيةَ "لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ" توجِبُ على الإمامِ إِزالَةَ الضررِ عنْ رعيتِهِ. غيرَ أنَّ على الإمامِ أنْ يتكفَّلَ بالإنفاقِ على المريضِ المحجورِ إنْ لمْ يكنْ يملِكُ كفايتَهُ منَ المالِ لحبسِهِ عنِ العملِ والخروجِ.
وَأَخْرَجَ الإمامُ أحمد بإسنادٍ حسنٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا تَفْنَى أُمَّتِي إِلا بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ"، قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا الطَّاعُونُ؟"، قَالَ: "غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ، الْمُقِيمُ بِهَا كَالشَّهِيدِ، وَالْفَارُّ مِنْهَا كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ". والطاعونُ مرضٌ خطرٌ مُعْدٍ، وقدْ جعلَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) لمنْ يَصْبِرُ ولا يَبْرَحُ مكانَهُ منَ المَطْعُونِينَ أجرَ الشهيدِ، وَلِمَنْ خَرَجَ مِنْ دائرةِ الحجرِ والعزلِِ فخالطَ الناسَ وِزْرَ الفرارِ منَ الزحفِ وهوَ مِنَ السَّبْعِ المُوبِقاتِ، قرينةً على حُرمةِ مُخالَطَةِ المريضِ بمثلِ هذهِ الأمراضِ للأصحاءِ.
وقدْ يُعْزَلُ مريضٌ لأنَّ جهازَ المناعةِ لديهِ ضعيفٌ ولا يقوى حتى على مكافحةِ الأمراضِ البسيطةِ التي قدْ يَنْقُلُها إليهِ غيرُهُ منَ الناسِ، ومثلُ هذا المريضِ يُعْزَلُ خوفًا عليهِ منَ العَدْوى لا خوفًا على الناسِ منه، ولا تُجْبِرُهُ الدولةُ على اجتنابِ مخالطةِ الناسِ، لأنهُ لا يوجدُ ضررٌ على الجماعةِ في هذهِ الحالةِ وإنما يقتصرُ الضررُ على الفردِ، ويكونُ على الفرد أن لا يُعرِّض نفسَهُ للخَطَرِ، وأن يأخذ بالوقايةِ التي فَرَضَها اللهُ عليهِ، كما سَنُبَيِّنُ أَدِلَّةَ ذلكَ في بابِ الوقايَةِ إِنْ شاءَ اللهُ.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:49 PM
مشاركة #12


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



- بنك الدم:
بنكُ الدمِ هوَ الجهةُ التي تقومُ بجمعِ الدمِ ومكوناتِهِ وحِفْظِها وتوصيلِها إلى مَنْ يحتاجُها، وكذلكَ تقومُ بمتابعةِ عمليةِ تَقْدِيمِهَا للمرضى وما قدْ يَنْتُجُ عنْ هذا التقديمِ منْ مضاعفاتٍ أوْ أمراضٍ. وَيُؤَسَّسُ لهذهِ الأغراضِ جِهازٌ إداريٌّ تابعٌ لدائرةِ الصحةِ، يضمُّ كادِرًا منَ الأطباءِ والمُمَرِّضَاتِ وباقي الموظفينَ والعلماءِ، بحيثُ يكونُ في كلِّ عَمَالَةٍ فرعٌ ثانويٌّ لبنكِ الدمِ فيهِ ما يكفي منَ الدمِ ومكوِّناتِهِ للعلاجِ اليوْمِيِّ في مستشفياتِ تلكَ العمالةِ، وبحيثُ يكونُ هنالكَ فرعٌ رئيسيٌّ للولايةِ كُلِّها يَضُخُّ ما يكفي منَ الدمِ ومكوِّناتِهِ إلى فروعِ العمالاتِ الثانويةِ في حالةِ النقصِ أوِ الحاجاتِ الاستثنائيةِ كالحروبِ والكوارثِ.
ومع أن الدم محرم لقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) [المائدة 3]، إلا أن التداوي بالمحرم جائز، لأَنَّ الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلم) رَخَّصَ لِلزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ (رضي الله عنهما) فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهِمَا، والحديثُ رواهُ الشيخانِ، ولبسُ الحريرِ للرِجالِ حَرامٌ. كما أنَّ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ (أَيْ مِنْ فِضَّةِ) فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ، رواهُ أبو داودَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بسندٍ حَسَّنَهُ الألبانيُّ، ولبسُ الذَّهَبِ للرِجالِ حَرامٌ أيضًا، ومنْ هنا كانَ التداوي بالمُحَرَّمِ جائِزًا، أيْ ليسَ بحرامٍ، ويدخلُ في ذلكَ الدمُ.
وَيُجْمَعُ الدَّمُ منَ الناسِ في مراكزَ خاصةٍ وَيُحْفَظُ في بنكِ الدمِ، وتقومُ الدولةُ بحملاتٍ إعلاميةٍ دوريةٍ لحثِّ الناسِ على التبرعِ بالدمِ لما في ذلكَ منْ ضرورةٍ لعلاجِ المرضى وتطبيبِ المجاهدينَ. وَتُفْحَصُ فِئَةُ الدمِ عندَ كلِّ منْ يتبرعُ بالدمِ، وتُحْفَظُ في بياناتِ بنكِ الدمِ، حتى إذا احتاجَ يَوْمًا إلى الدمِ كانتْ فئةُ دمِهِ معلومَةً، كما أنَّهُ إذا نقصَتْ هذِهِ الفئَةُ منْ مخزونِ بنكِ الدمِ، أَمْكَنَ الاتصالُ بصاحِبِها وطَلَبِ التَّبَرُّعِ بدمِهِ. كَما تُفْحَصُ فِئَةُ دمِ كُلِّ منْ يَتَجَنَّدُ لجيشِ الدولةِ الإسلاميةِ، لتسهيلِ عمليةِ إِعْطاءِ الدمِ ذي الفِئَةِ المناسبةِ في حالةِ إصابَتِهِ في الجهادِ واحتياجِهِ إلى الدمِ. وَيُفْحَصُ كَذلِكَ خُلُوُّ الدمِ منْ مُسَبِّبَاتِ المرضِ التي قدْ تنتقِلُ عنْ طَريقِهِ.
ولأنَّ الدولةَ الإسلاميةَ دولةٌ مبدئيةٌ تُطَبِّقُ الإسلامَ في الداخلِ وتحملُ دعوتَهُ إلى الخارجِ بالجهادِ، فإنَّها تكادُ تكونُ في حالةِ حَرْبٍ دائمَةٍ لنشرِ الإسلامِ والذَّوْدِ عنِ المسلمينَ، ولذلكَ كانَ على بنكِ الدمِ أَنْ يكونَ مُسْتَعِدًّا دائِمًا لتزويدِ الخطوطِ الأماميةِ للجيشِ بما يلزَمُ منَ الدمِ ومكوِّناتِهِ لعلاجِ الجرحى، وتُقامُ لهذا الغرضِ فروعٌ خاصةٌ لبنكِ الدمِ في الثغورِ تَجْمَعُ الدمَ منَ المقاتلينَ في الخطوطِ الخلفِيَّةِ ومناطقِ الاتصالِ، لتقديمِهِ للجرحى في الخطوطِ الأماميةِ، وعلى هذهِ الفروعِ المُقامَةِ في الثغورِ أَنْ تسعى قدرَ المُستطاعِ إلى تحقيقِ الاكتفاءِ الذاتيِّ خاصةً في أوقاتِ الالتحامِ، حتى لا تكونَ متعلقةً بالإمداداتِ الخلفيةِ لإمْكانِيَّةِ حُصولِ الانقطاعِ، وإذا حَصَلَ نَقْصٌ في كميةِ الدمِ فيُطْلَبُ ما يَسُدُّ هذا النقصَ منَ الدمِ منْ فروعِ بنكِ الدمِ في الولاياتِ المُتاخِمَةِ للثَغْرِ.
وعلى جهازِ بنكِ الدمِ أنْ يهتمَّ بموازنَةِ مخزونِ الدمِ بالطَّلَبِ، بحيثُ لا يزيدُ الطلبُ على المخزونِ فيحصلَ النقصُ ويَتَأَخَّرُ أوْ يَتَعَطَّلُ العلاجُ، وكذلكَ لا يزيدُ المخزونُ على الطلبِ فيتلفَ الدمُ بعدَ انتهاءِ صلاحيَّتِهِ.
وإذا نقصَ الدَّمُ وَكَثُرَ الجرحى أوِ المرضى المحتاجونَ لهذا الدمِ عند الحوادث الطارئة كهجوم عدو أو الزلازل أو الطوفان...، ولمْ يَكْفِ المتبرعونَ بالدمِ لِسَدِّ الحاجةِ للدمِ، فللدولة أن تُجْبِرُ من رعاياها منْ لا يُسَبِّبُ أخذُ الدمِ منهمْ ضَرَرًا عليهم أوْ على مُتَلَقي الدمِ، تُجْبِرُهُمْ على إِعْطاءِ الدَّمِ حتى تَحْصُلَ الكفايةُ. لأنَّ التطبيبَ فرضٌ على الدولةِ، وعدمُ توفيرِهِ يُشَكِّلُ ضَرَرًا تجَِبُ إزالتُهُ، يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ضرر ولا ضرار». هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن للدولةِ أن تفرض ضرائِبَ وفق الأحكام الشرعية إنْ لم يوجدْ في بيتِ المالِ مالٌ للصرفِ على نفقات الحوادث الطارئة من مجاعات وزلازل وطوفان أو هجوم عدو...، وبناء عليه فإنها تجبر من رعاياها منْ لا يُسَبِّبُ أخذُ الدمِ منهمْ ضَرَرًا عليهم أوْ على مُتَلَقي الدمِ، تُجْبِرُهُمْ على إِعْطاءِ الدَّمِ حتى تَحْصُلَ الكفايةُ لسد الحاجة الضرورية لهذه الحوادث الطارئة إن لم يكن في مخزون الدم لديها ما يكفي.
[يتبع]



من مجلة الوعي

الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:52 PM
مشاركة #13


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



الصِّحَّةُ الْفَرْدِيَّةُ: 1ـ الوقاية
الوقايةُ لغةً الحفظُ والصَّوْنُ، نَقولُ: وَقاهُ اللهُ وَقْياً وَوِقايةً وواقِيةً: صانَهُ، ووَقَيْتُ الشيءَ أَقِيهِ إِذا صُنْتُهُ وسَتَرْتُهُ عنِ الأَذى، ووقاهُ ما يَكْرَهُ ووقَّاهُ: حَماهُ منهُ. وفي التَّنْزِيلِ العزيزِ: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ) [الإنسان 11]. والوِقاءُ والوَقاءُ والوِقايةُ والوَقايةُ والوُقايةُ والواقِيةُ: كلُّ ما وَقَيْتَ بهِ شيئاً.
وعليهِ فإنَّ الوقايةَ الصحيةَ هيَ مجموعُ الأعمالِ التي تهدفُ إلى تقليلِ الإصابةِ بالأمراضِ والتأثُّرِ بها والوفاةِ مِنْها. وتكونُ الوقايةُ على ثلاثِ مُستوياتٍ هيَ:
أ) الوقايةُ الأوليَّةُ: وهيَ الأعمالُ التي تمنعُ الإصابةَ بالمرضِ إبتداءً، ومعظمُ إجراءاتِ الصِّحةِ العامةِ هيَ إجراءاتُ وقايةٍ أوليةٍ.
ب) الوقايةُ الثانويَّةُ: وهيَ الأعمالُ التي تهدفُ إلى تشخيصِ المرضِ مُبكرًا، لزيادَةِ فُرَصِ العلاجِ في مَنْعِ تفاقُمِ المرضِ وظُهورِ أعراضِهِ.
ج) الوقايةُ الثالثيَّةُ: وهيَ الأعمالُ التي تُقَلِّلُ الآثارَ السلبيةَ للمرضِ الواقعِ عن طريقِ إعادةِ التأهيلِ والتَكَيُّفِ للحالةِ المرَضِيَّةِ، وتقليلِ مُضاعفاتِ المرضِ.
والوقايةُ منِ الأمراضِ خيرٌ منْ علاجِها، وحفظُ الصحةِ ابتداءً خيرٌ منْ محاولةِ استعادَتِها بعدَ زَوالِها، ولذلكَ تُرَكِّزُ الدولةُ الإسلاميةُ على الوقايةِ الصحيةِ، وَتُقَدِّمُ المشاريعَ التي منْ شأنها صَوْنُ الصحةِ على غيرِها منَ المشاريعِ العِلاجِيَّةِ.
وقدْ أمَرَ الإسلامُ بالوقايةِ، وأرشدَ إلى بعضِ جوانِبِها، بما يُغْني عنْ ذكرِ جميعها، وتَرَكَ لِوَلِيِّ الأمرِ أنْ يجتهدَ ويسعى لاستخدامِ كُلِّ الأساليبِ والوسائلِ لحفظِ صحةِ الرعيَّةِ ووقايَتِهِمُ المرضَ والأسقامَ، لأنهُ مأمورٌ برعايةِ شؤونهِمْ وهذِهِ مِنْها، ومأمورٌ بإزالَةِ الضَّرَرِ عنهم، والمَرَضُ منَ الضَّرَرِ.
ومنْ جوانبِ الوقايةِ التي وردتْ في هَدْيِ الرسولِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ما وَرَدَ عنْهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ عندَ مُسْلِمٍ في صحيحِهِ أنهُ ‏قالَ: ‏"إِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ، فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ"، وعندَ البخاريِّ أنَّ النبيَّ‏ (صلى الله عليه وآله وسلم) قالَ: "إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ". وقدِ احترقَ بيتٌ ‏بالمدينةِ‏ على أهلِهِ، فحُدِّثَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ‏بشأنهمْ، فقالَ: "إِنَّمَا هَذِهِ النَّارُ عَدُوٌّ لَكُمْ فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ"، رواهُ ابنُ ماجةَ وصحَّحَهُ الألبانِيُّ. وروى البخاريُّ ومسلمٌ عنهُ (صلى الله عليه وآله وسلم): "خَمِّرُوا الآنِيَةَ وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتْ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ". وقالَ (صلى الله عليه وآله وسلم): "مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ لَهُ حِجَارٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ"، رواهُ أبو داودَ وصحَّحهُ الألبانِيُّ، وذلكَ اتقاءً للسُقوطِ عنْ ظهرِ البيتِ، وقدْ عَبَّرَ الرسولُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ببراءةِ الذمةِ للدلالة على الإثم الواقع فيه كل من تساهل في وقاية نفسه من الأذى والضرر، مما يدُّلُ على فَرْضِيَّةِ الوقايةِ.
ونذكرُ أيضًا في مجالِ الأَمْرِ بالوقايةِ، الحديثَ المتفقَ عليهِ، حيثُ قالَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم): "مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا، لاَ يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا". وكذلكَ نَهْيُهُ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ عنِ العدوى، فَهُوَ في الواقعِ أَمْرٌ بالوقايةِ، لأنَّ العدوى مما يحصلُ بهِ المرضُ عادةً، فقدْ روى البخاريُّ عنْ أبي هريرةَ (رضي الله عنه) أنَّ الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلم) قالَ: "لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ"، وفي صحيحِ البخاريِّ أيضًا عنْهُ‏ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّهُ قالَ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا"، وفيهِ أيضًا عنهُ (صلى الله عليه وآله وسلم): "فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الأَسَدِ"، وروَى مسلمٌ ‏ عَنْ عَمْرو بن الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قالَ: "كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم): إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ!".
أَما نَفْيُهُ (صلى الله عليه وآله وسلم) للعَدْوى فيما رواهُ البخاريُّ أنَّهُ (صلى الله عليه وآله وسلم) قالَ: "لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ"، فليسَ نفيًا لحقيقةِ العدوى، بلْ هوَ نفيٌ لاسْتِقْلالِها بغيرِ تدبيرِ اللهِ وتقديرِهِ للأسبابِ، والدليلُ على ذلكَ أنَّ الحديثَ بتمامِهِ في صحيحِ البخاريِّ هوَ: قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم): "لاَ عَدْوَى وَلا صَفَرَ وَلا هَامَةَ"، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا؟"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): "فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟"، فالأعرابيُّ فَهِمَ أنَّ النفيَ في الحديثِ هُوَ نفيٌ لحقيقةِ العدوى، ولذلكَ سأَلَ مُسْتَغْرِبًا لأنَّهُ رأى واقعًا أنَّ العَدْوى تحصلُ مِنَ المريضِ للصحيحِ، فَنَبَّهَهُ الرسولُ إلى أَنَّ العدوى قدْ تَتَخَلَّفُ ويحصلُ المرضُ، أيْ أنَّ سببَ المرضِ هوَ تقديرُ اللهِ سبحانه وتعالى فقطْ، سواءٌ أَحَصَلَ بطريقِ العدوى التي جعلَها اللهُ حالَةً منْ حالاتِ حُصولِ المرضِ أمْ بِحالَةٍ أُخرى. فموضوعُ الحديثِ هوَ العقيدةُ، وهدفُهُ إبطالُ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدهُ أَنَّ الأَمْرَاضَ تُعْدِي بِطَبْعِهَا مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ إِلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى، فَأَبْطَلَ النَّبِيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) اِعْتِقَادهمْ ذَلِكَ وبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى هُوَ الَّذِي يُمْرِض وَيَشْفِي، وأشَارَ إِلَى أَنَّ العدوى لاَ تَسْتَقِلُّ بِذاتِهَا بِغَيْرِ تقديرِ اللهِ.
وعليهِ فَإِنَّ الحديثَ لا يَدُّلُ على نَفْيِ حقيقةِ العدوى وبالتالي نفيِ الوقايةِ لمنعِ المرضِ. وهذا ما فهمَهُ الصحابَةُ الكرامُ منْ واقِعِ العدوى وعلاقَتِها بالمرضِ والقَدَرِ، فقدْ رَوَى البخاريُّ ومسلمٌ عن ابنِ عباسٍ (رضي الله عنهما) أن‏َّ عمرَ بنَ الخطابِ (رضي الله عنه) خرجَ إلى الشَّامِ حتى إذا كانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أَهْلُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، ‏فقالَ عمرُ (رضي الله عنه): "‏ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ"، فَدَعَاهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: "قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ وَلا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ"، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: "مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وَلا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ"، فَقَالَ (رضي الله عنه): "ارْتَفِعُوا عَنِّي!"، ثُمَّ قَالَ (رضي الله عنه): "ادْعُ لِي الأَنْصَارِ"، فَدَعَاهُمْ لَهُ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلافِهِمْ، فَقَالَ (رضي الله عنه): "ارْتَفِعُوا عَنِّي!"، ثُمَّ قَالَ (رضي الله عنه): "ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ"، فَدَعَاهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ رَجُلانِ، فَقَالُوا: "نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ"، فَنَادَى عُمَرُ (رضي الله عنه) فِي النَّاسِ إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ (رضي الله عنه): "أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟"، فَقَالَ عُمَرُ (رضي الله عنه): "لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ"، وَكَانَ عُمَرُ (رضي الله عنه) يَكْرَهُ خِلافَهُ، "نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟". فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ (رضي الله عنه)، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: "إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ"، قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (رضي الله عنه) ثُمَّ انْصَرَفَ.
أَمَّا حديثُ جابرٍ بن عبدِ اللهِ (رضي الله عنه) أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذَ بيدِ مجذومٍ فَوَضَعَها مَعَهُ في قصعتِهِ، فقالَ: "كُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلاً عَلَيْهِ"، ففي إِسنادِهِ الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، ضَعَّفَهُ أَهْلُ الحَديثِ، فَالحَديثُ ضَعِيفٌ لِذلِكَ. وَحتى لَوْ صَحَّ الحديثُ، فَيُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): «فر من المجذوم كما تفر من الأسد» الدال على الأخذ بأسباب الوقاية، وبينَ فِعْلِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) حينَ أخذَ بيدِ المجذومِ ووَضَعَها مَعَهُ في القصعةِ، بِأَنَّ قولهُ (صلى الله عليه وآله وسلم) "فر من المجذوم..." خطابٌ خاصٌّ بالأُمَةِ وليسَ عامًّا، وأنهُ وإنْ كانَ خطابُ الرسولِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمتِهِ خطابًا لهُ، لأنَّهُ يَدْخُلُ في عمومِ كلامهِ، ولكنْ إذا جاءتْ قرينةٌ تدُلُّ على أنَّ لهُ حكمًا خاصًّا بهِ، فيكونُ منْ خصوصِيَّاتِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهنا جاءَ أخذُهُ يدَ المجذومِ ووَضْعُها في القصعةِ إذا وُضعَ إلى جانبِ قولِهِ "فر من المجذوم..."، فإنهُ يكونُ قرينةً على أنَّ فِعْلَهُ (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصٌّ بهِ والقولُ خاصٌّ بالأمةِ، وعليهِ فَلا تَعَارُضَ بينَ الأخذ بأسباب الوقاية وبينَ فِعْلِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) بِكَوْنِهِ أخذَ يدَ المجذومِ ووَضَعَها في القصعةِ الذي يُفهمُ منهُ عدمُ مراعاةِ أسبابِ الوقايةِ، فإنَّ هذا خاصٌّ بهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلكَ لأنَّ قولَهُ للأُمةِ أَمرٌ خاصٌّ بهمْ بقرينةِ فعلِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهوَ أخصُّ من أدلةِ التأسِّي القاضيةِ باتباعِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) في أقوالهِ وأفعالهِ، فبُنِيَ العامُّ على الخاصِّ، ولا يجبُ التأسِّي بهِ في هذا الفعلِ الذي وردَ الأمرُ للأُمةِ بخلافِهِ. وعليهِ فحتى لوْ كانَ حديثُ الأكلِ معَ المجذومِ صحيحًا، فهو خاصٌّ به (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتبقى الوقايةُ فرضًا على أُمتِهِ. وَهذا كُلُّهُ في حَقِّ الفردِ، أما الإمامُ فإنَّ عملهُ لحفظِ صحةِ الرعيةِ ووقايتِهِم منَ الأمراضِ يَبْقَى فرضًا لأَنَّهُ كما قُلنا منْ رعايةِ الشؤونِ وإزالةِ الضررِ التي هيَ فرضٌ فرضَهُ اللهُ عليهِ وتوعَدَّهُ على التفريطِ فيهِ.
وهذه أنواع من الرعاية والوقاية التي أمر بها الإسلام:
أ) رِعَايَةُ الحَوامِلِ وَالأَطْفَالِ: لقدْ حَثَّ الإسلامُ على النكاحِ وأمرَ بهِ ورغَّبَ فيهِ، فقالَ (صلى الله عليه وآله وسلم): "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ"، متفقٌ عليهِ.
ومع أن للرجل أن يختار الزوجة التي يرضاها وفق أحكام الشرع، وكذلك للمرأة أن تختار الزوج الذي ترضاه وفق تلك الأحكام، إلا أن الإسلام جعل حالات أفضلية في الزواج، فقد حث الإسلامُ على الإنجابِ وتكثيرِ النَّسْلِ، قالَ سبحانه وتعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ) [البقرة 187] أيِ الولدَ. وقد أخرج أحمد من طريق أنس بن مالك «تزوجو الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة». وهكذا فإن الإسلام يحث على الإنجاب وتكثير للنسل بالزواج من المرأة الولود التي تُعرف بهذه الصفة من معرفة أمها وعماتها وخالاتها...
ولذلكَ كانتْ الرعايةُ الصحيةُ للأمهاتِ والأطفالِ قائمةً على هذا الأساسِ لحثِّ النساءِ والأزواجِ على الإنجابِ وللاهتمامِ بصحةِ الأمِّ قبلَ فترةِ الحملِ وخِلالها وبعدَ الولادةِ، وكذلكَ الاهتمامِ بصحةِ الأطفالِ ومتابعةِ نُمُوِهِمُ الصحيِّ حتى البلوغِ،
ولتحقيقِ الرعايةِ الصحيةِ للأمهاتِ والأطفالِ يُقامُ في كلِّ حيٍّ مركزُ "رعايةِ الأمِّ والطفلِ"، يَضُمُّ طاقمًا منْ طبيبٍ وممرضةٍ وخبيرِ تغذيةٍ وَ"عامِلَةٍ اجتماعيَّةٍ"، وَكُلُّهُمْ أصحابُ تأهيلٍ إضافيٍّ في الصحةِ العامةِ، ويكونُ هذا المركزُ تابعًا إداريًا لدائرةِ الصحةِ في العمالةِ. ويقومُ كلُّ مركزٍ منْ هذهِ المراكزِ بإحصاءِ كُلِّ النساءِ والأطفالِ في الحيِّ، ويكونُ مسؤولاً مباشرةً عَنْهُمْ.
أَمَّا أهدافُ مَراكِزِ رِعايةِ الأمِّ والطفلِ فهيَ:
1- منعُ الأمراضِ المُعديةِ عنْ طريقِ التطعيمِ.
2- الاكتشافُ المُبكرِ للمشاكلِ الصحيّةِ عنْ طريقِ الفحوصاتِ الدَّوْرِيَّةِ.
3- مراقبةُ المشاكلِ الصحيةِ في المجتمعِ واتخاذِ الإجراءاتِ المطلوبةِ حسبَ اللازمِ.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:54 PM
مشاركة #14


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



- الإرشادُ الصحيُّ لتحسينِ الصحةِ ومنعِ الأمراضِ والحثِّ على تكثيرِ النَّسْلِ.
أمَّا فيما يتعلقُ بالنساءِ المتزوجاتِ قبلَ فترةِ الحملِ، فإنَّ دائرةَ الصحةِ تقومُ بالتوعيةِ الصحيةِ على المواضيعِ المتعلقةِ بالنساءِ، وما يتعلقُ بالتحضيرِ للحَمْلِ والإنجابِ، عنْ طريقِ المحاضراتِ العامةِ والكُتَيباتِ والأفلامِ التي تُوَزَّعُ بصورةٍ دَوْرِيَّةٍ على مراكزِ رعايةِ الأُمِّ والطفلِ، ويُشْرِفُ على هذهِ الموادِّ طاقمٌ خاصٌّ منْ دائرةِ الصحةِ، يهتمُ بأنْ تكونَ المعلوماتُ سهلةً غيرَ مُعَقَّدَةٍ، ومفيدةً في ذاتِ الوقتِ، معَ مراعاةِ الفُروقِ في العاداتِ والأعرافِ في كلِّ منطقةٍ منْ مناطقِ الدولةِ وملاءَمَةِ الإرشاداتِ والتوعيةِ لهذهِ العاداتِ والأعرافِ.
كما تقومُ مراكزُ رعايةِ الأمِّ والطفلِ بفحصِ الأمراضِ المُعديةِ التي قدْ تُؤَثِّرُ على الأمِّ أوِ الجنينِ في فترةِ الحملِ، وتقديمِ العلاجِ أوِ الإرشادِ المتعلقِ بكُلِّ حالةٍ. وتهتمُّ المراكزُ كذلكَ بتقديمِ الإرشادِ للتغذيةِ الصحيةِ وما تحتاجُهُ المرأةُ منْ فيتاميناتٍ وإضافاتٍ للطعامِ قبلَ الحملِ.
أما الحواملُ، فإنَّ مراكزَ الرعايةِ تهتمُّ بمتابَعَتِهِنَّ دوريًّا للاطمئنانِ على سلامتهِنَّ وسلامةِ الجنينِ، ويُحَدَّدُ جدولٌ للفحوصاتِ اللازمةِ خلالَ الحملِ، من أجل الرعاية الصحية السليمة لهن طوال فترة الحمل.
ومنَ المهمِّ التذكيرُ بأنَّ الإجهاضَ ليس حراماً فقط بعد نفح الروح في الجنين، الذي يكون بعد مائة وعشرين يوماً كما في الحديث الصحيح المتفق عليه، واللفظ لمسلم من طريق عبد الله بن مسعود قال « إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ... » بل هو حرام قبل ذلك منذ بدء التخلق.
وقد ورد في الأحاديث أن التخلق يكون قبل نفخ الروح بشهور، فقد أخرج مسلم من طريق ابن مسعود قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَقُولُ إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا وفي رواية " أربعين ليلة ".
ثم إن الإجهاض ليس حراماً يسبب إثماً في الآخرة فحسب، بل عليه عقوبة في الدنيا تصيب كل من يقوم به، سواء أكانت المرأة أم الزوج أم الطبيب أم غيرهم، ويعدُّ تعدِّيًا على نفسٍ إنسانيةٍ معصومةِ الدَّمِ، يُوجِبُ الديةَ بمقدارِ غُرَّةِ عَبْدٍ أوْ أَمَةٍ، أيْ عُشرِ ديَّةِ الإنسانِ الكاملِ. قالَ سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ) [الإسراء 33]، وفي الحديثِ المتفقِ عليهِ عنِ الرسولِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنهُ قَضَى في جنينِ امرأةٍ منْ بَني لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أوْ أَمَةٍ.
وتقومُ المراكزُ كذلكَ بتوعيةِ الحواملِ صحيًّا بإرشادهِنَّ إلى التغذيةِ السليمةِ والإضافاتِ اللازمةِ، وكذلكَ إرشادهنَّ لما ينبغي الحذرُ منهُ وتجنُّبُهُ وعدم تناوله خلالَ فترةِ الحملِ حتى لا يَتَأَثَّرَ الجنينُ، وأيضًا يكونُ هنالِكَ إرشادٌ وتحضيرٌ مُسْبَقٌ للمرأةِ الحاملِ لعمليةِ الولادةِ وكيفيةِ الرضاعةِ الناجحةِ والسليمةِ، ويستمرُ إرشادُ النساءِ لكيفيةِ الرضاعةِ الناجحةِ بعدَ الوَضْعِ على يدِ مُمَرِّضَاتٍ مُتَخَصِّصَاتٍ منْ خِلالِ زياراتٍ منـزليةٍ. كما تكونُ في المركزِ أيضًا إمكانيةٌ للدعمِ النفسيِّ للمرأةِ الحاملِ بإشرافِ عاملةٍ مُتَخَصِّصَةٍ في المجالِ.
وبالنسبةِ لرعايةِ الأطفالِ فإنَّ المركزَ يهتمُّ بأنْ يوفِّرَ طبيبًا يزورُ المولودَ الجديدَ في بيتِهِ حسبَ الحاجَةِ. ويتابعُ المركزُ نموَّ جميعَ الأطفالِ وتطوُّرَهُمْ منْ خلالِ فحوصاتٍ دَوْرِيَّةٍ في فتراتٍ زمنيةٍ محدَّدَةٍ، ويتمُّ في هذهِ الفحوصاتِ أيضًا فحصُ السمعِ والنظرِ والاتصالِ عندَ الطفلِ، وتشخيصُ المشاكلِ الصحيةِ لضمانِ معالجتِها ومتابعتِها مُبَكِّرًا. وخلالَ هذهِ المتابعةِ والفحوصاتِ الدوريةِ تُعطى التطعيماتُ المقرَّرَةُ للأطفالِ في أوقاتها المحدَّدَةِ وَفْقَ ما قرَّرَتْهُ دائرةُ الصحةِ. كما ويهتمُّ المركزُ أنْ يكونَ في الحيِّ أماكنُ مخصصةٌ للعبِ الأطفالِ، وأنْ تكونَ مزوَّدَةً بما يُثريهِمْ ويُسَلِّيهِمْ ويحمِلُهُمْ على التفكيرِ.
ب) ممرضاتُ المدارسِ: تكونُ في كلِّ مدرسةٍ ممرضةٌ أو ممرض أوْ أكثرُ حسبَ الحاجةِ، مهمتهم متابعةُ الطلابِ صحيًّا، وتقديمُ العلاجِ الأوليِّ في حالةِ إصابَتِهِم. وتشملُ هذه المتابعة التأكُدَّ منْ حصول الأطفال على كلِّ التطعيماتِ المقررةِ، والاتصالَ بالمعلمينِ لملاحظةِ التصرفاتِ الغريبةِ لبعضِ الطلابِ والتي قدْ تنتجُ عنْ مشاكلَ اجتماعيةٍ أو صحيةٍ عندَهُمْ، وضَمانَ فَحْصِهِمْ ومعالجةِ هذهِ المشاكلِ بالطرقِ الصحيحةِ. وتشملُ كذلكَ تقديمَ الإرشادِ الصحيِّ للطلابِ وعائِلاتهمْ وطاقمِ المدرسةِ، عنْ طريقِ المحاضراتِ منْ فترةٍ لأخرى أو النشراتِ الصحيةِ وما إلى ذلكَ.
ج) التطعيماتُ: التطعيمُ هوَ وسيلةٌ لتطويرِ المناعةِ ضدَ مسبباتِ الأمراضِ منْ فيروساتٍ وجراثيمَ، عنْ طريقِ إدخالِ أجزاءٍ غيرِ خطرةٍ منْ مسبباتِ الأمراضِ هذهِ إلى الجسمِ لتحفيزِ جهازِ المناعةِ الطبيعيِّ على إنتاجِ أجسامٍ مُضادةٍ ضدَ مسبباتِ المرضِ الأكثرِ خطرًا.
فالتطعيمُ هوَ جزءٌ منَ الوقايةِ الصحيةِ الأوليةِ، بحيثُ يُقدَّمُ للأصحاءِ لتقويةِ جهازِ المناعةِ لديهمْ وزيادةِ فعاليتِهِ في مقاومةِ مسبباتِ المرضِ. وتتعدَّى فائدةُ التطعيمِ أحيانًا الفردَ المُطعَّمَ حيثُ أنَّ عدمَ إصابتِهِ بالمرضِ تمنعُ أيضًا العدوى التي يمكنُ أنْ تنتقلَ منهُ إلى غيرِهِ ممنْ لمْ يتلقَ التطعيمَ. وإذا تَلَقَّى ما نسبَتُهُ 90% منَ الناسِ تطعيمًا ضدَّ مُسَبِّبِ مرضٍ مُعَيَّنٍ، فباقي الناسِ ممنْ لمْ يتلقوا التطعيمَ مباشرةً سيكونونَ بمأْمَنٍ منَ المرضِ لأنَّ مُسَبِّبَ المرضِ يصبحُ نادرًا في مثلِ هذهِ الجماعةِ بحيثُ يَقِلُّ احتمالُ التعرُّضِ لهُ، وهذا ما يُسمَّى بمناعةِ القطيعِ.
وقدِ اختفى بهذهِ الطريقةِ مرضُ الجُدَرِيِّ (Smallpox) منَ العالمِ في عامِ 1977 ميلاديةَ، بعدَ برنامجِ تطعيمٍ شَمِلَ معظمَ دولِ العالمِ قامتْ بهِ منظمةُ الصحةِ العالميةِ، ولمْ يَعُدْ مُسَبِّبُ المرضِ هذا موجودًا إلا في المختبراتِ.
ولأهميةِ التطعيمِ وفعاليتهِ في الوقايةِ منَ الأمراضِ، فإنَّ الدولةَ الإسلاميةَ تُقَدِّمُ هذهِ الرعايةَ الصحيةَ للرعيةِ بالمجانِ، وَفْقَ برنامجٍ مُحَدَّدٍ ومُقَسَّمٍ حسبَ فئاتِ الجيلِ، يُقَرِّرُهُ أهلُ الإختصاصُ بموازنةُ مَدَى انتشارِ مُسبباتِ المرضِ المُرادِ التطعيمِ ضدَّها وخطورةِ المرضِ الناتجِ عنْها، معَ العوارضِ الجانبيةِ للتطعيمِ نفسِهِ. ويتمُّ تطعيمُ المواليدِ الجُدُدِ في المستشفياتِ ودورِ الولادةِ، والأطفالِ في مراكزِ رعايةِ الأمِّ والطفلِ، وطلابِ المدارسِ في مدارسِهِمْ، والأفرادُ الأكبرُ سنًّا في الجيشِ أو في المراكزِ الصحيَّةِ الفرعِيَّةِ.
ويكونُ التطعيمُ إلزاميًا أوْ اختياريًا، بحسبِ تَعَلُّقِهِ بإزالةِ الضررِ عنِ الجماعةِ. فإنْ كانَ المرضُ المرادُ التطعيمُ ضدَّهُ خَطِرًا ومُعديًا يُجْبَرُ الفردُ على تَلَقِي التطعيمِ، حتى لا يُعَرِّضَ غيرهُ منْ أفرادِ المجتمعِ لخطرِ الإصابةِ بالمرضِ، وحتى يتكوَّنَ ما يُسَمَّى بمناعةِ القطيعِ. ويُسْتَثْنَى منَ المُجبرينَ على تلقي التطعيمِ منْ كانَ لَدَيْهِ حساسيةٌ للتطعيمِ، أوْ كانَ مُصابًا بضعفٍ في جهازِ المناعةِ بحيثُ يكونُ التطعيمُ نَفْسُهُ خطرًا عليهِ، وهؤلاءِ تكونُ حمايتهُمْ منَ المرضِ بمناعةِ القطيعِ. أما الأمراضُ التي لا تُسَبِّبُ ضررًا للجماعةِ، كأنْ يكونَ المرضُ غيرَ مُعْدٍ أوْ غيرَ خَطِرٍ على الجماعةِ فَيُخَيَّرُ الفردُ في تَلَقِّي التطعيمِ ضدَّهُ.
وقدْ تكونُ هنالِكَ برامجُ تطعيمٍ عالميَّةٍ تقومُ بها منظماتٌ دوليةٌ كمنظمةِ الصحةِ العالميةِ أوْ دولٍ أخرى لإزالةِ مرضٍ مُعَيَّنٍ منَ العالمِ كما في حالَةِ الجُدَرِيِّ، ويُطْلَبُ منَ الدولةِ الإسلاميةِ المشاركةُ فيها. وفي مثلِ هذهِ الحالةِ على الدولةِ الإسلاميةِ أنْ تشترطَ أنْ تَطَّلِعَ على كافةِ المعلوماتِ المتعلقةِ بالتطعيمِ وَعَوَارِضِهِ الجانبيةِ وبرنامجِهِ، وأنْ يُصَنَّعَ التطعيمُ المُرادُ تقديمُهُ لِرَعَايَا الدولةِ الإسلاميةِ في مصانِعِ الدولةِ وتحتَ إشرافِ دوائِرِها وَمُخْتَصِّيها، ويُعْطَى للرعيةِ بواسطةِ أجهزةِ الدولةِ الإسلاميةِ الصحيةِ وبإشرافِها، ولا يُقْبَلُ أنْ يَتَوَلَّى هذهِ الأعمالَ مندوبونَ منْ منظمةِ الصحةِ العالميةِ أوْ منْ دولٍ أخرى إلا بصفةِ مراقبينَ فقطْ. ويكونُ التطعيمُ في هذهِ الحالاتِ إلزاميًّا للرعيةِ بحسبِ تَعَلُّقِهِ بإزالةِ الضررِ عنِ الجماعةِ وَفْقَ التفصيلِ السابِقِ.
د) صِحَّةُ الفمِ وَالأَسْنَانِ: تُشَكِّلُ أمراضُ الفمِ واللِّثَّةِ والأسنانِ مشكلةً صحيةً واسعةَ الانتشارِ، فَتَسَوُّسُ الأسنانِ وحدهُ يُصيبُ ما بينَ 60-90% منْ طلابِ المدارسِ والأغلبيةَ الساحقةَ منَ البالغينَ في معظمِ الدولِ الصناعيةِ، وكذلكَ الأمرُ بالنسبةِ لأمراضِ اللثةِ.
وأمراضُ الأسنانِ تُسَبِّبُ المعاناةَ والألمَ، كما أنها تُؤَثِّرُ في سلامةِ النُّطْقِ والكلامِ، وتُغَيِّرُ رائحةَ الفمِ وَجَمَالَ الإنسانِ، هذا فَضْلاً عنْ مشاكلِ المضغِ والطعامِ.
وقدْ اهتمَّ الإسلامُ بصحةِ الفمِ وطهارتِهِ وحثَّ على العنايةِ بها، وَقَرَنَ بينها وبينَ نوالِ رضوانِ اللهِ سبحانه وتعالى، فقالَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواهُ أحمدُ والنَّسائيُّ وابنُ حِبَّانِ وابنُ خزيمةَ وصحَّحَهُ النوويُّ: "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ"، وقالَ عليهِ وَآلِهِ الصلاةُ والسلامُ: "لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ"، رواهُ الإمامُ أحمدُ والبخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ. والسِّواكُ هوَ استعمالُ عودٍ وَنَحْوِهِ في الأسنانِ لإزالةِ ما يعلقُ بها منْ فضلاتِ الطعامِ، وما يَعْلُوهَا منْ صُفْرَةٍ، ويُطْلَقُ أيضًا على العودِ أوِ الشيءِ الذي يُتسوَّكُ بهِ. والسواكُ مُسْتَحَبٌ في جميعِ الحالاتِ والأوقاتِ، ولكنَّهُ في خمسةِ أوقاتٍ أشدُّ استحبابًا لقيامِ الأدلةِ على ذلكَ: عندَ الاستيقاظِ منَ النومِ والوضوءِ وقراءَةِ القرآنِ والصلاةِ وعندَ تَغَيُّرِ الفمِ. وفي صحيحِ مسلمٍ عنِ المِقْدامِ بنِ شُرَيْحٍ عنْ أبيهِ قالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ (رضي الله عنها) قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟، قَالَتْ (رضي الله عنها): بِالسِّوَاكِ". وروى أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ وحسَّنَهُ هوَ وابنُ حجرٍ عنْ عامرِ بنِ ربيعةَ (رضي الله عنه) قالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مَا لاَ أَعُدُّ وَمَا لاَ أُحْصِي يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ".
وقدْ نهى الإسلامُ عنْ أكلِ الثومِ والبصلِ إذا ذهبَ المسلمُ لصلاةِ الجماعةِ حتى لا يَشُمَّ أخوهُ منهُ ريحًا غيرَ طيبةٍ فَيُؤْذِيَهُ، فقالَ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواهُ البخاريُّ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا". وإهمالُ العنايةِ بالفمِ والأسنانِ يُؤَدِّي إلى كراهةِ رائِحَتِهِما وَتَأَذِّي المسلمينَ منْ هذهِ الرائحةِ.
لهذا فعلى الدولةِ الإسلاميةِ أنْ تهتمَّ برعايةِ صحةِ الفمِ والأسنانِ عندَ الرعيةِ، سواءَ عنْ طريقِ حملاتٍ إعلاميةٍ عامَّةٍ هدفُها توعيةُ الناسِ على أهميةِ وكيفيةِ الحفاظِ على صحةِ الفمِ والأسنانِ، أم عنْ طريقِ سياساتٍ تتخذُها الدولةُ لحمايةِ الأسنانِ منَ التسوسِ وخفضِ معدلاتِ حدوثِهِ، كإضافةِ الفلوريدِ إلى مياهِ الشربِ وإلى معاجينِ الأسنانِ ومحاليلِ غَسُولِ الفمِ، حيثُ تَدَّعِي بعضُ الدراساتُ غيرُ الموثوقَةِ أنَّ إضافةَ الفلوريدِ إلى مياهِ الشُّربِ في الولاياتِ المتحدةِ الأميركيةِ بعدَ عامِ 1945م خَفَّضَ مِنْ نِسْبَةِ تَسَوُّسِ الأسنانِ بـ 40%-70% عندَ الأطفالِ، وَخَفَّضَ ما نِسْبَتَهُ 40%-60% مِنْ فُقْدانِ الأَسْنانِ عِنْدَ الكِبارِ. فَتُدْرَسُ مَنافِعُ إضافَةِ الفلوريدِ إلى مياهِ الشربِ وَضَرَرُها المحتملِ على يدِ العلماءِ والأطباءِ في الدولةِ، وَيُتَّخَذُ الإجراءُ المناسبُ تبعًا لنتائِجِ هذهِ الدراسةِ.
كما تُوَفِّرُ الدولةُ الإسلاميةُ الفحصَ الدوريَّ المجانيَّ للفمِ والأسنانِ لجميعِ الرعيةِ، وخصوصًا للأطفالِ في مراحلِ الدراسةِ المختلفةِ لمتابعةِ نُمُوِ الأسنانِ وكشفِ الأمراضِ والتَسَوُّسِ مُبَكِّرًا وعلاجِها.
هـ) السَّلامَةُ والصِّحَّةُ المِهْنِيَّةُ: السلامةُ والصحةُ المهنيةُ هيَ مجالٌ يعنى بالحفاظِ على سلامةِ وصحةِ العاملِ أوِ الموظَّفِ في الدولةِ، وذلكَ عنْ طريقِ توفيرِ الحمايةِ المهنيةِ للعمالِ والحدِّ منْ خطرِ المُعَدَّاتِ والآلاتِ والموادِّ المستخدمةِ ونواتجِها وخطرِ مكانِ العملِ على العُمَّالِ، ومحاولةِ منعِ وقوعِ الحوادثِ وأمراضِ المهنَةِ أوِ التقليلِ منْ حدوثِها، وتوفيرِ الجوِّ المهنيِّ السليمِ الذي يساعدُ العمالَ على العملِ بأمانٍ.
وقدْ نهى النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنْ يُكَلَّفَ العاملُ فوقَ طاقتهِ، فلا يُطْلَبُ منهُ ما يَعْجَزُ عنهُ أو يُتْعِبُهُ، روى مسلمٌ في صحيحهِ أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قالَ: "لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلاَ يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا يُطِيقُ". بَلْ إنَّ الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَنْهَى أنْ تُكلَّفَ البهائِمُ والدوابُّ فوقَ طاقَتِها، فقدْ رَوَى أبو داودَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنهُ قَالَ: "إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَتَكُمْ"، والحديثُ صَحَّحَهُ الألبانيُّ وقَالَ الْقَارِيُّ في شرحِهِ: "وَالْمَعْنَى لا تَجْلِسُوا عَلَى ظُهُورهَا فَتُوقِفُونَهَا وَتُحَدِّثُونَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاء وَغَيْر ذَلِكَ، بَلْ اِنْزِلُوا وَاقْضُوا حَاجَاتكُمْ ثُمَّ اِرْكَبُوا"، ولا يخفى أنَّ مثلَ ذلكَ يُؤْذِي الدوابَّ ويُتْعِبُها في غيرِ طائلٍ.
وكذلكَ رَوَى أبو داودَ وأحمدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ (رضي الله عنه) قَالَ: "أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ. قَالَ: فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: أَفَلا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ."، قالَ الحاكمُ عنْ هذا الحديثِ: "صحيحُ الإسنادِ" ووافَقَهُ الذهبيُّ.
وإنْ كانَ إرهاقُ الدوابِّ وتحميلُها فوقَ طاقَتِها مَنْهِيًّا عنهُ، فإنَّ فعلَ مِثْلِ ذلكَ بالبشرِ حرامٌ منْ بابِ أوْلَى، ولذلكَ يَمْنَعُ المحتسبُ في الدولةِ أربابَ العملِ والمُسْتَأْجِرينَ منَ التعدِّي على العمالِ أوِ الأُجراءِ بإرهاقِهِمْ أو تحميلِهِمْ ما منْ شأنِهِ الإضرارُ بصحتِهِمْ، كما ويُجْبِرُ المحتسبُ صاحبَ العملِ أوِ المُسْتَأْجِرَ على الالتزامِ بمعاييرِ السلامةِ وتقليلِ الخطرِ في بيئةِ العملِ، وذلكَ منْ بابِ الوقايةِ ومنعِ حصولِ الضررِ.
وَقَالَ ابنُ رُشْدٍ القُرْطُبِيِّ في "البَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ" عِنْدَ حَدِيثِهِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رضي الله عنه) مِنَ التَّفَقُدِ لأَِحْوَالِ رَعِيَّتِهِ: "قَوْلُ مالِكٍ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ (رضي الله عنه) مَرَّ بِحِمَارٍ عَلَيْهِ لَبِنٌ فَوَضَعَ عَنْهُ طُوبَتَيْنِ، قالَ: فَأَتَتْ سَيِّدَتُهُ عُمَرَ فَقالَتْ: يا عُمَر، مالَكَ لِحِمَارِي، أَلَكَ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ؟ قَالَ: فَمَا يُقْعِدُنِي فِي هذا المَوْضِعِ؟ وَسُئِلَ مالِكٌ عَنْ حَديثِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ حينَ ذَكَرَ رَقِيقَ الحَوَائِطِ إِذْ كَانَ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ فَيُخَفِّفُ عَنْ ثِقَلِهِمْ وَيَزِيدُ في رِزْقِ مَنْ أَقَلَّ لَهُ، أَكَانَ ذلِكَ في رَقيقِ النَّاسِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَغَيْرهُمْ مِنَ الأحْرارِ مَنْ عَمِلَ ما لا يُطِيقُ، فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ الوُلاةَ عِنْدَنَا يُوَكِّلُونَ الشُّرَطَ فِيمَنْ مَرَّ بِهِ بِحِمْلٍ ثَقيلٍ مِنْ جَمَلٍ أَوْ بَغْلٍ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ، قَالَ: أَرَى أَنْ قَدْ أَصَابُوا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: المَعْنَى في هذَا بَيِّنٌ، لأَِنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" الحَدِيثُ (رَوَاهُ البُخَارِيُّ)، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رضي الله عنه) لِهذا الحَدِيثِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ: لَوْ مَاتَ جَمَلٌ بِشَطِّ الفُرَاتِ ضَيَاعًا لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللهُ عَنْهُ"، انْتَهَى كَلامُ ابنُ رُشْدٍ القُرْطُبِيِّ. فَها نَحْنُ نَرَى عُمَرَ (رضي الله عنه) يُخَفِّفُ مِنْ عِبْءِ العُمَّالِ وَيَزِيدُ في أَجْرِ مَنْ كُلِّفَ مِنْهُمْ بِحِمْلٍ ثَقِيلٍ وَعَمَلٍ مُضْنٍ شَدِيدٍ.
و) الفُحُوصَاتُ المَسْحِيَّةُ: الفحصُ المَسْحِيُّ هوَ فَحْصٌ يُجْرَى لمجموعةِ الرَّعِيَّةِ لِكَشْفِ المرضِ عندَ الأفرادِ الذينَ لا تظهرُ عليهمْ عوارضُ المرضِ أوْ علاماتُهُ. وبخلافِ الفحوصاتِ الطبيةِ المعهودةِ، يُجرى الفحصُ المَسْحِيُّ لأفرادٍ لا يظهرُ عليهِمْ أيُّ أَمارَةٍ للمرضِ.
أما هدفُ الفحوصاتِ المسحيةِ فهوَ كشفُ المرضِ في مجتمعِ ما مُبَكِّرًا بحيثُ يتمكنُ المُعالِجُ منْ التَّدَخُّلِ والعلاجِ المبكرِ لتقليلِ المعاناةِ منَ المرضِ ورفعِ نسبةِ نجاحِ العلاجِ.
وَتُقَرِّرُ لجنةٌ منَ الأطباءِ المختصينَ الأمراضَ التي يلزمُ أن تُوَفِّرَ الدولةُ الفحوصاتِ المسحيةِ لها لرعيتِها. ويجبُ أنْ تتوفرَ في المرضِ الذي يُرادُ إجراءُ فحصٍ مسحيٍ للكشفِ عنهُ بعضُ الأمورِ، مثلُ: أنْ يُشكِّلَ المرضُ مشكلةً صحيةً جَدِّيَّةً، وأنْ يكونَ هنالكَ علاجٌ للمرضِ، وأنْ يكونَ فحصُ كَشْفِ المرضِ ذا إمكانيةٍ تشخيصيةٍ مُرتفعةٍ، وأنْ تكونَ هنالكَ فترةٌ في مسارِ المرضِ يكونُ المرضُ خلالهَا مُسْتَتِرًا كامِنًا.
ولا يُجبرُ أفرادُ الرعيةِ على إجراءِ الفحوصاتِ المسحيَّةِ إلا إذا تَرَتَّبَ على امتناعهمْ ضررٌ يلحقُ ببقيةِ الرعيةِ، لتحريمِ الضررِ بالقاعدةِ الشرعيةِ والحديثِ: "لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ".
[يتبع]

الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 12:57 PM
مشاركة #15


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



قاعدة الذهب

يقول المقريزي في كتابه "إغاثة الأمة بكشف الغمة" ص ٨٣
".... فإنك تجد مثلا الواحد من أهل الطبقة الوسطى ، اذا كان معلومه في الشهر ثلاثمائة درهم
، حسابا عن كل يوم عشرة دراهم ، فانه كان قبل هذه المحن اذا أراد النفقة على عياله يشتري
لهم من هذه العشرة دراهم الفضة مثلا ثلاثة أرطال لحما من لحوم الضأن بدرهمين ، ولتوابلها
مثلا درهمين ، ويقضى غداء ولده وأهله ومن عساه يخدمه بأربعة دراهم ، واليوم انما تصير
إليه العشرة فلوسا زنتها عشرون أوقية ، فاذا أراد أن يشتري ثلاثة أرطال لحما فانما يأخذها
بسبعة وعشرين درهما فلوسا ، ويصرف في توابلها ومايصلح شأنها على الحالة الوسطى
عشرة دراهم ، فلا يتأتى له غداء ولده وعيالاته الا بسبعة وثلاثين درهما فلوسا ، وأنى
يستطيع من متحصله عشرة أن ينفق سبعة وثلاثين في غداء واحد ، سوى مايحتاج اليه من
زيت وماء وأجرة ومسكن ومؤونة دابة وكسوة وغير ذلك ، مما يطول سرده (....) .
هذ هو سبب زوال النعم التي كانت بمصر ، وتلاشى الأحوال بها وذهاب الرفه وظهور الحاجة
والمسكنة على الجمهور ، ولو شاء ربك مافعلوه .
لو وفق الله تعالى من أسند اليه أمور العباد الى رد النقود على ماكانت عليه أولا ، لكان
صاحب هذه العشرة الدراهم اذا قبضها فضة رآها على حكم أسعار وقتنا هذا تكفيه وتفضل
عنها ، فان الغداء الذي قلنا بأن قيمتها الآن سبعة وثلاثون درهما من الفلوس يدفع فيه الآن
ستة دراهم وسدس درهم من الفضة المعاملة ، حسابا عن كل درهم من الفلوس التي زنتها
عشر أواق فاذن ليس بالناس غلاء ، انما نزل بهم سوء التدبير من الحكام ، ليذهب الله
غناء الخلق ويبتليهم بالقلة والذلة جزاء بما كسبت أيديهم وليذيقهم بعض
الذي عملوا أو لعلهم يرجعون ..."
.................................................
- والشيخ العالم محمد أمين بن عمر بن عبدالعزيز بن أحمد بن عبدالرحيم ( ١١٩٨
١٢٥٢ ه) إمام الحنفية في عصره .
هذه رسالة طويلة تعالج موضوع النقود لامجال لعرضها هنا لطولها ولقد سمى هذه الرسالة ب
"تنبيه الرقود على مسائل النقود" وهنا سوف نتعرض فقط لنتائجها وأهم النقاط التي ركز عليها
والتي تبحث في أثر "تغير النقود" أي مايطرأ عليها من انقطاع أو كساد أو غلاء أو رخص على
المعاملات النقدية المؤجلة الدفع (البيع والشراء ، الإجارة ، القرض ، المهر المؤخر) .
فاذا تأخر تسليم النقود ثم بطلت المعاملة فتركها الناس ، أو اختفت من التداول ، أو رخصت أو
غلت ، فماذا يسلم ؟ مثلها أو قيمتها ؟ قيمتها وقت العقد أم وقت الكساد ؟ .
هناك تمييز بين النقود والفلوس ، أو بعبارة أخرى بين "النقود الخالصة" أو القليلة الغش و
"النقود المغشوشة" :
١- نقود أثمان الذهب والفضة اذا كانت خالصة أو مغلوبة الغش ، فترد في القرض وتسدد في
البيع والاجارة والمهر بمثلها ، ولاعبرة لرخصها أو غلائها وقت التسديد ،وهذه النقود نقود
بالخلقة ، ولها قيمة ذاتية "تبرها وعينها سواء" كما في الحديث الذى رواه أبو داود .
٢- نقود الفضة اذا غلب عليها الغش وكذلك الفلوس ، وتعذر تسليمها أو غلت أو رخصت ، وجبت
قيمتها ، يوم الكساد عند محمد ويوم العقد (البيع أو القرض) عند أبي يوسف ، وعليه الفتوى
، وهذه النقود نقود بالاصطلاح أو العرف ، وقيمتها الذاتية قليلة أو مهملة : نقود ائتمانية أو
رموز نقدية .
..................................

قرر العلماء ان سبب المصائب هو احلال الفلوس مكان الذهب والفضة كنقود ويجب ان يكون النقد ذهبا وفضة نقيين ولا يصلح الحديد ولا النحاس رغم ان للحديد والنحاس قيمة ذاتية لكنها متغيرة .
فالمصائب ستكون اكبر اذا استخدمنا اوراق ملونة لا قيمة ذاتية لها وسننتقل من ازمة الى اكبر واشد وطأة لان الحلول الاخرى ستكون مسكنات ثم سينفجر الوضع وتقع الكارثة .
وبما انه من غير المتوقع ان تتخلى امريكا عن مرجعية الدولار ( ورقة ملونة بلا قيمة ذاتية ) ومن غير المتوقع ان يتجرأ بقية الحكام على تحدي امريكا لذلك لن يخلص العالم من ظلم امريكا الا دولة الخلافة التي تتقيد بشرع الله فستكون عملتها ذهب وفضة فقط لا غير لان غيرهما محرم شرعا .
....................
امريكا فرضت على العالم اتخاذ الدولار كنقود مع ان الدولار ورقة ليس لها قيمة ذاتية اطلاقا
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 01:00 PM
مشاركة #16


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



اعادة كتابة تاريخ امتنا في المناهج

ـ يدرس التاريخ الاسلامي بأسلوب الإستقصاء والتقصي عن الحقائق والتثبت من الأحداث التي وقعت في التاريخ ، لأن بعض الروايات كانت تلفق ويغلب عليها الكذب ولا يتحقق من مدى صحتها الذين كتبوا في تاريخ الإسلام ، وبعضها كان يظهر فيه التناقض في الخبر والزمن الذي حصلت فيه الواقعة ، بالإضافة الى عدم دقة الأحصائيات المالية والتجارية وأمثالها . فكان لا بد من التثبت من جميع ذلك .

2ـ يجب دوام الحذر من الروايات التي روج لها أعداء الإسلام المبغضين له ، فلا تأخذها بتاتا ، ولا نأخذ التاريخ إلا بالتحقيق الدقيق من المسلمين أنفسهم ، حتى لا نأخذ الصورة المشوهة والمغلوطة عن أحداث التاريخ الإسلامي .
3ـ على المدرس أن يتجنب القياس الشمولي على المجتمع في تاريخ بعض الأفراد ، أو في تاريخ ناحية معينة في المجتمع . فمن الخطأ أن نأخذ العصر الأموي من تاريخ يزيد مثلا ، وأن نأخذ تاريخ العصر العباسي من بعض حوادث خلفائه . كذلك لا يجوز أن نحكم على المجتمع في العصر العباسي من قراءة كتاب الأغاني للاصفهاني الذي ألف لأخبار المجان والشعراء والأدباء ، أو من قراءة كتب التصوف وما شاكلها ، فنحكم على العصر بأنه عصر فسق وفجور أو عصر زهد وانعزال ، بل يجب أن نأخذ التاريخ بأكمله .

4ـ يجب أن لا يغيب عن البال أن كتب التاريخ لم تكتب تاريخ المجتمع الإسلامي في كل عصر من عصور الإسلام ، وإنما كتبت أخبار الحكام وبعض المتنفذين ، والذين كتبوا ذلك ليسوا من الثقات ، وكلهم إما قادح أو مادح ، ولا يقبل لواحد منهم قول ، ولذلك لا يصح أن تتخذ الكتب التاريخية مرجعا للوقوف على تاريخ المجتمع الإسلامي ، وإنما تجعل كتب الفقه مرجعا للحكم على واقع المجتمع في كل العصور .

5ـ يجب أن يلاحظ دائما أن التاريخ لا يجوز أن يكون مصدرا للنظام والفقه ، بل النظام يؤخذ من مصادره الفقهية لا من التاريخ ، لأن التاريخ ليس مصدرا له . فحين نريد أن نفهم الفقه الإنجليزي مثلا لا نأخذه من تاريخ إنجلترا بل نأخذه من الفقه الانجليزي وكذلك نظام الإسلام فإنه لا يصح أن يؤخذ من التاريخ ، وإنما يؤخذ من كتب الفقه الإسلامي . ولذلك لا يصح أن يكون التاريخ مصدرا للنظام الإسلامي ، لا من حيث معرفته ، ولا من حيث الإستدلال به . فلا يصح أن يكون تاريخ عمر بن الخطاب مثلا أو تاريخ عمر بن عبد العزيز أو هارون الرشيد مرجعا للأحكام الشرعية ، لا في الحوادث التاريخية التي رويت عنهم ، ولا في الكتب التي ألفت في تاريخهم . وإن أتبع رأي لعمر في حادثة فإنما يتبع باعتباره حكما شرعيا استنبطه عمر وطبقه ، ولا يتبع باعتباره حادثة تاريخية .

6ـ يجرى التركيز على كيفية تطبيق الدولة والأمة لنظام الإسلام وهذا ممكن معرفته من الحوادث السياسية المذكورة في كتب التاريخ ، فإنه يرى فيها كيفية تطبيق المسلمين أفرادا كانوا أم حكاما أم جماعات لنظام الإسلام . إلا أن هذا النوع من الحوادث السياسية لا يجوز لنا أن نأخذه إلا بالتحقيق الدقيق من المسلمين ، ولا يجوز أن يؤخذ من غير المسلمين . ولكن لا نأخذه من الكتب التاريخية التي تتحدث عن عصر من العصور أو عن شخصية من الشخصيات ، لأن ذلك قد خضع في جميع العصور للظروف السياسية وكانت تحشى بالكذب إما بجانب الذي كتب في أيامه ، وإما ضد الذين كتب عنهم في أيام غيرهم . ومثل ذلك تاريخ الحوادث السياسية في عصرنا وفيما قبله . وأما الآثار الإسلامية فإنه إذا درست بنزاهة تعطي حقيقة تاريخية وإن كانت لا تشكل تسلسلا تاريخيا ، ولكنها تدل على ثبوت بعض الحوادث . أما الرواية فإنها من المصادر الصحيحة التي يعتمد عليها في فهم التاريخ إذا صحت الرواية . وعلى هذا الأسلوب يدرس التاريخ وتعاد كتابته مرة ثانية ، ويجرى تنقيح الروايات الواردة في كتب التاريخ القديمة كتاريخ الطبري وتاريخ ابن الأثير وغيرهما .

7ـ حين تدريس التاريخ يجب التركيز على أن الأمة الاسلامية قد عاشت بعقيدة واحدة على مدار التاريخ ، ولم يؤثر دخول الأفكار الدخيلة والآراء المستوردة من الأمم الأخرى على كون العقيدة الإسلامية هي وحدها عقيدة الأمة . ويعود ذلك إلى أن الذين حملوها وروجوا لها هم فئة قليلة من المسلمين لا الامة كلها ، حتى وإن بلغ تعدادهم عشرات الملايين ، لأن الأمة لازالت تعتنق العقيدة الاسلامية وإن كانت قد فاضت الحيوية منها وضعفت أفكارها في النفوس .

8ـ البحث في التاريخ في حقيقته ليس مجرد سر الحوادث التي حدثت أو تحدث ، وإنما هو تفسير هذه الحوادث ، والإهتداء الى الظواهر والروابط التي تجمع بين الحوادث المتفرقة وتبيين مسبباتها وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات ممتدة مع الزمن متفاعلة مع البيئة . لذلك فإننا حين نستعرض التاريخ الاسلامي لا نبحث في الدور الذي أحدثه في حياة البشرية من ناحية الفتوحات الكبرى ، وإنما نبحث في الدور البارز الذي أحدثه من ناحية التأثير الحضاري والروحي والفكري والاجتماعي أيضا ، فإنه هو الذي أحدث تحولا كاملا في خط سير التاريخ .

9ـ يجب تجنب تقسيم التاريخ الاسلامي الى دول ، فلا يصح أن يقال ، الدولة الأموية ، الدولة العباسية ، الدولة العثمانية ... الخ ، لأن ذلك يعني قصر عمر الخلافة على خلافة الراشدين . مع أن ذلك غير صحيح ، إذ الدولة الاسلامية قد امتدت عبر العصور المختلفة وحتى نجاح الغرب بالإجهاز عليها على يد كمال اتاتورك عام 1924 م . وما حصل من قيام حركات انفصالية عن جسم الخلافة فإن هذه الحركات لم تؤثر على دوام وجود الخلافة ، علاوة على أن الخلافة قد استطاعت أن تجهض هذه الحركات ولا سيما في أيام عزها وقوتها .

10ـ يجب تجنب السير وراء المستشرقين في النيل من بعض الخلفاء الراشدين كعثمان وعلي ، أو بعض الخلفاء الأمويين كمعاوية ، أو العباسيين كهارون ، أو العثمانيين كالسلطان عبد الحميد ، وأمثالهم ، فلا يصح أن نردد وراءهم أن عثمان بن عفان قد خالف عمر في التولية والعزل والسياسة المالية والموقف من كبار الصحابة وتعيين بعض الأهل حتى حدثت الفتنة . أو أن نصف معاوية بالدهاء والمكر كما وصفوه هم ، أو نصف هارون الرشيد بأنه لا يكاد يفيق من الشراب ومجالس الغناء ، أو أن نصف السطان عبد الحميد الثاني بالدكتاتورية والاستبداد على نحو ما روج له المستشرقون .

11ـ يجب أن يتجنب تقسيم المسلمين في العصور الأولى الى فئآت من شيعة وخوراج وغيرهم من زبيريين وأمويين وموالي .. الخ ، فإن هذا لم يكن أبدا وإنما اذا حدثت ثورة أو قامت حركة أيدها من يرى رأيها ودعمها من كان لها نصيرا . أما في الأحوال العادية فليس هناك من فكر متميز أبدا وإنما جماعة واحدة فإذا ما سارت الجيوش بالفاتحين إنخرطوا فيها جميعا .
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 01:06 PM
مشاركة #17


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



البحث العلمي فرض شرعي

إن الإسلام قد حث على طلب العلم والتكنولوجيا وجعل كل علم أو اختراع أوعمل فيه حاجة للجماعة فرض كفاية ، بمعنى أنه إذا لم يوجد في الأمة العدد الكافي الذي يقوم به أثمت الأمة كلها ولذا يقول الإمام الغزالي : (( لو كان عند غير المسلمين علم أو إختراع ليس عند المسلمين أحسن منه وأفضل ، فإن المسلمين آثمون محاسبون على تقصيرهم )) أنظر مجلة منار الإسلام عدد 1 سمبتمبر 1983 ص 32 : نظرات في الحضارة الإسلامية والأوروبية لطارق عبد المنعم محمد ) ويقول الشيخ سعيد حوّى في العلوم التي يحتاجها المسلمون : ( إننا نجد آلاف العلوم على الأقل كلها يعتبر فريضة كفاية على الأمة الإسلامية ) ويتوسع في مدلول فرض الكفاية فيقول : ( وليس فرض الكفاية أن يوجد الرجل الذي يعرفه ، بل أن توجد المجموعة التي تغطي احتياجات الأمة ، يعني لا يكفي أن يوجد المختص في الذرة ثم لا تقوم صناعة ذرة حتى يسقط الإثم ، فلا بد أن يوجد المختصون ولا بد أن تقوم الصناعة ، عندئذ يسقط الإثم عن بقية المسلمين )( انظر كتاب الإسلام والحضارة ودور الشباب المسلم ، إصدار منظمة الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض عام 1979 ج 2 ص746 ) ويذهب الإمام ابن تيمية الى أبعد من ذلك فيقول : ( إن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه ، لا سيما إن كان غيره عاجزا عنها ، فإن كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبا يجبرهم وليّ الأمر عليه اذا امتنعوا عنه بعوض المثل ، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل ، ولا يمكّن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم )) انظر مجموع الفتاوي لإبن تيمية ج 28 ص 82 ) وهذا يعني أن تعلم كل ما تحتاجه الأمة من علوم وصناعات ، وحرف وتكنولوجيا ونحوها ، هو فرض على الكفاية ، وأن هذا الفرض يصير فرض عين على من لديهم القدرة على التصنيع والقيام بمتطلبات الأمة من أطباء ومهندسين وفنيين وزراعيين ومن شاكلهم من أصحاب الخبرة والاختصاص .
...............................
ولكن هذا لا يتحقق الا في وجود الدولة الراعية وليس كيانات لا هم لها الا امن الملك والرئيس ، فالى العمل لاقامة الخلافة الراشدة فبها العز والكرامة والتقدم ورضا رب العالمين
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
العبدالشاكر
المشاركة Aug 8 2010, 02:35 PM
مشاركة #18


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,787
التسجيل: 18-May 10
رقم العضوية: 12,511



"سياسة بناء الدولة صناعيا من وجهة نظر إسلامية

إن موضوع "سياسة بناء الدولة صناعيا"، قد يبدو للبعض منا أنه موضوع إقتصادي بحت لا علاقة له بميادين ومجالات الحياة الأخرى، ولكنه في حقيقة الأمر موضوع سياسي ذو مضمون إقتصادي، لأنه لا يتعلق بالدوافع والنتائج الإقتصادية للتصنيع فقط، وإنما أيضا-إضافة إلى ذلك وقبل ذلك- متعلق بالدوافع والنتائج الفكرية والسياسية له... كما أن هذا الموضوع قد يتصور للبعض منا أننا بتراثنا الفقهي وحده نستطيع أن نعالج مشكلته ، ولكن هذا التصور خاطئ، لأن موضوع الصناعة وسياستها يتطلب اجتهادا جديدا، فلا يكفي الوقوف عند التراث الفكري، بل يجب تنميته بفهم الوقائع والأحداث الجديدة من جهة، وفهم أصول الإسلام لبناء فكر سياسي وإقتصادي تشريعي حي مبني على الإسلام من جهة أخرى؛ فلابدّ من التفكير الأصيل الراقي الذي يمكن من الإجتهاد لحل المشكلات الإقتصادية الحديثة على أساس إسلامي صاف يعود إلى الكتاب والسنة .
منذ الإنقلاب الصناعي في أوروبا، والعالم الإسلامي يتعرض لهجمات ضارية من الغرب، وبسقوط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة سنة 1924م، تمكن الغرب من إخضاع العالم الإسلامي كله لنفوذه، وأبعد الإسلام عن جميع مجالات حياته، وبقي منه العبادات وأحكام أخرى قليلة، لكن المسلمين رغم هزيمتهم، هبت عليهم موجة من التحرر بلغت ذروتها في الخمسينات وأوائل الستينات من القرن 20م الماضي...، إلا أن الغرب نجح في القضاء على هذه الموجة و إجهاضها عن طريق الثورات المزيفة، فتهيأ للمسلمين أنهم تحرروا، وها نحن في أوائل العقد الأول من القرن 21م، نشهد أن العالم الإسلامي يرزح تحت وطأة النفوذ الغربي، بل و أكثر من ذلك فإننا نشهد رجوع الإستعمار العسكري المباشر في أهم معاقل المسلمين: العراق وأفغانستان.


لقد أخضع الغرب العالم الإسلامي كله لنفوذه، وأبعد الإسلام عن حياته، خاصة الإقتصادية منها، بتطبيق النظام الرأسمالي عليه، وبذل قصارى جهده لتحطيم القواعد الإقتصادية له، بما يجعله سوقا لاستقبال منتجاته الصناعية، وبما يجعله ممدا له بالمواد الأولية الزراعية والإستخراجية، أي بما يجعله اقتصادا مرتبطا تماما بإقتصاد الدول الغربية الرأسمالية، فقد شوه الغرب القطاعات الزراعية والتجارية والصناعية وحتى الحرفية للعالم الإسلامي، بشكل جعل هذا الأخير ينتج ما لا يستهلك، ويستهلك ما لا ينتج، ليعزز، أي الغرب، تبعية إقتصاديات العالم الإسلامي له.


ولذلك واجه العالم الإسلامي مشكلة ما سمي آنذاك "الإستقلال الإقتصادي" و"حق تقرير المصير الإقتصادي للشعوب"، مما دل أن خروج الإستعمار العسكري لم يعن على الإطلاق زوال الإستعمار كإستعمار، ذلك أن الإحتلال العسكري شكل من أشكاله، وأن الكثير من أشكاله الأخرى بقيت موجودة، خاصة الأشكال المتعددة للتبعية الإقتصادية، فأسلوب الإستعمار الذي طبقه ليجهض الثورات في العالم الإسلامي هو منح الاستقلال السياسي الشكلي مع الإحتفاظ بالمواقع الإقتصادية في أيديه، يشرف بها على إخضاع خطط التنمية الإقتصادية للعالم الإسلامي لمصالحه ويوجهها في اتجاه تحقيق اهدافه الإستعمارية.


ورغم أن العالم الإسلامي منذ النصف الثاني من القرن الماضي، قد أخذ، في إطار ما سمي بالعالم الثالث وحركة عدم الإنحياز وهيئة الأمم المتحدة، محاولا تحويل معركة الإستقلال السياسي إلى معركة الإستقلال الإقتصادي- فإنه لم ينجح لحد الساعة- بل أننا رأيناه ونراه رغم تركيزه على القطاع الصناعي منذ بدايات الإستقلال السياسي، فإن بلدانه لم تتحول إلى بلدان صناعية متقدمة ولا حتى استطاعت صيانة وتطوير ما كَوَّنَتهُ من صناعات، بل أنها زادت من تبعيتها للغرب باعتمادها على إستيراد المصانع وقطع الغيار، بحيث أصبحت مصانعها رهن العلاقات السياسية معه.


والآن وأمام ما وصل إليه العالم الإسلامي، وما ينتظره من إنهيار ليس في الجانب الإقتصادي لشعوبه، بل بتهديد مقومات وجوده، نجد أنفسنا خاصة أمام عجز السياسيين والإقتصاديين الذين يملكون زمام الأمور السياسية والإقتصادية للعالم الإسلامي على تحقيق التحرر من التبعية والخروج من التخلف، حتى أصبح مجرد تصور الفكاك من التبعية أمر مستحيل، وبات أمر تصنيع العالم الإسلامي خرافة أوأضغاث أحلام ما دام يسير على المنهج الذي رسمته له الدول الغربية الرأسمالية ،...، قلت نجد أنفسنا مدفوعين إلى طرح بعض التساؤلات الأساسية التالية:

- كيف تتقدم الدولة صناعيا ؟ وكيف تتجنب الأساليب الخبيثة التي تحيكها الدول الغربية الرأسمالية لتحول دون أن تتمكن الدول الأخرى من بناء نفسها صناعيا ؟ وهل يمكن الإعتماد والاستناد على مثل هذه الدول (دول العالم الإسلامي) في تحقيق التحرر عن طريق التصنيع بعد كل ما حاولته لتحقيق ذلك، أم أن الأمر يحتاج إلى تغيير جذري ؟ ... إلخ.

إن الجواب على هذه التساؤلات وغيرها مما يتعلق بها هو أن تقوم "السياسة الصناعية على جعل البلاد من البلدان الصناعية ويسلك إلى ذلك طريق واحد هو إيجاد صناعة الآلات أولا، ومنها توجد باقي الصناعات"، أي أن يباشر أولا وقبل كل شيء بإيجاد المصانع التي تصنع الآلات من محركات(موتورات) وخلافها، ثم بعد توفر الآلات من صناعة البلاد تؤخذ هذه الآلات وتصنع باقي المصانع.


ولا توجد طريقة أخرى لجعل البلاد بلادا صناعية إلا بالبدء بصناعة الآلات أولاً وقبل كل شيء، ثم عدم القيام بإيجاد أي مصنع إلا من الآلات المصنوعة في البلاد. فالحقيقة أنه لا علاج للدولة المتخلفة صناعيا إلا بالثورة الصناعية، والثورة الصناعية هي تسلم زمام رأس الصناعة ومنبعها وهي صناعة الآلات بعملية انقلابية في الصناعة وعدم التلهي بأي صناعة قبل تسلم زمام رأس الصناعة، وجعل الجهود الإقتصادية كلها موجهة لإيجاد صناعة الآلات ولا يقام بأي شيء سوى الضروريات وسوى ما لابد منه لإيجاد صناعة الآلات.


على أن الواقع يثبت ذلك:

1/ فإن أوروبا حين حصلت فيها الثورة الصناعية إنما حصلت حين وجدت فيها صناعة الآلات.

2/ أن الولايات المتحدة الأمريكية كذلك كانت مستعمرة لعدة دول لكنها تقدمت ماديا حين حصلت فيها الثورة الصناعية بصناعة الآلات.

3/ وأن روسيا كذلك لم تصبح دولة ذات قيمة إلا بعد أن حصلت فيها الثورة الصناعية بصناعة الآلات.

4/ أن الدولة التي لا تكون فيها صناعة الآلات فإن مصانعها الأخرى تكون مربوطة تبعيا للدولة التي تملك الآلة وقطع الغيار؛ فإن توقف آلة لعطل يصيبها يؤدي إلى تعطيل المصنع إن لم تتوفر الآلة أو قطع الغيار اللازمة، كذلك فإن معدات الدولة العسكرية تفقد قيمتها إن لم تتمكن الدولة من استيراد قطع الغيار اللازمة لصناعتها، وهذا ما يجعل سيادة الدولة وأمنها وأمن رعيتها مقيدة، ويبرز أكثر ما يبرز هذا الأمر فيما إذا حصلت حالة عداء بين الدولة صاحبة السلاح أو صاحبة الآلات وبين الدولة المستوردة لهذا السلاح وهذه الآلات، وقد تحدث حالة حصار لهذه الدولة فتصبح صناعتها بمجملها الحربية والمدنية شبه متوقفة، إذا لم تكن هذه الدولة قادرة على صناعة الآلات فتعالج ذاتيا الآلة المعطلة أو قطعة الغيار اللازمة.


وعليه فمن كان يريد أن يبني صناعة ويتقدم صناعيا فلن يتأتى له ذلك إن لم يبدأ بثورة صناعية بالمبادرة إلى إقامة صناعة الآلات رأسا وبدون تدرج بل بشكل انقلابي حتى يكون العمل ثورة صناعية صحيحة.


هذا بالنسبة لأية دولة وأية أمة، أما بالنسبة للأمة الإسلامية وللدولة التي تحكم بما أنزل الله، فإن الأمر أوجب والشأن أعظم، لأن إيجاد مصانع الآلات واجب شرعي أي فرض على المسلمين، فرض على الدولة وعلى الأمة، والفرض ينفذ حتما وبلا خيار وإلا كانت عليه عقوبة، أما لماذا هو فرض فلما يلي:

1/- إن عدم وجود مصانع الآلات يجعل جميع المصانع في بلادنا عالة على الدول الأخرى الغربية في صناعة الآلات الثقيلة، فإذا تعطلت آلة أو لزمت قطعة غيار تعطل المصنع وتوقف عمله على تزويدنا بذلك من الدول الغربية المستعمرة الكافرة، وفي هذا ضرر بالمسلمين.

ثم أن عدم وجود مصانع الآلات لدى المسلمين يجعل البلاد الإسلامية معتمدة في صناعتها الحربية كذلك على الدول الأخرى الكافرة، وفي هذا ضرر أفظع من الأول، وكلاهما يجعل سبيلا للكافرين على المسلمين، والله يحرم هذا "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا".


2/- إن الجهاد ذروة سنام الإسلام وهو طريقة رئيسية لنشر الإسلام في الخارج،والجهاد قائم على الصناعة الحربية، فإن كانت تعتمد على الدول الكافرة يكون قد تعطل المعنى المقصود من الجهاد، فحتى يتم الجهاد على وجهه لابد من أن تتوفر الصناعة الثقيلة لإنتاج الآلات اللازمة للجهاد. هذه واحدة، أما الثانية فإن الإعداد للقتال فرض على المسلمين، والإعداد المطلوب هو ما كان فيه إرهاب للعدو، وهذا يحتاج صناعة أسلحة لم يعهدها العدو في القوة والعظمة، وإن لم يكن هناك صناعة ثقيلة وصناعة آلات فلا يمكن تحقيق الإرهاب "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم " وحيث أن القاعدة الشرعية تنص على أن "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" تكون الصناعة الثقيلة وإيجاد صناعة الآلات واجبة.


ولذلك فإن إيجاد المصانع الثقيلة ومصانع الآلات فرض على المسلمين وليس على بيت المال
(خزينة الدولة) فقـط، لهـذا إن لم يكف ما في بيت المال لإيجاد المصانع الثقيلة فإن الدولة تفرض على أغنياء المسلمين ضرائب تقدرها لإقامة المصانع الثقيلة في البلاد.
هذا فضلا على أنه من الناحية التجارية يعتبر التعجيل بإيجاد مصانع الآلات أمرا ضروريا، لأن البلاد الإسلامية كلها تكاد تكون خالية من مصانع الآلات، وهي تستورد ما تحتاجه من الآلات والمصانع من أوروبا وروسيا و و.م.أ، فإيجاد صناعة الآلات في بلادنا يكسب أسواق هذه البلدان التي لن يكون لنا مزاحم فيها إذا ما وجدت عندنا صناعة الآلات.


وأيضا فإن شراء المصانع والآلات من الخارج يكلفنا ثمنا غاليا، وهي تباع لنا بأسعار عالية، ولكن إذا أوجدنا نحن مصانع الآلات خاصة والبترول متوفر في بلادنا فنحصل على المصانع والآلات بأرخص مما نشتريها من أوربا وأمريكا.


ولكننا ننادي بضرورة صناعة الآلات لا لهذه الأسباب، وإنما لتحقيق سياسة معينة إقتصادية هي جعل بلادنا بلادا صناعية سواءا أنتج هذا ربحا أم خسارة، وسواء وجدت لها أسواق في الخارج أم لم توجد، لأن هذا فرض ومن أجله فحسب لابد من البدء في إيجاد صناعة الآلات، وأن يكون هذا البدء ثورة صناعية وبشكل انقلابي.


إن بلادنا مليئة بكل ما يلزم للثورة الصناعية، فالمواد الخام متوفرة بشكل يكفي لإيجاد هذه الصناعة الثقيلة وقيادة العالم لإسعاد شعوبه لا لامتصاص ثرواتهم ودمائهم كما تفعل الدول الغربية الرأسمالية حاليا.


إن الغرب يدرك أن تقدم الدولة الصناعي لا يتم بدون البدء بصناعة الآلات، وطبقا لوجهة نظره الرأسمالية الاستعمارية، فإنه يرسم الخطط لتبقى الدول الأخرى تابعة صناعيا له وسوقا لتصريف صناعاته ومنطقة نفوذ وهيمنة له. ومن الأساليب الخبيثة التي يصنعها لبلادنا كي تبقى متخلفة صناعيا ولا تتمكن من أن تبني نفسها صناعيا، ما يلي:

1/- دراسات وأبحاث لإيجاد قناعات لأصحاب القرار في بلادنا ومثقفيهم بأن الصناعة تحتاج إلى مراحل حتى تكتمل، فقد نشر البروفيسور الأمريكي "روستو" في كتابه "مراحل التنمية الاقتصادية" سنة 1960م، ما يوحي بأن المجتمع لابد أن يمر بمرحلة المجتمع التقليدي، ثم مرحلة الإنطلاق، ثم مرحلة النضج ثم مرحلة الإستهلاك الشعبي العالي، قبل أن يصل إلى مرحلة التصنيع الثقيل، وكل مرحلة من هذه المراحل وضع لها شروطا تحتاج إلى زمن طويل لتكتمل مما يجعل أية دولة تريد أن تبدأ التصنيع الثقيل، يجعلها تسير عقودا قبل أن تصل إلى مرحلة التصنيع الثقيل، والهدف من هذا الكتاب وأمثاله، الحيلولة دون الثورة الصناعية، فإن من يقتنع به يعتقد أنه لابد من المرور بمراحل طويلة، وهذا يعني صرف الناس عن الثورة الصناعية. وهذه الدراسات وأمثالها تريد أن تبقي العالم أسواقا للغرب تستهلك ما ينتجه وتحقق مصالحه.


2/- عدم السماح بنقل التكنولوجيا إلا فيما يمكن البلاد من توريد منتجاتهم واستعمالها، فمثلا البلاد التي لا توجد فيه الكهرباء لا يمكن أن تباع فيه الثلاجات الكهربائية أو الكمبيوترات، حتى ولو كان فيها من يستطيع شراء الثلاجة والكمبيوتر، لذلك لابد من تعميم الكهرباء في هذه البلاد ولو بقروض من الدول الغربية، ولابد والحالة هذه من إيجاد المهندسين والفنيين القادرين على تشغيل واستخدام الأجهزة الصناعية التي تنتجها الدول الغربية، ولذلك فهم لا يمانعون في مثل هذا التعاون العلمي ونقل الخبرة التكنولوجية في مثل هذه المجالات، ولكن ليس لجعل البلدان المتخلفة تستوعب التكنولوجيا إلى حد يمكنها من إقامة الصناعات الثقيلة.


ولذلك يجب ملاحظة الفرق بين إستخدام التكنولوجيا وامتلاك التكنولوجيا أو تصنيعها، أما إستخدام التكنولوجيا فهو أمر يحاول الغرب تعليم البلاد المتخلفة كيفيته، حتى يتمكن من بيع منتجاته لها لفرض سيطرته على تلك البلاد، أما إمتلاك التكنولوجيا وتصنيعها، لا مجرد استخدامها، فهو المطلوب لأن جيشا مثلا يستطيع قيادة الطائرات والدبابات ولا يقدر على صناعتها سيظل ضعيفا مهزوما، فتعليم البلاد إستخدامات التكنولوجيا بمعزل عن محاولة امتلاكها، أي تصنيعها، إنما هو خطة إستعمارية لتجهيل الناس ولصرفهم عن صناعة التكنولوجيا ولإستغلال خيراتهم وثرواتهم.


3/- إشغال البلاد في أنواع من الصناعات تستنفذ طاقاتهم وتهدر وقتهم وتوجد عندهم نوعا من الترف يبعدهم عن الجد والإجتهاد في إيجاد الصناعات الثقيلة أو حتى الوسيطة، وهذا واضح من هيكل الصناعات في بلادنا الذي يتصف بغلبة الصناعات الإستهلاكية بنسبة كبيرة جدا (أكثر من 60%) تتمثل في صناعة المواد الغذائية والملابس والمنتجات الجلدية وملحقاتها... إلخ. أما الصناعات الوسيطة (كتكرير البترول...إلخ) والصناعات الإستثمارية (تتمثل أساسا في صناعة الحديد والصلب والألمنيوم...) فإنها في معظمها صناعات تحويلية.


4/- إيجاد نمط جديد للتصنيع في البلاد وهو ما يسمى بالصناعة العابرة التي تتخذ من بلادنا محطة إنتاج فحسب، تستفيد إن صح التعبير من المزايا النسبية للبلد المعني و خاصة من خاماته أو طاقاته أو موقعه، لإنتاج منتجات معدة للتصدير للأسواق العالمية، وفي هذه الصناعة العابرة تستورد أغلب عناصرها لتعيد تصديرها، وإن يكن ذلك بعد إدخال قدر من التصنيع عليها، ويكون المقصود منها حصول الدول الأوروبية وأمريكا على المنتوج الذي تريده بسعر رخيص.


هذه بعض الخطط والدراسات والمشاريع التي يرسمها الغرب لبلادنا حتى لا تصبح دولا متقدمة صناعيا، بعد أن تصرفها عن الصناعة الثقيلة، والتي تشمل صناعة الآلات من الحديد والصلب، والمحركات وهياكل الطائرات، والصناعات الإلكترونية والصناعات النووية بـما في ذلك صناعة الأسلحة وصناعة الفضاء وأمثالها.


ومن الجدير ذكره، أن هناك أمرين يجب أن يلازما الثورة الصناعية في بلادنا:
الأول: أن التصنيع الحقيقي معناه الثورة على النفوذ الأجنبي، فهو لذلك أمر سياسي لا يمكن أن يقام به إلا على أساس فكري عقائدي تتبناه قيادة سياسية واعية، وهو هنا الإسلام الذي يجب أن تقوم القيادة السياسية بالتكتل حوله وإنهاض الأمة على أساسه فتوحد بلاد المسلمين في دولة واحدة حتى يتوفر في هذه الدولة الواحدة القوى البشرية اللازمة والمواد الأولية وكذلك مصادر الطاقة. وعليه فإن الوحدة بين بلاد المسلمين فوق كونها فرضا محتما، فهي كذلك من ضرورات التصنيع.


الثاني: أن الصناعة يجب أن تقوم على أساس عسكري حربي، فتكون الصناعة العسكرية الحربية هي الهدف الأساس من التصنيع الثقيل فضلا عن القطاعات الصناعية الأخرى، وبدون الصناعة العسكرية الحربية تكون الدولة حتى وإن تقدمت في القطاعات الصناعية الأخرى غير مؤثرة في المجال الدولي والسياسة العالمية، كما هو الحال مع ألمانيا واليابان بعد تقييد صناعتها الحربية بعد ح.عII.أما في الإسلام فإن التصنيع الثقيل لاينفك عن الصناعة العسكرية الحربية فهي أساس، لأن هذا من متطلبات الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، ولذلك فإن دائرة الصناعة في نظام الحكم في الإسلام تكون تابعة لأمير الجهاد.


إن إقامة الصناعات الثقيلة أمر أساسي لتحويل أي بلد من حالة الإعتماد على الدول الصناعية الأخرى إلى حالة التصنيع الذي يمكنه من تأمين حاجاته ويجعله بلدا مصدرا للمنتوجات الصناعية لا سوقا لغيره، وهذا الأمر شاق وطريقه محفوف بالمخاطر والمشاكل. فهذه الصناعات حلقات مترابطة ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض، فهي تحتاج إلى جهود جبارة وقوى بشرية مدربة على نطاق واسع كما تحتاج إلى المواد الأولية، غير أن أهم ما في الأمر أن هذا التصنيع هو بحد ذاته ثورة على النفوذ الأجنبي وتحد له، وهو يخالف كل نظريات التنمية التي يعدها الغرب للدول المتخلفة.


وحيث أن التصنيع الحقيقي معناه الثورة على النفوذ الأجنبي فهو لذلك أمر سياسي لا يمكن القيام به إلا على أساس العقيدة الإسلامية تتبناه قيادة سياسية واعية قادرة على كسب ثقة جمهور الناس بالفكر الذي تريد حتى تستطيع أن توجه طاقاتهم لتحقيق الأهداف الصعبة كالتصنيع.


والقاعدة الذهبية التي يجب العض عليها بالنواجذ هي "الإعتماد على النفس مهما كانت الصعاب"، ورغم أنه لا يمكن أن نستغني عن المعرفة والإنجازات العلمية الأجنبية، إلا أنه يجب إقامة أسوار عالية لمنع النفوذ الأجنبي من إيجاد طريقه إلى هذه العملية، وذلك يستلزم فيما يستلزم إبعاد الشركات الأجنبية والأجانب، والمتأثرين بالفكر الغربي عموما والفكر التنموي الغربي خصوصا، لأن ذلك من وسائل تسريب النفوذ الأجنبي إلى البلاد، فإقامة الصناعات يتم عن طريق أبناء البلاد المخلصين للأمة وللإسلام فقط.


وقد يتهيأ للبعض استحالة القيام بهذه المهمة إذا ما اعتمدنا قاعدة "الإعتماد على النفس"، وهذا ما يروج له الغرب والمضبوعون بثقافته، لكننا نقول أن ذلك ممكن، فقد قامت روسيا في مطلع القرن 20 م من تحويل بلادها من بلاد زراعية متخلفة إلى بلاد صناعية تقف في مقدمة الدول الصناعية الراقية إعتمادا على نفسها، وقد إشتهر عن "لينين" قوله حين طلب منه شراء جرارات:"لن نستعمل التراكتورات حتى ننتجها نحن وحينئذ نستعملها".

أيها الإخوة الحضور:
لقد كان المسلمون يخططون وينفذون لتكون صناعتهم في المقدمة،تتبعها الدول الأخرى لا أن تتبع هي وتقيد بصناعات الدول الأخرى، وبقي هذا حال المسلمين حتى ضعف الإسلام في النفوس، وتجاهل وجهل قادتهم أهمية الإنقلاب الصناعي في أوروبا في وقته، وتآمر عليهم الغرب وقضى على خلافتهم بعد ح.ع.I .


وبعدها أصبحت الدول الغربية ترسم لنا أساليب خبيثة تحول بيننا وبين أن نصبح بلدا صناعيا لتبقى لهم في بلادنا الهيمنة والنفوذ، وقد تمكنوا من ذلك خاصة مع وجود حكام للبلاد الإسلامية قانعين بالتبعية لدول الغرب في السياسة والتشريع والإقتصاد والتصنيع وسائر الأمور، ولكن ليس معنى ذلك أننا ننتظر حتى إقامة دولة تطبق الإسلام حتى نقوم بالثورة الصناعية، بل لابد من العمل من الآن ودون تأخير من أجل إدخال التصنيع الثقيل خاصة صناعة الآلات إلى البلاد الإسلامية.


ولهذا فهذه دعوة موجهة لكل مخلص غيور على أمته قادر على المساهمة في تصنيع هذه الأمة لتلحق بالدول المتقدمة عليها صناعيا، دعوة لكل هؤلاء وغيرهم ممن لهم علاقة، حكاما ومحكومين، دعوة لكل من أعطاه الله قدرة علمية، أو قدرة مالية، أو قدرة تكنولوجية، أو قدرة توجيهية يمكن أن تفيد في أي حقل من حقول الصناعة التي تحتاج إليها البلاد الإسلامية، دعوة لكل هؤلاء للعمل لا أقول بسرعة بل بأقصى سرعة لوضع البلاد على طريق التصنيع.

والسلام عليكم ورحمة الله وتعالى وبركاته، رضوانه وغفرانه.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
الداعي الى الله
المشاركة Aug 8 2010, 10:45 PM
مشاركة #19


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,662
التسجيل: 11-October 05
رقم العضوية: 1,611



أصول الأمن الغذائي في القرآن والسنة

الأستاذ : السيد علي أحمد الصوري(1) (2)
مقدمة :

الجزء الأول

الحمد لله وكفى وصلاة وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد، ففي القرن الماضي صرخ قس إنجليزي يدعى ( مالتوس) بصيحة تحذير من الزيادة السكانية المستمرة والمواد الغذائية المتناقصة، فقال: ( السكان يتزايدون بمعدلات حسابية ... إنه إذاً الاختلال فالمجاعة .. )، ويشاء الله سبحانه وتعالى أن يكذب ظن مالتوس .. وأن يحل التقدم العلمي والتقني ( الذي حدث في ميدان الزراعة) المشكلة ويتضاعف الإنتاج .. !!
وفي عام 1968 كتب العالم البيولوجي المعروف ( بول أيرلخ) في كتابه الشهير ( القنبلة السكانية) ما نصه : ( لقد انتهت معركة توفير الغذاء للجميع بالفشل التام، وسيعاني العالم في السبعينات من هذا القرن ( العشرين) من المجاعات وموت ملايين من البشر جوعاً، وذلك على الرغم من أن أي برنامج قد نبدؤه اليوم لتفادي ذلك) .. وقد استمر هذا العالم يطلق صيحاته التحذيرية هذه .. حتى أنه في عام 1970 حر من أن هناك احتمال موت /65/ مليون من البشر [أمريكيين بالتحديد] من الجوع، وأربعة بلايين من بقية سكان العالم، بين سنتي 1980/1989، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث !! ومع أن سكان العالم قد تضاعفوا منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، إلا إنتاج الغذاء قد تضاعف [ ثلاث مرات] في الفترة نفسها.
ثم بدأت صيحات التحذير تنطلق مرة ثانية هذه الأيام، لكنها في هذه المرة مدعومة بالإحصاءات والدراسات، لكنها في الحقيقة أقل تشاؤماً من الدراسات السابقة عليها.
فتقارير منظمة الفاو ( منظمة الأغذية والزراعية) تؤكد أن نحو /25/ ألف مليون طن من التربة الخصبة تتعرض للزوال سنوياً، بفعل عوامل التعرية .. وأن تصيب الفرد من الأرض الصالحة للزراعة سينكمش بحلول عام 2010، من 0.85 إلى نحو 0.4 هكتار، ويقول ( كيث كولينز) – وهو كبير اقتصادي وزارة الزراعية الأمريكية – : ( ينبغي معالجة الوضع عن كثب)، وفي السياق نفسه يذكر تقرير المعهد الدولي لأبحاث السياسية الغذائية ( أنه ستصبح العلاقة بين إنتاج المواد الغذائية على مستوى العالم والأسعار علاقة مضطربة، الأمر الذي سيترجم على مخاطر أكبر بالنسبة للأمن الغذائي في دول العالم النامي) ..
أرقام .. ونتائج تدعو [بالفعل ] إلى القلق، وتبدوا وكأنها صيحات لطيفة، بالقياس إلى صرخات مالتوس وبول إيرلخ .. ولكن الذي يربط بينها جميعاً هو الخوف من المستقبل .. والسؤال الآن هو : أين تكمن المشكلة الحقيقية .. أهي في الإنتاج أم في التوزيع .. ؟ وهل بدأت الأرض – فعلاً – تعجز عن إطعام ساكنيها .. ؟؟

هل يمكن وصف هذه الحالة باختلال في الموارد أم أنه فقر في التقنية .. ؟؟
الإسلام .. الإسلام ..
إن الأمر الذي يؤسف له أننا كمسلمين كثيراً ما ننغمس في مناظرات وتدلى بآراء دون أن نطلع على حقائق إسلامنا ونصوص شريعتنا ..

فها هو كتاب الله تبارك وتعالى يخبرنا في سورة فصلت : { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ } [فصلت : 10].فأقوات العباد مقدرة، وهي مبثوثة في كل الأرض، وقد اختص الخالق عز وجل كل جزء منها ثروة تكفي ساكنيها وتسد احتياجاتهم، ولكن الذي يحدث هو أن بعض البشر يجور على البعض، ويبادئه بالعدوان، وإن الطغيان ومجاوزة الحد تشيع بين الناس فيظهر بذلك .. ( المتخمون) .. و(الجائعون).. !!
لقد شكل نقص الغذاء على مر العصور تحدياً للإنسان يدفعه إلى العمل والكدح وابتكار وسائل جديدة من أجل الإفادة من هذه الأقوات المقدرة التي بثها الخالق جل وعلا، وكانت النتيجة من نصيب الإنسان وهذا هو الحال اليوم أيضاً .. فسكان الأرض قد بدؤوا بمواجهة تحد جديد، والمقدر أن ينجح الإنسان المعاصر في هذا الامتحان كما نجح فيه سابقه، ولنستمع إلى شهادة عالم كبير هو ( نورمان بورلو) الذي نال جائزة نوبل لجهوده في دراسة مسألة نقص الغذاء العالمي ... لقد أعلن هذا العالم : ( إن العالم ينتج ما يكفي لإطعام شعوبه بشكل جيد، لكن المشكلة تكمن في التوزيع العادل للإنتاج الغذائي .. ).
فالأمر ( إذن) يتعلق التوزيع .. ولعل مشهد المزارعين الأمريكيين والأوربيين وهم يقذفون بأطنان الزبد إلى البحر – للمحافظة على أسعارها – كما يفعلون في أكثر من موسم وفي أكثر منتج غذائي وزراعي، مقارنة بمشهد الطفل المنتفخ البطن من أمراض الجوع في إفريقيا، ما يلخص القضية كلها..
ونتأمل – من أجل المزيد من التأكيد بأن هناك اختلالاً مريعاً في التوزيع وفي التقنية – إلى رقم (الخمسين مليار دولار) الذي تنفقه الولايات المتحدة الأمريكية وحدها على أدوية إنقاص الوزن وتقنيات إذابة الشحوم وغيرها .. فهذه الخمسون ملياراً كافية لتوفير الجرارات والمخصبات لكل قارة إفريقيا الجائعة التي لا تنقصها الأرض .. ولذلك فمقولة الأرض التي تعجز عن إطعام سكانها خرافة ووهم كبير، فالأرض لم تبخل، ولن تبخل، على سكانها بالغذاء الوفير.
عرض البحث مفصلاً:
وهذا البحث إطلالة على ( أصول الأمن الغذائي في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة)، لنتعرف على الهدى الإسلامي في أصول الأمن الغذائي، فالإسلام هو الدين الوحيد الذي تعرض لاقتصاديات الأمن الغذائي من خلال لفت الأنظار إلى أهمية إعمار الأرض وفلاحتها والاستفادة منها، مع ملاحظة أن هذه الثروات الطبيعية يشترك فيها جميع البشر، وفقاً لتعاليم السنة النبوية المشرفة، وعملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ) .. قال أبو سعيد الخدري – راوي الحديث – أن النبي عدد أصنافاً وأشياءً حتى رأينا أنه ليس لأحد الحق في أي فضل .... (رواه البخاري).
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( الناس شركاء في ثلاثة الماء والعشب والنار).
ولقد أولى الإسلام عناية خاصة بالزراعة وأهميتها، فهي أساس الأمن الغذائي، وهذا الاهتمام المستمر هو أول الأمور في تحقيق الأمن الغذائي للعالم الإسلامي، لو استاد العالم الإسلامي من المنهج الإسلامي الصحيح.
ولقد قسمت البحث على قسمين أساسيين مع مقدمة وخاتمة ..
أما الفصل الأول : فقد تحدثت فيه عن بعض المفاهيم والمصطلحات والأفكار – حول الأمن الغذائي، وخاصة فيما يتعلق بالعالم الإسلامي والعالم العربي، مع بعض الإحصاءات لتقريب الصورة.
وأما الفصل الثاني فقد خصصته للحديث حول أصول الأمن الغذائي في القرآن والسنة، وكيف أن القرآن الكريم هو الذي يوجه الأنظار إلى أهمية تحقيق الأمن الغذائي، مع المحافظة على هذا الأمن، مع ملاحظة أن دول العالم الإسلامي الآن في ذيل القامة بالنسبة لإنتاج وتصدير واستيراد الغذاء، وكيف يتحقق للعالم الإسلامي الوصول بالفعل إلى تحقيق هذا الأمن الغذائي.
فقد أدى سوء توزيع الموارد الطبيعية والطاقات البشرية في العالم الإسلامي إلى تفاوت الدخول وإلى حدوث اختلالات كبيرة في مستويات المعيشة بين أبناء الوطن الواحد، إضافة إلى عدم القدرة على تحقيق الحد الأدنى من التناسب والتوازن، وفي توزيع السكان، والموارد والاعتماد على سلعة واحدة، وندرة رأس المال، وانخفاض مستوى المعرفة والتقنية، وعدم الاستفادة من الأساليب المتقدمة في الإنتاج، وارتفاع نسبة الأمية، وعدم التوازن بين الإنتاج والاستهلاك ... إضافة إلى عدم التنسيق بين الدول الإسلامية في غيبة استراتيجية واضحة المعالم ترسم الطريق وتحدد الأولويات ... كل هذه الأمور والمعوقات تنذر بوقوع خطر محدق يجب أن ننتبه إليه قبل أن تتفاقم الكارثة، ويصعب الأمر، ويصعب السيطرة عليه، ويصاحبه انهيار في البنية الأساسية لهذه المجتمعات ... وذلك في إطار برنامج عمل يحقق التكامل والتوازن، ويتجاوز الخلافات والتناقضات السياسية والأيديولوجية في عالم يقوم نظامه على التكتلات الاقتصادية الكبيرة ..
فهل يأتي اليوم الذي تنتصر فيه العاطفة الدينية الإسلامية على السياسة وما فيها، ونرى العالم الإسلامي وقد أصبح تكتلاً اقتصادياً وكياناً واحداً، أن ذلك ليس على الله ببعيد ..

وبعد .. فأرجو أن أكون قد وفقت في عرض ما أردت .. وأسأل الله تبارك وتعالى أن ينفع به .. والله ولي التوفيق ..
الفصل الأول : مفاهيم ... وأفكار
تمهيد

إذا كانت الاحتياجات الأساسية للإنسان على وجه الأرض تمثل في الغذاء والكساء والمأوى والدواء .. فإن الغذاء يمثل أولويات تلك الاحتياجات، وبه يحيا الإنسان وينمو، وبدونه يفنى .. لهذا كان إنتاج وحفظ الغذاء من أول ما عرفه الإنسان من صناعات، وكان توفير الغذاء بحدوده الدنيا أو العليا، وعلى مدار العام لتلبية احتياجات معينة ومحددة لمجموعة بشرية محددة ومعينة، من أولى واجبات القائمين على تلك المجموعة، اقتصادياً وحياتياً ..
فلقد عرف الإنسان ما للطبيعة وعطائها الزراعي ( شقيه النباتي والحيواني) من مواسم وفيرة وأخرى شحيحة.كما تعامل مع نتائج الكوارث الزراعة التي لحقت بالمجتمعات.
ومنذ فجر التاريخ الإنساني كله، ما كان منها فعل الطبيعة أو فعل الإنسان، وسعى للتحسب لها وإعداد العدة لمواجهتها، ومع التطور الحضاري الإنساني أصبحت قضية توفير الغذاء للمواطنين، وعلى مدار العام، وبأسعار معقولة، وكميات مناسبة، من الأمور التي تحظى بعناية ورعاية وإشراف الحكومات، بغض النظر عن نهجها الاقتصادي والسياسي .. إذ أصبحت مؤشر العلاقة بين الحكومات ومواطنيها .. [ وهكذا ستكون مستقبلاً].
وعالمنا اليوم.الذي شهد بداية عصر اللامتناهيات الثلاثة .. عصر العلم والتقنية .. عالم الستة مليارات نسمة .. ويزيد ..


إن سبب الفقر في العالم هو سوء توزيع الثروة في المجتمع

- عالم دول الشمال، الذي يضم ربع البشرية حيث معدل دخل الفرد فيه يعادل خمسة وثلاثين ضعفاً منه لدخل الفرد في دول الجنوب .. وعالم دول الجنوب، حيث المعاناة بكل أبعادها، وبخاصة في توفير الغذاء للمواطنين الكم والنوع المطلوب(3).
إن عالمنا له خصائص مميزة، من النواحي الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والحضارية، لها من الإيجابيات قدر ما لها من السلبيات، ففي حين وفر العلم والتكنولوجيا للإنسانية وسائل وأدوات ومعارف أدت إلى زيادة الإنتاج وتحسين الإنتاجية للمنتجات الزراعية الغذائية (بشقيها الحيواني والنباتي)، فإن دخول العالم إلى عصر العلم والتكنولوجيا ونتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية، قلبتمعايير كثيرة .. فلم تعد مناطق العالم النامية مناطق تعتمد عليها الدول الكبيرة في توفير ما تحتاجه لتعيش وتزدهر، وبخاصة من النواحي الغذائية، فالحرب – مثلاً – معناها قطع خطوط الاتصالات البحرية والبرية وحتى الجوية أحياناً، معناها – أيضاً – أن على الدول الكبيرة أن توفر لنفسها الإنتاج من مواردها الطبيعية كأساس لا غنى عنه .. ثم إيجاد حلفاء اقتصاديين تتكامل معهم في سد النقص الذي تعانيه .. ثم إيجاد خزين غذائي لها يقيها شر الويلات الطبيعية أو الويلات الإنسانية.
وهكذا .. أصبح إنتاج الغذاء عالمياً يتسم بسمات عصرنا الراهن، التوسع في استخدام مرافق ومنجزات العلم والتكنولوجيا، والتوسع في الإنتاج الكبير، وتحسين الإنتاجية والمشاريع العملاقة والشركات عابرة القارات .. ثم الاحتكار واستخدام الغذاء كأحد الأسلحة التي تملكها قوى الاحتكار العالمية.
وحين قسمت دول العام إلى دول الشمال – ذات الوفرة الإنتاجية .. ودول الجنوب – ذات الشح والحاجة .. أصبحت سلع غذائية – كالحبوب الخشنة واللحوم والبيض والألبان والزيوت النباتية – سلع دول الشمال غزيرة الإنتاج الفائض عن الاحتياجات في مجتمعاتها ذات القدرات الخارقة على دعم الأسعار وتحديدها وتصدير ما يزيد منها .. وأصبحت دول الجنوب دول الحاجة على الواردات المتزايدة.
وكان سعي دول الجنوب إلى تغيير المعادلة [ وهو ما يعرف بالنظام الاقتصادي الراهن ] أو إيجاد معادلة تضمن حقها وحقوق الآخرين، فعبأت قدراتها الممكنة، وعملت على زيادة إنتاجها الغذائي، كما عملت على إيجاد خزين من ذلك الغذاء ليقيها شر التقلبات دائمة التوقع ..
والأقطار العربية – بكاملها – والكثير من دول العالم الإسلامي – إنما تمثل جزءاً من دول الجنوب، وهي تعتبر من أكثر مناطق الدنيا احتياجاً لاستيراد العديد من احتياجاتها الغذائية لمواطنيها من الخارج.

هذه الأقطار تعيش حالة غذائية خطيرة، فلقد تخطت ( مرحلة العجز الغذائي) لتصل إلى ( مرحلة الانكشاف) وهذا الانكشاف الغذائي له أسباب عديدة، وهو لا يشمل سلعة معينة، بل يشمل سلعاً عديدة أولها الحبوب – وخاصة القمح – مروراً باللحوم والألبان والزيوت النباتية والسكر وغيرها، ولكل من هذه السلع سماتها الاقتصادية والفنية العالمية، وكلها تعتبر من السلع الاستراتيجية، لكن أهمها بالنسبة للوطن العربي هي : الحبوب، وخاصة القمح (4).

ونحن نتناول موضوع الأمن الغذائي ومستقبله في الوطن العربي والعالم الإسلامي الكبير بالدراسة والتحليل، فإننا نؤكد أن عدم العناية بهذا الموضوع سيؤدي إلى كوارث اقتصادية كثيرة !!

يتبع الجزء الثاني بإذنه
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
الداعي الى الله
المشاركة Aug 9 2010, 08:10 AM
مشاركة #20


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,662
التسجيل: 11-October 05
رقم العضوية: 1,611



الجزء الثاني

مفهوم الأمن الغذائي


على الرغم من أن مشكلة الغذاء مشكلة اقتصادية في المقام الأول، لأنها تعبر عن شكل من أشكال العلاقة بين العرض والطلب، أو بن الإنتاج والاستهلاك، إلا أن لها أبعاداً متعددة، يهمنا منها هنا ( البعد الأمني) .. ونظراً لما لهذا البعد الأمني من أهمية كبيرة فقد شاع مصطلح ( الأمن الغذائي) بسبب الارتباط الوثيق بين كل من الغذاء والأمن، فالغذاء – كما سبقت الإشارة – هو أحد حاجات الإنسان الضرورية التي تتمثل في المأكل والملبس والمسكن، إلا أن الغذاء يعتبر أهمها .. فالإنسان لا يستطيع الاستغناء عنه أو الصبر على الجوع، لقد عاش الإنسان الأول عارياً دون ملبس ودون مأوى، ولا تزال أقوام كثيرة تعيش اليوم في مجاهل إفريقيا تسير عارية أو شبه عارية، لكنها رغم ذلك لا تستطيع الحياة بلا طعام.
الطعام إذن هو أول مقومات الحياة، فإذا لم توفر بشكل يستطيع الناس الحصول عليه هاج الشعب وثار .. مما يؤدي إلى قيام الاضطرابات والفوضى واختلال أمور الأمن في البلاد، ولذلك فإن توفير الطعام للسواد الأعظم من الشعب، بأسعار تناسب دخولهم – يساعد على استتباب الأمن في المجتمع.
ومن ناحية أخرى، فإن الدولة التي لا تستطيع تأمين الطعام لشعبها من مصادر محلية تصبح عاجزة أمام الضغوط والتحديات التي تواجهها، مما يعرض أمنها للخطر وحريتها للاستباحة واستغلالها للانتقاص.
ولقد عرف الإنسان منذ فجر التاريخ مفهوم الأمن الغذائي بصورته الأولية، كما تعلم الإنسان من الممارسة أن للزراعة ( بشقيها النباتيوالحيواني) مواسم وفرة عطائية ومواسم شح. وكان لزاماً عليه – بالتالي – أن يحفظ بعض الأغذية من مواسم الوفرة ليستعين بها في غذائه في مواسم الندرة .. وهكذا تعامل الإنسان مع خزن الحبوب، وتجفيف اللحوم، وغيره، ومع نشوء الدول سعت كل منها إلى تأمين حاجة مواطنيها من السلع الغذائية، وعلى مدار العام، بنفس الخصائص والمواصفات .. فالأمن الغذائي لبلد ما أو منطقة جغرافية معينة هو الحال الذي يكون فيه وضع المواطنين الغذائي – في ذلك البلد أو تلك المنطقة – غير معرض لحدوث أزمات غذائية تحت أي ظرف كان أو في أي زمن.
وإذا كان توفير الغذاء يمثل الجانب الأمني، بل الجانب الرئيسي للأمن الغذائي، فإن الجانبالآخر هو توفير إمكانية الاتصال وإيصال ذلك الغذائي، إلى حيث تكون الحاجة إليه،
وعلى ذلك، فإن المقاييس التي تحدد الأمن الغذائي لبلد ما أو لمنطقة جغرافية معينة .. هي :
- نسبة الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية الاستراتيجية ( ذات النمط الغذائي الاستهلاكي السائد).
- نسب قيمة الإنتاج الزراعي المصدر إلى الإنتاج الزراعي المستورد.
- نسب قيمة المستوردات الزراعية الإجمالية لإجمالي الاستيراد.
- نسب قيمة الإنفاق على الغذاء من إجمالي الدخل القومي.
- التقلبات السنوية في الإنتاج الزراعي إلى إجمالي الناتج المحلي.
- متوسط حصة الفرد من قيمة الإنتاج الزراعي.
- نسبة صافي الواردات الزراعية إلى إجمالي الناتج المحلي.
- نسبة المخزونات الغذائية – وبخاصة القمح – إلى مقدر الاستهلاك السنوي(5) .

فالأمن الغذائي إذن، هو تحفيز قدرات وفعل منسق وعمل هادف لحل معضلات محددة، فرضها واقع زراعي ( صناعي – اجتماعي – اقتصادي) في بلد ما، أو في منطقة جغرافية معينة، وبالإمكان تحديد مفهوم الأمن الغذائي ليشمل ضمان توفير بعض السلع الغذائية في الأسواق المحلية على مدار العام، وبأسعار مناسبة، وذات قيمة غذائية تكفل للإنسان بقاءه حياً وتمكنه من أداء مهامه الاقتصادية بصورة صحيحة مناسبة.
مما سبق يمكن تعريف (الأمن الغذائي) .. بأنه قدرة مجتمع ما على توفير الاحتياجات الأساسية من الغذاء للمواطنين .. وضمان حد أدنى من تلك الاحتياجات بانتظام، عبر إنتاج السلع الغذائية محلياً، وتوفير حصيلة كافية من عائدات الصادرات لاستخدامها في استيراد ما يلزم لسد النقص في الإنتاج الغذائي الذاتي، بدون أي تعقيدات أو ضغوطات من أي مصدر كان.
والأمن الغذائي اصطلاح طرحته المنظمات والهيئات الدولية وتبنتهالحكومات ليأتي مترافقاً مع مصطلحات أخرى، كالأمن الوطني، والأمن الاستراتيجي، والأمن الاجتماعي، وغيرها من المصطلحات التي أريد طرحها التنبيه إلى ضرورة مواجهة أخطار تهدد المجتمع من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة للتخفيف من آثارها وإزالة جميع الأضرار الناجمة عنها، كما أن المقصود بالأمن الغذائي قد يكون توفير الغذاء اللازم للمجتمع من مصادره المحلية والخارجية، وضمان توزيع الغذاء وجعله في متناول أعضاء المجتمع(6).
وقد تفاوتت النظرة إلى المجال الحيوي الذي يجب فيه توفير الأمن الغذائي، ففي الوقت الذي يعتقد فيه البعض أن الأمن الغذائي يجب توفيره على المستوى العالمي .. أي أن يكون الغذاء المنتج في العالم يكفي لسد احتياجات سكان العالم، نجد أن البعض الآخر يعتقد أن الأمن الغذائي يجب توفيره على المستوى العالمي ..نجد أن البعض الآخر يعتقد أن تحقيق الأمن الغذائي يجب أن يكون على المستوى الإقليمي .. أي أن يستطيع الإقليم إنتاج ما يكفي لحاجة سكانه من الغذاء، كما نجد أن البعض يغالي حتى الاعتقاد بأن تحقيق الأمن الغذائي يجب أن كون على مستوى كل دولة على حدة، وبحيث تستطيع كل دولة أن تضع خططها وبرامجها لإنتاج حاجتها من السلع الغذائية الاستراتيجية، منعاً من التأثير عليها أو التحكم في أي مصدر من مصادر الغذاء (7).

المخزون الاستراتيجي
يرتبط مفهوم المخزون الاستراتيجي بمفهوم الأمن الغذائي وهو أمر متعارف عليه دولياً .. وهو عبارة عن سلع غذائية وهو عبارة عن سلع غذائية غير محددة تعتبر ذات ضرورة ماسة في حياة المواطنين – وذات نمط غذائي سائد – يتم الاحتفاظ بكميات منها تحت إشراف مباشر من قبل الحكومات، وتكون الزيادة عن احتياجات الأسواق الآنية الطبيعية. وتستخدم في حالات معينة مثل : ( الكوارث الطبيعية – الحروب – الارتفاع المفاجئ غير الطبيعي في الأسعار – تغير الطلب والعرض العالمي على تلك السلع في حالة عدم إنتاجها محلياً).
ويتم تداول هذا المخزون دورياً بحيث تؤخذ منه كميات تعوض عنها بكميات مماثلة، هدف أن لا تفقد المادة الغذائية صفاتها الغذائية .. ويتحدد كم ونوعية هذا المخزون بظروف كل دولة وقدراتها الاقتصادية والفنية(8).

الفجوة الغذائية :
الفجوة الغذائية هي مقدار الفرق بين ما تنتجه الدولة ذاتياً وما تحتاجه إلى الاستهلاك من الغذاء – كما يعبر عنها أيضاً بالعجز في الإنتاج المحلي عن تغطية حاجات الاستهلاك عن السلع الغذائية، والذي يتم تأمينه بالاستيراد من الخارج(9).
والفجوة الغذائية – بهذا التعريف – تشمل الوضع الغذائي الراهن، وفق عادات الاستهلاك في الدولة، وبالمعدلات التي يتناولها الفرد من مختلف أنواع الأغذية، وهي بذلك لا تتطرق إلى تحديد الكميات الواجب تناولها من الغذاء، ولا إلى تحسين نوعية الغذاء المستخدم، سواء من حيث السعرات التي يحصل عليها الفرد أو مكوناته من البروتين النباتي والحيواني، وإنما يؤخذ بعين الاعتبار تطور الطلب الطبيعي على الغذاء ( نتيجة لعوامل الداخلية في الدولة) والتغير الذي يمكن يحصل على عادات الاستهلاك ( نتيجة للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تسود الدولة).
وتتمثل خطورة الفجوة الغذائية التي تواجه البلدان العربية والإسلامية في ثلاثة عوامل رئيسية :

- العامل الأول : هو استحالة تأمين البلدان العربية لما تحتاجه من مواد غذائية من مواردها المحلية، في ظل الظروف والمعطيات الحالية.
- العامل الثاني : يكمن في توافر ما تحتاجه الأقطار العربية من غذاء تحت سيطرة بلدان قليلة في العالم، والتي قد تلجأ إلى استخدام الغذاء كسلاح اقتصادي أو سياسي.

الشكل يبين الهرم الغذائي
- العامل الثالث : هو ما تشهده أسعار المواد الغذائية من تقلبات كبيرة في الأسواق العالمية، وخاصة ما حدث بعد بداية القرن الحادي والعشرين بقليل، فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً جنونياً مما أثر على المخزون الاستراتيجي لكثير من بلدان العالم الإسلامي والعربي، وما زالت الأسعار حتى الآن لم تصل إلى حد الاستقرار فهي في تغير مستمر، بل في ارتفاع مستمر، وهو ما يمثل التحدي الأكبر لبلدان العالم الثالث، فهي مطالبة بإيجاد التمويل اللازم لشراء المواد الغذائية وتأمينها مع تأمين المخزون الاستراتيجي داخل الدولة في نفس الوقت.
وإذا أخذنا العامل الأول – نجد أن البلاد العربية – مثلاً – لو أرادت أن تنتج المواد الغذائية الأساسية من مواردها المتاحة، ووفق المعطيات الحالية من انخفاض مستويات الإنتاجية وضعف استعمال تقنيات التكنولوجيا الحديث في الإنتاج الزراعي وضعف الحوافز والسياسات الزراعية التي تشجع الإنتاج، فإن إنتاج ما تستهلكه الأقطار العربية من الحبوب فقط يحتاج إلى 44.8 مليون هكتار.وهذه مساحة تزيد بنسبة 15 % عن مجمل المساحة المزروعة سنوياً في جميع البلدان العربية، حيث بلغ مجمل مساحات الأراضي المزروعة بجميع المحاصيل رياً ومطرياً في جميع الأقطار العربية ما مساحته 38 مليون هكتار سنوياً(10).
وإذا انتقلنا إلى العامل الثاني ... نجد أنه نظراً للعجز الكبير الذي يعانيه الوطن العرب من الحبوب الغذائية، فإن المعونات الخارجية لكثير من الأقطار العربية من البلدان المتقدمة ( بخاصة أمريكا، ذات الفائض الغذائي الزراعي) تأتي على كل مساعدات غذائية تعتبر الحبوب في مقدمتها، وقد أخذت هذه الزيادة في الاستمرار، ففي عام 1974 بلغ وزن هذه المعونات نحو 1.1 مليون طن متري، وصلت في عام 1987 إلى 3.4 مليون طن متري وفي ذلك العام 1987 حصلت مصر وحدها على نحو 13 % من مجموعات تلك المعونات، وقد كان من نتيجة ذلك زيادة واردات الوطن العربي الغذائية من الأقطار الخارجية، مما أدى إلى انخفاض نسبة الاكتفاء الذاتي للبلدان العربية من الغذاء حتى وصلت في مجملها عام 1987 إلى نحو 60 % فقط، وهذا الوضع يحمل الكثير من المخاطر للأقطار العربية، فزيادة اعتماد البلاد العربية على المعونات الأجنبية، أو على تحقيق الاكتفاء من العالم الخارجي يؤدي إلى وقوع الوطن العربي تحت النفوذ والضغوط الأجنبية .. فعن طريق رغيف الخبز تستطيع هذه الدول ممارسة الضغط أكثر من استعمالها لـ أي وسيلة أخرى.

أما بالنسبة للعامل الثالث : فإننا نجد أن التاريخ الحديث لأسعار الغذاء العالمية قد شهد تذبذباً كبيراً، ففي منتصف السبعينيات من القرن العشرين وصل ثمن الطن من القمح إلى حوالي 250 دولاراً، بعد أن كان 70 دولاراً في نهاية الستينات من نفس القرن، ثم واصل الارتفاع في عقد الثمانيات، ثم استقر نوعاً ما في التسعينيات، ثم ارتفع كثيراً في الألفية الثالثة ( القرن الحادي والعشرين الحالي) حتى وصل سعر الطن من القمح في الأسواق العالمية إلى 300 دولار في عام 2003.مع الارتفاع المستمر في سعر الدولار نفسه – مما يدل على أن أسعار المنتجات الغذائية في الأسواق العالمية لا توحي بالأمن والاطمئنان.
ومن ثم، فقد اضطرت معظم الدول إلى استيراد المواد الغذائية التي تنقصها من الخارج بالأسعار الجارية، وفي نفس الوقت طرح هذه المواد في السوق الداخلي المحلي بأسعار تتناسب وذوي الدخل المحدود من السكان، وفي معظم الأحيان كانت تلك الأسعار منافسة للمنتج المحلي، مما اضطر معظم المنتجين إلى الابتعاد عن إنتاج السلع التي تستوردها الدولة وتطرحها بأسعار لا يستطيع معها المنتج المحلي منافسة تلك الواردات، وكان على رأس هذه السلع المستوردة : معظم المنتجات الغذائية الأساسية وإعادة تقديمها للمستهلك بأسعار تتناسب ودخله(11).

يتبع الجزء الثالث بإذنه
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة

2 الصفحات V   1 2 >
إضافة رد على الموضوعموضوع جديد
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



نسخة خفيفة الوقت الآن: 17th July 2019 - 07:09 PM