منتدى العقاب

هذا المنتدى هو أرشيف منتدى العقاب حتى عام 2012

وهو فقط للمطالعة والتصفح، للمشاركة نرجو الانتقال للمنتدى الجديد

http://www.alokab.com

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )



11 الصفحات V  < 1 2 3 4 > »   
موضوع مغلقموضوع جديد
> مشروع دستور دولة الخلافة, منسق
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 12:06 AM
مشاركة #21


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



السياسة الخارجية


المادة 181 - السياسة هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة. فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة.

المادة 182 - لا يجوز لأي فرد، أو حزب، أو كتلة، أو جماعة، أن تكون لهم علاقة بأي دولة من الدول الأجنبية مطلقاً. والعلاقة بالدول محصورة بالدولة وحدها، لأن لها وحدها حق رعاية شؤون الأمة عملياً. وعلى الأمة والتكتلات أن تحاسب الدولة على هذه العلاقة الخارجية.

المادة 183 - الغاية لا تبرر الواسطة، لأن الطريقة من جنس الفكرة فلا يتوصل بالحرام إلى الواجب ولا إلى المباح. والوسيلة السياسية لا يجوز أن تناقض طريقة السياسة.

المادة 184 - المناورات السياسية ضرورية في السياسة الخارجية، والقوة فيها تكمن في إعلان الأعمال وإخفاء الأهداف.

المادة 185 - الجرأة في كشف جرائم الدول، وبيان خطر السياسات الزائفة، وفضح المؤامرات الخبيثة، وتحطيم الشخصيات المضللة، هو من أهم الأساليب السياسية.

المادة 186 - يعتبر إظهار عظمة الأفكار الإسلامية في رعاية شؤون الأفراد والأمم والدول من أعظم الطرق السياسية.

المادة 187 - القضية السياسية للأمة هي الإسلام في قوة شخصية دولته، وإحسان تطبيق أحكامه، والدأب على حمل دعوته إلى العالم.

المادة 188 - حمل الدعوة الإسلامية هو المحور الذي تدور حوله السياسة الخارجية، وعلى أساسها تبنى علاقة الدولة بجميع الدول.

المادة 189 - علاقة الدولة بغيرها من الدول القائمة في العالم تقوم على اعتبارات أربعة:
أحدها- الدول القائمة في العالم الإسلامي تعتبر كأنها قائمة في بلاد واحدة، فلا تدخل ضمن العلاقات الخارجية، ولا تعتبر العلاقات معها من السياسة الخارجية، ويجب أن يعمل لتوحيدها كلها في دولة واحدة.
ثانيها- الدول التي بيننا وبينها معاهدات اقتصادية، أو معاهدات تجارية، أو معاهدات حسن جوار، أو معاهدات ثقافية، تعامل وفق ما تنص عليه المعاهدات. ولرعاياها الحق في دخول البلاد بالهوية دون حاجة إلى جواز سفر إذا كانت المعاهدة تنص على ذلك، على شرط المعاملة بالمثل فعلاً. وتكون العلاقات الاقتصادية والتجارية معها محدودة بأشياء معينة، وصفات معينة على أن تكون ضرورية، ومما لا يؤدي إلى تقويتها.
ثالثها- الدول التي ليس بيننا وبينها معاهدات، والدول الاستعمارية فعلاً كإنكلترا وأميركا وفرنسا والدول التي تطمع في بلادنا كروسيا، تعتبر دولاً محاربة حكماً، فتتخذ جميع الاحتياطات بالنسبة لها، ولا يصح أن تنشأ معها أية علاقات ديبلوماسية. ولرعايا هذه الدول أن يدخلوا بلادنا، ولكن بجواز سفر وبتأشيرة خاصة لكل فرد ولكل سفرة، إلا إذا أصبحت محاربة فعلاً.
رابعها- الدول المحاربة فعلاً (كإسرائيل) مثلاً يجب أن نتخذ معها حالة الحرب أساساً لكافة التصرفات. وتعامل كأننا وإياها في حرب فعلية، سواء أكانت بيننا وبينها هدنة أم لا. ويمنع جميع رعاياها من دخول البلاد.

المادة 190 - تمنع منعاً باتا المعاهدات العسكرية، وما هو من جنسها، أو ملحق بها كالمعاهدات السياسية، واتفاقيات تأجير القواعد والمطارات. ويجوز عقد معاهدات حسن الجوار، والمعاهدات الاقتصادية، والتجارية، والمالية، والثقافية، ومعاهدات الهدنة.

المادة 191 - المنظمات التي تقوم على غير أساس الإسلام، أو تطبق أحكاماً غير أحكام الإسلام، لا يجوز للدولة أن تشترك فيها، وذلك كالمنظمات الدولية مثل هيئة الأمم، ومحكمة العدل الدولية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وكالمنظمات الإقليمية مثل الجامعة العربية


الرجوع إلى الفهرس
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 12:35 AM
مشاركة #22


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 1: العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة، بحيث لا يتأتى وجود شيء في كيانها أو جهازها أو محاسبتها أو كل ما يتعلق بها، إلا بجعل العقيدة الإسلامية أساساً له. وهي في الوقت نفسه أساس الدستور والقوانين الشرعية بحيث لا يسمح بوجود شيء مما له علاقة بأي منهما إلا إذا كان منبثقاً عن العقيدة الإسلامية.

تنشأ الدولة بنشوء أفكار جديدة تقوم عليها ويتحول السلطان فيها بتحول هذه الأفكار، لأن الأفكار إذا أصبحت مفاهيم -أي إذا أدرك مدلولها وجرى التصديق بها- أثرت في سلوك الإنسان، وجعلت سلوكه يسير بحسب هذه المفاهيم، فتتغير نظرته إلى الحياة، وتبعاً لتغيرها تتغير نظرته إلى المصالح. والسلطة إنما هي رعاية هذه المصالح والإشراف على تسييرها. ولذلك كانت النظرة إلى الحياة هي الأساس الذي تقوم عليه الدولة، وهي الأساس الذي يوجد عليه السلطان، إلا أن النظرة إلى الحياة إنما توجدها فكرة معينة عن الحياة، فتكون هذه الفكرة المعينة عن الحياة هي أساس الدولة وهي أساس السلطان. ولما كانت الفكرة المعينة عن الحياة تتمثل في مجموعة من المفاهيم والمقاييس والقناعات، كانت هذه المجموعة من المفاهيم والمقاييس والقناعات هي التي تعتبر أساساً، والسلطة إنما ترعى شؤون الناس وتشرف على تسيير مصالحهم بحسب هذه المجموعة؛ ولذلك كان الأساس مجموعة من الأفكار وليس فكرة واحدة، وهذه المجموعة من الأفكار قد أوجدت بجموعها النظرة إلى الحياة، وتبعاً لها وجدت النظرة إلى المصالح وقام السلطان بتسييرها حسب هذه النظرة. ومن هنا عرفت الدولة بأنها كيان تنفيذي لمجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي تقبلتها مجموعة من الناس.

هذا بالنسبة للدولة من حيث هي دولة، أي من حيث هي سلطان يتولى رعاية المصالح ويشرف على تسييرها. إلا أن هذه المجموعة من الأفكار التي تقوم عليها الدولة، أي مجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات إما أن تكون مبنية على فكر أساسي أو ليست مبنية على فكر أساسي. فإن كانت مبنية على فكر أساسي، فإنها تكون متينة البنيان وطيدة الأركان ثابتة الكيان؛ لأنها تستند إلى أساس لا يدانيه في القوة أساس؛ لأن الفكر الأساسي هو الفكر الذي لا يوجد وراءه فكر ألا وهو العقيدة العقلية؛ فتكون الدولة حينئذٍ مبنية على عقيدة عقلية. وأما إن كانت الدولة غير مبنية على فكر أساسي، فإن ذلك يسهٍّل أمر القضاء عليها، ويكون ليس من الصعب تحطيم كيانها وانتزاع سلطانها؛ لأنها لم تبنى على عقيدة واحدة ينبثق عنها وجودها، فيكون من غير الصعب إزالتها. ولهذا كان لا بد للدولة حتى تكون ثابتة الكيان من أن تكون مبنية على عقيدة عقلية تنبثق عنها الأفكار التي وجدت الدولة على أساسها، أي عقيدة عقلية تنبثق عنها المفاهيم والمقاييس والقناعات التي تمثل فكرة الدولة عن الحياة، وبالتالي نظرة هذه الدولة إلى الحياة، تلك النظرة التي ينتج عنها نظرتها إلى المصالح.

والدولة الإسلامية إنما تقوم على العقيدة الإسلامية؛ لأن مجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي تقبلتها الأمة إنما تنبثق عن عقيدة عقلية، وقد تقبلت الأمة أولاً هذه العقيدة واعتنقتها عقيدة يقينية عن دليل قطعي، فكانت هذه العقيدة هي فكرتها الكلية عن الحياة، وبحسبها كانت نظرتها إلى الحياة، ونتجت عنها نظرتها إلى المصالح، وعنها أخذت الأمة مجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات؛ ولذلك كانت العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة الإسلامية. ثم إن الدولة الإسلامية أقامها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أساس معين؛ فيجب أن يكون هذا الأساس هو أساس الدولة الإسلامية في كل زمان ومكان. فإنه عليه الصلاة والسلام حين أقام السلطان في المدينة وتولى الحكم فيها، أقامه على العقيدة الإسلامية من أول يوم ولم تكن آيات التشريع قد نزلت بعد، فجعل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله أساس حياة المسلمين، وأساس العلاقات بين الناس، وأساس دفع التظالم وفصل التخاصم، أي أساس الحياة كلها وأساس السلطان والحكم. ثم لم يكتف بذلك بل شرع الجهاد وفرضه على المسلمين لحمل هذه العقيدة للناس، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله) متفق عليه واللفظ للبخاري، ثم جعل المحافظة على استمرار وجود العقيدة أساساً للدولة فرضاً على المسلمين وأمر بحمل السيف والقتال إذا ظهر الكفر البواح، أي إذا لم تكن هذه العقيدة أساس السلطان والحكم، فقد سئل عن الحكام الظلمة "شرار الأئمة" أننابذهم بالسيف؟ قال: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) رواه مسلم، وجعل بيعته أن لا ينازع المسلمون أولي الأمر إلا أن يروا كفراً بواحاً. ففي حديث عوف بن مالك عن شرار الأئمة: (قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) رواه مسلم، وفي حديث عبادة بن الصامت في البيعة المتفق عليه: (وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً)، ووقع عند الطبراني (كفراً صراحاً)، ووقع في رواية لابن حبان في صحيحه: (إلا أن تكون معصية الله بواحاً). فهذا كله يدل على أن أساس الدولة هو العقيدة الإسلامية. إذ إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقام السلطان على أساسها، وأمر بحمل السيف في سبيل بقائها أساساً للسلطان، وأمر بالجهاد من أجلها. وبناءً على هذا وضعت المادة الأولى من الدستور، ومنعت من أن يكون لدى الدولة أي مفهوم أو قناعة أو مقياس غير منبثق عن العقيدة الإسلامية، إذ لا يكفي أن يجعل أساس الدولة اسماً هو العقيدة الإسلامية، بل لا بد أن يكون وجود هذا الأساس فيها ممثلاً في كل شيء يتعلق بوجودها، وفي كل أمر دق أو جل من كافة أمورها، فلا يجوز أن يكون لدى الدولة أي مفهوم عن الحياة أو الحكم إلا إذا كان منبثقاً عن العقيدة الإسلامية، ولا تسمح بمفهوم غير منبثق عنها، فلا يسمح بمفهوم الديمقراطية أن يتبنى في الدولة لأنه غير منبثق عن العقيدة الإسلامية فضلاً عن مخالفته للمفاهيم المنبثقة عنها، ولا يجوز أن يكون لمفهوم القومية أي اعتبار لأنه غير منبثق عن العقيدة الإسلامية فضلاً عن أن المفاهيم المنبثقة عنها جاءت تذمه وتنهى عنه وتبين خطره، ولا يصح أن يكون لمفهوم الوطنية أي وجود لأنه غير منبثق عن هذه العقيدة الإسلامية، فضلاً عن أنه يخالف ما انبثق عنها من مفاهيم. وكذلك لا يوجد في أجهزة الدولة وزارات بالمفهوم الديمقراطي، ولا في حكمها أي مفهوم إمبراطوري أو ملكي أو جمهوري لأنها ليست منبثقة عن العقيدة الإسلام وهي تخالف المفاهيم المنبثقة عنها. وأيضاً يمنع منعاً باتاً أن تجري محاسبتها على أساس غير العقيدة الإسلامية لا من أفراد ولا من تكتلات، فتمنع مثل هذه المحاسبة التي تقوم على أساس غير العقيدة الإسلامية، ويمنع قيام حركات أو تكتلات على أساس غير العقيدة الإسلامية. فإن كون العقيدة الإسلامية أساس الدولة يحتم هذا كله منها ويوجبه على الرعية التي تحكمها، فإن حياتها بوصفها دولة، وحياة كل أمر منبثق عنها بوصفها دولة، وكل عمل متصل بها بوصفها دولة، وكل علاقة توجد معها بوصفها دولة، يجب أن يكون أساسه هو عقيدة الدولة وهي العقيدة الإسلامية.

وأما الأمر الثاني في المادة فإن دليله أن الدستور هو القانون الأساسي للدولة فهو قانون، والقانون هو أمر السلطان، وقد أمر الله السلطان أن يحكم بما أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجعل من حكم بغير ما أنزل الله كافراً إن اعتقد به واعتقد بعدم صلاحية ما أنزل على رسوله، وجعله عاصياً إن حكم به ولم يعتقده، فدل ذلك على أن الإيمان بالله وبرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجب أن يكون أساس ما يأمر به السلطان، أي أساس القانون وأساس الدستور، أما أمر الله السلطان بأن يحكم بما أنزل الله، أي بالأحكام الشرعية، فثابت في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)) [النساء: 65] وقال: ((وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ)) [المائدة: 49] وحصر تشريع الدولة بما أنزل الله محذراً من الحكم بغيره قال تعالى: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )) [المائدة: 44] وقال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتفق عليه: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) واللفظ للبخاري وفي رواية مسلم (ما ليس منه) وفي رواية ابن حزم في المحلى وابن عبد البر في التمهيد (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) فهذا يدل على أن تشريعات الدولة محصورة بما ينبثق عن العقيدة الإسلامية، وهي الأحكام الشرعية التي نعتقد أن الله أنزلها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سواء أكان إنزالها صريحاً بأن قال هذا حكم الله وهو ما تضمنه الكتاب والسنة وما أجمع عليه الصحابة بأنه حكم الله، أم كان إنزالها غير صريح بأن قال هذه علامة حكم الله، وهو ما يؤخذ بالقياس الذي علته شرعية. ولهذا وضع الأمر الثاني في المادة.

ثم إنه لما كانت أفعال العباد قد جاء خطاب الشارع ملزماً التقيد به فيها، لذلك كان تنظيمها آتياً من الله، ولما جاءت الشريعة الإسلامية متعلقة بجميع أفعال الناس وجميع علاقاتهم، سواء أكانت علاقتهم مع الله أم علاقتهم مع أنفسهم أم علاقتهم مع غيرهم؛ لذلك لا محل في الإسلام لسن قوانين من قبل الناس لتنظيم علاقاتهم، فهم مقيدون بالأحكام الشرعية. قال تعالى: ((وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) [الحشر: 7] وقال: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)) [الأحزاب: 36] وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها) أخرجه الدارقطني من طريق أبي ثعلبة، وحسنه النووي في الرياض، وقال عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق عليه من طريق عائشة رضي الله عنها واللفظ لمسلم. فالله هو الذي شرع الأحكام وليس السلطان، وهو الذي أجبرهم وأجبر السلطان على اتباعها في علاقاتهم وأعمالهم، وحصرهم بها، ومنعهم من اتباع غيرها. ولهذا لا محل للبشر في وضع أحكام لتنظيم علاقات الناس، ولا مكان للسلطان في إجبار الناس أو تخييرهم على اتباع قواعد وأحكام من وضع البشر في تنظيم علاقاتهم.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 12:41 AM
مشاركة #23


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 2: دار الإسلام هي البلاد التي تطبق فيها أحكام الإسلام، ويكون أمانها بأمان الإسلام. ودار الكفر هي التي تطبق أنظمة الكفر، أو يكون أمانها بغير أمان الإسلام.

الدار لها معانٍ عدة منها:

"المنزل"، نحو قوله تعالى: ((فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ)) [القصص: 81]، و"المحلة" وكل موضع حل به قوم فهو دارهم، نحو قوله تعالى: ((فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ )) [الأعراف: 91]، و"البلد"، حكى سيبويه: هذه الدار نعمت البلد، و"المثوى والموضع"، نحو قوله تعالى: ((وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ )) [النحل: 30]، وكذلك "القبيلة" مجازاً نحو حديث أبي حميد الساعدي عند البخاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن خير دور الأنصار دار بني النجار... ).

والدار قد تضاف إلى أسماء أعيان نحو قوله تعالى: ((سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ )) [الأعراف: 145]. وقوله: ((وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ )) [النحل: 30]. وقوله: ((فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ )) [هود: 65]. وقوله: ((وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ)) [الأحزاب: 27]. ونحو حديث بريدة عند مسلم وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (… ثم أدعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين)، وحديث سلمة بن نفيل عند أحمد أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ألا إن عقر دار المؤمنين الشام).

وقد تضاف إلى أسماء معان نحو قوله تعالى: ((وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ )) [إبراهيم: 28]. وقوله: ((الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ)) [فاطر: 35]. ونحو حديث علي رضي الله عنه عند ابن عساكر بإسناد حسن صحيح وعند الترمذي قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة). ونحو حديث ابن عباس عند الدارقطني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا خرج العبد من دار الشرك قبل سيده فهو حر، وإذا خرج من بعده رد إليه. وإذا خرجت المرأة من دار الشرك قبل زوجها تزوجت من شاءت، وإذا خرجت من بعده ردت إليه).

وقد أضاف الشارع لفظ الدار إلى اسمين من أسماء المعاني هما: الإسلام والشرك، فقد روى الطبراني حديث سلمة بن نفيل السابق في مسند الشاميين بلفظ (ألا إن عقر دار الإسلام الشام)، فأضيفت الدار هنا إلى الإسلام. وكذلك فقد روى الماوردي في الأحكام السلطانية وفي الحاوي الكبير أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (منعت دار الإسلام ما فيها، وأباحت دار الشرك ما فيها) أي من حيث عصمة دار الإسلام للدماء والأموال … إلا بحقها وفق أحكام الشرع، ومن حيث عدم عصمة دار الشرك "دار الحرب" في حالة الحرب الفعلية كما في أحكام القتال والغنائم … وفق أحكام الشرع. وهذا التقسيم يشمل الدنيا كلها، فلا يخرج جزء منها عن أن يكون ضمن دار الإسلام أو ضمن دار الشرك، أي دار الكفر أو دار الحرب.

وتكون الدار دار إسلام بتوفير شرطين:

الأول: أن يكون أمانها بأمان المسلمين، بدليل ما رواه ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه في مكة: (إن الله عز وجل جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها)، وهذه الدار هي دار الهجرة الواردة في حديث علي المار عند ابن عساكر، وفي حديث عائشة عند البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قد أريت دار هجرتكم). وبدليل أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يهاجر إلى المدينة هو وأصحابه حتى اطمأن إلى وجود الأمان والمنعة، قال الحافظ في الفتح: "وروى البيهقي بإسناد قوي عن الشعبي ووصله الطبراني من حديث أبي الموسى الأنصاري قال: (انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه العباس عمه إلى سبعين من الأنصار عند العقبة، فقال له أبو أمامة -يعني أسعد بن زرارة- سل يا محمد لربك ولنفسك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب. قال: أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم. قالوا: فما لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ذلك لك)". وبدليل ما رواه أحمد عن كعب بن مالك بإسناد صحيح وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم قال فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنحن أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر). وفي رواية صحيحة عند أحمد عن جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال في بيعة العقبة: (… وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة...). وفي دلائل النبوة للبيهقي بإسناد جيد قوي عن عبادة بن الصامت قال: (وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدم علينا يثرب مما نمنع أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة...). وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يرفض الهجرة إلى أي مكان ليس فيه أمان ولا منعة. روى البيهقي بإسناد حسن عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لبني شيبان بن ثعلبة: (ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه). وذلك أنهم عرضوا أن ينصروه مما يلي مياه العرب دون ما يلي فارس.

الثاني: أن تجري فيها أحكام الإسلام. بدليل ما رواه البخاري عن عبادة بن الصامت قال: (دعانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان). والسمع والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكون في أمره ونهيه، أي في إجراء الأحكام. وبدليل ما رواه أحمد وابن حبان في صحيحه وأبو عبيد في الأموال عند عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (والهجرة هجرتان هجرة الحاضر والبادي، فأما البادي فيطيع إذا أمر ويجيب إذا دعي وأما الحاضر فأعظمهما بلية وأعظمهما أجراً). ووجه الاستدلال واضح في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فيطيع إذا أمر ويجيب إذا دعي) لأن البادية كانت دار إسلام وإن لم تكن دار هجرة. وبدليل حديث واثلة بن الأسقع عند الطبراني، قال الهيثمي بإسناد رجاله ثقات أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (وهجرة البادية أن ترجع إلى باديتك، وعليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومكرهك ومنشطك وأثرة عليك...). وبدليل ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن أنس قال: (إني لأسعى في الغلمان يقولون جاء محمد، فأسعى فلا أرى شيئاً. ثم يقولون: جاء محمد، فأسعى فلا أرى شيئاً. قال: حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه أبو بكر، فكنا في بعض حرار المدينة، ثم بعثا رجلاً من أهل المدينة ليؤذن بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما. فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه بين أظهرهم. فخرج أهل المدينة حتى إن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن أيهم هو أيهم هو؟). وفي هذا الحديث دليل على الشرطين معاً الأمان وإجراء الحكم، أما الأمان ففي وجود خمسمائة من الأنصار يقولون انطلقا آمنين، وقد أقرهم صلى الله عليه وآله وسلم على قولهم. كما أقرهم على قولهم مطاعين. وبذلك توفر الأمان والطاعة في دار الهجرة. ولولا توفرهما ما هاجر صلى الله عليه وآله وسلم. وهذان الشرطان أي توفير الأمان والطاعة في إجراء الأحكام قد بايع عليهما الأنصار في العقبة، روى البيهقي بإسناد قوي عن عبادة بن الصامت قال: (… إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم. وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدم علينا يثرب مما نمنع أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة. فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي بايعناه عليه). فإجراء الحكم واضح في قوله: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدم علينا يثرب مما نمنع أنفسنا وأرواحنا وأبناءنا).

وقد كان هذا المعنى واضحاً في الكتاب الذي كتبه بين المهاجرين والأنصار ووادع فيه يهود وعاهدهم. وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة. وهذا الكتاب من رواية ابن إسحق وسمي الصحيفة. وفيه: (بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس … وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس … وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة … وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم …).

وعليه فلا تكون الدار دار إسلام إلا بتوفر الأمان بأمان المسلمين وبإجراء حكم الإسلام، وإذا انخرم أحد هذين الشرطين، أو لم يتوفر، كأن كان الأمان بأمان الكفار، أو كان يجري على الناس حكم الطاغوت، صارت الدار دار شرك أي دار كفر. فلا يشترط غياب الشرطين معاً حتى تكون الدار دار شرك، بل يكفي غياب شرط واحد لتكون الدار دار شرك.

ولا تعني دار الكفر أن كل أهلها كفار، ولا تعني دار الإسلام أن كل أهلها مسلمون، بل إن معنى الدار هنا هو اصطلاح شرعي "حقيقة شرعية" أي أن الشرع هو الذي أعطاها هذا المعنى، تماماً كلفظ الصلاة والصيام ونحوها من الحقائق الشرعية.

وعليه فإنه يطلق على بلد جل أهله نصارى مثلاً ولكنه واقع ضمن الدولة الإسلامية يطلق عليه دار إسلام؛ لأن الأحكام المطبقة أحكام الإسلام، وأمان البلد بأمان الإسلام، ما دام ضمن الدولة الإسلامية.

وكذلك بالنسبة لبلد معظم أهله مسلمون ولكنه يقع ضمن دولة لا تحكم بالإسلام ولا تحفظ أمنها بجيش المسلمين بل بجيش الكفار، فإنه يطلق على هذا البلد دار كفر مع أن معظم أهله مسلمون. فمعنى الدار هنا هو حقيقة شرعية ولا اعتبار لكثرة المسلمين أو قلتهم عند إطلاق لفظ الدار، بل الاعتبار للأحكام المطبقة وللأمان المتحقق لأهلها. أي أن معنى الدار يؤخذ من النصوص الشرعية التي بينت هذا المعنى، تماماً كما يؤخذ معنى الصلاة من النصوص الشرعية التي بينت معناها. وهكذا كل الحقائق الشرعية يؤخذ معناها من النصوص الشرعية وليس من المعنى اللغوي للألفاظ.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 12:44 AM
مشاركة #24


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 3: يتبنى الخليفة أحكاماً شرعية معينة يسنها دستوراً وقوانين، وإذا تبنى حكماً شرعياً في ذلك صار هذا الحكم وحده هو الحكم الشرعي الواجب العمل به، وأصبح حينئذٍ قانوناً نافذاً وجبت طاعته على كل فرد من الرعية ظاهراً وباطناً.

والدليل عليها هو إجماع الصحابة. فقد انعقد إجماع الصحابة على أن للخليفة أن يتبنى أحكاماً شرعية معينة، وانعقد كذلك على أن العمل بما يتبناه الخليفة من أحكام واجب. ولا يجوز للمسلم أن يعمل بغير ما تبناه الخليفة من أحكام، حتى ولو كانت هذه الأحكام شرعية استنبطها أحد المجتهدين؛ لأن حكم الله أصبح في حق جميع المسلمين هو ما تبناه الخليفة. وقد سار الخلفاء الراشدون على ذلك فتبنوا أحكاماً معينة وأمروا بالعمل بها، فكان المسلمون ومنهم جميع الصحابة يعملون بها ويتركون اجتهادهم. وقد تبنى أبو بكر إيقاع الطلاق الثلاث واحدة، وتوزيع المال على المسلمين بالتساوي من غير النظر إلى القدم في الإسلام، أو غير ذلك، فاتبعه المسلمون في هذا وسار عليه القضاة والولاة. ولما جاء عمر تبنى رأياً في هاتين الحادثتين خلاف رأي أبي بكر، فألزم وقوع الطلاق الثلاث ثلاثاً، ووزع المال حسب القدم في الإسلام والحاجة، بالتفاضل لا بالتساوي، واتبعه في ذلك المسلمون، وحكم به القضاة والولاة. ثم تبنى عمر جعل الأرض التي تغنم في الحرب غنيمة لبيت المال لا للمحاربين، وأن تبقى في يد أهلها، ولا تقسم على المحاربين ولا على المسلمين، فاتبعه في ذلك الولاة والقضاة وساروا على الحكم الذي تبناه. وهكذا سار جميع الخلفاء الراشدين على التبني، وعلى إلزام الناس بترك اجتهادهم وما يعملون به من أحكام والالتزام بما تبناه الخليفة. فكان الإجماع منعقداً على أمرين: أحدهما التبني، وثانيهما وجوب العمل بما يتبناه الخليفة. ومن هذا الإجماع أخذت القواعد الشرعية المشهورة "للسلطان أن يحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات" و"أمر الإمام يرفع الخلاف"، "أمر الإمام نافذ".

والأصل في التبني هو اختلاف الآراء في المسألة الواحدة، فكان لا بد للعمل بالحكم الشرعي في هذه المسألة من تبني رأي معين فيها؛ ذلك أن الأحكام الشرعية وهي خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد جاءت في القرآن والحديث، وكان فيها الكثير مما يحتمل معانٍ عدة حسب اللغة العربية وحسب الشرع؛ لذلك كان طبيعياً وحتمياً أن يختلف الناس في فهمها، وأن يصل هذا الاختلاف في الفهم إلى حد التباين والتغاير في المعنى المراد. ومن هنا كان لا بد أن تكون هناك أفهام متباينة وأفهام مختلفة، لذلك قد يكون هناك في المسألة الواحدة آراء مختلفة ومتباينة. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين قال في غزوة الأحزاب: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) أخرجه البخاري من طريق ابن عمر فهم أشخاص أنه قصد الاستعجال وصلوا العصر في الطريق، وفهم آخرون أنه قصد ظاهر اللفظ فلم يصلوا العصر وأخروها حتى وصلوا بني قريظة فصلوها هناك، ولما بلغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذلك أقر الفريقين كلاً على فهمه، وهكذا كثير من الآيات والأحاديث. فاختلاف الآراء في المسألة الواحدة يحتم على المسلم الأخذ برأي واحد منها؛ لأنها كلها أحكام شرعية، وحكم الله في المسألة الواحدة بالنسبة للشخص الواحد لا يتعدد، ولذلك لا بد من تعيين حكم واحد منها لأخذه، ومن هنا كان تبني المسلم لحكم شرعي معين أمراً لازماً ولا مناص منه ولا بوجه من الوجوه عندما يباشر العمل. فمباشرة العمل توجب على المسلم تسييره بالحكم الشرعي، وبمجرد وجوب العمل بالحكم الشرعي، فرضاً كان أو مندوباً أو حراماً أو مكروهاً أو مباحاً، يتحتم تبني حكم معين. ولهذا كان واجباً على كل مسلم أن يتبنى حكماً شرعياً معيناً حين يأخذ الأحكام للعمل، سواء أكان مجتهداً أم مقلداً، خليفة أم غير خليفة.

وبالنسبة للخليفة فإنه لا بد أن يتبنى أحكاماً معينة يباشر رعاية شؤون الناس بحسبها، فلا بد أن يتبنى أحكاماً معينة فيما هو عام لجميع المسلمين من شؤون الحكم والسلطان، كالزكاة، والضرائب، والخراج، وكالعلاقات الخارجية، وكل ما يتعلق بوحدة الدولة ووحدة الحكم. إلا أن تبنيه للأحكام ينظر فيه، فإن كان الخليفة لا يستطيع أن يقوم بأمر تستوجب القيام به رعاية شؤون الناس حسب أحكام الشرعية الإسلامية إلا إذا تبنى حكماً معيناً في ذلك الأمر، فإن التبني حينئذٍ يكون واجباً على الخليفة عملاً بالقاعدة الشرعية: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" وذلك كالمعاهدات مثلاً. وأما إن كان الخليفة يستطيع أن يرعى شؤون الناس في أمر من الأمور حسبما تقتضي أحكام الشريعة الإسلامية دون أن يتبنى حكماً معيناً في ذلك الأمر، فإن التبني في هذه الحال يكون جائزاً له وليس واجباً عليه، وذلك مثل نصاب الشهادة، فإنه يجوز له أن يتبنى ويجوز له أن لا يتبنى، إذ إن أصل التبني مباح وليس بواجب؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أن للإمام أن يتبنى ولم يجمعوا أن عليه أن يتبنى، وعلى هذا فالتبني من حيث هو مباح، ولا يصير واجباً إلا إذا كانت رعاية الشؤون الواجبة لا تتم إلا به، فيصبح حينئذ واجباً حتى يتأتى القيام بالواجب.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 07:13 PM
مشاركة #25


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 4: لا يتبنى الخليفة أي حكم شرعي معين في العبادات ما عدا الزكاة والجهاد، وما يلزم لحفظ وحدة المسلمين، ولا يتبنى أي فكر من الأفكار المتعلقة بالعقيدة الإسلامية.

لقد أجمع الصحابة أن للخليفة وحده حق التبني، ومن هذا الإجماع أخذت القواعد المشهورة "أمر الإمام يرفع الخلاف"، "أمر الإمام نافذ".

غير أنه ظهر من حوادث المأمون في فتنة خلق القرآن أن التبني في الأفكار المتعلقة بالعقائد قد أوجد مشاكل للخليفة وفتنة بين المسلمين؛ ولهذا فإن الخليفة يرى أن لا يتبنى في العقائد والعبادات إبعاداً للمشاكل، وحرصاً على رضا المسلمين وطمأنينتهم، ولكن ليس معنى عدم التبني في العقائد والعبادات أنه يحرم على الخليفة أن يتبنى فيهما، بل معناه أن الخليفة يختار عدم التبني فيهما، إذ له أن يتبنى وله أن لا يتبنى فاختار عدم التبني، ولذلك جاء في المادة تعبير "لا يتبنى" ولم يأت بها تعبير "لا يجوز أن يتبنى" مما يدل على أنه يختار أن لا يتبنى.

أما لماذا يختار الخليفة عدم التبني في العقائد والعبادات، فإنه مبني على أمرين: أحدهما ما يسببه الإكراه في العقيدة على رأي معين من حرج، والثاني أن الذي يحمل الخليفة على التبني إنما هو رعاية شؤون المسلمين برأي واحد والمحافظة على وحدة الدولة ووحدة الحكم، فيتبنى ما يتعلق بالعلاقات بين الأفراد وفيما يتعلق بالشؤون العامة، ولا يتبنى ما هو متعلق بعلاقة الإنسان بربه. أما بالنسبة للأمر الأول فإن الله نهى عن إكراه الكفار على ترك عقائدهم واعتناق عقيدة الإسلام، ونهى عن إكراههم على ترك عباداتهم، وأمر بإجبارهم على التقيد بأحكام الشرع الأخرى. فالمسلمون من باب أولى أن لا يكرهوا على ترك الأحكام المتعلقة بالعقائد ما دامت عقائد إسلامية، وأن لا يكرهوا على ترك الأحكام المتعلقة بالعبادات ما دامت أحكاماً شرعية. وأيضاً فإن الإكراه على ترك الأفكار المتعلقة بالعقائد يسبب الحرج قطعاً، ويثير الحفائظ بغير شك. بدليل ما جرى من الأئمة مثل الإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن حيث تحملوا الضرب والإهانة ولم يذعنوا ولم يتركوا ما يعتقدون، والله تعالى يقول: ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)) [الحج: 78] ومثل العقائد العبادات فإن الإكراه فيها على أحكام معينة يرى الشخص غيرها هو الحكم الشرعي يسبب حرجاً على النفس؛ لأنها من علاقة الإنسان بالله ولأنها مقرونة بالعقيدة، فلا يتبنى الخليفة كل ما فيه حرج على المسلمين ولكنه لا يحرم عليه التبني.

وأما بالنسبة للأمر الثاني فإن العقائد والعبادات علاقة بين الإنسان والخالق، وهي لا تسبب حدوث علاقات تترتب عليها مشاكل، بخلاف المعاملات والعقوبات فإنها علاقة بين أفراد المجتمع، وتسبب حدوث علاقات تترتب عليها مشاكل. والأصل في المعاملات هو قطع المنازعات بين الناس، والأصل في تبني الخليفة هو رعاية شؤون الناس، وشؤونهم تظهر رعايتها من قبل الخليفة فيما بينهم من علاقات، ولا محل لها في علاقاتهم بالله أي في العقائد والعبادات؛ لذلك كان واقع التبني من قبل الخليفة أنه إنما يكون في العلاقات بين الناس لرعاية شؤونهم ولا يكون في العلاقات بينهم وبين الله، ومن هنا كان واقع التبني أنه إنما يكون في علاقات الناس بين بعضهم وفي العلاقات العامة. فكان التبني في العلاقات بين الإنسان والخالق أي في العقائد والعبادات مخالفاً لواقع التبني. وبناء على ذلك لا يتبنى الخليفة فيما هو مخالف لواقع التبني ولكنه لا يحرم عليه أن يتبنى.

فبناء على هذين الأمرين: الحرج ومخالفة واقع التبني، لا يتبنى الخليفة في أفكار العقائد، ولا في أحكام العبادات. إلا أنه إذا ورد نهي صريح في الكتاب والسنة عن عقيدة فإنه حينئذ يتبنى ولو كان فيه حرج، ولو كان مخالفاً لواقع التبني، ترجيحاً للنص القطعي. مثل جعل العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين، وكذلك إذا كانت رعاية شؤون المسلمين تستلزم جمعهم على حكم واحد ترجيحاً للنصوص التي تحتم المحافظة على الجماعة والمحافظة على وحدة الدولة. مثل تعيين مواقيت الحج والصيام والأعياد، ومثل الزكاة والجهاد، فإنه حينئذ يتبنى الخليفة حكماً شرعياً معيناً. لأنه بالنسبة للعقيدة لا يكون إكراهاً على ترك اعتقاد، بل إجباراً على التقيد بما اعتقد وهو النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة، وبالنسبة للعبادات لا يكون فيه حرج لأنه ليس مما يختص بعلاقة الإنسان بربه وحدها كالصلاة، بل بها وبما يتعلق بعلاقات الناس كالأعياد. ومن هنا جاز التبني في هاتين الحالتين من العقائد والعبادات.

وأما الذي يعين كون الفكر من العقيدة أو من الأحكام الشرعية فهو دليله الشرعي، فإن كان الدليل خطاباً متعلقاً بأفعال العباد كان حكماً شرعياً لأن الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، وإن كان غير متعلق بأفعال العباد فهو من العقيدة. وأيضاً فإن الفرق بين العقيدة والحكم الشرعي هو أن ما طلب الإيمان به أو كان مما لا يطلب فيه العمل كالقصص والإخبار بالمغيبات فإنه من العقيدة، وما طلب فيه العمل فهو من الأحكام الشرعية. فقوله تعالى: ((آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ )) [النساء: 136]، وقوله تعالى: ((اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)) [الزمر: 62]، وقوله تعالى: ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ)) [مريم: 16] الآيات، وقوله تعالى: ((يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ )) [القارعة: 4-5]. كل ذلك من العقيدة؛ لأنه غير متعلق بأفعال العباد، ولأنه مما طلب فيه الإيمان أو لم يطلب فيه العمل. وقوله تعالى: ((وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) [البقرة: 275]، وقوله تعالى: ((فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)) [الطلاق: 6]، وقوله تعالى: ((وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)) [النساء: 58]. كل ذلك من الأحكام الشرعية؛ لأنه متعلق بأفعال العباد، ولأنه مما طلب فيه العمل. وعلى هذا فإن كون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين يعتبر من العقيدة لأنه داخل فيما طلب فيه الإيمان، ولكن الإمامة أي الخلافة ليست من العقيدة لأنها مما طلب فيه العمل، وكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً يعتبر من العقيدة، ولكن كون الخليفة قرشياً أو من آل البيت أو أي مسلم من المسلمين هو من الأحكام الشرعية وليس من العقيدة، لأنه متعلق بفعل من أفعال العباد وهو شروط الخليفة. وهكذا فكل ما لم يكن متعلقاً بأفعال العباد أو ما طلب فيه الإيمان يعتبر من العقائد، وكل ما كان من أفعال العباد أو طلب فيه العمل يعتبر من الأحكام الشرعية. على أن واقع العقيدة هو أنها فكر أساسي، لأن معنى كونها عقيدة أن تتخذ مقياساً لغيرها، فإذا لم يكن الفكر أساسياً لا يعتبر من العقيدة. ثم إن العقيدة هي الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة، وما قبل الحياة الدنيا وما بعدها، وعلاقتها بما قبلها وما بعدها. وهذا تعريف لكل عقيدة، وينطبق على العقيدة الإسلامية، وتدخل فيها المغيبات. فكل فكر من أفكار هذه الفكرة الكلية هو من العقيدة، فكل ما يتعلق بالله، وبيوم القيامة، وبخلق العالم، وما شابه ذلك هو من العقيدة، وكل ما لا علاقة له بذلك لا يعتبر من العقيدة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 07:16 PM
مشاركة #26


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 5: جميع الذين يحملون التابعية الإسلامية يتمتعون بالحقوق ويلتزمون بالواجبات الشرعية.

المادة 6: لا يجوز للدولة أن يكون لديها أي تمييز بين أفراد الرعية في ناحية الحكم والقضاء أو رعاية الشؤون أو ما شاكل ذلك، بل يجب أن تنظر للجميع نظرة واحدة بغض النظر عن العنصر أو الدين أو اللون أو غير ذلك.


هاتان المادتان وضعتا لبيان أحكام من يحملون التابعية الإسلامية، سواء أكانوا مسلمين أم كانوا من أهل الذمة. أما المسلمون فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد جعل المسلمين الذين يعيشون خارج الدولة ولا يكونون من رعاياها محرومين مما يتمتع به رعايا الدولة. فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين) رواه مسلم. فهذا الحديث صريح بأن من لا يتحول إلى دار الإسلام ويحمل تابعية الدولة فإنه لا يملك حقوق الرعوية حتى لو كان مسلماً. فقد دعاهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأن يدخلوا تحت سلطان الإسلام حتى يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، إذ يقول: (ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين) فهذا نص يشترط التحول ليكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، أي لتشملهم الأحكام. ومفهوم الحديث أنهم إن لم يتحولوا لا يكون لهم ما للمهاجرين، أي ما لمن هم من دار الإسلام، فإن هذا الحديث قد بين اختلاف الأحكام بين من يتحول إلى دار المهاجرين وبين من لا يتحول إلى دار المهاجرين، ودار المهاجرين كانت هي دار الإسلام، وما عداها كان دار كفر. وإقامة الشخص في دار الإسلام أو في دار الكفر هي ما يعبر عنه بالتابعية. فتابعية الشخص معناها الدار التي رضيها مقاماً له، هل هي دار كفر أم دار إسلام. فإن كانت دار إسلام انطبق عليها أحكام دار الإسلام، فيكون الشخص حاملاً للتابعية الإسلامية، وإن كانت الدار دار كفر انطبقت عليها أحكام دار الكفر؛ فلا يعتبر الشخص حاملاً للتابعية الإسلامية، وتطبق عليه أحكام دار الكفر؛ ولهذا لا تشمل الأحكام المسلم الذي في دار الحرب، فلا يعطى حق الرعوية؛ لأنه لا يحمل تابعية الدولة الإسلامية. وتشمل الأحكام الذمي الذي في دار الإسلام فيعطى حق الرعوية ويحمل تابعيتها. والذمي هو كل من يتدين بغير الإسلام وصار من رعية الدولة الإسلامية وهو باق على تدينه بغير الإسلام. والذمي مأخوذ من الذمة وهي العهد، فلهم في ذمتنا عهد أن نعاملهم حسب ما صالحناهم عليه، وأن نسير في معاملتهم ورعاية شؤونهم حسب أحكام الإسلام. وقد جاء الإسلام بأحكام كثيرة لأهل الذمة ضمن لهم فيها حقوق الرعية وواجباتها. وأن أهل الذمة لهم ما لنا من الإنصاف، وعليهم ما علينا من الانتصاف. أما أن لهم ما لنا من الإنصاف فذلك آت من عموم قوله تعالى: ((وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)) [النساء: 58] وقوله جل شأنه: ((وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)) [المائدة: 8] وقوله عن الحكم بين أهل الكتاب: ((وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ)) [المائدة: 42]. وأما أن عليهم ما علينا من الانتصاف فذلك آت من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يوقع العقوبة على الكفار كما يوقعها على المسلمين، فقد قتل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يهودياً عقوبة على قتله امرأة، كما في رواية البخاري عن أنس بن مالك قال: (خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة قال فرماها يهودي بحجر قال فجيء بها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبها رمق فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلان قتلك فرفعت رأسها فأعاد عليها قال فلان قتلك فرفعت رأسها فقال لها في الثالثة فلان قتلك فخفضت رأسها فدعا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقتله بين الحجرين)، وأتي له عليه الصلاة والسلام برجل وامرأة يهوديين قد زنيا فرجمهما، روى البخاري عن ابن عمر قال: (أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيهودي ويهودية قد أحدثا جميعاً فقال لهم ما تجدون في كتابكم قالوا إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبيه قال عبد الله بن سلام ادعهم يا رسول الله بالتوراة فأتي بها فوضع أحدهم يده على آية الرجم وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له بن سلام ارفع يدك فإذا آية الرجم تحت يده فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجما). ولأهل الذمة علينا من الحماية ما للمسلمين، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا من قتل نفساً معاهداً له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً)، رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وقد رواه البخاري بلفظ (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً) ولأهل الذمة من رعاية شؤونهم، وضمانة معاشهم ما للمسلمين، عن أبي وائل عن أبي موسى أو أحدهما بإسناده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني) رواه البخاري من طريق أبي موسى. قال أبو عبيد: "وكذلك أهل الذمة يجاهد من دونهم، ويفتك عناتهم، فإذا استنقذوا رجعوا إلى ذمتهم وعهدهم أحراراً، وفي ذلك أحاديث" وعن ابن عباس قال: صالح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل نجران، ومما جاء في الحديث: كما أخرجه أبو داود في سننه: "على أن لا تهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثاً أو يأكلوا الربا". وكان صلى الله عليه وآله وسلم يعود مرضاهم روى البخاري عن أنس قال: (كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إليه أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وآله وسلم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار) مما يدل على جواز زيارتهم ومجاملتهم وإدخال الأنس عليهم. وأخرج البخاري عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه كان في وصيته عند موته: "وأوصي الخليفة من بعدي بكذا وكذا، وأوصيه بذمة الله وذمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم". ويترك الذميون وما يعتقدون وما يعبدون لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه أبو عبيد في الأموال من طريق عروة قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل اليمن أنه: (من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن عنها، وعليه الجزية). ولا يؤخذ من الذميين ضرائب "جمارك" كما لا يؤخذ من المسلمين. وأخرج أبو عبيد في الأموال عن عبد الرحمن بن معقل قال: سألت زياد بن حدير من كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلماً ولا معاهداً. قلت: فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار الحرب كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم"، والعاشر هو الذي يأخذ ضريبة الجمارك. وهكذا يكون الذميون رعية الدولة الإسلامية كسائر الرعية لهم حق الرعوية، وحق الحماية، وحق ضمان العيش، وحق المعاملة بالحسنى، وحق الرفق واللين، ولهم أن يشتركوا في جيش المسلمين ويقاتلوا معهم ولكن ليس عليهم واجب القتال، ولا واجب المال سوى الجزية فلا تفرض عليهم الضرائب التي تفرض على المسلمين، وينظر إليهم أمام الحاكم والقاضي وعند رعاية الشؤون وحين تطبيق المعاملات والعقوبات كما ينظر للمسلمين دون أي تمييز، فيتمتع الذمي بما له من حقوق تماماً كالمسلم سواء بسواء، ويلتزم بالواجبات التي عليه من الوفاء بعهد الذمة والطاعة لأوامر الدولة.

وهكذا فإن العبرة في الرعاية هي بتابعية الدولة، سواء أكان مسلماً أم من أهل الذمة، فلا يجوز أن يحصل أي تمييز في الرعاية؛ وذلك لعموم أدلة الحكم والقضاء ورعاية الشؤون فالله يقول: ((وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)) [النساء: 58]. فهو عام لكل الناس مسلمين وغير مسلمين، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) أخرجه البيهقي بسند صحيح. وهو عام يشمل المسلم وغير المسلم. وعن عبد الله بن الزبير قال: (قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحكم) أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم. وهو عام يشمل كل خصمين مسلمين أو غير مسلمين، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته) متفق عليه. وكلمة رعيته عام يشمل جميع الرعية مسلمين وغير مسلمين. وهكذا جميع الأدلة العامة مما يتعلق بالرعوية تدل على أنه لا يجوز أن يحصل أي تمييز بين المسلم وغير المسلم، ولا بين العربي وغير العربي، ولا بين الأبيض والأسود، بل جميع الناس الذين يحملون التابعية الإسلامية سواء من غير أي تمييز بينهم أمام الحاكم من حيث استحقاق رعاية شؤونهم وحفظ دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وأمام القاضي من حيث التسوية والعدل.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 07:23 PM
مشاركة #27


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 7: تنفذ الدولة الشرع الإسلامي على الجميع الذين يحملون التابعية الإسلامية سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين على الوجه التالي:
أ- تنفذ على المسلمين جميع أحكام الإسلام دون أي استثناء.
ب- يترك غير المسلمين وما يعتقدون وما يعبدون ضمن النظام العام.
ج- المرتدون عن الإسلام يطبق عليهم حكم المرتد إن كانوا هم المرتدين، أما إذا كانوا أولاد مرتدين وولدوا غير مسلمين فيعاملون معاملة غير المسلمين حسب وضعهم الذي هم عليه من كونهم مشركين أو أهل كتاب.
د- يعامل غير المسلمين في أمور المطعومات والملبوسات حسب أديانهم صمن ما تجيزه الأحكام الشرعية.
هـ- تفصل أمور الزواج والطلاق بين غير المسلمين حسب أديانهم، وتفصل بينهم وبين المسلمين حسب أحكام الإسلام.
و- تنفذ الدولة باقي الأحكام الشرعية وسائر أمور الشريعة الإسلامية من معاملات وعقوبات وبينات ونظم حكم واقتصاد وغير ذلك على الجميع، ويكون تنفيذها على المسلمين وعلى غير المسلمين على السواء، وتنفذ كذلك على المعاهدين والمستأمنين وكل من هو تحت سلطان الإسلام كما تنفذ على أفراد الرعية، إلا السفراء والرسل ومن شاكلهم فإن لهم الحصانة الدبلوماسية.


إن الإسلام جاء لجميع الناس، قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ)) [سبأ: 28] وكما أن الكافر مكلف بالأصول، أي بالعقيدة الإسلامية، فكذلك هو مكلف بالفروع أي بالأحكام الشرعية، أما كونه مكلفاً بالأصول فصريح في آيات القرآن الكريم، وأما كونه مكلفاً بالفروع فلأن الله قد كلفه صراحة ببعض الفروع، منها أن الآيات الآمرة بالعبادة متناولة لهم، كقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)) [البقرة: 21] وقوله تعالى: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)) [آل عمران: 97] ونحو ذلك، ومنها أنهم لم يكونوا مكلفين بالفروع ما أوعدهم الله تعالى عليها، والآيات الموعدة بتركها أي بسبب تركها كثيرة، منها قوله تعالى: ((وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)) [فصلت: 6-7]، وقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً )) [الفرقان: 68] وقوله تعالى: ((مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ )) [المدثر: 42-43]، فثبت كونهم مكلفين ببعض الأوامر وبعض النواهي فكذلك سائر الأوامر والنواهي. وأيضاً فإن الآيات التي جاء التكليف بها بالفروع جاءت عامة، والعام يجري على عمومه ما لم يرد دليل التخصيص، ولم يأت دليل يخصها بالمسلمين فتظل عامة. من ذلك قوله تعالى: ((وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) [البقرة: 275]، وقوله تعالى: ((فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)) [الطلاق: 6]، وقوله تعالى: ((فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)) [البقرة: 283]، وقوله عليه الصلاة والسلام: (من أحيا أرض ميتة فهي له) أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح من طريق جابر. وقوله عليه الصلاة والسلام: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) أخرجه أحمد بإسناد صحيح من طريق سمرة بن جندب، إلى غير ذلك من الأحكام. وهذا دليل صريح على أنهم مكلفون بالفروع. وأيضاً فإن التكليف بالأصل تكليف بالفرع، والتكليف بالكل تكليف بالجزء، فالتكليف بالصلاة تكليف بالركعة والقراءة والقيام.. الخ. والكافر مكلف بالأصل فهو مكلف بالفرع. وأما عدم جواز بعض الفروع منهم كالصلاة والصوم فلأن شرطها الإسلام، فلا تصح حتى يتحقق الشرط، ولكن ذلك لا يعني أنها ليست واجبة عليهم، وأما عدم طلب بعض الفروع منهم كالجهاد، مع أن الإسلام ليس شرطاً في أدائه فلأن الجهاد قتال الكفار لكفرهم، والذمي كافر فيمتنع أن يقاتل الكفار لكفرهم، وإلا جاز أن يقاتل نفسه، ولذلك لم يكن مطالباً به. ولكنه إذا رضي أن يقاتل كافراً غيره يقبل منه ولكن لا يجبر عليه، إلا أن ذلك لا يعني أنه غير مكلف به من الله.

هذا من حيث كونهم مطالبين بأحكام الإسلام، أما من حيث تطبيق الحاكم جميع أحكام الإسلام عليهم، فلأن الله تعالى يقول في حق أهل الكتاب: ((فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)) [المائدة: 48]، ويقول أيضاً في حقهم: ((وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)) [المائدة: 49] وقال: ((إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)) [النساء: 105]، وهذا عام يشمل المسلمين وغير المسلمين، لأن كلمة الناس عامة: ((لتحكم بين الناس)). وأما قوله تعالى: ((سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ)) [المائدة: 42] فإن المراد منها من جاء إلى الدولة الإسلامية من خارجها ليحتكم إلى المسلمين في خصومة مع كافر آخر أو كفار آخرين، فالمسلمون مخيرون بين أن يحكموا بينهم وبين أن يعرضوا عنهم. فإن الآية نزلت فيمن وادعهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من يهود المدينة، وعقد معهم معاهدات، وكانوا قبائل يعتبرون دولاً أخرى، فلم يكونوا خاضعين لسلطان الإسلام، بل كانوا دولاً أخرى. ولذلك كانت بينه وبينهم معاهدات. أما إن كانوا خاضعين لسلطان الإسلام، بأن كانوا ذميين، أو جاؤوا مستأمنين، فلا يجوز أن يحكم بينهم إلا بالإسلام، ومن امتنع منهم عن الرجوع إلى حكم الإسلام أجبره الحاكم على ذلك وأخذه به. إذ أنه لا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين أحدهما: أن يلتزموا إعطاء الجزية في كل حول، والثاني التزام أحكام الإسلام، وهو قبول ما يحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم، لقول الله تعالى: ((حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ )) [التوبة: 29] أي خاضعون لأحكام الإسلام. وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يطبق عليهم أحكام الإسلام. روى البخاري من طريق ابن عمر: (أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجل منهم وامرأة زنيا فأمر بهما فرجما) وروى البخاري من طريق أنس (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل يهودياً بجارية قتلها على أوضاح لها). وهؤلاء اليهود كانوا من رعايا الدولة الإسلامية. وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل نجران وهم نصارى (أن من بايع منكم بالربا فلا ذمة له) أخرجه بن أبي شيبة عن الشعبي مرسلاً، وهذا كله دليل على وجوب تطبيق جميع أحكام الإسلام على جميع الرعية، لا فرق بين المسلمين وغير المسلمين. وبناء على ذلك وضعت الفقرة (أ) من هذه المادة.

وأما الفقرة (ب) فإن الأمر العام في تطبيق أحكام الإسلام الوارد في قوله تعالى: ((فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ)) [المائدة: 48] قد خصص شرعاً بغير العقيدة التي يعتقدونها، وبغير الأحكام التي هي عندهم من العقيدة، وفي غير الأحكام التي أقرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليها. أما العقيدة والأحكام التي تعتبر عندهم منها والأحكام التي أقرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليها فقد استثناها الإسلام بنصوص صريحة. قال الله تعالى: ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) [البقرة: 256] وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنه من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن عنها، وعليه الجزية) أخرجه أبو عبيد في الأموال من طريق عروة. فأي فعل كان من باب العقائد عندهم، ولو كان عندنا ليس من باب العقائد، فإننا لا نتعرض لهم فيه ونتركهم وما يعتقدون، وأي فعل أقرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليه كشربهم الخمر وكزواجهم فإننا لا نتعرض لهم فيه ضمن النظام العام. أي يجوز لهم شرب الخمر في حياتهم الخاصة، وليس في الحياة العامة التي يشاركهم فيها المسلمون كالأسواق العامة … ونحوها.

وأما الفقرة (ج) من هذه المادة فإن الإسلام قد وضع أحكاماً للمرتد، منها أن يقتل إذا لم يرجع، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري عن ابن عباس، وعن أنس قال: "فقدمت على عمر رضي الله عنه فقال: يا أنس، ما فعل الستة الرهط من بكر بن وائل الذين ارتدوا عن الإسلام فلحقوا بالمشركين؟ قال: يا أمير المؤمنين، قتلوا بالمعركة، فاسترجع عمر، قلت: وهل كان سبيلهم إلا القتل؟ قال: نعم، قال: كنت أعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا أودعتهم السجن" أخرجه البيهقي. أي حتى يتوب، فإن لم يتب يقتل، ولا يقتل بمجرد الارتداد. لما روي عن جابر: (أن امرأة هي أم مروان ارتدت، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعرض عليها الإسلام، فإن تابت، وإلا قتلت) أخرجه الدارقطني والبيهقي. وهذا الحديث يستعمله عامة الفقهاء واستدل به ابن القدامى في المغني والماوردي في الحاوي الكبير وفي الأحكام السلطانية، وأبو إسحق الشيرازي في المهذب، والرافعي في الشرح الكبير، والبغوي في التهذيب، وابن الجوزي في التحقيق، فيعتبر من الحسن، ويعمَل به، أي يستتاب المرتد قبل قتله.

هذا بالنسبة للمرتد نفسه، أما بالنسبة لأولاده الذين ولدوا على غير الإسلام، أي إذا ارتد المسلم ولم يقتل وظل على الدين الذي ارتد إليه، كأن صار نصرانياً أو يهودياً أو مشركاً وظل كذلك، وولد له أولاد وهو على هذه الحال، فولدوا نصارى أو يهوداً أو مشركين، فهل يعتبر أولاده مرتدين فيعاملون معاملة المرتدين أم يعتبرون كاعتبار أهل الدين الذي ولدوا عليه؟. والجواب على ذلك بأن أولاد المرتد الذين ولدوا قبل ارتداده فإنهم يعتبرون مسلمين قطعاً، فإذا تبعوا أباهم بارتداده عوملوا معاملة المرتدين. وأما إن ولدوا بعد ارتداده من زوجة كافرة أو زوجة مرتدة فإنهم يعتبرون كفاراً ولا يعتبرون مرتدين، فيعاملون معاملة أهل الدين الذي ولدوا عليه. فكل من ولد للمرتد بعد كفره من زوجة كافرة أو مرتدة فهو محكوم بكفره لأنه ولد من أبوين كافرين. فإن كان الأبوان صارا يهوداً أو نصارى أي من أهل الكتاب عومل معاملة أهل الكتاب، وإن صارا مشركين عومل معاملة المشركين. وذلك لما روي عن ابن مسعود: (أن صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد قتل أبيك "عقبة بن أبي معيط" قال من للصبية قال النار) رواه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وفي رواية الدارقطني: (النار لهم ولأبيه)، ولما ثبت في صحيح البخاري في باب أهل الدار من كتاب الجهاد: عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال: (مر بي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأبواء -أو بودان- وسئل عن أهل الدار، يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: هم منهم). فكل من ولد لأبوين كافرين يعتبر كافراً، وحكمه حكم الكفار. وعلى ذلك فإن الذين ارتدوا عن الإسلام وصاروا فرقاً غير إسلامية، كالدروز، والبهائية، والقاديانية، لا يعاملون معاملة المرتدين، لأنهم ليسوا هم الذين ارتدوا حتى يعاملوا معاملة المرتدين، بل أجدادهم هم الذين ارتدوا، وهؤلاء تولدوا من أبوين كافرين، فيحكم عليهم بالكفر، ويعاملون معاملة الكفار، وبما أن هؤلاء لم يرتدوا إلى دين من أديان أهل الكتاب، أي لم يرتدوا إلى النصرانية أو اليهودية، فإنهم يعاملون معاملة المشركين، فلا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، لأن غير المسلمين إما أن يعتبروا من أهل الكتاب أو من غير أهل الكتاب -أي من المشركين- ولا ثالث لهما، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن مجوس هجر من رواية الحسن بن محمد بن الحنفية: (فمن أسلم قبل منه، ومن لم يسلم ضربت عليه الجزية، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم) قال الحافظ في الدراية أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وهو مرسل جيد الإسناد. وأما ذرية الذين ارتدوا عن الإسلام وصاروا نصارى كما هي الحال في لبنان مثل عائلة شهاب، فإن آباءها مسلمون ارتدوا إلى النصرانية، وجاءت ذريتهم على دين النصارى، فهؤلاء وأمثالهم يعاملون معاملة أهل الكتاب.

وأما الفقرتان (د،هـ) فإن دليلهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أقر اليهود والنصارى على شرب الخمر، وأقرهم على زواجهم وطلاقهم، فيكون إقراره صلى الله عليه وآله وسلم تخصيصاً للدليل العام، إلا أن إقرار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالزواج والطلاق حين يكون الزوجان كافرين. أما إن كان الزوج مسلماً والزوجة نصرانية أو يهودية فإنه يطبق في حقهما أحكام الشرع. ولا يتأتى أن تكون الزوجة مسلمة والزوج كافراً؛ لأن ذلك باطل لقول الله تعالى: ((فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)) [الممتحنة: 10] فلا يحل تزوج المسلمة بغير المسلم مطلقاً، وإن تزوجت فزواجها باطل.

وأما الفقرة (و) فإنه بالنسبة لتنفيذ جميع أحكام الإسلام دليله ما سبق من أن الكافر مكلف بالأصول، ومكلف بالفروع، ومطالب بجميع أحكام الإسلام. وهذا عام يشمل الذمي وغير الذمي ممن يعيش تحت سلطان الإسلام. فجميع الكفار الذين يدخلون دار الإسلام، سواء أكانوا ذميين أم معاهدين أم مستأمنين، يجب أن تطبق عليهم أحكام الإسلام، ما عدا العقائد، وما عدا كل فعل يعتبر من العقائد، وكل فعل أقرهم صلى الله عليه وآله وسلم عليه. إلا أنه يستثنى من ذلك السفراء، ومن هم من قبيلهم، فإنه لا تطبق عليهم أحكام العقوبات، ويعطون ما يسمى بالحصانة الدبلوماسية، وذلك لما روى أحمد عن ابن مسعود قال: (جاء ابن النواحة وابن أثال، رسولا مسيلمة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لهما: أتشهدان أني رسول الله؟ قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: آمنت بالله ورسله، لو كنت قاتلاً رسولاً لقتلتكما، قال عبد الله: قال: فمضت السنة أن الرسل لا تقتل). أخرجه أحمد وحسنه الهيثمي. فهذا الحديث يدل على تحريم قتل الرسل الذين يأتون من الكفار، ومثل القتل سائر العقوبات. إلا أن هذا لمن تنطبق عليه صفة الرسول، كالسفير والقائم بالأعمال ومن على شاكلتهما. أما من لا تنطبق عليه صفة الرسول كالقنصل وكالمعتمد التجاري ونحوهما فإنه لا حصانة لمثلهما، لأنه لا تنطبق عليه صفة الرسول. ويرجع في ذلك إلى العرف الدولي لأنه لفظ اصطلاحي يرجع في معرفة واقعه إلى العرف وهو من باب تحقيق المناط، أي معرفة هل هذا يعتبر من الرسل أم لا.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 07:28 PM
مشاركة #28


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 8: اللغة العربية هي وحدها لغة الإسلام، وهي وحدها اللغة التي تستعملها الدولة.

دليلها هو أن القرآن الكريم بالرغم من أنه مخاطب به جميع الناس، قال تعالى: ((وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ)) [الإسراء: 89]، ((وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ)) [الروم: 58] فإن الله أنزله باللغة العربية، وجعله قرآناً عربياً، قال تعالى: ((قُرْآَناً عَرَبِيّاً)) [يوسف: 2] وقال: ((بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ)) [الشعراء: 195] ومن هنا كانت اللغة العربية وحدها هي لغة الإسلام؛ لأنها وحدها لغة القرآن، ولأن القرآن معجزة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإعجازه إنما هو في تعبيره بهذا اللفظ العربي أي بعربية اللفظ والأسلوب، وإنه وإن كان الإعجاز هو في اللفظ والمعنى معاً لا ينفصل أحدهما عن الآخر فليس المراد من إعجازه في المعنى هو الإعجاز بما جاء به من معانٍ وموصوعات، فإن السنة جاءت بهذه المعاني وتلك الموضوعات وهي ليست معجزة، وإنما إعجازه في المعنى حالة كونه معبراً عنه بهذا اللفظ وبهذا الأسلوب. فالتعبير عن هذا المعنى بهذا اللفظ وهذا الأسلوب هو المعجز، فيكون الإعجاز إنما هو باللفظ العربي المعبر عن المعنى بالأسلوب العربي، أي أن قوله تعالى: ((وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ)) [الأنفال: 58] معجزة للناس أن يأتوا بمثلها، وإعجازها آت من روعة التعبير بهذه الألفاظ عن المعاني التي أداها هذا السبك بهذا الأسلوب. فكانت عربية اللفظ وعربية الأسلوب التي أدت هذه المعاني هي المعجزة. فالإعجاز في القرآن منحصر في عربيته، إذ هي الأصل في الإعجاز، وهي محل التحدي أن يأتوا بمثله، فهي جزء جوهري فيه غير قابل للانفصال عنه، ولا يكون قرآناً إلا بها، ولذلك لا تجوز ترجمته؛ لأنه إذا غُيّر خرج عن نظمه، فلم يكن قرآناً، ولا مثله، وإنما يكون تفسيراً له، ولو كان تفسيره مثله لما عجزوا عنه حين تحداهم بالإتيان بمثله. ثم إن قول الله: ((قُرْآَناً عَرَبِيّاً)) معناه أنه إن لم يكن عربياً لا يسمى قرآناً. ثم إننا متعبدون بلفظه، فلا تصح الصلاة بغيره؛ لأن الله تعالى يقول: ((فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ)) [المزمل: 20] وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه من طريق عبادة. ولذلك كانت اللغة العربية جزءاً جوهرياً من الإسلام. وأما قوله تعالى: ((وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)) [الأنعام: 19] فإن المراد منه أنذركم بما في القرآن، ويصدق على ذلك الإنذار بلفظه، والإنذار بتفسيره فكله إنذار بالقرآن. بخلاف قوله: ((فَاقْرَءُوا)) فإن قراءة التفسير والترجمة لا تكون قراءة للقرآن؛ لأن معنى قرأ الكتاب أي قرأ ألفاظه، ولا يمكن أن يكون معناه قرأ ترجمته أو تفسيره. فليس هو مثل أنذر بالكتاب، فإنه يصح أن يكون أنذر بألفاظه، وأنذر بما فيه. على أن الله قد جعل إنذار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً بالعربية فقال جل شأنه: ((نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)) [الشعراء: 193-195] مما يقطع بعدم جواز قراءة الفاتحة في الصلاة بغير العربية، وبذلك يسقط ما احتج به بعضهم بآية: ((وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ)) على جواز قراءة الفاتحة في الصلاة بغير العربية لمن لم يحسن العربية. هذا من حيث كون اللغة العربية جزءاً جوهرياً في الإسلام، أما من حيث كونها وحدها لغة الدولة، فإن الدليل عليه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى قيصر وكسرى والمقوقس كتباً يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكانت كتبه هذه مكتوبة باللغة العربية مع إمكان ترجمتها للغاتهم. فكونه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكتب لقيصر وكسرى والمقوقس كتبه لهم بلغاتهم، مع أنهم غير عرب ومع أنه كتب يبلغهم الإسلام دليل على أن اللغة العربية وحدها هي لغة الدولة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك، وكون الحاجة ماسة إلى الترجمة للتبليغ ولم يترجم قرينة على وجوب حصر مخاطبة الدولة للناس باللغة العربية سواء أكانوا عرباً أم غير عرب. ولهذا على جميع المسلمين من غير العرب أن يتعلموا اللغة العربية. ولا يحل أن تكون لغة الدولة إلا اللغة العربية. وقد بين الإمام الشافعي في رسالته الشهيرة في الأصول أن الله تعالى فرض على جميع الأمم تعلم اللسان العربي بالتبع لمخاطبتهم بالقرآن والتعبد به؛ ولهذا كله كان فرضاً أن تكون اللغة العربية وحدها هي لغة الدولة. غير أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن كون اللغة العربية وحدها لغة الدولة لا يمنع أن تستعمل الدولة غير اللغة العربية، إذ يجوز أن تستعمل الدولة غير اللغة العربية في مخاطبة رسمية خشية التحريف، أو لأخذ معلومات ضرورية، أو من أجل تبليغ الدعوة في الخارج، أو ما شاكل ذلك، إذ إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد استعمل اللغة العبرية والسريانية. فالحكم هو إفراد اللغة العربية باتخاذها لغة الدولة، لا منع الدولة من استعمال غير اللغة العربية.

والسؤال الذي يرد الآن هو هل يجوز أن تكون في البلاد التي تحكمها الدولة الإسلامية لغة غير اللغة العربية يتكلم بها ويكتب؟ الجواب على ذلك هو أن اللغات الأخرى غير العربية إما أن يكون التكلم بها والكتابة بها متعلقاً بالدولة نفسها أو بعلاقات الرعية معها، وإما أن يكون متعلقاً بالرعية وحدها أو بعلاقات أفرادها بعضهم ببعض. فإن كان متعلقاً بالدولة نفسها أو بالعلاقات معها فإنه لا يجوز أن تكون في هذا كله لغة غير لغة الدولة، أي اللغة العربية؛ لأن عدم ترجمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لكتبه لغير العرب مع كون الحاجة ماسة إلى الترجمة للتبليغ دليل على وجوب إفراد اللغة العربية وحدها في أعمال الدولة وعلاقاتها أو في أي شيء يتعلق بها.

وبناء على هذا لا يكون في برنامج الدولة التعليمي مكان لجعل لغات غير اللغة العربية لغةً للتدريس، لا لغات الشعوب غير العربية التي تعيش في ظل الدولة الإسلامية، ولا الشعوب التي تعيش خارج سلطان الدولة الإسلامية. وكذلك لا يسمح للمدارس الأهلية أن تجعل اللغة التعليمية فيها غير اللغة العربية، لأنها ملزمة ببرنامج الدولة. وهكذا كل ما يتعلق بالدولة أو بعلاقاتها أو علاقات الرعية معها أو أي شيء يتعلق بها يجب أن تكون اللغة العربية وحدها لغة التكلم والكتابة. وأما إن كان التكلم والكتابة بغير اللغة العربية متعلقاً بالرعية وحدها أو بعلاقات الناس بعضهم مع بعض فذلك جائز، لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أباح ترجمة غير اللغة العربية إلى العربية وأباح تعلمها، وهذا يدل على إباحة التكلم والكتابة بها. وفي حديث زيد بن ثابت: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كتبه واقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه) أخرجه البخاري، فإن هذا دليل على جواز التكلم والكتابة بغير اللغة العربية. لقد كان في عهد الصحابة أناس يتكلمون غير اللغة العربية ولم يجبروا على تعلمها، وكان الحاكم يحضر من يترجم له.

أخرج البخاري في باب "ترجمة الحكام": قال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه) وقال عمر وعنده علي وعبد الرحمن وعثمان ماذا تقول هذه قال عبد الرحمن بن حاطب فقلت تخبرك بصاحبها الذي صنع بها وقال أبو جمرة كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس.

وحديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي يأمر فيه زيد أن يتعلم كتاب اليهود، وكذلك قول عمر: ماذا تقول هذه، يعني المرأة التي وجدت حبلى، فكان عبد الرحمن بن حاطب يترجم له. وكون أبي جمرة كان يترجم لابن عباس كلام الناس، كل هذا يعني أنه كان هنالك أناس يتكلمون غير اللغة العربية. وعليه فإن التكلم بغير اللغة العربية والكتابة بها مباحة بدليل الحديث وفعل الصحابة؛ وبناء على ذلك تسمح الدولة بإصدار المؤلفات والصحف والمجلات بغير اللغة العربية، ولا يحتاج إصدارها إلى إذن لأنه من المباحات، ويسمح أن توضع برامج غير عربية في التلفزيون إذا كان لأحد أو لجماعة من الناس. وإنما يمنع في إذاعة الدولة وتلفزيونها؛ لأن كل ما يتعلق بالدولة يجب أن يكون باللغة العربية وحدها. أما ما يتعلق بالناس مع بعضهم فمباح لهم أن يستعملوا غير اللغة العربية في كل شيء، اللهم إلا إذا كان هنالك فرد من أفراد هذا المباح يؤدي إلى ضرر، فيمنع هذا الفرد فقط.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 07:31 PM
مشاركة #29


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 9: الاجتهاد فرض كفاية، ولكل مسلم الحق بالاجتهاد إذا توفرت فيه شروطه.

وقد جعلت الشريعة الإسلامية الاجتهاد لاستنباط الأحكام الشرعية من خطاب الشارع -أي من النصوص التي أوحى الله بها إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم- فرضاً على المسلمين. وقد ثبت كون الاجتهاد فرضاً بأحاديث متعددة، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) متفق عليه من طريق عمرو بن العاص وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار) أخرجه أصحاب السنن والحاكم والطبراني وسنده صحيح، فهو يفيد التأكيد على أن يكون القاضي عالماً بما يقضي. وروي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لابن مسعود: (اقض بالكتاب والسنة إذا وجدتهما، فإذا لم تجد فيهما فاجتهد رأيك) ذكره الآمدي في الأحكام، والرازي في المحصول. وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لمعاذ وأبي موسى الأشعري وقد أنفذهما إلى اليمن: (بم تقضيان؟ فقالا: إن لم نجد الحكم في الكتاب والسنة قسنا الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به) ذكره الآمدي في الأحكام، وأبو الحسين في المعتمد. وهذا القياس منهما هو اجتهاد لاستنباط الحكم، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أقرهما عليه. وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لمعاذ حين أرسله والياً إلى اليمن: (كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم يكن في كناب الله؟ قال: فسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: أجتهد رأي ولا آلو. قال: فضرب صدري فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما يرضي رسوله) أخرجه أحمد والترمذي والدارمي وأبو داود. وصححه الحافظ ابن كثير البصروي وقال هو حديث حسن مشهور اعتمد عليه أئمة الإسلام.

وهذا صريح في إقرار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ على الاجتهاد. وأيضاً فإن معرفة الأحكام متعلق ومرتبط بالاجتهاد. وأيضاً فإن معرفة الأحكام متعلق ومرتبط بالاجتهاد، بحيث لا يمكن إدراك الأحكام ومعرفتها دونه، فصار الاجتهاد فرضاً؛ لأن القاعدة الشرعية: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

والأصل في استنباط الأحكام أن يكون للمجتهدين؛ لأن معرفة حكم الله في المسألة لا تكون إلا بالاجتهاد؛ ولذلك كان لا بد من الاجتهاد. وقد نص علماء أصول الفقه على أن الاجتهاد فرض كفاية على المسلمين، ولا يجوز أن يخلو عصر من الأعصار من مجتهد، وإذا اتفق الكل على ترك الاجتهاد أثموا؛ وذلك لأن طريق معرفة الأحكام الشرعية إنما هو الاجتهاد، فلو خلا العصر من مجتهد يمكن الاستناد إليه في معرفة الأحكام أفضى ذلك إلى تعطيل الشريعة وهو لا يجوز. على أن النصوص الشرعية، وهي الكتاب والسنة ليس غير، لم تأت مفصلة، وإنما جاءت مجملة تنطبق على جميع وقائع بني الإنسان. ويحتاج فهمها واستنباط حكم الله فيها إلى بذل الجهد لأخذ الحكم الشرعي منها لكل حادثة، وهذا الاجتهاد ليس بالأمر المستحيل، ولا بالأمر البالغ الصعوبة، إذ هو بذل الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية، أي هو فهم النصوص الشرعية مع بذل أقصى الجهد في سبيل الوصول إلى هذا الفهم لمعرفة الحكم الشرعي، وهذا ممكن لمن عنده القدرة أي غير مستحيل. وقد كان الاجتهاد عند المسلمين في العصور الأولى طبيعياً وبديهياً، ولم تكن له أي شروط، إلا أنه منذ فسد اللسان العربي، وبعد الناس عن التفرغ لفهم الدين، صار لا بد للمجتهد من معرفة الأدلة السمعية التي تستنبط منها القواعد والأحكام، ولا بد له كذلك من معرفة دلالة اللفظ المعتد بها في لسان العرب واستعمال البلغاء، وما عدا هذين الشرطين لا يوجد أي شرط للاجتهاد. ولهذا كان الاجتهاد، إلى جانب كونه فرض كفاية على المسلمين، أمراً ممكناً بالنسبة لجميع المسلمين. وهذه هي كلها هي أدلة هذه المادة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 07:35 PM
مشاركة #30


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 10: جميع المسلمين يحملون مسؤولية الإسلام، فلا رجال دين في الإسلام، وعلى الدولة أن تمنع كل ما يشعر بوجودهم من المسلمين.

والمجتهدون وإن كانوا علماء، ولكن لا ضرورة لأن يكون العالم مجتهداً، إذ قد يكون العالم مجتهداً وقد يكون مقلداً، والمسلم إذا أخذ الحكم الشرعي ليعمل به فإنه ينظر فيه، فإن أخذه عن مجتهد يكون قد قلد ذلك المجتهد، وإن أخذه عن غير مجتهد يكون قد تعلم ذلك الحكم ممن أخذه عنه، ولا يكون قد قلده. وأما إذا أخذ المسلم الحكم ليتعلمه فإنه يكون قد تعلم الحكم، سواء أخذه عن مجتهد أم عن غير مجتهد. فهؤلاء العلماء، مجتهدين كانوا أم غير مجتهدين، ليسوا رجال دين، فلا يملك أحد منهم أن يحل شيئاً أو يحرم شيئاً، وهم كباقي المسلمين في كل حكم من أحكام الشرع، ولا يجوز أن يتميز أحدهم عن المسلمين بشيء من أحكام الشرع، مهما بلغت منزلته في العلم والاجتهاد والاحترام، فلا يكون الحرام على غيره مباحاً له، ولا الواجب على غيره مندوباً له، بل هو كأي فرد من أفراد المسلمين؛ ولهذا فإن فكرة رجال الدين الموجودة عند النصارى لا وجود لها في الإسلام. ومفهوم رجال الدين عند النصارى خاص؛ لأن رجل الدين عندهم يحل ويحرم، ونقل اللفظ إلى العالم المسلم يوحي بنقل المفهوم النصراني إلى علماء المسلمين، مع أن علماء المسلمين لا يحلون ولا يحرمون؛ ولهذا امتنع إطلاق لفظ رجل الدين على العالم المسلم. وقد وردت الأحاديث الصريحة في النهي عن تقليد اليهود والنصارى. عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، آليهود والنصارى؟ قال: فمن) متفق عليه واللفظ لمسلم. وقد ورد في مقام النهي. فتقليد النصارى واليهود من حيث هو منهي عنه، فكيف إذا كان هذا التقليد يجر إلى إيجاد مفهوم كفر لدى المسلمين؟. واعتبار العالم المسلم رجل دين هو تقليد للنصارى في إطلاقهم على علماء الدين عندهم بأنهم رجال دين، وهو أيضاً ينقل المفهوم النصراني لرجل الدين إلى العالم المسلم؛ لذلك كان داخلاً تحت النهي من ناحية التقليد، وداخلاً تحت النهي الأشد من ناحية نقل المفهوم، ولهذا لا يصح أن يقال عن العالم المسلم إنه رجل دين، ولا يحل للعلماء أن يعتبروا أنفسهم رجال دين بمفهوم رجل الدين عند النصارى، وإذا وجد أحد يدعي هذا بهذا المفهوم فإنه يمنع، ويعاقب؛ لأنه يكون قد ارتكب محرماً، على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يتميز عن أصحابه بلباس أو هيئة معينة. روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك يقول: (بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد، دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ -والنبي صلى الله عليه وآله وسلم متكئ بين ظهرانيهم- فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قد أجبتك...). ولذلك وضعت هذه المادة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 07:38 PM
مشاركة #31


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 11: حمل الدعوة الإسلامية هو العمل الأصلي للدولة.

فقد وضعت هذه المادة لأن حمل الدعوة الإسلامية كما هو فرض على المسلمين هو كذلك فرض على الدولة الإسلامية. وهو وإن كان جزءاً من تطبيق الشرع في العلاقات، وحكماً من أحكامه، ويجب أن تطبقه الدولة كما يطبقه الفرد، إلا أنه، أي حمل الدعوة الإسلامية بالنسبة للدولة، يعتبر الأساس الذي تقوم عليه علاقاتها مع الدول الأخرى، أي هو الأساس الذي تبنى عليه سياسة الدولة الخارجية كلها، ومن هنا كان حمل الدعوة الإسلامية هو العمل الأصلي للدولة.

والدليل على أن حمل الدعوة فرض قوله تعالى: ((وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)) [الأنعام: 19] أي ولأنذر من بلغه. فالإنذار هو لكم وهو كذلك إنذار لمن تقومون بتبليغه إياه، فهو دعوة لهم بأن يبلغوه عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يعني أنه ليس إنذاراً لكم فحسب، بل هو إنذار لكم ولكل من يبلغه، أي بلِّغوه. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) مسند الشافعي عن عبد الله بن مسعود. وقوله تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ)) [آل عمران: 104] والخير هنا هو الإسلام. وقوله تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ)) [فصلت: 33] أي إلى دين الله. فهذه كلها نصوص تدل على أن حمل الدعوة فرض، وهي عامة تشمل المسلمين وتشمل الدولة الإسلامية. أما كون حمل هذه الدعوة يجب أن يكون العمل الأصلي للدولة، فإن الدليل عليه قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفعله، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) متفق عليه من طريق بن عمر واللفظ لمسلم. وأخرج البخاري من طريق عروة بن الجعد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) والخيل كناية عن استمرار وجوب الجهاد، وحيث لم تقيد بكون الأمير براً أو فاجراً، فإنها تدل أيضاً على استمرار الجهاد مع البر والفاجر ما دام مسلماً. وقد استدل بهذا الحديث البخاري على كون الجهاد ماضياً مع البر والفاجر حيث أفرد باباً بهذا العنوان (باب الجهاد ماض مع البر والفاجر لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)، وقد استدل به كذلك الإمام أحمد على نحو ما استدل به البخاري. وكذلك أخرج سعيد بن منصور من طريق أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل) والحديث أخرجه أبو داود أيضاً وسكت عنه المنذري. فكونه أمر بالقتال حتى يقول من يقاتلهم لا إله إلا الله محمد رسول الله دليل على وجوب حمل الدعوة على الدولة، وكون هذا الحمل، وهو الجهاد، ماضياً إلى أن يقاتل آخر الأمة الدجال دليل على أنه عمل الدولة الدائم الذي لا يحل أن ينقطع في حالة من الحالات، وبذلك يدل الحديثان معاً على أن حمل الدعوة عمل دائم لا ينقطع؛ فهي إذن العمل الأصلي؛ لأن العمل الأصلي هو الذي يستمر القيام به في جميع الحالات من غير انقطاع. ثم إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان في جهاد دائم منذ أن استقر بالمدينة إلى أن التحق بالرفيق الأعلى، وكان الجهاد هو عمله الأصلي. وجاء الخلفاء الراشدون من بعده فاستمر عملهم الأصلي هو الجهاد. فالدولة التي أقامها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو يرأسها كان عملها الأصلي هو الجهاد، والدولة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين تولاها خلفاؤه من الصحابة رضوان الله عليهم كان عملها الأصلي هو الجهاد؛ وعلى ذلك فإن دليل كون حمل الدعوة الإسلامية عمل الدولة الأصلي هو السنة وإجماع الصحابة.

وأيضاً فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يقوم بتبليغ الدعوة منذ بعثه الله نبياً إلى أن التحق بالرفيق الأعلى وكان في المدينة هو رئيس الدولة، ومنذ أن استقر في المدينة جعل علاقته الخارجية العمل الأصلي وشغل الدولة كلها بها، بين الغزوات والسرايا وتنطس الأخبار وعقد المعاهدات، وكلها كانت من أجل تبليغ الإسلام وحمل دعوته للناس. وحين أحس بقوة الدولة وقدرتها على القيام بحمل الدعوة دولياً بعث في وقت واحد اثني عشر رسولاً إلى اثني عشر ملكاً يدعوهم إلى الإسلام، ومنهم ملكا فارس والروم: كسرى وقيصر. أخرج مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب غلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى). وحين اطمأن إلى قوة الدولة في الجزيرة العربية وسير الدعوة بين العرب ودخول الناس في دين الله أفواجاً، تطلع إلى غزو الروم، فكانت معركة مؤتة ثم معركة تبوك. وهذا أيضاً دليل على أن حمل الدعوة الإسلامية فرض على الدولة وعلى أنها العمل الأصلي لها.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 07:51 PM
مشاركة #32


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 12: الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس هي وحدها الأدلة المعتبرة للأحكام الشرعية.

ليس معنى هذه المادة أن الدولة تتبنى طريقة في الاجتهاد، بل معناها أن الدولة تتبنى طريقة في تبني الأحكام؛ لأن تبني الأحكام، منه ما هو فرض عليها، ومنه ما هو جائز لها. وهذا التبني إذا حصل على طريقتين متناقضتين فإنه يوجد تناقضاً في الأسس التي جرى عليها التبني، ومن هنا تتبنى الدولة طريقة معينة في تبني الأحكام. والذي حمل على التبني هذه الطريقة لتبني الأحكام ثلاثة أسباب:

أحدها: إن الحكم الذي يجب أن يسير عليه المسلم هو حكم شرعي، وليس حكماً عقلياً، أي هو حكم الله في المسألة، وليس الحكم الذي وضعه البشر. ولذلك لا بد أن يكون الدليل الذي استنبط منه هذا الحكم قد جاء به الوحي.

ثانيها: إثبات أن الدليل الذي استنبط منه الحكم قد جاء به الوحي لا بد أن يكون إثباتاً مقطوعاً به، أي لا بد أن يكون الدليل على أن الدليل الذي استنبط منه الحكم قد جاء به الوحي دليلاً قطعياً، لا دليلاً ظنياً؛ لأنه من الأصول وليس من الفروع، فلا يكفي فيه الظن. فهو من باب العقائد وليس من باب الأحكام الشرعية. وذلك أن المطلوب لاستنباط الحكم منه هو دليل جاء به الوحي، وليس مطلق دليل. فلا بد أن يثبت أنه جاء به الوحي، وإثبات أنه جاء به الوحي من العقيدة وليس من الأحكام الشرعية. ومن هنا كان لا بد أن يكون دليلاً قد ثبت أن الوحي جاء به بدليل قطعي؛ لأن العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين.

ثالثها: إن من المقطوع به هو أن سلوك الإنسان في الحياة حسب مفاهيمه عنها، ووجهة النظر في الحياة مع كون أساسها هو العقيدة فهي تتكون من مجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي في الأمة، وهذه الأفكار التي تتمثل في مجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات ليست كلها من العقائد، بل منها ما هو من العقائد، ومنها ما هو من الأحكام الشرعية، ولما كانت الأحكام إنما تستنبط بناء على غلبة الظن، فإنه يخشى، إن لم يتأكد من أن أصل الأحكام قد جاء به الوحي، أن تتولد لدى الأمة أفكار غير إسلامية، بوجود أحكام مستنبطة من أصل لم يأت به الوحي، وهذا إذا تكاثر وامتد به الزمن يؤثر في وجهة نظر الأمة في الحياة، وبالتالي يؤثر في سلوكها؛ ولذلك لا بد من أن يتأكد من أن الأدلة التي قد استنبط منها الحكم الذي يراد تطبيقه من قبل الدولة هي أدلة قد جاء بها الوحي.

ولهذه الأسباب الثلاثة كان لا بد من تبني طريقة تتبنى بحسبها الأحكام الشرعية. وأما أن هذه الأدلة الشرعية هي هذه الأربعة فحسب ذلك ثابت بالاستقراء. فإننا استقرينا الأدلة الشرعية التي ثبت بالدليل القطعي أنه قد جاء بها الوحي فلم نجد غير هذه الأدلة الأربعة مطلقاً.

أما القرآن، فإن الدليل على أنه قد جاء به الوحي من عند الله لفظاً ومعنى دليل قطعي، فإن إعجاز القرآن دليل قطعي على أنه كلام الله وليس كلام البشر، فالدليل القطعي قائم على أنه كلام الله، والقرآن الذي هو كلام الله قطعاً بدليل الإعجاز يقول إن الوحي قد نزل به على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى: ((نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ)) [الشعراء: 193-194] وقال: ((وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ)) [الأنعام: 19]، ((قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ)) [الأنبياء: 45]، ((مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى)) [طه: 2]، ((وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ)) [النمل: 6]، ((نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ)) [الإنسان: 23]، ((أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَناً عَرَبِيّاً)) [الشورى: 7] فهذه أدلة قطعية على أن القرآن جاء به الوحي من عند الله.

وأما السنة، فالدليل القطعي على أن الوحي جاء بها من عند الله معنى والرسول صلى الله عليه وآله وسلم عبر عنها بألفاظ من عنده هو ما جاء صريحاً في آيات القرآن الكريم قال تعالى: ((وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم: 3-4]، ((إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)) [النساء: 163]، ((إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)) [الأنعام: 50]، ((قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ)) [الأعراف: 203]، ((قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ)) [الأنبياء: 45] وقال تعالى: ((وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) [الحشر: 7]. وهذه أدلة واضحة على أن ما نطق به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من السنة إنما جاء به الوحي، وأدلة واضحة على أن الله أمرنا بصريح القرآن أن نأتمر بما أمرنا به صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ننتهي عما نهانا عنه، وهذا عام. فالدليل على كون السنة قد جاء بها الوحي دليل قطعي، لأنه ثابت بنص القرآن القطعي الثبوت القطعي الدلالة.

وأما إجماع الصحابة الذي يعتبر دليلاً شرعياً فهو إجماعهم على أن الحكم الفلاني هو حكم شرعي، أو إجماعهم على أن الحكم في الأمر الفلاني هو كذا. فإذا أجمعوا على أن حكماً ما هو حكم شرعي، فإن إجماعهم هذا يكون دليلاً شرعياً. والدليل على ذلك أمران: أحدهما أن الله أثنى عليهم في القرآن بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، قال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة: 100] فهذا ثناء من الله على المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان بالهجرة والنصرة إنما هو ثناء على الصحابة؛ لأن هؤلاء هم الصحابة ومدلول الآية محصور بهم. وهذا الثناء هو عليهم جميعاً، ومن يثني عليهم الله هذا الثناء يكون صدق ما يجمعون عليه أمراً مقطوعاً به. أما الأمر الثاني فإن هؤلاء الصحابة عنهم قد أخذنا ديننا، فهم الذين نقلوا إلينا أن هذا القرآن هو عينه الذي نزل على سيدنا محمد. فإذا تطرق الخلل إلى شيء واحد مما أجمعوا عليه تطرق الخلل إلى القرآن، أي تطرق الخلل إلى الدين الذي عنهم أخذناه، وذلك محال شرعاً. وعليه فإنه وإن كان لا يستحيل عليهم عقلاً أن يجمعوا على خطأ بل يجوز عليهم ذلك لأنهم بشر، ولكنه يستحيل عليهم شرعاً أن يجمعوا على خطأ، إذ لو جاز عليهم ذلك لجاز تطرق الخلل إلى الدين، أي لجاز تطرق الخلل إلى أن هذا القرآن هو عينه الذي نزل على سيدنا محمد، وذلك محال شرعاً، فكان محالاً عليهم أن يجمعوا على خطأ، وهذا دليل قطعي على أن إجماع الصحابة دليل شرعي. وأيضاً فإن الله تعالى يقول: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر: 9] فالله قد وعد بحفظ القرآن، وهذا الذي نقله هو الذي حفظه، فهو دليل على صدق إجماعهم في نقل القرآن وجمعه؛ فيكون ذلك دليلاً على صحة إجماعهم، إذ لو جاز على إجماعهم الخطأ، لجاز الخطأ في نقل القرآن، ولجاز أن لا يكون محفوظاً. وبما أن عدم حفظه مستحيل بدليل الآية، فتطرق الخطأ إلى إجماعهم بنقله وجمعه وحفظه مستحيل. ومن هنا كان إجماعهم حجة قطعية.

على أن الأمر المهم الذي يجب أن يكون واضحاً أن إجماع الصحابة على أن هذا الحكم حكم شرعي إنما يكشف عن دليل، يعني أن هناك دليلاً شرعياً من فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو قوله أو سكوته، وقد نقلوا الحكم ولم ينقلوا الدليل، فكان نقلهم للحكم كاشفاً عن أن هناك دليلاً على هذا الحكم، فليس معنى إجماعهم هو اتفاق آرائهم الشخصية على رأي واحد، فإن آراءهم ليست وحياً، وكل واحد منهم ليس معصوماً عن الخطأ؛ فلا يكون رأيه دليلاً شرعياً وكذلك لا يكون اتفاقهم على رأي دليلاً شرعياً؛ لأن الدليل الشرعي لا بد أن يكون قد جاء به الوحي حتى يعتبر شرعياً، وآراء الصحابة ليست كذلك فلا تعتبر دليلاً شرعياً، لا الآراء التي اختلفوا فيها ولا الآراء التي اتفقوا عليها؛ ولهذا ليس معنى إجماعهم هو اتفاقهم على رأي واحد، بل معنى إجماعهم هو إجماعهم على أن هذا الحكم حكم شرعي، أو أن حكم كذا هو كذا شرعاً، وحينئذ لا يكون رأياً لهم وإنما يكون إجماعاً على أنه من الشرع، ومن هنا كان إجماع الصحابة إنما يكشف عن دليل.

وأما القياس فهو دليل شرعي، وهو في اللغة التقدير، وفي اصطلاح الأصوليين هو حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما، فيشبه حكم معلوم بمعلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم، فهو مجاوزة عن الأصل إلى الفرع، أي إلحاق الفرع بالأصل. ومعنى حمل معلوم على معلوم مشاركة أحد المعلومين للآخر في حكمه. ومعنى أن يكون هذا الحمل في إثبات الحكم أو نفيه هو أن حمل الفرع على الأصل يعني التشريك في الحكم، فيثبت حكم الأصل للفرع، فيكون الفرع قد شارك الأصل في الحكم. وهذا الحكم الذي للأصل قد يكون إثباتاً، أخرج البخاري عن ابن عباس: (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء). فقاس دين الله على دين الآدمي بأن قضاءه يجزئه، فالحكم هنا إثبات وهو إجزاء قضاء الدين.. وقد يكون حكم الأصل المحمول عليه نفياً، مثل ما روى عن عمر أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قبلة الصائم، هل تفسد الصوم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (أرأيت لو تمضمضت، أكان ذلك يفسد الصوم؟ فقال: لا) صححه الحاكم ووافقه الذهبي، فقاس قبلة الصائم على المضمضة بأنها لا تفسد الصوم، فالحكم هنا نفي وهو عدم إفساد الصوم. ومعنى أن يكون هذا الحمل بناء على أمر جامع بينهما هو وجود علة الأصل في الفرع، فبناء على هذه العلة يحصل الحمل، وهي الأمر الجامع بين المقيس والمقيس عليه، أي بين الفرع والأصل، مثل قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: (أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم، فقال: فلا، إذن) أخرجه أبو يعلى بهذا الفظ عن سعد بن أبي وقاص وصححه الحاكم وابن حبان. فإنه عليه الصلاة والسلام سأل عن العلة الموجودة في المال الربوي، وهي الزيادة، هل هي موجودة في بيع الرطب بالتمر، فحين علم بوجودها أثبت لهذا البيع حكم الربا فقال: (فلا، إذن) أي لا يجوز بيعه ما دام ينقص، أي سأل عن الأمر الجامع وهو العلة الشرعية للربا.

هذا هو تعريف القياس شرعاً، وقد أخذ هذا التعريف من أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فعن ابن عباس: (جاءت امرأة إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي عن أمك) أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن الزبير قال: (جاء رجل من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل والحج مكتوب عليه أفأحج عنه؟ قال: أنت أكبر ولده؟ قال: نعم، قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان ذلك يجزئ عنه؟ قال: نعم، قال: فأحجج عنه). أخرجه أحمد بسند صححه الزين، وأخرجه الدارمي كذلك.

ففي هذين الحديثين حمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دين الله في الصوم وفي الحج على دين الآدمي، وكلاهما حمل معلوم على معلوم، أي مشاركة دين الله لدين الآدمي في إثبات إجزاء قضائه عنه؛ لأن كلاً منهما دين. فالأمر الجامع بينهما أن كلاً منهما دين فهو علة، والحكم الذي أثبت لهما هو إجزاء القضاء. هذا هو واقع القياس شرعاً المستنبط من النص الشرعي، فيكون هذا التعريف حكماً شرعياً يجب الأخذ به، ويكون حكم الله في حق من يستنبطه أو يقلده تقليد اتباع أو تقليد عامي كأي حكم شرعي مستنبط من دليل شرعي، إذ التعاريف والقواعد المستنبطة من الأدلة الشرعية هي أحكام شرعية كسائر الأحكام الشرعية.

وهذا القياس قائم على العلة، أي على الأمر الجامع بين المعلوم المحمول والمعلوم المحمول عليه، أي بين الفرع والأصل. فإذا وجدت هذه العلة، أي وجد الأمر الجامع بين المقيس والمقيس عليه وجد القياس، وإلا لا يوجد قياس مطلقاً. وهذه العلة إن كانت قد وردت في نص شرعي، أو قيست على ما ورد به نص شرعي، كان ذلك هو القياس الذي يعتبر دليلاً شرعياً؛ لأن العلة التي قام عليها قد ورد بها الشرع. وإن لم تكن هذه العلة قد وردت في نص شرعي، ولا قيست عما ورد به نص شرعي، فإن هذا القياس لا يعتبر قياسياً شرعياً، فلا يكون دليلاً شرعياً؛ لأن العلة التي قام عليها لم يرد بها النص الشرعي، فلا يكون هذا القياس من الشرع وبالتالي لا يعتبر دليلاً شرعياً.

والدليل على أن هذا القياس دليل شرعي هو أن النص الشرعي الذي وردت به العلة، أو قيست على ما ورد به، إما أن يكون من الكتاب، أو من السنة، أو من إجماع الصحابة. وهذه الثلاثة قد ثبت كونها أدلة شرعية بالدليل القطعي، فيكون دليل العلة الشرعية التي وجدت في الحكم الذي ورد به النص، وهو الأصل، هي التي جعلت الحكم في الفرع حكماً شرعياً، وهي التي جعلت القياس موجوداً، ولولاها لما وجد القياس أصلاً، فيكون دليلها هو دليل القياس.

وهذا القياس الشرعي قد أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واعتبره دليلاً شرعياً، وسار على ذلك الصحابة، واتخذوه دليلاً شرعياً عند استنباطهم الأحكام الشرعية. فقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لمعاذ وأبي موسى الأشعري وقد أنفذهما إلى اليمن: (بم تقضيان؟ فقالا: إن لم نجد الحكم في الكتاب ولا السنة قسنا الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به) أورده الآمدي في الإحكام وأبو الحسين في المعتمد. فصرحا بالعمل بالقياس والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرهما عليه، فكان حجة على أن القياس دليل شرعي. وعن ابن عباس: (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) أخرجه البخاري، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم هنا في مقام تعليم هذه المرأة قد ألحق دين الله بدين آدمي في وجوب القضاء ونفعه، وهو عين القياس. وروي عن عمر أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قبلة الصائم، هل تفسد الصوم؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أرأيت لو تمضمضت، أكان ذلك يفسد الصوم؟ فقال: لا) صححه الحاكم ووافقه الذهبي، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم نفى عن قبلة الصائم حكم إفساد الصوم قياساً على المضمضة من حيث كونها لا تفسد الصوم؛ لأن كلاً منهما لم تدخل الجوف. فهو تفهيم للحكم بالقياس. فهذه النصوص الثلاثة لم يجر فيها تعليل الحكم فحسب كما هو وارد في نصوص كثيرة مما يدل على القياس، بل جرى فيها إقرار القياس، وتعليم القياس، فهو حجة على أن القياس دليل شرعي.

هذا بالنسبة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أما بالنسبة للصحابة فقد روي عنهم اتخاذ القياس دليلاً شرعياً في مسائل عدة، من ذلك ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه عن القاسم بن محمد، "أن رجلاً مات وترك جدتيه أم أمه وأم أبيه فأتوا أبا بكر فأعطى أم أمه السدس وترك أم أبيه فقال له رجل من الأنصار: لقد ورثت امرأة لو كانت هي الميتة ما ورث منها شيئاً وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث مالها كله فأشرك بينهما في السدس". وقد ذكره أيضاً الغزالي في المستصفى والآمدي في الإحكام. فقد قاسوا ميراث الحي من الميت على ميراث الميت من الحي لو كان الميت حياً والحي ميتاً بجامع أن القرابة بينهما في الحالين واحدة. ولما سمع أبو بكر هذا القياس خضع له وعمل به ورجع عن رأيه. ومن ذلك ما روي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "اعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور برأيك" ذكره الشيرازي في طبقات الفقهاء ورواه البيهقي في المعرفة من كتاب أدب القاضي، وكان عمر أمير المؤمنين، وكان أبو موسى قاضيه في هذه الحادثة. ومن ذلك أنه قيل لعمر إن سمرة قد أخذ الخمر من تجار اليهود في العشور وخللها وباعها، قال: "قاتل الله سمرة! أما علم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها" أخرجه مسلم، قاس الخمر على الشحم، وأن تحريمها تحريم لثمنها. ومن ذلك أن عمر كان يشك في قود القتيل الذي اشترك في قتله سبعة، فقال له علي: "يا أمير المؤمنين، أرأيت لو أن نفراً اشتركوا في سرقة، أكنت تقطعهم؟ قال: نعم. قال: فكذلك" ذكره عبد الرزاق في المصنف، وهو قياس للقتل على السرقة. وهذا كله يدل على أن القياس دليل شرعي بالسنة وإجماع الصحابة، فما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو السنة، وما ثبت عن الصحابة يعتبر إجماعاً سكوتياً؛ لأنهم فعلوه على مرأى ومسمع من الصحابة ولم ينكر عليهم أحد فكان إجماعاً. غير أن السنة وإجماع الصحابة قد رويت عن طريق خبر الآحاد فهي دليل ظني؛ ولذلك كان الدليل القطعي على أن القياس دليل شرعي هو ما قدمناه من أن علته قد وردت في النص الشرعي من الكتاب أو السنة أو إجماع الصحابة. وهذه الثلاثة قد ثبت كونها أدلة شرعية بالدليل القطعي فتكون هي دليل القياس، إذ هي دليل العلة الشرعية.

... يتبع
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 07:59 PM
مشاركة #33


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



...

فهذه الأدلة الأربعة، الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، والقياس، ثبت أنه قد جاء بها الوحي من عند الله بالدليل القطعي، وما عداها لم يثبت بالدليل القطعي أنه جاء به الوحي من عند الله، بل لم يثبت أنها أدلة شرعية ثبوتاً منطبقاً على الدليل الذي جاؤوا به. أما كونها لم تثبت بالدليل القطعي فواضح، فإن من يستدلون بها لا يزعمون أن الدليل على كونها أدلة شرعية دليل قطعي. وأما كونه لم يثبت أنها أدلة شرعية فذلك ظاهر في عدم انطباق الأدلة التي أوردوها -باعتبارها أدلة شرعية- على الموضوع الذي أرادوا إقامة الدليل عليه. أي ظاهر في خطأ الاستدلال بما جاؤوا به من أدلة على أن ما زعموه من مثل إجماع المسلمين والمصالح المرسلة والاستحسان ونحوها هو من الأدلة الشرعية.

فمن قال إن إجماع المسلمين دليل شرعي استدل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) قال ابن حجر حديث مشهور له طرق كثيرة لا يخلو واحد منها من مقال، وعلى كلٍ، فليس في هذا دليل؛ لأن الضلالة هنا الارتداد عن الدين وليس الخطأ، وبهذا المعنى ورد الحديث: (لن تجتمع أمتي على ضلالة، فعليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة) رواه الطبراني بسند رجاله ثقات من طريق ابن عمر، وهو صحيح، فإن الأمة الإسلامية لا تجتمع على الارتداد عن الإسلام، ولكنها قد تجتمع على خطأ، وأبسط دليل على هذا هو أن الأمة الإسلامية قد أجمعت على ترك العمل لإقامة خليفة مدة كبيرة، وهو إجماع على الخطأ.

وأما من قال إن جلب المصالح ودرء المفاسد علة شرعية للأحكام الشرعية وأجرى القياس بحسبها، فقد استدل بقوله تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) [الأنبياء: 107] فجعل كونه رحمة علة للشريعة الإسلامية، ولا يكون رحمة إلا بجلب المصالح ودرء المفاسد، فكانتا العلة الشرعية للأحكام. وهذا الاستدلال الخطأ من وجهين: الأول أن الموضوع هو إرساله، أي كونه رسولاً، وليس الأحكام الشرعية، ولو سلم أن المراد من إرساله رسالته، وهي شريعته، فإن الموضوع يكون الشريعة كلها من عقائد وأحكام بمجموعها وليس الأحكام الشرعية وحدها. الأمر الثاني أن كون إرساله عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين إنما هو بيان للحكمة من إرساله، أي النتيجة التي تترتب على إرساله. وذلك مثل قوله تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات: 56]، أي لتكون نتيجة خلقهم العبادة، فهي حكمة خلقهم وليست علة خلقهم. ومثل قوله تعالى: ((لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)) [الحج: 28] فهو الحكمة من الحج، أي النتيجة التي قد تحصل من الحج، وقوله: ((إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)) [العنكبوت: 45] فهي الحكمة من الصلاة، أي النتيجة التي قد تحصل من الصلاة. وهكذا. فالآية هنا ليست في مقام التعليل. لأن العلة هي الشيء الذي من أجله وجد الحكم أي الشرع، وحتى تفهم العلية في النص لا بد أن تكون وصفاً، وأن يكون هذا الوصف مفهماً العلية، بمعنى سببية التشريع، أي أن التشريع كان من أجلها، وحينئذٍ تكون لازمة لا تتخلف؛ لأن السبب ينتج المسبب حتماً؛ ولذلك إذا وجدت العلة وجد المعلول. وفي قوله: ((رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) [الأنبياء: 107] وبقية الآيات السابقة وإن كانت وصفاً، وفيها الحروف التي تفيد التعليل، ولكن سياق الكلام لا يفيد العلية؛ لأنه قد يتخلف، ولأن التشريع لم يكن من أجلها. فالشريعة الإسلامية قد تكون رحمة لمن آمن وعمل بها كالمسلمين الأولين، ونقمة لمن كفر وهم من العالمين. وأيضاً فإن الرسالة الإسلامية موجودة اليوم، إذ الإرسال قد حصل بالفعل، ومع ذلك فإن المسلمين أنفسهم الذين آمنوا بالرسالة، ولكن لم يطبقوها قد أصبحوا في شقاء، فلم يكن مجرد الإرسال أي مجرد وجود الشريعة رحمة؛ ولذلك ليست علة للإرسال. وعليه لا يكون جلب المصالح ودرء المفاسد علة شرعية، فلا تتخذ أصلاً للقياس.

وأما الذين قالوا إن العقل من الأدلة الشرعية، فإن الكلام هو عن الحكم الشرعي، أب ما غلب الظن أنه حكم الله، وهو لا يكون إلا مما جاء به الوحي، والعقل لم يأت به الوحي؛ ولذلك لا يوجد دليل لا ظني ولا قطعي على أن العقل من الأدلة الشرعية على الأحكام الشرعية، فلا يعتبر من الأدلة الشرعية مطلقاً.

وأما الذين قالوا إن مذهب الصحابي من الأدلة الشرعية، فقد استدلوا على ذلك بأن دليلي إجماع الصحابة هما دليلا الصحابي الواحد، فمدحه لهم مدح للواحد منهم، كما أنه إذا كان لا يتطرق الخلل إلى نقلهم جميعاً فهو لا يتطرق إلى نقل الواحد منهم، ثم إن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم) أخرجه رزين يؤيد كون مذهب الصحابي دليلاً. وهذا الاستدلال خطأ، لأن مدح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة ليس وحده دليلاً على أن إجماع الصحابة دليل شرعي، ولا نقل الصحابة للقرآن وحده دليل على أن إجماعهم دليل شرعي، بل الدليل الشرعي هو الثناء عليهم وكونهم أجمعوا على أن هذا الحكم حكم شرعي، فالدليل هو أمران: الثناء والإجماع، وهذا لا يوجد في الصحابي الواحد. فإن الثناء ونقل القرآن لا يصلح دليلاً على أن كلام من نقل القرآن ممن أثنى الله عليه من الأدلة الشرعية؛ لأن الله كما أثنى على الصحابة أثنى على من تبعهم، ولأن نقل القرآن ولو ممن أثنى الله عليه لا يجعل كلام من نقله دليلاً شرعياً. وبذلك يسقط الاستدلال. ويدل على سقوط هذا الاستدلال ن ما ينقله الصحابي الواحد وما يرويه من أحاديث لا يعتبر قطعي الثبوت بل هو ظني. ولذلك لا تعتبر: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" من القرآن، مع أنه نقلها صحابي، إذ لم يحصل عليها إجماع الصحابة، وكذلك الأحاديث التي رواها الصحابة من خير الآحاد لا تعتبر قطعية بل هي ظنية، وهذا بخلاف إجماع الصحابة فإن ما يجمعون عليه أنه من القرآن يعتبر قرآناً ويعتبر قطعياً، وما يجمعون عليه من الأحاديث ويروى عنهم بالتواتر يعتبر دليلاً قطعياً. ولذلك كان الفارق كبيراً بين ما يجمع عليه الصحابة فإنه لا خلاف بأنه قطعي يكفر منكره، وبين ما يرويه الصحابي الواحد بأنه ظني لا يكفر منكره؛ ولذلك كان إجماع الصحابة دليلاً شرعياً، وأما مذهب الصحابي الواحد فلا يعتبر من الأدلة الشرعية. وفوق هذا فإن الصحابي الواحد، الخطأ ممكن عليه، وهو ليس بمعصوم عن الخطأ، بخلاف إجماع الصحابة، فإن هذا الإجماع يستحيل عليه الخطأ. على أن الصحابة اختلفوا في مسائل وذهب كل واحد خلاف مذهب الآخر، فلو جعل مذهب الصحابي حجة لكانت حجج الله مختلفة متناقضة؛ وبذلك لا يعتبر مذهب الصحابي دليلاً شرعياً.

وأما الذين يقولون "شرع من قبلنا شرع لنا" فإنهم يستدلون بقوله تعالى: ((إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ)) [النساء: 163] وقوله تعالى: ((شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً)) [الشورى: 13] وقوله تعالى: ((ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)) [النحل: 123] فهذه الآيات تدل على أننا مخاطبون بشرائع الأنبياء السابقين، وأيضا فإن الأصل في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه جاء ليبلغ عن الله ما يجب التقيد به. وعلى ذلك فكل حرف في القرآن، وكل عمل صدر عنه، أو قول نطق به، أو تقرير حصل منه، يجب التقيد به إلا ما ورد أنه خاص به أو بغيره، فكل ما ورد بالقرآن أو بالحديث نحن مطالبون به إلا ما جاء نص بأنه خاص بأصحاب الشرائع السابقة أو جاء نص بنسخه، وما لم يرد من ذلك شيء فنحن مطالبون به؛ فإن الله لم يذكرها عبثاً في القرآن فلا يد أن نكون مخاطبين بها. وهذا الاستدلال خطأ. أما بالنسبة للآيات، فإن المراد بالآية الأولى أنه أوحي إليه كما أوحى إلى غيره من النبيين. والمراد بالآية الثانية أنه شرع أصل التوحيد وهو ما وصى به نوحاً. والمراد من الآية الثالثة اتبع أصل التوحيد لأن الملة معناها أصل التوحيد. وكذلك جميع الآيات التي من هذا القبيل مثل قوله تعالى: ((فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ)) [الأنعام: 90] وغيرها. وأما قوله تعالى: ((إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ)) [المائدة: 44] فإن الله عنى بهذا أنبياء بني إسرائيل لا محمداً عليه الصلاة والسلام، والمسلمون ليس لهم إلا نبي واحد. وأما ما روي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد) أخرجه مسلم، فإن معنى دينهم واحد يعني التوحيد الذي لم يختلفوا عليه أصلاً، ولا يعني أن ما بعثوا به من دين هو واحد عند الجميع بدليل قوله تعالى: ((لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً) [المائدة: 48]. ومن هذا تبين أن هذه الأدلة لا تصلح للاستدلال، والاستدلال بها على أن شرع من قبلنا شرع لنا خطأ. على أن هناك أدلة تنهى عن اتباع شرع من قبلنا نهياً مطلقاً سواء جاء بالقرآن والحديث أم لا. قال الله تعالى: ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)) [آل عمران: 85] وقال تعالى: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)) [آل عمران: 19] فإنه نص على أن كل دين غير دين الإسلام لا يقبل اعتناقه من أحد مطلقاً، فكيف يطلب من المسلمين أن يتبعوه؟. وقال تعالى: ((وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)) [المائدة: 48] وهيمنة القرآن على الكتب السابقة لا تعني التصديق بها، إذ قال في الآية نفسها: ((مُصَدِّقاً)) وإنما تعني ناسخاً لها. وأيضاً فقد انعقد الإجماع على أن الشريعة الإسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة، وفوق هذا فإن الله تعالى يقول: ((أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [البقرة: 133-134] فالله أخبرنا أنه لا يسألنا عما كان أولئك الأنبياء يعملون، وإذا كنا لا نسأل عن أعمالهم فلا نسأل عن شريعتهم؛ لأن تبليغها والعمل بها من أعمالهم، وما لا نسأل عنه فإننا غير مطالبين به وغير لازم لنا. وأيضاً فقد روي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أعطيت خمساً لم يعطهم أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود) أخرجه مسلم وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فضلت على الأنبياء بست) أخرجه مسلم فذكرهن وفيها: (وأرسلت إلى الخلق كافة) فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر أن كل نبي قبل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إنما بعث إلى قومه خاصة، فيكون غير قومه لم يبعث إليهم، ولم يلزموا بشريعة تبي غير نبيهم، فثبت بهذا أنه لم يبعث إلينا أحد من الأنبياء، فلا تكون شريعتهم شريعة لنا، ويؤيد هذا ما ورد صريحاً في آيات من القرآن: ((وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً)) [هود: 61]، ((وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً)) [هود: 50]، ((وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً)) [هود: 84].

ومن هذا كله يتبين أن شرائع من قبلنا ليست شريعة لنا لثلاثة أسباب: أحدها أن الأدلة التي يستدلون بها إنما تدل على أصل التوحيد ولا تدل على أن جميع شرائع الأنبياء واحدة. والثاني أن النصوص وردت بالنهي عن كل شريعة غير شريعة الإسلام. والثالث أن كل نبي أرسل لقومه خاصة ونحن لسنا من قومه؛ فليس مرسلاً لنا فلسنا مخاطبين بشريعته ولا نلزم بها. وبذلك لا تعتبر شريعة من قبلنا من الأدلة الشرعية. هذا من حيث استدلالهم بالآيات، أما من حيث استدلالهم بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جاء ليبلغ عن الله ما يجب التقيد به، فإن هذا صحيح فيما بلغنا إياه عن الله مما يجب التقيد به وهو الشريعة التي جاء بها، ولكنه ليس صحيحاً فيما لم يأمرنا بالتقيد به. فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد بلغنا عن الله أحوال من قبلنا من الأمم السابقة، ولكنه بلغنا إياها للعبرة والعظة وليس للتقيد بشريعتهم. فقد قص علينا قصص الأنبياء وأخبارهم وأخبار الأمم، وبين لنا أحوالهم وما كانوا يتبعونه من أحكام، وذلك كله إنما كان للعبرة والعظة ليس غير، ولم يكن للتقيد بشريعتهم. أما من حيث القصص والأخبار فظاهر أنها جاءت للعظة والعبرة فلا تحتاج إلى برهان، وأما من حيث أحوال الأمم وما كانوا يتبعونه من أحكام فإنها وردت على سبيل الحكاية عنهم ولم ترد على وجه التقيد بها، فهي كالقصص جاءت لبيان أحوال الأنبياء السابقين والأمم السابقة. وفوق هذا فإن هذه الأحكام كثيراً ما تخالف الشريعة الإسلامية في تفاصيلها، فلو كنا مخاطبين بها لكنا مخاطبين بشريعتين مختلفتين وهذا غير جائز، فمثلاً من شرائع سليمان قول الله تعالى: ((وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)) [النمل: 20-21] ولا خلاف عند المسلمين في سقوط عذاب الطير إن أفسدت، بل في سقوط جميع الحيوانات، وقد جاء النص على ذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (العجماء جرحها جبار) متفق عليه من طريق أبي هريرة قال في القاموس المحيط "الجبار كسحاب فناء الجبان وبالضم الهدر والباطل" فجناية البهائم غير مضمونة وكذلك الطير.

ومن شرائع موسى قوله تعالى: ((حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ)) [الأنعام: 146] وفي شريعة الإسلام قد أحل للمسلمين كل ذلك بنصوص كثيرة. ثم قال تعالى محلاً لبني إسرائيل بشريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما سبق أن حرمه عليهم: ((وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ)) [المائدة: 5] وهذه الشحوم من طعامنا فهي حل لهم.

ومن شريعة أهل زمان زكريا قول أم مريم: ((إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً)) [آل عمران: 35] وهذا غير جائز في الإسلام أصلاً. ومن شريعة يعقوب: ((كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلّاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ)) [آل عمران: 93] وفي الإسلام لا يحل أن يحرم على نفسه ما لم يحرمه الله عز وجل، قال تعالى: ((لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ)) [التحريم: 1] ومن شريعة الكتابيين في زمان أصحاب أهل الكهف: ((قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً )) [الكهف: 21] وهذا حرام في الإسلام، وعن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة، رضي الله عن أمهات المؤمنين، ذكرتا كنيسةً رأتاها في الحبشة فيها تصاوير فذكرتا ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) متفق عليه. ومن شريعة موسى: ((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)) [المائدة: 45] ونحن لا نأخذ بهذا لأنا لم نؤمر به وإنما أمر به غيرنا، وإنما أوجب علينا الإسلام القود في كل هذا وفيما دونه بقوله تعالى: ((فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)) [البقرة: 194] وبقوله تعالى: ((وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ)) [النحل: 126] وبقوله تعالى: ((وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)) [الشورى: 40] وأيضاً فإن قوله: ((والجروح قصاص)) هو خلاف القصاص في الإسلام. فالقصاص في الإسلام هو الأرش، وليس في التوراة قبول أرش وإنما الأرش في حكم الإسلام. والأرش هو الدية، فدية ما دون النفس يقال لها الأرش. وهكذا أحكام كثيرة في القصص التي رويت عن الأنبياء السابقين وعن الأمم السابقة وفي بيان أحوالهم وما كانوا يتبعونه من أحكام تخالف أحكام الإسلام. فكيف نكون مخاطبين بها؟! ولا يقال إن هذه الأحكام قد نسخت بأحكام الشرعية الإسلامية؛ لأنها وردت مطلقة، والأحكام التي جاءت لنا لم تأت ناسخة لأحكام من قبلنا وإنما جاءت شريعة لنا ولم تكن لها أية علاقة بتلك الأحكام، فالنسخ غير وارد والادعاء به زعم لا سند له، على أن النسخ هو إبطال الحكم المستفاد من نص سابق بنص لاحق كقوله عليه الصلاة والسلام: (نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها). فإبطال الحكم السابق بنص لاحق ورفعه هو النسخ، فالنسخ لا بد أن يكون الحكم المنسوخ قد سبق نزوله للحكم الناسخ وأن يكون في النص الناسخ دلالة على أنه ناسخ لذلك الحكم، وما عدا ذلك لا يعتبر ناسخاً، فليس مجرد الاختلاف بين الحكمين أو التناقض بينهما يجعل أحدهما ناسخاً للآخر، بل لا بد من قرينة في النص الناسخ تدل على أنه ناسخ لحكم معين. فلا تكون هذه الأحكام الواردة عن الشرائع السابقة منسوخة بأحكام الإسلام التي تخالفها أو تناقضها، إذ لا يوجد ما يدل على ذلك، فضلاً عن عدم وجود أية علاقة بين أحكام الإسلام في التشريع وبينها، فهي منسوخة بنسخ شريعة الإسلام للشرائع السابقة، وليست منسوخة بأحكام خاصة بها جاءت ناسخة لها. وبهذا يتبين أن الاستدلال بكوننا مخاطبين بما جاء بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومقيدين به استدلال باطل؛ لأنا مخاطبون بما جاءنا به من شريعة الإسلام ومقيدون به، ولسنا مخاطبين بما قصه علينا من قصص الأنبياء السابقين وأخبارهم، ولا بما بينه لنا من أحوال الأمم السابقة وما كانوا يتبعونه من أحكام. وبذلك يظهر بوضوح أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا. ويظهر بطلان اعتباره من الأدلة الشرعية. غير أنه إذا ورد في الأحكام التي هي من شريعة من قبلنا نص معها يدل على أننا مخاطبون بها؛ فحينئذ يصبح هذا الحكم الوارد في الكتاب أو السنة، والوارد فيه نص يدل على أننا مخاطبون به من شريعتنا، ويكون خطاب الشارع لنا فيه دالاً على أنه لنا؛ فيجب العمل به حينئذ. ولكن ليس لأنه شريعة من قبلنا، بل للخطاب الوارد في نفس الحكم من أنه لنا، أي لأن الله خاطبنا به وبلغه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لنا على أنه من الشريعة التي جاء بها، أي من أحكام الإسلام. وقد ظهر من تتبع الأحكام التي جاءت في الكتاب والسنة من الشرائع السابقة أن النص جاء دالاً على أننا مخاطبون بها، أي أنها من شريعتنا؛ قد جاء في ثلاثة أحوال:

أحدها: إذا كانت الآية التي جاء فيها الحكم قد صدرت بتوجيه الخطاب لنا مثل آية الكنز قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )) [التوبة: 34] فالله تعالى قد خاطبنا بهذه الآية، فما جاء فيها هو شريعة لنا؛ ولذلك كان الكنز حراماً في شريعتنا، ولو جاءت الآية التي تحرمه جزءاً من آية بيان حال الأحبار والرهبان.

ثانيها: إذا كانت الآية التي جاء فيها الحكم قد أتت بلفظ يدل على العموم مثل آيات الحكم بغير ما أنزل الله قال تعالى: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) [المائدة: 44] فإن لفظ "من" يدل على العموم وهذا يعني أنه يشملنا فنحن مخاطبون به. ومثلها: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) [المائدة: 45] وكذلك: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) [المائدة: 47].

ثالثها: أن تعقب الآيات بما يلفت نظرنا إلى الأحكام التي فيها، وذلك مثل آيات القصص التي ذكرت عن قارون، قال الله تعالى: ((إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ)) [القصص: 76] الآيات قوله: ((وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ )) [القصص: 82] فقد عقب عليها بعد هذه الآية مباشرة بقوله: ((تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا)) [القصص: 83-84] وسارت الآيات مخاطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، فهذا لفت نظر للأحكام التي جاءت إذ قالت: ((لا يريدون علواً في الأرض)) وكانت الأحكام عن قارون الذي أراد علواً في الأرض، مما يدل على أننا مخاطبون بهذه الأحكام.

ففي هذه الأحوال الثلاث، تعتبر الأحكام التي جاءت أحكاماً من الشريعة الإسلامية؛ لأن هناك ما يدل على أننا مخاطبون بها، ونأخذها بوصفها أحكاماً من الشريعة الإسلامية وليس بوصفها شريعة من قبلنا. فإن شرع من قبلنا ليس شرع لنا.


... يتبع
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 08:08 PM
مشاركة #34


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



...

وأما الذين قالوا إن الاستحسان من الأدلة الشرعية، فإنهم لم يستطيعوا الإتيان له بدليل من الشرع حتى ولا دليل ظني. وقد فسر الاستحسان عند من يقول به دليلاً شرعياً بأنه دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على إظهاره لعدم مساعدة العبارة عنه. وفسر أيضاً بأنه ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه أقوى منه يكون كالطارئ على الأول.

وفسر كذلك بأنه العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى يقتضي هذا العدول. وفسر أيضاً بأنه قطع المسألة عن نظائرها. وقسموا الاستحسان إلى قسمين: أحدهما الاستحسان القياسي، والثاني استحسان الضرورة. أما الاستحسان القياسي فهو أن يعدل بالمسألة عن حكم القياس الظاهر المتبادر فيها إلى حكم مغاير بقياس آخر هو أدق وأخفى، لكنه أقوى حجة وأسد نظراً وأصح استنتاجاً. مثال ذلك لو اشترى شخص سيارة من اثنين في صفقة واحدة ديناً لهما، فقبض أحد الدائنين قسماً من هذا الدين فإنه لا يحق له الاختصاص به، بل لشريكه في الدين أن يطالبه بحصته من المقبوض، لأنه قبضه من ثمن مبيع مشترك بيع صفقة واحدة، يعني أن قبض أي من الشريكين من ثمن المبيع المشترك بينهما هو قبض للشريكين، أي قبض للشركة وليس لأحدهما أن يختص به. فإذا هلك هذا المقبوض في يد القابض قبل أن يأخذ الشريك الثاني حصته منه، فإن مقتضى القياس أن يهلك من حساب الاثنين أي من حساب الشركة، ولكن في الاستحسان يعتبر هالكاً من حصة القابض فقط، ولا يحسب الهالك على الشريك الثاني استحساناً؛ لأنه في الأصل لم يكن ملزماً بمشاركة القابض، بل له أن يترك المقبوض للقابض ويلاحق المدين حصته. وهكذا باقي الأمثلة. هذا هو الاستحسان القياسي.

وأما استحسان الضرورة فهو ما خولف فيه حكم القياس نظراً إلى ضرورة موجبة أو مصلحة مقتضية سداً للحاجة أو دفعاً للحرج، وذلك عندما يكون الحكم القياسي مؤدياً لحرج أو مشكلة في بعض المسائل، فيعدل حينئذ عنه استحساناً إلى حكم آخر يزول به الحرج وتندفع به المشكلة. مثال ذلك الأجير، فإنه تعتبر يده على ما استؤجر له يد أمانة، فلا يضمن إذا تلف عنده من غير تعد منه. فلو استؤجر شخص ليخيط لآخر ثياباً في منزله مدة شهر فهو أجير خاص، فإذا تلفت الثياب في يده من غير تعد منه لم يضمن لأن يده يد أمانة. ولو استؤجر شخص ليخيط في دكانه ثوباً لآخر وكان يخيط الثياب لجميع الناس فهو أجير عام، فإذا تلف الثوب في يده من غير تعد منه لا يضمن لأن يده كذلك يد أمانة. ولكن في الاستحسان لا يضمن الأجير الخاص ويضمن الأجير العام؛ كي لا يقبل أعمالاً أكثر من طاقته فيتلف أموال الناس.

هذه خلاصة الاستحسان وهذه أدلتهم له، وظاهر فيها أنها ليست أدلة، وإنما هي مجرد تعليلات عقلية، فلا هي من الكتاب، ولا من السنة، فهي لم ترق إلى أن تكون أدلة ظنية فضلاً عن كونها أدلة قطعية على أن الاستحسان من الأدلة الشرعية. هذا من جهة، ومن جهة ما أتوا به من التعليلات العقلية فهي أيضاً باطلة. أما بالنسبة لتفسيرات الاستحسان فإنها كلها باطلة. أما التفسير الأول، فلأن الدليل الذي انقدح في ذهن المجتهد ولا يدري ما هو لا يجوز أن يعتبر دليلاً ما دام لا يعرف ما هو، فإن عدم القدرة على إظهاره دليل على عدم بلورته لديه وعلى عدم درايته به فلا يصح أن يكون من الأدلة الشرعية. وأما التفسيرات الباقية، فإن معناها واحد وهو العدول بالمسألة عن نظائرها إلى وجه أقوى، أي العدول عن القياس لدليل أقوى. وهذه التفسيرات إن كان يراد من الدليل الأقوى نص من كتاب أو سنة فهذا ليس استحساناً وإنما هو ترجيح للنص، فهو استدلال بالنص، فيكون استدلالاً بالكتاب أو السنة ولا يكون استدلالاً بالاستحسان. وإن كان الدليل الأقوى هو العقل بما يراه من مصلحة وهو ما قصدوه فهو باطل؛ لأن القياس مبني على علة شرعية ثابتة بالنص، وهو خطاب الشارع لنا. والعقل والمصلحة ليسا نصاً ولا علة أخرى أقوى منه، بل لا علاقة للعقل ولا للمصلحة بالنص الشرعي، أي بما جاء به الوحي؛ ولذلك كان هذا العدول باطلاً. هذا من ناحية التفسيرات، أما من ناحية أقسام الاستحسان، فإن الاستحسان القياسي يظهر بطلانه من بطلان التفسيرات الثانية وهي العدول بالمسألة عن نظائرها، وأيضاً فإن اعتبارهم له أنه قياس خفي باطل؛ لأنه لا علاقة له بالقياس، وإنما هو تعليل مصلحي. فمثال ثمن المبيع المشترك بيع صفقة واحدة لا يصح أن يختلف فيه الحكم في هلاك المال الذي قبضه أحد الشريكين بأنه هلاك من مال الشركة عن قبض أحد الشريكين للمال بأنه قبض للشركة؛ لأن المال سواء أكان السيارة المبيعة أم ثمنها، مال الشركة وليس مال أحد الشريكين، فهلاكه هلاك لمال الشركة كما أن قبضه قبض لمال الشركة. فهذا العدول المصلحي لا محل له وهو مخالف للشرع.

وأما استحسان الضرورة فبطلانه ظاهر بأنه يحكم فيه العقل وما يراه من مصلحة وليس النص الشرعي، ويرجح على العلة المأخوذة من النص الشرعي، أي يرجح على معقول النص الشرعي. وهذا كله باطل ولا كلام. ثم إن جعل الأجير المشترك يضمن والأجير الخاص لا يضمن ترجيح بلا مرجح ومخالفة للنص الشرعي. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول في ما أخرجه البيهقي في سننه الكبرى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ثم لا ضمان على مؤتمن)، وكذلك أخرج البيهقي في سننه الكبرى عن القاسم بن عبد الرحمن أن علياً وابن مسعود رضي الله عنهما قالا (ليس على مؤتَمَن ضمان) وأخرج كذلك في سننه عن جابر أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قضى في وديعة كانت في جراب فضاعت من خرق الجراب أن لا ضمان فيها. فلا ضمان على من كان أميناً على عين من الأعيان مطلقاً؛ لأن تعبير الحديث بلا النافية للجنس "لا ضمان" يدل على العموم، فيشمل كل مؤتمن، سواء أكان أجيراً خاصاً أم أجيراً عاماً.

وبهذا يظهر أن الاستحسان ليس من الأدلة الشرعية. ولا يصح أن يعتبر من الأدلة الشرعية؛ لأنه لم يأت دليل يدل على أنه من الأدلة، لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من إجماع الصحابة، ولا دليل ظني، ولا دليل قطعي، فضلاً عن سقوط ما استدلوا به له من الاستدلال العقلي، وفضلاً عن مخالفة بعض أمثلته لنصوص الشرع.

وأما الذين يقولون بأن المصالح المرسلة من الأدلة الشرعية فإنهم كذلك لم يستطيعوا أن يأتوا لها بدليل شرعي. ولكنهم لما عللوا الشريعة كلها بأنها لجلب المصالح ودرء المفاسد عللوا كذلك كل حكم من الأحكام الشرعية بأنه لجلب المصالح ودرء المفاسد. إلا أن بعضهم اشترط أن يكون قد ورد في الشرع نص على اعتبارها بعينها مصلحة أو نص على اعتبارها بنوعها مصلحة، ولكن بعضهم لم يشترط ذلك، بل اعتبر المصلحة دليلاً شرعياً ولو لم يرد نص من الشرع باعتبارها بعينها أو بنوعها؛ لأنها تدخل في عموم المصالح التي تجتلب بها المنافع وتجتنب المضار. وقد عرفوا المصالح التي تجتلب بها المنافع وتجتنب المضار. وقد عرفوا المصالح المرسلة بأنها كل مصلحة لم يرد في الشرع نص على اعتبارها بعينها أو بنوعها. فإن معنى مرسلة هو أنها مرسلة من الدليل. وقالوا إذا كانت المصلحة قد جاء بها نص خاص بعينها كتعليم القراءة والكتابة، أو كانت مما جاء نص عام في نوعها يشهد لها بالاعتبار كالأمر بكل أنواع المعروف والنهي عن جميع فنون المنكر، فإنها في هاتين الحالتين لا تعتبر من المصالح المرسلة، بل المصالح المرسلة هي المرسلة من الدليل، أي هي التي لا يوجد دليل عليها، بل هي مأخوذة من عموم كون الشريعة جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد. إلا أنه يفرق بين المصالح الشرعية وغير الشرعية، فالمصالح الشرعية هي التي تتفق مع مقاصد الشريعة، والمصالح غير الشرعية هي التي تتنافى مع مقاصد الشريعة، فالمصالح المرسلة المعتبرة دليلاً شرعياً هي التي تتفق مع مقاصد الشريعة، وأما إذا كانت تتنافى مع مقاصد الشريعة فلا تعتبر من المصالح المرسلة وبالتالي لا تكون دليلاً شرعياً. فالمصالح المرسلة هي التي دلت على اعتبارها نصوص الشريعة بوجه كلي، فتبنى على أساسها الأحكام الشرعية الجزئية عند فقدان النص الشرعي في الحادثة أو فيما يشابهها، فتكون المصلحة هي الدليل الشرعي.

هذه خلاصة المصالح المرسلة وهي باطلة من وجهين:

أحدهما: إن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة متعلقة بفعل معين للعبد، فهي الدليل الشرعي على حكم الشرع في هذا الفعل، وهي ليست متعلقة بالمصلحة، ولا جاءت دليلاً على المصلحة. فالله تعالى حين يقول: ((فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)) [البقرة: 283] وحين يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ)) [البقرة: 282] وحين يقول: ((وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ)) [البقرة: 282] إنما يبين حكم الرهن وحكم كتابة الدين وحكم الشهادة عند البيع، ولم يبين أن هذه مصلحة أو ليست بمصلحة، لا صراحة ولا دلالة، ولا يؤدي النص على أن هذا الحكم مصلحة أو ليس بمصلحة لا من قريب ولا من بعيد ولا بوجه من الوجوه، فمن أين يقال إن هذه مصالح دل عليها الشرع حتى تعتبر هذه مصلحة؟ وبالتالي تعتبر دليلاً شرعياً؟! وأيضاً فإن العلل الشرعية جاءت كالنصوص الشرعية المتعلقة بفعل العبد ودليلاً على علامة حكم الشرع في هذا الفعل، ولم تأت لتبين المصلحة ولا لتبين علامة المصلحة. فالله تعالى حين يقول: ((كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)) [الحشر: 7] وحين يقول: ((لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ)) [الأحزاب: 27] وحين يقول: ((وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ)) [التوبة: 60] إنما يبين علة توزيع المال على الفقراء دون الأغنياء بأنها لمنع تداول المال بين الأغنياء، ويبين علة تزوج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بزينب بأنها لبيان إباحة تزوج امرأة الشخص المتبنى، ويبين علة إعطاء المؤلفة قلوبهم بأنها حاجة الدولة لتأليف قلوبهم. فلم يبين أن هذه مصلحة، وإنما يبين شيئاً معيناً هو علة لحكم معين، دون أي اعتبار للمصلحة وعدم المصلحة، بل دون أي نظر إليها لا من قريب ولا من بعيد، فمن أين يقال إن هذه العلل دل عليها الشرع حتى تعتبر هذه المصالح دليلاً شرعياً؟. وإذا كان الشرع لم تدل نصوصه على أنها جاءت لمصلحة، لا في دلالتها على الحكم، ولا في دلالتها على علة الحكم؛ فلا يجوز أن يقال إن النصوص دلت على مصالح بعينها أو على مصالح بنوعها، لأن ذلك لم يأت شيء منه في النصوص الشرعية مطلقاً. وبهذا يظهر بطلان أن النصوص الشرعية جاءت دليلاً على مصالح بعينها أو على مصالح بنوعها؛ فلا تعتبر هذه المصالح دليلاً شرعياً. وإذا كان هذا فيما يقولون إنه مصالح ورد نص من الشرع باعتبارها بعينها أو بنوعها، فمن باب أولى أن لا تعتبر المصالح التي لم يرد نص في الشرع يدل عليها من الأدلة الشرعية.

ثانيها: إن المصالح المرسلة اشترطوا فيها حتى تكون مرسلة أن لا يرد نص في الشرع يدل على اعتبارها لا بعينها ولا بنوعها، فيكون اشتراطهم هو أن لا يكون لها دليل معين من الشرع، وإنما تفهم من مقاصد الشريعة، وهذا وحده كاف لردها؛ لأن الحكم المراد أخذه هو حكم الشرع لا حكم العقل، فلا بد لاعتباره أنه من الشرع أن يرد دليل يدل عليه مما جاء به الوحي، أي من الكتاب أو السنة، فاشتراط أن لا يدل عليه نص من الشرع كاف لنفي الشرعية منه.

وأما كون هذه المصالح المرسلة تفهم من مقاصد الشريعة، فإن مقاصد الشريعة ليست نصاً يفهم حتى يعتبر ما يفهم منها دليلاً، فلا قيمة لما يفهم منها في الاستدلال على الحكم الشرعي. ثم إن ما يسمى بمقاصد الشريعة، إن أريد به ما دلت عليه النصوص مثل تحريم الزنا وتحريم السرقة وتحريم قتل النفس وتحريم الخمر وتحريم الارتداد عن الإسلام، فإنه ليس مقصداً من للشريعة وإنما هو حكم لأفعال العباد، فيوقف فيه عند مدلول النص، فلا محل لاعتبار هذا الحكم الذي فهم من النص دليلاً شرعياً بل هو حكم شرعي، ومن باب أولى أنه لا اعتبار لما يتخيله الذهن منه بأنه مقصد الشريعة من هذا الحكم بأنه من الأدلة الشرعية. فكيف الحال باعتبار ما يفهم من هذا الذي تخيله الذهن بأنه مقصد الشريعة دليلاً شرعياً؟!! وعليه فإن اعتبار ما يفهم من مقاصد الشريعة دليلاً شرعياً باطل كل البطلان. وأما إن أريد به ما يفهم من حكمة الشريعة كلها، أي حكمة إرسال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من كونه رحمة للعباد، فإنه حكمة وليس علة، والحكمة قد تحصل وقد لا تحصل، فلا تتخذ أصلاً يستدل به لإمكانية تخلفها، فمن باب أولى أن لا يتخذ ما يفهم منها أصلاً يستدل به. ولهذا لا يصلح ما يسمى بمقاصد الشريعة لأن يكون ما يفهم منها من الأدلة الشرعية. فيكون من هذه الناحية أيضاً اعتبار ما يفهم من مقاصد الشريعة دليلاً شرعياً باطلاً كل البطلان؛ وبهذا يظهر بطلان اعتبار المصالح المرسلة من الأدلة الشرعية.

هذا من حيث الأسباب التي جعلتهم يعتبرون المصالح المرسلة دليلاً شرعياً، أما من حيث الدليل الشرعي على أنها من الأدلة الشرعية، فإنه لا يوجد لهم أي دليل شرعي على ذلك مطلقاً، لا من الكتاب، ولا من السنة، لا دليل قطعي، ولا دليل ظني؛ ولهذا لا يصح اعتبار المصالح المرسلة من الأدلة الشرعية.

ومن هذا كله يظهر بوضوح أن الأدلة التي ثبت أنه قد جاء بها الوحي من عند الله بالدليل القطعي إنما هي الأدلة الأربعة فقط، وهي: الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، والقياس الذي علته شرعية، وما عداها لم يأت دليل قطعي يدل عليها. وبذلك يظهر أن الأدلة الشرعية إنما هي هذه الأربعة ليس غير.

غير أنه يجب أن يكون واضحاً أن الأحكام المستنبطة من الأدلة الأخرى غير الأربعة مما اعتبره إمام من الأئمة هي أحكام شرعية في نظر القائلين بها وفي نظر مخالفيهم، لأن هناك شبهة الدليل على أنها من الأدلة. فمن اعتبر إجماع الأمة دليلاً شرعياً واستنبط منه حكماً كان هذا الحكم حكماً شرعياً في نظره وحكماً شرعياً في حقه لا يحل له أن يأخذ غيره، وكان كذلك حكماً شرعياً في نظر مخالفيه ولكنه ليس حكماً شرعياً في حقهم. ومثل ذلك شرع من قبلنا شرع لنا، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والعقل. فإن كل حكم يستنبط من أي منها يعتبر حكماً شرعياً في نظر من يقولون بأن ما استنبط منه الحكم هو من الأدلة الشرعية وفي نظر جميع مخالفيه. سوى أنه يكون حكماً شرعياً في حقه ولا يكون حكماً شرعياً في حق مخالفيه، وذلك كالأحكام المستنبطة من النصوص، فإن اختلاف الفهم للنص لا يجعل الحكم المستنبط شرعياً في حق من استنبطه وغير شرعي في حق من خالفه في هذا الفهم. بل هو حكم شرعي في نظر جميع المسلمين ما دام النص يمكن أن يفهم منه هذا الفهم، أي ما دامت شبهة الدليل موجودة. سوى أنه لا يعتبر حكماً شرعياً في حق جميع المسلمين، بل في حق من استنبطه ومن قلده لا في حق من خالفه، ولكنه على أي حال حكم شرعي. وكذلك الحكم الذي يستنبط من دليل هو كالحكم المستنبط من النص حكم شرعي في نظر جميع المسلمين، سواء من اعتبره دليلاً شرعياً أو من لا يعتبره دليلاً شرعياً، ما دامت توجد هناك شبهة الدليل، كالأدلة السابقة التي أبطلنا اعتبارها من الأدلة الشرعية.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 08:11 PM
مشاركة #35


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 13: الأصل براءة الذمة، ولا يعاقب أحد إلا بحكم محكمة، ولا يجوز تعذيب أحد مطلقاً، وكل من يفعل ذلك يعاقب.

وتتضمن هذه المادة ثلاثة أمور:

أحدها قاعدة الأصل براءة الذمة، والثاني عدم إيقاع العقوبة إلا بحكم قاض، والثالث عدم جواز التعذيب. أما الأمر الأول فدليله ما روي عن وائل بن حجر قال: (جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه، قال: يا رسول الله، إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شيء، فقال: ليس لك منه إلا ذلك) أخرجه مسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) أخرجه البيهقي بسند صحيح. ففي الحديث الأول كلف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المدعي بالبينة، وهذا يعنى أن المدعى عليه بريء حتى تثبت إدانته، وفي الحديث الثاني بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الأصل في وجوب البينة إنما هو على المدعي، وهو دليل على أن المدعى عليه بريء حتى تثبت إدانته.

وأما الأمر الثاني فإن دليله قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (… من أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ومن جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتص منه …) أخرجه أبو يعلى عن الفضل بن عباس. قال الهيثمي وفي إسناد أبي يعلى عطاء بن مسلم وثقه بن حبان وغيره وضعفه آخرون وبقية رجاله ثقات. وورد في المعجم الأوسط للطبراني بلفظ (فمن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليستقد منه). وفي البداية والنهاية لابن كثير بلفظ (ألا فمن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد). وقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذلك وهو حاكم، وهو يعني من عاقبته دون حق فليقتص مني، وهو دليل على تحريم أن يعاقب الحاكم أحداً من الرعية من غير أن يثبت عليه ارتكاب ذنب يستحق عليه هذه العقوبة. وأيضاً ففي قصة الملاعنة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمتها) متفق عليه واللفظ لمسلم، وهذا يعني أنه لم يرجمها لعدم وجود بينة مع وجود شبهة فيها. بدليل ما ورد من حديث ابن عباس عن اللذين لاعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بينهما حيث جاء ما نصه: (فقال رجل لابن عباس في المجلس: أهي التي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمتها؟ فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء) متفق عليه، أي كانت تعلن بالفاحشة، ولكنه لم يثبت ذلك عليها ببينة ولا اعتراف. وهذا يعني أن شبهة الزنا كانت موجودة عليها، ومع ذلك لم يرجمها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لم يثبت عليها فقال: (لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمتها) و"لو" حرف امتناع لامتناع؛ فامتنع الرجم لامتناع البينة، وهذا دليل على أن الحاكم لا يجوز له أن يوقع عقوبة على أحد من الرعية إلا بعد أن يرتكب ذنباً نص الشرع على أنه ذنب، وبعد أن يثبت ارتكابه هذا الذنب أمام قاض له صلاحية القضاء في مجلس قضاء؛ لأن البينة لا تعتبر بينة إلا إذا كانت أمام قاض له صلاحية القضاء وفي مجلس قضاء. إلا أن للحاكم أن يحبس المتهم بذنب قبل ثبوت التهمة ريثما يقدم للمحاكمة للبت في أمر التهمة، غير أن هذا الحبس لا بد أن يكون مدة محددة ولا يصح أن يحبسه من غير تحديد مدة، وأن تكون هذه المدة قصيرة، والدليل على جواز حبس المتهم ما أخرجه الترمذي وحسنه، وأخرجه أحمد أيضاً، وقال الحاكم عن الحديث صحيح الإسناد من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حبس رجلاً في تهمة، ثم خلى عنه) وأخرج الحاكم كذلك من حديث أبي هريرة وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حبس في تهمة يوماً وليلة)، ومع أن في سنده إبراهيم بن خيثم، وفيه مقال، إلا أنه قد جاء في رواية أخرى للحديث عن البيهقي في الكبرى وابن الجارود في المنتقى عن بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حبس رجلاً في تهمة ساعة من النهار ثم خلى عنه).

وكل هذا دليل على أنه لا بد من تحديد المدة في هذا الحبس، وأن تكون أقل مدة ممكنة، لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حبسه ثم خلى عنه، وأنه حبسه يوماً وليلة، وأنه حبسه ساعة من نهار. علماً بأن هذا الحبس ليس عقوبة وإنما هو حبس استظهار لينكشف به بعض ما وراءه.

وأما الأمر الثالث فهو يشمل عدم إيقاع العقوبة على المتهم قبل أن يثبت عليه الذنب، ويشمل عدم جواز إيقاع العقوبة بما جعله الله عذاباً في الآخرة وهو النار، أي عدم جواز العقوبة بالحرق بالنار. أما عدم إيقاع العقوبة قبل أن يثبت الذنب فإن الدليل عليه حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (لو كنت راجماً بغير بينة لرجمتها) متفق عليه من حديث ابن عباس، مع أنها كانت امرأة معروفة بالزنا كما يفهم من كلام ابن عباس. فلو جاز إيقاع العقوبة بالمتهم ليعترف لعوقبت هذه لتعترف مع أنها كانت تعلن بالفاحشة. فلا يحل عقاب المتهم مطلقاً؛ ولهذا يحرم ضرب المتهم قبل ثبوت التهمة، ويحرم شتمه أو إيقاع أي عقوبة عليه ما دام لم يثبت عليه ارتكاب ذنب. ويؤيد هذا ما روي عن ابن عباس قال: (شرب رجل فسكر، فلقي يميل في الفج، فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما حاذى بدار العباس انفلا فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فضحك وقال: أفعلها ولم يأمر فيه بشيء)أخرجه أبو داود وأمد واللفظ للأول، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يقم على ذلك الرجل الحد لكونه لم يقر لديه، ولا قامت عليه بذلك الشهادة عنده. وهذا يعني أنه متهم بالسكر ولم يثبت عليه، فلم يعاقب حتى يعترف، ولم توقع عليه أية عقوبة لمجرد التهمة. ولهذا لا يصح أن توقع أية عقوبة على المتهم قبل ثبوت التهمة عليه أمام قاض له صلاحية القضاء في مجلس قضاء. وأما ما روي في حديث الإفك أن علياً رضي الله عنه ضرب الجارية أمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الجارية لم تكن متهمة، فلا يصلح دليلاً على جواز ضرب المتهم، على أن حديث ضرب علي لبريرة جارية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، قد رواه البخاري من طريق عائشة أن علياً قال للرسول صلى الله عليه وآله وسلم: اسأل الجارية، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي سألها ولم يذكر فيه أن علياً ضرب الجارية، فقد جاء فيه: (وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك والنساء، سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريرة فقال: أي بريرة) الحديث. وفي رواية أخرى للبخاري: (ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيتي فسأل عني خادمتي، فقالت: لا والله، ما علمت عليها عيباً إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أسقطوا لها به) ولم يذكر البخاري أن علياً ضرب الجارية. غير أنه في روايات أخرى ذكر أن علياً ضرب الجارية، فقد ذكر ابن هشام أنه ضربها، فقد جاء في سيرة ابن هشام عن ابن إسحق عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: (وأما علي فإنه قال: يا رسول الله إن النساء كثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريرة ليسألها، فقام إليها علي بن أبي طالب فضربها ضرباً شديداً ويقول: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالت: فتقول: والله ما أعلم إلا خيراً) وهذه الرواية على فرض صحتها فإنها لا تدل على جواز ضرب المتهم؛ لأن الجارية بريرة لم تكن متهمة في هذه القضية، ولا يقال إنها شاهدة فإنها لم تضرب باعتبارها شاهدة، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سأل غيرها ولم يضربه، فقد سأل زينب بنت جحش ولم يضربها، مع أن أختها حمنة بنت جحش كانت تشيع عن عائشة إذ يقول البخاري في حديث الإفك: (قالت وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك) فكانت زينب محل مظنة المعرفة وسئلت ولم تضرب. ولهذا لا يقال إن بريرة ضربت باعتبارها شاهدة، فإنها إنما ضربت باعتبارها خادمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وللرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يضرب خادمته وأن يأذن بضربها. فسأل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خادمته وسأل غيرها وسكت عن ضرب علي لخادمته وعن انتهار الصحابة لها ولم يضرب غيرها، ولم يسكت عن ضرب غيرها مما يدل على أنه إنما جاز ضربها لأنها خادمته. وللمرء أن يضرب خادمه تأديباً أو تحقيقاً عن أمر. فهذا الحديث لا يصلح دليلاً على جواز ضرب المتهم ولا على جواز ضرب الشاهد، بل هو دليل على جواز ضرب الرجل خادمه تأديباً أو تحقيقاً عن أمر. وبهذا يسقط الاستدلال بهذا الحديث على جواز ضرب المتهم، ويبقى الدليل على عدم جواز ضربه قائماً وهو قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمتها) متفق عليه من طريق ابن عباس، فلا يحل ضرب المتهم ولا شتمه ولا انتهاره ولا تعذيبه مطلقاً، وإنما يصح حبسه لورود الدليل على ذلك.

هذا بالنسبة لعدم جواز إيقاع العقوبة على المتهم قبل أن يثبت الذنب عليه، أما بالنسية لعدم جواز إيقاع العقوبة بما جعله الله عذاباً في الآخرة، فإن الدليل عليه ما أخرجه البخاري عن عكرمة قال: (أتي علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تعذبوا بعذاب الله) وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (وإن النار لا يعذب بها إلا الله) وأخرج أبو داود من حديث ابن مسعود في قصة بلفظ: (فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار). وعلى هذا فإنه إذا ثبت على المتهم أمام قاض له صلاحية القضاء وفي مجلس قضاء أنه ارتكب الجريمة المتهم بها، فإنه لا يجوز أن يعاقب بالنار ولا بما هو مثلها مثل الكهرباء ولا بشيء يعذب به الله. وكذلك لا يجوز أن يوقع عليه إلا العقوبات التي نص الشارع عليها. فالشارع قد حدد العقوبات التي يعاقب بها المذنبون، وهي: القتل، والجلد، والرجم، والنفي، والقطع، والحبس، وإتلاف المال، والتغريم، والتشهير، والكي بالنار لأي جزء من أجزاء الجسم، وما عداها لا يحل أن يعاقب به أحد، فلا يعاقب أحد بالحرق بالنار، ولكن يجوز أن يحرق ماله. ولا يعاقب أحد بقلع الأظافر، أو رموش العين، ولا بتسليط الكهرباء عليه، أو بإغراقه بالماء، أو بصب الماء البارد عليه، أو بتجويعه، أو بإبقائه دون حاجات تحمي من البرد، أو غير ذلك. بل يقتصر في معاقبته على ما ورد الشرع به من عقوبات، وما عدا ذلك يحرم على الحاكم أن يجعله عقاباً للمذنب. ولهذا لا يجوز تعذيب أحد مطلقاً، ومن فعل ذلك خالف الشرع. وإذا ثبت أن أحداً قد عذب غيره فإنه يعاقب على ذلك، وهذه هي أدلة المادة الثالثة عشرة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 08:14 PM
مشاركة #36


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 14: الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي، فلا يقام بفعل إلا بعد معرفة حكمه، والأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم.

إن المسلم مأمور بتسيير أعماله حسب أحكام الشرع، قال تعالى: ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)) [النساء: 65]، وقال: ((وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) [الحشر: 7]. فالأصل في المسلم أن يتقيد بأحكام الشرع. وفوق ذلك فإن القاعدة الشرعية هي أنه "لا شرع قبل ورود الشرع"، أي لا حكم لأي مسألة قبل ورود حكم الله فيها. فقبل أن يرد حكم الله فيها لا تعطى أي حكم، أي لا تعطى حكم الإباحة. والإباحة حكم شرعي لا بد أن يثبت بخطاب الشارع، وإلا لا تكون حكماً شرعياً؛ لأن الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، فكل ما لم يرد فيه خطاب من الشارع لا يكون حكماً شرعياً، ومن هنا ليست الإباحة هي عدم ورود شيء يحرم، بل الإباحة هي ورود دليل شرعي على المباح، أي ورود التخيير بالفعل وعدمه من الشارع؛ ولهذا يكون الأصل هو التقيد بخطاب الشارع، وليس الأصل هو الإباحة، لأن الإباحة نفسها يحتاج إثبات حكمها إلى خطاب الشارع. وهذا عام يشمل الأفعال والأشياء. فالمسلم إذا أراد أن يقوم بفعل، أي فعل كان، وجب عليه أن يتقيد بحكم الله في ذلك الفعل، فوجب أن يبحث عنه حتى يعرفه ويتقيد به. وكذلك إذا أراد المسلم أخذ شيء أو إعطاء شيء، أي شيء كان، وجب عليه أن يتقيد بحكم الله في ذلك الشيء، فوجب أن يبحث عنه حتى يعرفه ويتقيد به. هذا هو ما دلت عليه الآيات والأحاديث في منطوقها ومفهومها. فلا يحل لمسلم أن يقوم بأي فعل أو يتصرف تجاه أي شيء على غير الحكم الشرعي، بل يجب أن يتقيد بالحكم الشرعي في أي فعل وفي أي شيء. وبعد أن قال الله تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً)) [المائدة: 3] وقال: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)) [النحل: 89] لم يبق فعل ولا شيء إلا بين الله دليل حكمه، ولا يحل لأحد بعد التفقه في هاتين الآيتين أن يذهب إلى أن يكون بعض الأفعال أو بعض الأشياء أو بعض الوقائع خالياً من الحكم الشرعي، على معنى أن الشريعة أهملته إهمالاً مطلقاً بحيث لم تنصب دليلاً أو تضع أمارة تنبه بها المكلف عليه، أي علة تدل المكلف على حكمه هل هو الإيجاب أو الحظر أو الندب أو الكراهة أو الإباحة. فإن هذا القول ومثله طعن في الشريعة الإسلامية. وعليه لا يحل لأحد أن يقول إن هذا الفعل مباح لأنه لم يرد دليل شرعي يتعلق به فالأصل الإباحة إذا لم يرد دليل شرعي، كما لا يحل لأحد أن يقول إن هذا الشيء مباح لأنه لم يرد دليل شرعي يتعلق به فالأصل الإباحة إذا لم يرد دليل شرعي؛ لأنه لا يوجد فعل أو شيء إلا وفي الشرع دليل عليه، فيجب البحث عن حكم الله في الفعل أو الشيء وأخذه لا جعله مباحاً لأنه لا دليل عليه.

إلا أنه لما كان الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، فإنه يكون قد جاء الخطاب لمعالجة فعل العبد وليس لشيء، وجاء للشيء باعتباره متعلقاً بفعل العبد، فيكون الأصل في الخطاب هو فعل العبد، والشيء جاء تابعاً لفعل العبد سواء أجاب الخطاب للفعل ولم يذكر الشيء مطلقاً مثل: ((كُلُوا وَاشْرَبُوا)) [البقرة: 60] أم جاء الخطاب للشيء ولم يذكر الفعل مطلقاً مثل: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)) [المائدة: 3]، فإن حكم التحريم في هذه الأشياء الثلاثة إنما هو بالنسبة لتعلقها بفعل العبد المتعلق بها من أكل وبيع وشراء وإجارة وغير ذلك. ومن هنا كان الحكم الشرعي لفعل العبد سواء أكان حكماً للفعل أم حكماً للشيء، ومن هنا جاء أن الأصل في الأفعال التقيد؛ لأن الخطاب إنما هو متعلق بفعل العبد.

غير أنه تبين باستقراء الأدلة التفصيلية للأحكام الشرعية أن النصوص التي جاءت أدلة على الأحكام يختلف فيها وضع النص الذي هو دليل الفعل عن وضع النص الذي هو دليل الفعل عن وضع النص الذي هو دليل الشيء من حيث توجيه الخطاب. فالنص المتعلق بالفعل موجه فيه الخطاب إلى الفعل وحده سواء ذكر معه الشيء أم لم يذكر. فمثلاً قوله تعالى: ((وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) [البقرة: 275]، ((قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ)) [التوبة: 123]، ((لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ)) [الطلاق: 7]، ((فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ)) [البقرة: 283]، ((كُلُوا وَاشْرَبُوا)) وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) متفق عليه من طريق ابن عمر وغيره، (أعطوا الأجير أجره) رواه ابن ماجه من طريق ابن عمر والبيهقي من طريق أبي هريرة بإسناد حسنه البغوي، كل هذه النصوص قد وجه فيها الخطاب للفعل ولم يذكر فيها الشيء. ومثلاً قوله تعالى: ((وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً)) [فاطر: 12]، ((لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً)) [النحل: 14]، ((وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ )) [يس: 33]، ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً)) [النساء: 10]، ((لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ)) [يس: 35] كلها قد وجه فيها الخطاب للفعل وإن كان قد ذكر فيه الشيء. ومثل هذا الخطاب المتعلق بفعل العبد مباشرة. وهذا الوضع يختلف عن النص المتعلق بالشيء، فإن الخطاب فيه موجه إلى الشيء وحده، سواء ذكر معه الفعل أم لم يذكر. فمثلاً قوله تعالى: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)) [المائدة: 3]، ((إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ)) [النحل: 115]، ((وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)) [المؤمنون: 18]، ((وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)) [الأنبياء: 30] وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في ماء البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) صحيح أخرجه مالك من طريق أبي هريرة، كلها قد وجه الخطاب فيها إلى الشيء ولم يذكر معه الفعل. ومثلاً قوله تعالى: ((إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ)) [المائدة: 90]، ((أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ )) [الواقعة: 68]، ((أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ )) [الواقعة: 71]، ((وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً)) [النحل: 67]، ((نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ )) [النحل: 66] كلها قد وجد فيها الخطاب للشيء وإن كان قد ذكر فيه الفعل. ومثل هذا الخطاب متعلق بالشيء فهو بيان لحكم الشيء، ولكن تعلقه بالشيء إنما هو من حيث بيان حكمه بالنسبة لفعل العبد لا بالنسبة للشيء منفصلاً عن فعل العبد، إذ لا يتأتى أن يكون له حكم إلا بالنسبة لفعل العبد. وبهذا كله يظهر الاختلاف في وضع النص من حيث توجيه الخطاب. وهذا الاختلاف يدل على أنه وإن كان الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، ولكنه جاءت أحكام خاصة بالأشياء مبينة لحكمها مطلقاً، وإن كان حكمها بالنسبة لفعل العبد لا بالنسبة لها منفصلة عن فعل العبد، وهذه الدلالة تبين لنا بالاستقراء أن أحكام الأشياء جاءت بالدليل العام الذي جاء مبيناً حكم الأفعال، وأن ما جاء خاصاً بالأشياء إنما هو بمثابة استثناء من الحكم العام الذي جاء لها بدليل الأفعال؛ لأن الاستقراء قد تبين منه أن النص الشرعي الموجه فيه الخطاب إلى الفعل مباشرة قد جاء عاماً، فتكون جميع الأشياء المتعلقة به مباحة؛ لأن طلب الفعل أو التخيير كان عاماً يشمل كل شيء، فيكون كل شيء مباحاً بالنسبة إلى هذا الطلب، وتحريم شيء من الأشياء يحتاج إلى نص. فمثلاً يقول الله تعالى: ((وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ)) [الجاثية: 13] وهذا يعني أن الأشياء التي في السموات والتي في الأرض خلقها لنا فهي مباحة، ويقول: ((وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ)) [البقرة: 275] وهذا يعني أن جميع الأشياء قد أحل الله بيعها وأحل شراءها، فلا يحتاج حل بيع شيء منها إلى دليل؛ لأن الدليل العام يشمل كل شيء، فتحريم بيع شيء منها كالخمر مثلاً يحتاج إلى دليل. وقال تعالى: ((كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً)) [البقرة: 168] وهذا يعني أن أكل كل شيء حلال، فلا يحتاج أكل شيء من الأشياء إلى دليل يجعله مباحاً؛ لأن الدليل العام أباحه، وإنما تحريم أكل شيء كالميتة مثلاً يحتاج إلى دليل. وقال تعالى: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا)) [الأعراف: 31] وهذا يعني أن شرب كل شيء مباح، فلا يحتاج شرب شيء من الأشياء إلى دليل يجعله مباحاً؛ لأن الدليل العام أباحه، وإنما تحريم شرب شيء كالمسكر مثلاً يحتاج إلى دليل، وهكذا التكلم والمشي واللعب والشم والاستنشاق والنظر وغير ذلك من أفعال الإنسان قد ورد الدليل العام مبيحاً كل شيء تتعلق به هذه الأفعال، فإباحة أي شيء لا يحتاج إلى دليل، وإنما تحريم أي شيء يتعلق بها هو الذي يحتاج إلى دليل يحرمه، فتكون الأدلة التي جاءت النصوص فيها موجهة إلى الفعل قد بينت حكم الأشياء بياناً عاماً ومطلقاً فلا تحتاج إلى نصوص تبين أحكامها، فمجيء نصوص خاصة بالأشياء بعد بيان حكمها العام دليل على أن هذه الأحكام خاصة بها جاءت تستثني حكمها من ذلك الحكم العام. وبهذا تكون نصوص الشرع جاءت مبينة الحكم الشرعي في الأشياء بأنها مباحة فهي مباحة، إلا أنه جاءت نصوص تستثنى منها بعض الأحكام فتكون الأشياء مباحة إلا إذا جاء نص يحرمها، ومن هنا كانت القاعدة الشرعية "الأصل في الأشياء الإباحة" وهذه هي أدلة هذه المادة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 08:17 PM
مشاركة #37


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



أحكام عامة


المادة 15: الوسيلة إلى الحرام محرمة إذا غلب على الظن أنها توصل إلى الحرام، فإن كان يخشى أن توصل فلا تكون حراماً.

ودليلها قوله تعالى: ((وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ)) [الأنعام: 108] فمسبة الكفار من المباحات وقد سبهم الله في القرآن. إلا أن هذه المسبة إذا غلب على الظن أنها توصل إلى أن يسبوا الله كانت حراماً؛ لأن سب الله لا يجوز، وهو حرام وفوق الحرام، ومن هنا استنبطت القاعدة الشرعية "الوسيلة إلى الحرام حرام" إلا أن هذه الوسيلة حتى تكون حراماً، فيجب أن يغلب على الظن أنها توصل إلى الحرام؛ لأن تحريم سب أصنامهم كغلبة الظن في أي حكم شرعي، فلا يكون لاستعمال "الفاء" دلالة على السببية وبالتالي على التحريم، فإذا كان لا يغلب على الظن أن تلك الوسيلة توصل إلى الحرام، كخروج المرأة من غير نقاب "أي وجهها ظاهر" يخشى منه أن يوصل إلى فتنة، فإن الوسيلة في مثل هذه الحال لا تكون حراماً؛ لأن الخشية من التوصيل لا تكفي للتحريم. وهذا هو دليل هذه المادة.

ومثل هذه القاعدة قاعدة: الشيء المباح إذا أوصل فرد من أفراده إلى ضرر، حرم ذلك الفرد وحده وبقي الشيء مباحاً؛ وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه حين مر بالحجر، نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تشربوا من مائها شيئاً، ولا تتوضؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئاً، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له) رواه بن هشام في السيرة وابن حبان في الثقات. فشرب الماء مباح، ولكن ذلك الفرد من أفراد الماء وهو بئر ثمود قد حرمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنه يوصل إلى أذى، ولكن ظل الماء مباحاً. وخروج الشخص في الليل دون أن يكون معه صاحب مباح، ولكن خروج أحد من ذلك الجيش في تلك الليلة في ذلك المكان قد حرمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنه يوصل إلى أذى، وما عدا ذلك ظل خروج الشخص ليلاً بدون صاحب مباحاً. وهذا دليل على أن الفرد الواحد من المباح إذا أوصل إلى أذى صار ذلك الفرد وحده حراماً وظل الشيء نفسه مباحاً.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "أحكام عامة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 08:20 PM
مشاركة #38


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



نظام الحكم


المادة 16: نظام الحكم هو نظام وحدة وليس نظاماً اتحادياً.

النظام الصحيح للحكم إنما هو نظام وحدة ليس غير. لأن الدليل الشرعي إنما جاء به وحرم ما سواه، فقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فأضربوا عنق الآخر) أخرجه مسلم وروي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا بويع لخلفتين فاقتلوا الآخر منهما) أخرجه مسلم. ووجه الاستدلال بهذين الحديثين هو أن الحديث الأول يبين أنه في حال إعطاء الإمامة أي الخلافة لواحد وجبت طاعته، فإن جاء من ينازعه هذه الخلافة وجب قتاله وقتله إن لم يرجع عن هذه المنازعة، فبين الحديث أن من ينازع الخليفة في الخلافة وجب قتله. ومفهوم الحديث منع تجزئة الدولة، والحث على عدم السماح بتقسيمها، ومنع الانفصال عنها ولو بقوة السيف. أما الحديث الثاني فإنه في حال خلو الدولة من خليفة، وأعطيت الخلافة لشخصين فاقتلوا الآخر منهما، ومن باب أولى إذا أعطيت لأكثر من اثنين. ومفهوم الحديث منع تقسيم الدولة. وهذا يعني تحريم جعل الدولة دولاً، بل يجب أن تكون دولة واحدة ومن هنا كان نظام الحكم في الإسلام نظام وحدة لا نظام اتحادي، ويحرم غير نظام الوحدة تحريماً قاطعاًَ. ولهذا وضعت هذه المادة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "نظام الحكم"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 08:24 PM
مشاركة #39


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



نظام الحكم


المادة 17: يكون الحكم مركزياً والإدارة لا مركزية.

وقد وضعت هذه المادة للتفريق بين الحكم والإدارة. والتفريق بينهما يظهر في ناحيتين: في واقع كل منهما وفي أعمال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في توليته الحكام وفي تعيينه الموظفين. أما واقع كل منهما فإن الحكم والملك والسلطان بمعنى واحد، وهو السلطة التي تنفذ الأحكام. قال في القاموس المحيط: "أقر بالملوكة بالضم بالملك والملك بالضم ويؤنث والعظمة والسلطان" وقال في موضع آخر: "والسلطان الحجة وقدرة الملك" وقال في موضع ثالث: "الحكم بالضم: القضاء جمعه أحكام وقد حكم عليه بالأمر حكماً وحكومة وبينهم كذلك والحاكم منفذ الحكم". وهذا يعني أن الحكم لغة القضاء، والحاكم لغة منفذ الحكم، والمراد من الحكم في هذه المادة هو الحكم اصطلاحاً بمعنى تنفيذ الأحكام أي الملك والسلطان وقدرة الملك. أو بتعبير آخر الحكم هو عمل الإمارة التي أوجبها الشرع على المسلمين بقوله عليه الصلاة والسلام: (ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم) أخرجه أحمد من طريق عبد الله بن عمرو، وعمل الإمارة هذا هو السلطة التي تستعمل لدفع التظالم وفصل التخاصم. أو بعبارة أخرى الحكم هو ولاية الأمر الواردة في قوله تعالى: ((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء: 59] وقوله تعالى: ((وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ)) [النساء: 83]. وهي مباشرة رعاية الشؤون بالفعل. هذا هو واقع الحكم. وعلى ذلك تكون ولاية الأمر والإمارة والملك والسلطان هي الحكم وما عداها فهو الإدارة. وعليه فإن ما يقوم به الخليفة وأمراؤه من ولاة وعمال من رعاية شؤون الناس بتنفيذ أحكام الشرع وتنفيذ أحكام القضاة هو الحكم. وما عداه مما يقوم به هؤلاء أو غيرهم ممن يعينونه من الناس أو يعينه الخليفة هو الإدارة. وبذلك يبرز الفرق بين الحكم والإدارة. وقد جعل الشارع هذا الحكم بهذا الواقع للخليفة تنتخبه الأمة أو للأمير تختاره الأمة، فباختيار الأمة للأمير أو ببيعتها للخليفة صار الخليفة أو صار الأمير صاحب الصلاحية في الحكم، أي صار الحكم لهذا الخليفة أو ذاك الأمير، ولا يكون لغيره إلا إذا أعطاه إياه هو، ومن هنا كان الحكم مركزياً. أي أن الحكم للأمة تعطيه هي لشخص خليفة كان أو أميراً، وبإعطائها إياه بالبيعة أو الاختيار أي الانتخاب صار الحكم له، وهو حينئذ يعطي صلاحية الحكم لمن يشاء وليس لغيره صلاحية الحكم إلا إذا أعطاه إياها. وبهذا تبرز مركزية الحكم بأنه حصر صلاحية الحكم فيمن اختارته الأمة حيث يكون هو المتمتع بالحكم ذاتياً. أما غيره فلا يتمتع بالحكم ذاتياً، وإنما يأخذه بإعطاء غيره له محدداً بحسب هذا الإعطاء بالمكان والزمان والحادثة. وعلى ذلك فإن واقع الحكم يدل على أنه مركزي ويلزم بمركزيته.

وأما أعمال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام أرسل الولاة إلى الولايات وكان يأمرهم أن ينفذوا أحكام الشرع على الناس، وعين الموظفين ليقوموا بالأعمال لا لينفذوا الأحكام، فمثلاً عين ولاة وجعل لهم حق تنفيذ الأحكام، ولم يحدد لهم وسائل وأساليب التنفيذ، وإنما تركها لهم، وبعضهم كان يكتب له كتاباً يضمنه أحكام الشرع لا وسائل تنفيذها أو أساليب التنفيذ، وبعضهم كان يأمره أن ينفذ شرع الله. فقد عين عمرو بن حزم والياً وكتب له كتاباً، وعين معاذ بن جبل وسأله كيف يحكم وأقره على رأيه، وعين بن أسيد والياً لينفذ شرع الله. وكان الذي يعين والياً يرى من صلاحياته أن ينفذ، روي (أن عمران بن الحصين استعمل على الصدقة، فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووضعناه حيث كنا نضعه) رواه ابن ماجة والحاكم وصححه. وهذا بخلاف الموظفين فإنهم تحدد لهم وظائفهم ويقومون بما طلب منهم. فمثلاً عين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن رواحة خارصاً يخرص على اليهود أي يقدر الثمر وهي على أصولها قبل أن يجد، روى أحمد بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله قال: أفاء الله عز وجل خيبر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم ثم قال لهم: يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلي قتلتم أنبياء الله عز وجل، وكذبتم على الله وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم. قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر فإن شئتم فلكم وإن أبيتم فلي. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض قد أخذنا فاخرجوا عنا. وكان يبعث العمال يجبون الزكاة فيجمعونها ويحضرونها للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكان يعطيهم أجرهم: (عن بسر بن سعيد عن ابن الساعدي المالكي أنه قال: استعملني عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعمالة، فقلت: إنما عملت لله وأجري على الله، فقال: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعملني، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق) أخرجه مسلم. فعمران بن حصين حاكم استهجن أن تطلب منه الزكاة التي جمعها، فقد نفذ حكم الله وأعطاها لمستحقيها كما كان يفعل حين كان يعينه سول الله، ولكن بسر بن سعيد موظف قام بما وكل إليه من جمع الزكاة، ولم يقم بتنفيذ أحكام الشرع. وبهذا يظهر الفرق بين أعمال الحاكم وبين أعمال الموظف. فأعمال الحاكم تنفيذ للشرع، أي حكم وملك وسلطان. وأعمال الموظف قيام بأعمال لا تنفيذ أحكام فهي ليست من الحكم، وإنما هي من الإدارة وبهذا أيضاً يظهر الفرق بين أعمال الحاكم نفسه، فإن منها ما هو حكم وهو تنفيذ أحكام الشرع. وتنفيذ أحكام القضاة، وهذه لا يملك أحد صلاحية فيها إلا إذا عينه من له صلاحية الحكم حسب تعينه. ومنها ما هو أساليب ووسائل تستعمل للوصول إلى تحقيق التنفيذ، وهذه من الإدارة، وهي بالنسبة للحاكم لا تحتاج إلى تعين ولا تحتاج إلى الرجوع إلى من عينه، بل إن تعينه حاكماً يعطيه صلاحية استعمال الوسائل التي يراها، والأساليب التي يشاؤها، ما لم يعين له من عينه أساليب معينة، ووسائل معينة، فحينئذ يلتزم بما عينه له. أي تعيينه حاكماً يعطيه صلاحية القيام بالأعمال الإدارية ما لم تكن هناك أنظمة إدارية صادرة عمن له صلاحية الحكم، فحينئذ يتبع هذه الأنظمة. ومن هذا يتبين أن معنى الحكم مركزي: هو أن القيام بالسلطة أي بتنفيذ الشرع لا يملكه أحد ذاتياً إلا من أعطته إياه الأمة، فهو محصور به، ويملكه كل من يعطيه إياه. ومعنى الإدارة لا مركزية هو أن الحاكم الذي يعينه لا يرجع إلى من عينه في الأمور الإدارية، وإنما يقوم بها حسب ما يرى وذلك ثابت من واقع الحكم كما ورد في النصوص الشرعية، ومن عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تعينه الحكام وهذا هو دليل هذه المادة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "نظام الحكم"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 08:27 PM
مشاركة #40


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



نظام الحكم


المادة 18: الحكام أربعة هم: الخليفة، ومعاون التفويض، والوالي، والعامل، ومن في حكمهم. أما من عداهم فلا يعتبرون حكاماً، وإنما هم موظفون.

إن الحاكم في المادة هو ولي الأمر الذي يرعى الشؤون سواء أكانت الرعاية في جميع الدولة أم في جزء منها، وباستقراء الأحكام الشرعية فإن الذي تستند إليهم رعاية الشؤون، وتستند إليهم إقامة الأحكام، والطاعة في تنفيذ الإحكام هم هؤلاء الأربعة: الخليفة والمعاون "وزير التفويض"، والوالي، والعامل. وهم الذين تكون طاعتهم بسبب ولاية الأمر.

أما الخليفة فهو الرجل الذي تبايعه الأمة ليقيم الدين نيابة عنها، فيقيم الحدود، ويطبق الأحكام، ويمضي الجهاد، وله حق الطاعة: (ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر) أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص.

وأما وزير التفويض فهو المعاون الذي يعين الخليفة في تدبير شؤون الرعية، أي في الرعاية العامة الدائمة الملزمة. والدليل على أنه ولي أمر واجب الطاعة في الأمور التي يكلفه بها الخليفة أو يطلب منه أن يعينه في إمضائها، ما رواه أحمد بسند جيد عن عائشة رضي الله عنها قال: قل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من ولاه الله عز وجل من أمر المسلمين شيئاً فأراد به خيراً جعل له وزير صدق، فإن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه).

أما الوالي فهو الرجل الذي يؤمره الخليفة على إحدى ولايات الدولة. والدليل على أنه ولي أمر واجب الطاعة ما رواه مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (... ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة) وفي رواية أخرى عند مسلم عنه رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (... إذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه، فأكرهوا عمله، ولا تنزعوا يداً من طاعة).

وأما العامل فهو من يؤمره الخليفة أو ينوب عنه على كورة أو مدينة أو جزء من الولاية، وعمله كعمل الوالي سوى أنه يحكم في جزء من الولاية لا في الولاية كلها، ولذلك فهو حاكم واجب الطاعة كالوالي لأنه أمير من قبل الخليفة أو الوالي، روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة). وروى مسلم عن أم الحصين تحدث أنها سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب في حجة الوداع وهو يقول: (ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فأسمعوا له وأطيعوا).

وأما عبارة "ومن في حكمهم" فهي تعني قاضي المظالم، وقاضي القضاة إذا أعطيت له صلاحية تعين وعزل قاضي المظالم وبالتالي صلاحية القضاء في المظالم، لأن قضاء المظالم من الحكم كما هو موضح في المادة 78.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "نظام الحكم"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة

11 الصفحات V  < 1 2 3 4 > » 
موضوع مغلقموضوع جديد
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



نسخة خفيفة الوقت الآن: 20th July 2019 - 05:28 AM