منتدى العقاب

هذا المنتدى هو أرشيف منتدى العقاب حتى عام 2012

وهو فقط للمطالعة والتصفح، للمشاركة نرجو الانتقال للمنتدى الجديد

http://www.alokab.com

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )



11 الصفحات V  < 1 2 3 4 5 > »   
موضوع مغلقموضوع جديد
> مشروع دستور دولة الخلافة, منسق
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 08:30 PM
مشاركة #41


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



نظام الحكم


المادة 19: لا يجوز أن يتولى الحكم أو أي عمل يعتبر من الحكم إلا رجل حر، بالغ، عاقل، عدل، قادر من أهل الكفاية، ولا يجوز أن يكون إلا مسلماً.

إن الله تعالى نهى نهياً جازماً عن أن يكون الكافر حاكماً على المسلمين قال الله تعالى: ((وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)) [النساء: 141] وجعل الكافر حاكماً على المسلم هو جعل سبيل له عليه، وقد نفى الله ذلك نفياً قاطعاً باستعمال حرف "لن" وهو قرينة على أن النهي عن أن يكون للكافر سبيل على المسلمين، أي عن أن يكون الكافر حاكماً على المسلمين نهي جازم، فهو يفيد التحريم، وأيضاً فإن الله اشترط في الشاهد على الرجعة أن يكون مسلماً قال تعالى: ((فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)) [الطلاق: 2] ومفهومه لا من غيركم، واشترط في الشاهد في الدين أن يكون مسلماً قال تعالى: ((وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)) [البقرة: 282] أي لا من رجال غيركم. وإذا كان مثل الشاهد في هذين الأمرين اشترط الشرع فيه أن يكون مسلماً، فمن باب أولى أنه يشترط في الحاكم أن يكون مسلماً، وأيضاً فإن الحكم هو تنفيذ أحكام الشرع وتنفيذ القضاة، وهم مأمورون أن يحكموا بالشرع، وهو يقتضي أن يكون المنفذ مسلماً لأنه يؤمن بما ينفذ، والكافر لا يؤتمن على الإسلام، ولذلك اشترط أن يكون مسلماً، وأيضاً فإن الحكام هم أولو الأمر والله تعالى حين أمر بالطاعة لأولي الأمر، وحين أمر برد الأمر من الأمن أو الخوف إلى أولى الأمر اشترط أن يكون ولي الأمر مسلماً. فقال تعالى: ((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء: 59] وقال: ((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ)) [النساء: 83]. فقال: "منكم" أي لا من غيركم وقال: "منهم" أي لا من غيرهم .مما يدل على أن ولي الأمر يشترط فيه أن يكون مسلماً. ولم ترد في القرآن كلمة ولي الأمر إلا مقرونة بأن يكون من المسلمين، مما يؤكد اشتراط أن يكون الحاكم مسلماً، وأيضاً فإن الحاكم له على المسلمين الطاعة، والمسلم غير مكلف بطاعة الكافر، لأن تكليفه إنما ورد بطاعة ولي الأمر المسلم قال تعالى: ((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء: 59] فأمر بطاعة أولي الأمر من المسلمين، ولم يأمر بطاعة غيرهم مما يدل على عدم وجوب طاعة ولي الأمر الكافر، ولا حاكم دون طاعة. ولا يقال إن المسلم مكلف بطاعة مدير الدائرة الكافر لأن مدير الدائرة ليس ولي الأمر بل هو موظف أي أجير، فطاعته تأتي من أمر ولي الأمر بطاعة مدير الدائرة، والكلام هو في ولي الأمر لا في الأجير. ولهذا لا يصح أن يكون ولي الأمر على المسلمين إلا مسلماً ولا يصح أن يكون كافراً، فلا يجوز أن يكون الحاكم كافراً مطلقاً.

وأما شرط أن يكون الحاكم رجلاً فلما روي عن أبي بكرة قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) أخرجه البخاري فإخبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنفي الفلاح عمن يولون أمرهم امرأة نهي عن توليتها، إذ هو من صيغ الطلب. وكون هذا الإخبار جاء إخبار بالذم فإنه يكون قرينة على أن النهي نهي جازم، فتكون تولية المرأة الحكم حراماً، ومن هنا كان شرطاً من شروط تولية الحاكم.

وأما اشترط أن يكون الحاكم عدلاً فلأن الله تعالى اشترط في الشاهد أن يكون عدلاً، قال الله تعالى: ((وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)) [الطلاق: 2] فمن هو أعظم من الشاهد وهو الحاكم من باب أولى يلزم أن يكون عدلاً، لأنه إذا اشترطت العدالة للشاهد فشرطها للحاكم أولى.

وأما شرط أن يكون حراً فلأن العبد لا يملك التصرف بنفسه فلا يملك أن يرعى شؤون غيره. ثم إن العبودية تقتضي أن يكون وقت العبد ملكاً لسيده.

وأما شرط أن يكون بالغاً، فلأنه لا يجوز أن يكون صبياً. لما روي أبو داود عن شرط بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يبرأ). وله رواية أخرى بلفظ: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم)، ومن رفع القلم عنه لا يصح أن يتصرف في أمره وهو غير مكلف شرعاً، فلا يصح أن يكون خليفة، أو ما دون ذلك من الحكم، لأنه لا يملك التصرفات. والدليل أيضاً على عدم جواز كون الخليفة صبياً ما روى البخاري: "عن أبي عقيل زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام، وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، بايعه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هو صغير، فمسح رأسه ودعا له...". فإذا كانت بيعة الصبي غير معتبرة وأنه ليس عليه أن يبايع غيره خليفة، فمن باب أولى أنه لا يجوز أن يكون خليفة.

وأما شرط أن يكون عاقلاً فلأنه لا يصح أن يكون مجنوناً، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منها (المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق). ومن رفع عنه القلم فهو غير مكلف، لأن العقل مناط التكليف، وشرط لصحة التصرفات. والخليفة إنما يقوم بتصرفات الحكم، وبتنفيذ التكاليف الشرعية، فلا يصح أن يكون مجنوناً، لأن المجنون لا يصح أن يتصرف في أمر نفسه، ومن باب أولى لا يصح أن يتصرف في أمور الناس.

وأما شرط أن يكون قادراً من أهل الكفاية فلأن ذلك من مقتضى البيعة في حق الخليفة، ومن مقتضى عقد التولية في غير الخليفة من المعاونين والولاة والعمال، إذ إن العاجز لا يقدر على القيام بشؤون الرعية بالكتاب والسنة اللذين بويع عليهما أو وفق عقد التولية الذي ولي به.

ومن الأدلة على ذلك:

1- أخرج مسلم من طريق أبي ذر رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها".

فهي تبين الأمر بأخذها بحقها وأداء الذي عليه أي أن يكون أهلا لها، والقرينة تفيد الجزم لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال فيمن يأخذها وهو ليس أهلاً لها: "إنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها ...".

2- أخرج البخاري من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).

فالحديث كذلك يفيد النهي الجازم عن أن توضع الولاية لمن ليس لها أهلاً. والقرينة الجازمة هي أن ذلك يعني تضييعاً للأمانة وإنها من علامات الساعة للدلالة على عظم تحريم تولية من ليس أهلاً.

أما كيف تحدد (الكفاية) فهي تحتاج إلى تحقيق مناط لأنها قد تكون تتعلق بمرض جسماني أو بمرض فكري أو ...، ولذلك يترك تحديدها إلى محكمة المظالم فهي التي تقرر مثلاً توفر شروط الانعقاد في المرشحين للخلافة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "نظام الحكم"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 08:34 PM
مشاركة #42


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



نظام الحكم


المادة 20: محاسبة الحكام من قبل المسلمين حق من حقوقهم وفرض كفاية عليهم. ولغير المسلمين من أفراد الرعية الحق في إظهار الشكوى من ظلم الحاكم لهم، أو إساءة تطبيق أحكام الإسلام عليهم.


والحاكم إذا نصب على الرعية ليحكمها إنما يكون قد نصب لرعاية شؤونها، فإذا قصر في هذه الرعاية وجبت محاسبته، وإنه وإن يكن حسابه عند الله، وجزاؤه العذاب على تقصيره أو تفريطه، فإن الله جعل للمسلمين الحق في محاسبته وفرض هذه المحاسبة عليهم فرضاً على الكفاية. إذ جعل الأمة قوامة على قيام الحاكم بمسؤولياته، وألزمها الإنكار عليه إذا قصر في هذه المسؤوليات، أو أساء في تصرفاته، فقد روى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع). أي من عرف المنكر فليغيره، ومن لم يقدر على تغييره فأنكر ذلك بقلبه فقد سلم. فالمسلمون من أفراد الرعية يجب عليهم أن يحاسبوا الحاكم للتغيير عليه ويكونون آثمين إذا رضوا بأعمال الحاكم التي تنكر وتابعوه عليها. وأما غير المسلمين فإن لهم إظهار الشكوى من ظلم الحاكم لورود النهي عن الظلم مطلقاً سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين ولورود النهي عن أذى أهل الذمة، قال عليه الصلاة والسلام: (ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة) أخرجه أبو داود وقال العراقي إسناده جيد. وهذا نهي جازم عن إيذاء المعاهد، وأهل الذمة من باب أولى. ولورود النهي عن أنواع معينة من الأذى ومثلها كل أذى، فقد أخرج أبو داود من طريق ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث صلح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل نجران قال: (على أن لا تهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنوا عن دينهم، ما لم يحدثوا حدثاً أو يأكلوا الربا). فإذا ظلم الذمي أو ناله من الحاكم فإن له الحق في إظهار شكواه حتى يرفع الظلم عنه ويعاقب الذي ظلمه. وتسمع الشكوى منه على أي حال سواء أكان محقاً في شكواه أم غير محق. وجاء في كتاب الأهوال لابن أبي الدنيا بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب، كما قال الحافظ في مقدمة الفتح، أن أبا بكر رضي الله عنه تحدث إلى يهودي يدعى فنحاص يدعوه إلى الإسلام فرد فنحاص بقوله: "والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه أغنياء وما عنا بغني، ولو كان غنياً ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنياً ما أعطانا" وفنحاص يشير هنا إلى قوله تعالى: ((مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ)) [البقرة: 245]. ولكن أبا بكر لم يطق على هذا الجواب صبراً، فغضب وضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك يا عدو الله. فشكا فنحاص أبا بكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم شكواه وسأل أبا بكر فحدثه عما قاله، ولما سئل فنحاص أنكر ما قاله لأبي بكر في الله، فنزل قوله تعالى: ((لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ )) [آل عمران: 181]. أورد سبب النزول هذا ابن أبي حاتم وابن المنذر بإسناد حسن عن ابن عباس كما ذكر الحافظ في الفتح. ومن المعلوم أن أبا بكر كان وزير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أي معاوناً فكان حاكماً وفنحاص كان معاهداً وقد سمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الشكوى منه على أبي بكر مع أنه غير محق، وإذا كانت تسمع الشكوى من المعاهد فمن الذمي من باب أولى فوق أنه قد أعطي له عهد الذمة.

وأما الشكوى من إساءة تطبيق أحكام الإسلام فإنها حق للمسلمين وغير المسلمين. فقد شكا بعض المسلمين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم من معاذ بن جبل بأنه يطيل القراءة في الصلاة أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله قال: (أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل، فوافق معاذ يصلي، فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء، فأنطلق الرجل -وبلغه أن معاذاً نال منه- فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشكا إليه معاذاً، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا معاذ أفتان انت؟! أو أفاتن؟! ثلاث مرار، فلولا صليت بسبح اسم ربك، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة). فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم سمع شكواه وزجر معاذاً حتى قال له: (أفتان أنت؟ ثلاث مرات) ومعاذ كان والياً على اليمن وكان إماماً لقوله وروي هذا الحديث روايات عدة فسواء أكانت الشكوى منه وهو في اليمن أو وهو إمام قومه فهي شكوى ممن ولاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهي شكوى من حاكم، وهي شكوى من تطبيق أحكام الشرع، لأن حكم الشرع أن الإمام يخفف في الصلاة لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أم أحدكم الناس فليخفف) متفق عليه واللفظ لمسلم، فهي شكوى من إساءة تطبيق أحكام الإسلام. وهي كما سمعت من المسلم في حكم الصلاة تسمع في سائر الأحكام وليس في الصلاة فحسب، على أن إساءة تطبيق أحكام الشرع تعتبر مظلمة من المظالم فتكون الشكوى منها حق للمسلم والذمي لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة) أخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. وكلمة أحد في الحديث تشمل المسلم والذمي، إذ لم يقل يطلبني مسلم بل قال: (وليس أحد منكم يطلبني) وهذه كلها أدلة على هذه المادة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "نظام الحكم"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 08:37 PM
مشاركة #43


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



نظام الحكم


المادة 21: للمسلمين الحق في إقامة أحزاب سياسية لمحاسبة الحكام، أو الوصول للحكم عن طريق الأمة على شرط أن يكون أساسها العقيدة الإسلامية، وأن تكون الأحكام التي تتبناها أحكاماً شرعية. ولا يحتاج إنشاء الحزب لأي ترخيص. ويمنع أي تكتل يقوم على غير أساس الإسلام.

ودليلها قوله تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) [ال عمران: 104]. ووجه الاستدلال بهذه الآية على إقامة أحزاب سياسية هو أن الله تعالى قد أمر المسلمين بأن يكون منهم جماعة تقوم بالدعوة إلى الخير، أي الدعوة إلى الإسلام، وتقوم كذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقوله تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ)) أمر بإيجاد جماعة متكتلة تكتلاً يوجد لها وصف الجماعة من بين جماعة المسلمين. إذ قال: "منكم" فالمراد بقوله: "ولتكن منكم" لتكن جماعة من المسلمين. لان "من" في الآية للتبعيض وليست لبيان الجنس، وضابطها أن يصلح مكانها لفظ "بعض" فنقول: "وليكن بعضكم أمة" في حين لا يصلح وضع لفظ "بعض" في الأية: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ)) [النور: 55] فلا نقول "وعد الله الذين أمنوا بعضكم" ولذلك هي هنا لبيان الجنس أي لا يقصر الوعد على جيل الصحابة رضوان الله عليهم بل الوعد لكل الذين أمنوا وعملوا الصالحات. وعليه فما دامت "من" في الآية ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ)) للتبعيض فإن هذا يعني أمرين: أحدهما أن إقامة جماعة من بين المسلمين فرض كفاية وليس فرض عين، وثانيهما أن وجود كتلة لها صفة الجماعة، من المسلمين، يكفي للقيام بهذا الفرض مهما كان عدد هذه الكتلة ما دامت لها صفة الجماعة وما دامت قادرة على القيام بالعمل المطلوب منها في الآية. فلفظ "ولتكن" مخاطب به الأمة الإسلامية كلها ولكنه مسلط على كلمة أمة أي جماعة، أي المطلوب مطلوب من المسلمين جميعاً، والشيء المطلوب إيجاده هو جماعة لها صفة الجماعة، فيكون معنى الآية أوجدوا أيها المسلمون جماعة تقوم بعملين أحدهما أن تدعو إلى الخير أي الإسلام والثاني أن تأمر بالمعروف وتنهى عن النكر، فهو طلب بإيجاد جماعة، وهذا الطلب قد بين فيه عمل هذه الجماعة. وهذا الطلب وإن كان مجرد أمر "ولتكن" ولكن هناك قرينة تدل على أنه طلب جازم، فإن العمل الذي بينته الآية لتقوم به هذه الجماعة فرض على المسلمين أن يقوموا به كما هو ثابت في آيات أخرى وفي أحاديث متعددة فيكون ذلك قرينة على أن هذا الطلب طلب جازم، وبذلك يكون الأمر في الآية للوجوب. فالآية تدل على أنه يجب على المسلمين أن يقيموا من بينهم جماعة تقوم بالدعوة إلى الخير أي إلى الإسلام، وبالأمر بالمعروف والنهي عن النكر.

هذا من جهة كون إقامة جماعة تقوم بهذين العملية المذكورين في الآية فرضاً على المسلمين يأثم المسلمون جميعاً إذا لم توجد هذه الجماعة. أما كون هذه الجماعة الوارد إقامته في الآية حزباً سياسياً فإن الدليل عليه أمرين: أحدهما أن الله لم يطلب في هذه الآية من المسلمين أن يقوموا بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن النكر، وإنما طلب فيها إقامة جماعة تقوم بهذين العملين. فالمطلوب ليس القيام بالعملين بل إقامة جماعة تقوم بهما. فيكون الأمر مسلطاً على إقامة الجماعة وليس على العملين. والعملان هما بيان لأعمال الجماعة المطلوب إيجادها، وليسا هما الأمر المطلوب فيكونان وصفاً معيناً لنوع الجماعة المطلوب إيجادها، والجماعة حتى تكون جماعة تستطيع مباشرة العمل بوصف الجماعة لا بد من أمور معينة حتى تكون جماعة وتظل جماعة وهي تقوم بالعمل، فحتى تكسب الجماعة الوصف الذي جاء في الآية وهو جماعة تعمل عملين لا بد لها مما يوجدها جماعة ويبقيها جماعة وهي تعمل. والذي يوجدها جماعة هو وجود رابطة تربط أعضائها ليكونوا جسماً واحداً أي كتلة ومن غير وجود هذه الرابطة لا توجد الجماعة المطلوب إيجادها، وهي جماعة تعمل بوصفها جماعة. والذي يبقيها جماعة وهي تعمل هو وجود أمير لها تجب طاعته. لأن الشرع أمر كل جماعة بلغت ثلاثة فصاعداً بإقامة أمير قال عليه الصلاة والسلام: (ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم" أخرجه أحمد من طريق عبد الله بن عمرو. لأن ترك الطاعة يخرج عن الجماعة قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتفق عليه، واللفظ لمسلم: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتة جاهلية). فجعل الخروج على الأمير مفارقة للجماعة. وإذن الأمر الذي يبقيها جماعة وهي تعمل هو طاعة أمير الجماعة. وهذان الوصفان لا بد منهما حتى توجد الجماعة التي تقوم بالعملين وهي جماعة وهما وجود رابطة للجماعة ووجود أمير لها واجب الطاعة يدلان على أن قوله تعالى: ((ولتكن منكم أمة)) ولتوجد منكم جماعة لها رابطة تربط أعضاءها ولها أمير واجب الطاعة. وهذه هي الكتلة أو الحزب أو الجمعية أو المنظمة أو أي اسم من الأسماء التي تطلق على الجماعة التي تستوفي ما يجعلها جماعة ويبقيها جماعة وهي تعمل. وبذلك يظهر أن الآية أمر بإيجاد أحزاب أو جمعيات أو منظمات أو ما شاكل ذلك. وأما كون هذا الأمر هو بإيجاد أحزاب سياسية فلأن الأمر طلب إيجاد جماعة معينة بتعين العمل الذي تقوم به لا مطلق جماعة، فالأية قد بينت العمل الذي تقوم به الجماعة بوصف الجماعة وبهذا البيان عينت نوع الجمعية المطلوب إيجادها. إذ ذكرت الآية: لتوجد من المسلمين جمعية تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن النكر. فيكون هذا وصفاً لهذه الجمعية. وهو وصف محدد، فالجمعية التي تستكمل هذا الوصف هي الواجب إيجادها وما عداها فلا. أما الدعوة إلى الخير أي الدعوة إلى الإسلام فيمكن أن تقوم بها جمعية ويمكن أن يقوم بها حزب ويمكن أن تقوم بها منظمة. ولكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جاء عاماً لا يمكن أن يقوم به إلا حزب سياسي. لأنه يشمل أمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر، بل هو أهم أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو داخل في هذه الآية، إذ قد جاءت عامة: ((ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)) فهو اسم جنس محلى بالألف واللام فهو من صيغ العموم. وهذا العمل من أهم أعمال الحزب السياسي وهو الذي يضفي السياسة على الحزب أو الجمعية أو المنظمة ويجعلها حزباً سياسياً أو جمعية سياسية. وبما أن هذا العمل وهو أمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر هو من أهم أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أحد العملين المطلوبين في الآية ليكونا عمل الجماعة الواجب إيجادها، لذلك كان الأمر في الآية مسلطاً على جماعة معينة هي جماعة عملها الدعوة إلى الإسلام وأمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر وأمر سائر الناس كذلك بالمعروف والنهي عن النكر. وهذه الجماعة هي التي جعل الله إيجادها فرضاً على المسلمين، أي المستوفية جميع هذه الأوصاف الموجودة في الآية نعتاً لها. وهذه الجماعة التي بهذا الوصف هي الحزب السياسي. ولا يقال أن إيجاد جماعة تدعو إلى الإسلام وتأمر الناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر ولا تتعرض للحكام كاف للقيام بالفرض، لا يقال ذلك لأن القيام بالفرض لا يتأتى إلا إذا كانت الجماعة التي أوجدها المسلمون مستوفية جميع الأوصاف التي لها، أي مستوفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الدعوة إلى الخير لأن العطف جاء بالواو وهي تفيد المشاركة، ولأن لفظ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاء عاماً بصيغة من الصيغ العموم فيجب أن يظل على عمومه وأن يستوفي عمومه، فلا يتأتى القيام بالفرض إلا إذا كان عمل الجماعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عاماً كما جاء في الآية لا يستثني منه شيء. فإذا استثني منه أمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر، أي استثني العمل السياسي لم توجد الجماعة المطلوبة في الآية، وكانت هذه الجماعة ليست المطلوبة في الآية لأنها استثنت عملاً مهماً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو قد جاء في الآية عاماً فلا يتم لها الوصف إلا إذا كان أمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر من أعمالها. ولهذا لا يتم القيام بالفرض كما جاء في الآية إلا بإيجاد جماعة سياسية. أي حزباً سياسياً أو جمعية سياسية أو منظمة سياسية. أي الجماعة التي يكون لديها القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عاماً لا يستثني منه شيء، وهذا لا يوجد إلا بالحزب السياسي وبالجمعية السياسية وما شاكلهما.

وعلى هذا فإن الآية قد أمر الله بها بإقامة أحزاباً سياسية تقوم بحمل الدعوة الإسلامية، وبمحاسبة الحكام بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وبأمر سائر الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا هو وجه الاستدلال في هذه الآية على أنها دليل المادة.

ولا يقال إن الآية تقول "أمة" أي حزباً واحداً، وهذا يعني عدم تعدد الأحزاب. لا يقال ذلك لأن الآية لم تقل، أمة واحدة، فلم تقل جماعة واحدة وإنما قالت أمة بصيغة التنكير من غير أي وصف. فهو يعني إقامة جماعة فرض فإذا قامت جماعة واحدة حصل الفرض، ولكنه لا يمنع من إقامة جماعات متعددة أي كتل متعددة. فقيام واحد بفرض الكفاية الذي يكفي فيه واحد أن يقوم به لا يمنع غيره أن يقوم بهذا الفرض. وجماعة هنا اسم جنس يعني أي جماعة فيطلق ويراد منه الجنس وليس الفرد الواحد قال تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)) [آل عمران: 110] والمراد منه الجنس. ونظير ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره) أخرجه مسلم من طريق أبي سعيد الخدري، فليس المراد المنكر بل جنس المنكر، ومثل ذلك كثير. فيطلب فعل الجنس وينهى عن فعل الجنس، ولا يراد به الفرد الواحد، بل يراد به الجنس. فيصدق على الفرد الواحد من الجنس، ويصدق على أفراد عدة من ذلك الجنس، فيجوز أن يوجد في الأمة حزب واحد ويجوز أن يوجد أحزاب عدة. ولكن إذا وجد حزب واحد فقد حصل فرض الكفاية إذا كان هذا الحزب قد قام بالعمل المطلوب في الآية ولكن لا يمنع من إنشاء أحزاب أخرى. فإن إقامة الحزب السياسي فرض كفاية على المسلمين فإذا قام حزب واحد وأراد آخرون أن يوجدوا حزباً ثانياً ليقوموا بذلك الفرض فلا يجوز أن يمنعوا، لأنه منع من القيام بفرض وهو حرام. ولذلك لا يجوز المنع من إقامة أحزاباً عدة سياسية. إلا أن ذلك في الأحزاب الإسلامية التي تقوم على ما نصت عليه الآية وهو الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبما في ذلك أمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر ومحاسبهم. أما غيرها فينظر فيها فإن كانت للقيام بمحرم كالدعوة إلى القومية، وكنشر الأفكار غير الإسلامية أو ما شابه ذلك كان القيام بهذه التكتلات حراماً وتمنع من قبل الدولة، ويعاقب كل من يشترك فيها، وإن لم تكن للقيام بحرام بأن كانت للقيام بمباح وقائمة على أساس مباح كانت مباحة، ولكنه لا تكون قياماً بالفرض الذي فرضه الله بنص هذه الآية إلا إذا كان حزباً سياسياً مستوفياً جميع ما جاء في الآية.

ولما كان القيام بالفرض لا يحتاج إلى إذن الحاكم، بل إن جعل القيام بالفرض متوقفاً على إذن الحاكم حرام، لهذا كان قيام الأحزاب السياسية وإنشاؤها لا يحتاج إلى ترخيص.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "نظام الحكم"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 08:42 PM
مشاركة #44


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



نظام الحكم


المادة 22: يقوم نظام الحكم على أربعة قواعد هي:
أ- السيادة للشرع لا للشعب.
ب- السلطان للأمة.
ج- نصب خليفة واحد فرض على المسلمين.
د- للخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية فهو الذي يسن الدستور وسائر القوانين.


تبين هذه المادة قواعد الحكم التي لا يوجد إلا بها، وإذا ذهب شيء منها ذهب الحكم، والمراد به الحكم الإسلامي، لا مجرد حكم. وهذه القواعد أخذت بالاستقراء من الأدلة الشرعية. فالقاعدة الأولى وهي كون السيادة للشرع لها واقع. وهو كلمة السيادة، ولها دليل وهو الدليل على أنها للشرع وليس للشعب. وأما واقعها فهو أن هذه كلمة اصطلاح غربي ويراد بها الممارس للإرادة والمسير لها، فالفرد إذا كان هو الذي يسير إرادته ويمارسها كانت سيادته له، وإن كانت إرادته يمارسها غيره ويسيرها كان عبداً، والأمة إن كانت إرادتها أي مجموعها إرادة أفرادها مسيرة من قبلها بواسطة أفراد منها تعطيهم برضاها حق تسييرها كانت سيدة نفسها، وإن كانت إرادتها مسيرة من قبل غيرها جبراً عنها كانت مستعبدة ولهذا يقول النظام الديمقراطي حق السيادة للشعب، أي هو الذي يمارس إرادته، ويقيم عنه من يشاء، ويعطيه حق تسير إرادته. وهذا هو واقع السيادة الذي يراد تنزيل الحكم عليه. أما حكم هذه السيادة فهي إنها للشرع وليست للشعب، فالذي يسير إرادة الفرد شرعاً ليس الفرد نفسه كما يشاء، بل إرادة الفرد مسيرة بأوامر الله ونواهيه. وكذلك الأمة ليست مسيرة بإرادتها تفعل ما تريد، بل هي مسيرة بأوامر الله ونواهيه. والدليل على ذلك قوله تعالى: ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)) [النساء: 65] وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة. قال النووي، بعد أن روى الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص في الأربعين، هو حديث حسن صحيح. فالذي يتحكم في الأمة والفرد، ويسير إرادة الأمة والفرد، إنما هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فالأمة والفرد كلاهما يخضع للشرع، ومن هنا كانت السيادة للشرع. ولهذا فإن الخليفة لا يبايع من قبل الأمة كأجير عندها لينفذ لها ما تريد، كما هي الحال في النظام الديمقراطي، وإنما يبايع الخليفة من الأمة على كتاب الله وسنة رسوله، لينفذ كتاب الله وسنة رسوله، أي لينفذ الشرع لا لينفذ ما يريده الناس، حتى لو خرج الناس الذين بايعوه عن الشرع قاتلهم حتى يرجعوا، ومن هذا الدليل استنبطت قاعدة السيادة للشرع لا للشعب.

وأما قاعدة السلطان للأمة فمأخوذة من جعل الشرع نصب الخليفة من قبل الأمة ومن جعل الخليفة يأخذ السلطان بهذه البيعة. أما جعل الشرع نصب الخليفة من قبل الأمة فواضح في أحاديث البيعة، عن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره) متفق عليه، وعن جابر بن عبد الله قال: (بايعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة) متفق عليه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب آليم: رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنياه إن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له، ورجل يبايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أعطي بها كذا وكذا فصدقه فأخذها ولم يعط بها) متفق عليه. فالبيعة من قبل المسلمين للخليفة وليست من قبل الخليفة للمسلمين. فهم الذين يبايعونه أي يقيمونه حاكماً عليهم، وما حصل مع الخلفاء الراشدين أنهم إنما أخذوا البيعة من الأمة، وما صاروا خلفاء إلا بواسطة بيعة الأمة لهم. وأما جعل الخليفة يأخذ السلطان بهذه البيعة فواضح في أحاديث الطاعة، وفي أحاديث وحدة الخلافة. عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فأضربوا عنق الآخر) أخرجه مسلم، وعن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) أخرجه مسلم، وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية) متفق عليه وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال فوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم) متفق عليه. فهذه الأحاديث تدل على أن الخليفة إنما أخذ السلطان بهذه البيعة، إذ قد أوجب الله طاعته بالبيعة، من بايع إماما … فليطعه. فهو قد أخذ الخلافة بالبيعة، ووجبت طاعته لأنه خليفة قد بويع، فيكون قد أخذ السلطان من الأمة ببيعتها له ووجوب طاعتها لمن بايعته، أي لمن له في عنقها بيعة، وهذا يدل على أن السلطان للأمة. على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع كونه رسولاً فإنه أخذ البيعة على الناس وهي بيعة على الحكم والسلطان وليست بيعة على النبوة، وأخذها على النساء والرجال ولم يأخذها على الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، فكون المسلمين هم الذين يقيمون الخليفة ويبايعونه على العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وكون الخليفة إنما يأخذ السلطان بهذه البيعة، دليل واضح على أن السلطان للأمة تعطيه من تشاء.

أما القاعدة الثالثة وهي نصب خليفة واحد فرض على المسلمين فإن فريضة نصب الخليفة ثابتة في الحديث الشريف، فقد روي عن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن عمر، ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أوجب على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة لخليفة ولم يوجب أن يبايع كل مسلم الخليفة، فالواجب هو وجود بيعة في عنق كل مسلم، أي وجود خليفة يستحق في عنق كل مسلم بيعة بوجوده. فوجود الخليفة هو الذي يوجد في عنق كل مسلم بيعة سواء أبايع بالفعل أم لم يبايع. أما كون الخليفة واحداً فلما روي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) أخرجه مسلم وهذا صريح بتحريم أن يكون للمسلمين أكثر من خليفة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "نظام الحكم"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 08:46 PM
مشاركة #45


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



نظام الحكم


المادة 23: أجهزة دولة الخلافة ثلاثة عشر جهازاً وهي:
1- الخليفة "رئيس الدولة"
2- المعاونون "وزراء التفويض"
3- وزراء التنفيذ
4- الولاة
5- أمير الجهاد
6- الأمن الداخلي
7- الخارجية
8- الصناعة
9- القضاء
10- مصالح الناس "الجهاز الإداري"
11- بيت المال
12- الإعلام
13- مجلس الأمة "الشورى والمحاسبة"


ودليلها فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنه قد أقام جهاز الدولة على هذا الشكل فقد كان هو صلى الله عليه وآله وسلم رئيس الدولة، وأمر المسلمين بأن يقيموا لهم رئيس دولة حين أمرهم بإقامة خليفة وبإقامة إمام. قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) أخرجه مسلم أي بيعة خليفة. وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على لزوم إقامة خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته. وقد ظهر تأكيد إجماع الصحابة على إقامة خليفة من تأخيرهم دفن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عقب وفاته وانشغالهم بنصب خليفة له صلى الله عليه وآله وسلم.

وأما المعاونون فالدليل ما رواه أبو داود بإسناد جيد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه. وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه). وما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر). ومعنى كلمة وزيراي هنا معاونان لي، لأن هذا هو معناها اللغوي، وأما كلمة وزير بالمعنى الذي يريده الناس اليوم فهو اصطلاح غربي، لم يعرفه المسلمون ويخالف نظام الحكم في الإسلام كما هو مبين في بابه.

وأما وزير التنفيذ فهو الذي كان يسمى "الكاتب" على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين، ومهمته معاونة الخليفة في التنفيذ والملاحقة والأداء. روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه). وروى ابن إسحق عن عبد الله بن الزبير (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث، وكان يجيب عنه الملوك ...". وروى الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتاب رجل. فقال لعبد الله بن الأرقم: أجب عني. فكتب جوابه ثم قرأه عليه، فقال: أصبت وأحسنت، اللهم وفقه، فلما ولي عمر كان يشاوره).

وأما الولاة فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن أبي بردة: (بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف، قال: واليمن مخلافان). وفي رواية عند مسلم عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس، فبعثه على اليمن ثم اتبعه معاذ بن جبل). وعند البخاري ومسلم عن عمرو بن عوف الأنصاري: (… وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي). وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: (وولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن العاص على عمان فلم يزل عليها حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).

وأما أمير الجهاد فدليله من السنة: روى ابن سعد في الطبقات أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلاً فيجعلوه عليهم) وروى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة …) وروى البخاري في حديث سلمة بن الأكوع قال: (غزوت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبع غزوات وغزوت مع ابن حارثة استعمله علينا). وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثاً وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقاً للإمارة ...). وروى مسلم عن بريدة قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه...).

وأما الأمن الداخلي فهذه الدائرة يرأسها صاحب الشرطة ومهمتها حفظ الأمن في دار الإسلام، فإن عجزت تولى ذلك الجيش بإذن الخليفة. دليلها ما رواه البخاري عن أنس: (كان قيس بن سعد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة صاحب الشرط من الأمير).

وأما الخارجية فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقيم العلاقات الخارجية مع الدول والكيانات الأخرى. وقد أرسل صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بن عفان ليفاوض قريشاً، كما فاوض هو صلى الله عليه وآله وسلم رسل قريش، وكذلك أرسل الرسل إلى الملوك، كما استقبل رسل الملوك والأمراء، وعقد الاتفاقيات والمصالحات. وكذلك كان خلفاءه من بعده يقيمون العلاقات السياسية مع غيرهم من الدول والكيانات. كما كانوا يولون من يقوم عنهم بذلك، على أساس أن ما يقوم به الشخص بنفسه له أن يوكل فيه عنه، وأن ينيب عنه من يقوم له به.

أما الصناعة فدليلها الكتاب والسنة: قال تعالى: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ )) [الأنفال: 60]. وأما السنة فروى ابن سعد في الطبقات عن مكحول (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوماً). وقال الواقد في المغازي: "وشاور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه، فقال له سلمان الفارسي: يا رسول الله، أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم، فإنا كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون وتنصب علينا، فنصيب من عدونا ويصيب منا بالمنجنيق، وإن لم يكن المنجنيق طال الثواء؛ فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعمل منجنيقاً بيده، فنصبه على حصن الطائف …). وقال ابن إسحق في سيرته: "حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه …" ثم إن إعداد ما يرهب العدو واجب ولا يكون هذا الإعداد إلا بالتصنيع فكان التصنيع واجباً من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" ويديره الخليفة أو من ينيبه.

وأما القضاء فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يتولى القضاء بنفسه ويقلد غيره القضاء بين الناس. أما توليه القضاء بنفسه فعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار) رواه الشيخان واللفظ للبخاري. وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قالا: (جاء إعرابي فقال: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله. فقام خصمه فقال: صدق، اقض بيننا بكتاب الله ..." رواه الشيخان واللفظ للبخاري. وأما تقليده غيره فدليله ما رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن علياً فقال: علمهم الشرائع واقضي بينهم. قال:لا علم لي بالقضاء. فدفع في صدره فقال: اللهم اهده للقضاء). وما رواه الحاكم أبضاً وصححه ووافقه الذهبي عن علي رضي الله عنه قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن فقلت: تبعثني إلى قوم ذوي أسنان وأنا حدث السن! قال: إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول. قال علي: فما زلت قاضياً).

وأما الإجماع فقد حكاه الماوردي في الحاوي قال: "وقد حكم الخلفاء الراشدون بين الناس وقلدوا القضاة والحكام … فصار ذلك من فعلهم إجماعاً". وحكاه ابن قدامة في المغني قال: "وأجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاة".

وأما مصالح الناس "الجهاز الإداري" فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدير المصالح ويعين كتاباً لإدارتهم، ويحل مشاكلهم، وينظم علاقاتهم، ويؤمن حاجاتهم، ويوجههم فيها لما يصلح أمرهم. وكل هذه من الشؤون الإدارية التي تيسر عيشهم دون مشاكل أو تعقيد:

ففي أمور التعليم، جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فداء الأسرى من الكفار تعليم عشرة من أبناء المسلمين، وبدل الفداء هو من الغنائم، وهي ملك للمسلمين، فكان تأمين التعليم مصلحة من مصالح المسلمين.

وفي التطبيب، اهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طبيب فجعله للمسلمين، فكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءته هدية فلم يتصرف بها، ولم يأخذها، بل جعلها للمسلمين، دليل على التطبيب مصلحة من مصالح المسلمين. وقد صح عن عائشة رضي الله عنها في الحديث المتفق عليه، قالت: (أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له ابن العرقة في الأكحل فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيمة في المسجد يعوده من قريب ..."، فاعتناء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو رئيس دولة، بسعد في مرضه داخل المسجد يفهم منه أن التطبيب مصلحة من مصالح المسلمين ترعاها الدولة. وقد سار على ذلك الخلفاء الراشدون. أخرج الحاكم في المستدرك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال "مرضت في زمان عمر بن الخطاب مرضاً شديداً فدعا لي عمر طبيباً فحماني حتى كنت أمص النواة من شدة الحمية".

وفي شؤون العمل، فقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً أن يشتري حبلاً ثم فأساً، ويحتطب ويبيع للناس بدل أن يسألهم، هذا يعطيه وهذا يرده، كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود وابن ماجة، وجاء فيه: (… واشتر بالدرهم الآخر قدوماً فائتني به، فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عوداً بيده ثم قال: اذهب واحتطب وبع، فلا أرينك خمسة عشر يوماً، ففعل، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم …) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه البخاري: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه). فكان حل مشاكل العمل كذلك مصلحة المسلمين.

وفي شؤون الطرق، فقد نظم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الطرق في وقته بأن جعل الطريق سبعة أذرع عند التنازع. وروى البخاري في "باب الطريق الميتاء" من طريق أبي هريرة (قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا تشاجروا في الطريق بسبعة أذرع)، ورواية مسلم (إذا اختلفتم في الطريق جعل عرضه سبع أذرع) وهو تنظيم إداري في ذلك الوقت، وإذا كانت الحاجة لأكثر كان، كما في مذهب الشافعي.

وفي الزراعة، فقد اختلف الزبير رضي الله عنه ورجل من الأنصار في السقي من سيل ماء يمر من أرضهما، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك) متفق عليه واللفظ لمسلم.

وهكذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يدير مصالح الناس، وسائر الخلفاء الراشدين من بعده يديرونها أو يعينون من يديرها.

وأما بيت المال، فإن الأدلة متضافرة على أن بيت المال كان تابعاً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، أو للخليفة، أو لمن يولى عليه بإذنه، فقد كان رسول الله عليه وسلم يباشر بنفسه أحياناً خزن المال، وكانت له خزانة. وكان يباشر قبض المال، وتوزيعه، ووضعه مواضعه، وأحياناً كان يولي غيره هذه الأمور. وكذلك كان يفعل الخلفاء الراشدون من بعده، حيث كانوا يتولون بأنفسهم أمور بيت المال أو ينيبون عنهم غيرهم.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضع المال إما في المسجد، كما روى البخاري عن أنس قال: (أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمال من البحرين فقال: انثروه في المسجد) وأما في حجرة من حجر زوجاته، كما روى البخاري عن عقبة قال: (صليت وراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعاً، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: ذكرت شيئاً من تبر عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته).

وفي عهد الراشدين صار المكان الذي يحفظ فيه المال يسمى بيت المال، ذكر ابن سعد في الطبقات عن سهل بن أبي حثمة وغيره: "أن أبا بكر كان له بيت مال بالسنح ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قال: عليه قفل. فكان يعطي ما فيه حتى يفرغ فلما انتقل إلى المدينة، حوله فجعله في داره". وروى هناد في الزهد بإسناد جيد عن أنس قال: "جاء رجل إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، احملني فإني أريد الجهاد، فقال عمر لرجل: خذ بيده فأدخله بيت المال يأخذ ما يشاء …".

وأما الإعلام فدليله الكتاب والسنة.

أما الكتاب فقوله تعالى: ((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)) [النساء: 83] وموضوع الآية الإخبار.

وأما السنة فحديث ابن عباس في فتح مكة عند الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وفيه: (وقد عميت الأخبار على قريش، فلا يأتيهم خبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يدرون ما هو صانع". ومرسل أبي سلمة عند ابن أبي شيبة وفيه: ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: (جهزيني ولا تعلمي بذلك أحداً، ... ثم أمر بالطرق فحبست، فعمى على أهل مكة لا يأتيهم خبر).

وهذا يدل على أن الإعلام المتعلق بأمن الدولة مرتبط بالخليفة أو بجهاز ينشئه لهذا الغرض.

وأما مجلس الشورى فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له مجلس معين دائماً، بل كان يستشير المسلمين في أوقات متعددة استجابة لقوله سبحانه: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)) [آل عمران: 159]، ومن هذه المشاورات ما رواه مسلم عن أنس يوم بدر (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان. قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. قال فندب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانطلقوا حتى نزلوا بدراً) ومنها ما رواه البخاري يوم الحديبية من طريق المسور ومروان قالا (وسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه، قال إن قريشاً جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، ومانعوك. فقال: أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟ فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عيناً من المشركين وإلا تركناهم محروبين. قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال امضوا على اسم الله …) إلا أنه صلى الله عليه وآله وسلم مع جمعه للمسلمين واستشارتهم كان يدعوا أشخاصاً معينين بشكل دائمي يستشيرهم، وكانوا من نقباء القوم وهم حمزة، وأبو بكر، وجعفر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وسليمان، وعمار، وحذيفة، وأبو ذر، والمقداد، وبلال. فكانوا بمثابة مجلس شورى له صلى الله عليه وآله وسلم لاختصاصه إياهم دائماً بالشورى. وكذلك كان الخلفاء الراشدون يشاورون الناس بعامة، ويخصون بالمشاورة أعداداً، فقد كان أبو بكر رضي الله عنه يخص رجالاً من المهاجرين والأنصار يرجع إليهم لأخذ رأيهم إذا نزل به أمر يكونون كأهل الشورى لديه. وكان أهل الشورى في عهد أبي بكر رضي الله عنه هم العلماء وأصحاب الفتوى، أخرج ابن سعد عن القاسم: "أن أبا بكر الصديق كان إذا نزل به أمر يريد مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه فيه، دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار، دعا عمر، وعثمان، وعلياً، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت". وكل هؤلاء كان يفتي في خلافة أبي بكر، وإنما تصير فتوى الناس إلى هؤلاء فمضى أبو بكر على ذلك، ثم ولي عمر فكان يدعو هؤلاء النفر.

كل ذلك يدل على اتخاذ مجلس خاص ينوب عن الأمة في الشورى الثابتة بنص القرآن والسنة، يطلق عليه مجلس الشورى لأنه نائب عن الأمة في "الشورى". ويكون عمله كذلك "المحاسبة" للأدلة الواردة فيها. روى مسلم (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برء، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا). والصلاة هنا كناية عن الحكم بالإسلام.

ومن المحاسبة إنكار المسلمين أولي الأمر، وعلى رأسهم عمر، على أبي بكر عزمه على محاربة المرتدين، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: "لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله. فقال: والله، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله، لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلهم على منعها. قال عمر رضي الله عنه فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه فعرفت أنه الحق".

كما أنكر بلال بن رباح والزبير وغيرهم على عمر عدم تقسيمه أرض العراق على المحاربين. وكما أنكر إعرابي على عمر حمايته لبعض الأرض فقد روى أبو عبيد في الأموال عن عامر بن عبد الله بن الزبير أحسبه عن أبيه قال: "أتى إعرابي عمر فقال: يا أمير المؤمنين، بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية، وأسلمنا عليها في الإسلام، علام تحميها؟ قال: فأطرق عمر، وجعل ينفخ ويفتل شاربه، وكان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ، فلما رأى الإعرابي ما به جعل يردد ذلك عليه، فقال عمر: المال مال الله، والعباد عباد الله، والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبراً في شبر". وكان عمر قد حمى لخيل المسلمين بعض أراضي الملكية العامة. وكما أنكرت عليه امرأة نهيه عن أن يزيد الناس في المهور على أربعمائة درهم. فقالت له: ليس هذا لك يا عمر: أما سمعت قول الله سبحانه: ((وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً)) [النساء: 20] فقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر.

وهكذا فإنه يتبين من شرح هذه المادة أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أقام جهازاً معيناً للدولة على شكل مخصوص. وظل يسير بحسبه إلى أن التحق بالرفيق الأعلى، ثم جاء خلفاؤه من بعده فساروا على ذلك، يحكمون حسب هذا الجهاز الذي أقامه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعينه، وكان على مرأى ومسمع من الصحابة، ولهذا فإنه يتعين أن يكون جهاز الدولة الإسلامية على هذا الشكل.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "نظام الحكم"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 08:51 PM
مشاركة #46


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 24: الخليفة هو الذي ينوب عن الأمة في السلطان وفي تنفيذ الشرع.

الخلافة رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا، لإقامة أحكام الشرع، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم. والذين ينصبون من يتولى هذه الرئاسة، أي ينصبون الخليفة، إنما هم المسلمون. ولما كان السلطان للأمة وتنفيذ الشرع واجباً على المسلمين، وكان الخليفة رئيساً لهم، لذلك كان واقعه أنه نائب عنهم في السلطان، وفي تنفيذ الشرع، ولذلك لا يكون خليفة إلا إذا بايعته الأمة، فبيعتها له دليل على أنه نائب عنها، ووجوب طاعته دليل على أن هذه البيعة التي يتم بها انعقاد الخلافة له قد أعطته السلطان، وهذا يعني أنه نائب عنها في السلطان. وعلى هذا الأساس وضعت هذه المادة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 09:23 PM
مشاركة #47


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 25: الخلافة عقد مراضاة واختيار، فلا يجبر أحد على قبولها، ولا يجبر أحد على اختيار من يتولاها.

ودليلها هو دليل أي عقد شرعي يتم بين عاقدين، لأنها عقد شرعي كسائر العقود، وفوق ذلك فإن حديث الأعرابي الذي بايع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم جاء يطلب منه إقالة بيعته فرفض الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذلك دليل على أن الخلافة عقد: عن جابر بن عبد الله أن أعرابياً بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد، أقلني بيعتي، فأبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها) متفق عليه، ولما كانت البيعة بالخلافة بيعة على الطاعة لمن له حق الطاعة من ولاية الأمر، فإنها تكون عقد مراضاة واختيار، فلا تصح بالإكراه، لا بإكراه من يبايع، ولا بإكراه الذين يبايعون، لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) أخرجه ابن ماجه من طريق ابن عباس، وهذا عام في كل عقد من العقود ومنها عقد الخلافة. فكل عقد جرى عقده بالإكراه فهو باطل، لأنه لم ينعقد. وكذلك الخلافة لا تنعقد بالإكراه كسائر العقود. وكذلك لا تتم الخلافة إلا بعاقدين كأي عقد من العقود، فلا يكون أحد خليفة إلا إذا ولاه أحد الخلافة، فإذا نصب أحد نفسه خليفة دون بيعة من تنعقد الخلافة ببيعتهم لا يكون خليفة، إلا إذا بايعوه عن رضا واختيار فإنه يصبح خليفة بعد البيعة، أما قبلها فلا. فإذا أكرههم على البيعة لا يكون خليفة بهذه البيعة التي أخذت بالإكراه، ولا تنعقد له الخلافة بها. لأنها عقد لا ينعقد بالإكراه لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وما وضع عنهم يعد باطلاً.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 09:28 PM
مشاركة #48


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 26: لكل مسلم بالغ عاقل رجلاً كان أو امرأة الحق في انتخاب رئيس الدولة وفي بيعته، ولا حق لغير المسلمين في ذلك.

إن واقع الخلافة دليل على أن لكل مسلم الحق في انتخاب الخليفة وبيعته، إذ جاءت الأحاديث تدل على أن المسلمين هم الذين يبايعون الخليفة، الرجال والنساء سواء، فعن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم …) الحديث رواه البخاري، وعن أم عطية قالت: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم …) الحديث رواه البخاري، وقد أورد ابن كثير في البداية والنهاية أن عبد الرحمن بن عوف أخذ رأي الرجال والنساء حين وكل إليه أخذ رأي المسلمين فيمن يكون خليفة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. فلكل مسلم رجلاً كان أو امرأة الحق في انتخاب الخليفة وبيعته، أما غير المسلم فلا حق له في ذلك لأن البيعة هي على العمل بالكتاب والسنة وهو لا يؤمن بهما فإن آمن بهما كان مسلماً.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 09:32 PM
مشاركة #49


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 27: إذا تم عقد الخلافة لواحد بمبايعة من يتم انعقاد البيعة بهم تكون بيعة الباقين حينئذ بيعة طاعة لا بيعة انعقاد فيجبر عليها كل من يلمح فيه إمكانية التمرد وشق عصا المسلمين.

ودليلها ما حصل في بيعة الخلفاء الأربعة، لأنه إجماع من الصحابة. ففي بيعة أبي بكر اكتفي بأهل الحل والعقد في المدينة وحدها، وكذلك الحال في بيعة عمر، وفي بيعة عثمان اكتفي بأخذ رأي المسلمين في المدينة وبيعتهم، وفي بيعة علي اكتفي ببيعة أكثر أهل المدينة وأكثر أهل الكوفة، مما يدل على أنه لا ضرورة لبيعة جميع المسلمين حتى تنعقد الخلافة، بل يكفي بيعة أكثر الممثلين لهم. وأما الباقي فإذا بايع فإنما يبايع على الطاعة.

وأما إجبار من يلمح منه التمرد على البيعة بعد بيعة أكثر الممثلين فهو إصرار سيدنا علي على معاوية أن يبايع ويدخل فيما دخل فيه الناس، وإجباره لطلحة والزبير على بيعته، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك، مع نصيحة بعضهم له أن لا يعزل معاوية عن ولاية الشام وسكوت الصحابة عن عمل أحدهم إذا عمل ما ينكر مثله، كالإجبار على البيعة وهي عقد مراضاة واختيار، يعتبر إجماعاً سكوتياً، ويكون دليلاً شرعياً.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 09:35 PM
مشاركة #50


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 28: لا يكون أحد خليفة إلا إذا ولاه المسلمون، ولا يملك أحد صلاحيات الخلافة إلا إذا تم عقدها له على الوجه الشرعي كأي عقد من العقود في الإسلام.

ودليلها كون الخلافة عقد مراضاة واختيار. لأن كونها عقداً يجعلها لا تتم إلا بعاقدين، فلا يكون أحد خليفة إلا إذا ولاه إياها من يتم انعقادها بهم شرعاً، فإذا نصب أحد نفسه خليفة دون بيعة من تنعقد الخلافة ببيعتهم لا يكون خليفة، حتى تجري بيعته بالرضا والاختيار ممن تنعقد بهم. فكون الخلافة عقداً يقتضي وجود عاقدين، استكملت في كل منهم الأهلية الشرعية، لتولي العقد وإتمامه.

وعلى هذا فإنه إذا قام متسلط واستولى على الحكم بالقوة فإنه لا يصبح بذلك خليفة، ولو أعلن نفسه خليفة للمسلمين، لأنه لم تنعقد له خلافة من قبل المسلمين. ولو أخذ البيعة على الناس بالإكراه والإجبار لا يصبح خليفة ولو بُويع، لأن البيعة بالإكراه والإجبار لا تعتبر ولا تنعقد بها الخلافة، لأنها عقد مراضاة واختيار لا يتم بالإكراه والإجبار، فلا تنعقد إلا بالبيعة عن رضا واختيار. إلا أن هذا المتسلط إذا استطاع أن يقنع الناس بأن مصلحة المسلمين في بيعته، وأن إقامة أحكام الشرع تحتم بيعته، وقنعوا بذلك ورضوا، ثم بايعوه عن رضا واختيار، فإنه يصبح خليفة منذ اللحظة التي بُويع فيها عن رضا واختيار، ولو كان أخذ السلطان ابتداءً بالتسلط والقوة. فالشرط هو حصول البيعة، وأن يكون حصولها عن رضا واختيار، سواء أكان مَن حصلت له البيعة هو الحاكم والسلطان، أم لم يكن.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 09:49 PM
مشاركة #51


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 29: يشترط في القطر أو البلاد التي تبايع الخليفة بيعة انعقاد أن يكون سلطانها سلطاناً ذاتياً يستند إلى المسلمين وحدهم لا إلى أي دولة الكافرة، وأن يكون أمان المسلمين في ذلك القطر داخلياً أو خارجياً بأمان الإسلام لا بأمان الكفر. أما بيعة الطاعة فحسب من البلاد الأخرى فلا يشترط فيها ذلك.

ودليلها هو امتناع أن يكون للكفار سلطان على المسلمين مصداقاً لقوله تعالى: ((وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً )) [النساء: 141] فإذا وجد سلطان للكفار على قطر من الأقطار الإسلامية لا يحق لذلك القطر أن يقيم خليفة، لأنه بإقامة خليفة إنما يقيم سلطاناً، وهو أي ذلك القطر لا يملك السلطان، فلا يعطيه. وسلطانه سلطان كفر، ولا يقوم الخليفة بواسطة سلطان الكفر. هذا من حيث السلطان، أما من حيث الأمان فإن دليله هو دليل دار الكفر ودار الإسلام، فإن إقامة الخليفة إنما هي لجعل الدار دار إسلام. ولا تكون الدار دار إسلام بمجرد إقامة حكم الإسلام بل لا بد أن يكون أمانها بأمان الإسلام لا بأمان الكفر. لأن الدار حتى تكون دار إسلام يشترط أن يجتمع فيها أمران: أحدهما أن تحكم بالإسلام والثاني أن يكون أمانها بأمان الإسلام لا بأمان الكفر.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 09:58 PM
مشاركة #52


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 30: لا يشترط فيمن يبايَع للخلافة إلا أن يكون مستكملاً شروط الانعقاد ليس غير، وإن لم يكن مستوفياً شروط الأفضلية، لأن العبرة بشروط الانعقاد.

ودليلها هو الأدلة التي وردت في صفات الخليفة، فقد وردت في صفاته أدلة كان الطلب فيها طلباً غير جازم كقوله عليه الصلاة والسلام: (إن هذا الأمر في قريش) رواه البخاري من طريق معاوية، فإنه إخبار وصيغة الإخبار وإن كانت تفيد الطلب ولكنه لا يعتبر طلباً جازماً ما لم يقترن بقرينة تدل على التأكيد، ولم يقترن بقرينة على التأكيد ولا من رواية صحيحة. أما ما ورد في الحديث (لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين) فإنه نهي عن معاداتهم وليس تأكيداً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الأمر في قريش). هذا فضلاً عن أن الكلمة قريش اسم وليس صفة ويقال له في علم الأصول لقب، ومفهوم الاسم أي اللقب لا يُعمل به لأن الاسم أي اللقب لا مفهوم له. ولذلك فإن النص في قريش لا يعني أن لا يُجعل في غيرهم.

وعليه فإن هذا الحديث يدل على شرط أفضلية وليس على شرط انعقاد لعدم وجود قرينة تصرف الطلب للجزم، بل إن هناك قرينة تصرفه إلى عدم الجزم، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين عرض نفسه على قبيلة عامر بن صعصعة وقالوا له: (أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: إن الأمر لله يضعه حيث يشاء) رواه بن اسحق عن الزهري، فإنه يدل على أن الطلب غير جازم، لأن جواب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يدل على جواز أن يكون الأمر لهم من بعده صلوات الله وسلامه عليه، ويجوز أن يكون لغيرهم ما يدل على أن شرط القرشية هو شرط أفضلية.

أما شروط الانعقاد فهي التي يرد فيها طلب جازم حتى يترتب على عدمه العدم كما هو في تعريف الشرط، أي يترتب عليه عدم صحة الخلافة له في حال عدم كونه من قريش، وهذا يعني الجزم في طلب كونه من قريش، وجواب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لقبيلة بني عامر يصرف الطلب عن الجزم. وهذا بخلاف ما ورد من نصوص في شروط الانعقاد، فمثلاً ورد في شرط البلوغ أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رفض أن يبايعه صبي حين رفض بيعة عبد الله بن هشام، وعلل ذلك لصغره. فإنها دليل على أنه يشترط في الخليفة أن يكون بالغاً، لأنه إذا كانت البيعة لا تصح من الصبي فمن باب أولى أنه لا يصح أن يكون الصبي خليفةً. فما ورد من الصفات بصيغة الطلب الجازم تعتبر شرطاً في انعقاد الخلافة له، وما عداها لا يشترط حنى ولو ورد فيها نص ما دام الطلب فيه غير جازم.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 10:03 PM
مشاركة #53


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 31: يشترط في الخليفة حتى تنعقد له الخلافة سبعة شروط وهي أن يكون: رجلاً، مسلماً، حراً، بالغاً، عاقلاً، عدلاً، قادراً من أهل الكفاية.

حيث إن الخلافة من الحكم "ولاية الأمر" بل هي الولاية العظمى، لذلك فإن نص المادة "19" قائم هنا، أي وجوب توفر الشروط السبعة المذكورة في الخليفة:

أما اشتراط كون الخليفة رجلاً فدليله ما روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بني كسرى قال: (لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة) رواه البخاري من طريق أبي بكرة. فهذا الحديث فيه نهي جازم عن تولية المرأة الخلافة، لأن التعبير بـ"لن" يفيد التأبيد، وهو المبالغة بنفي الفلاح، وفيه كذلك الذم، فيكون طلب ترك أن يكون الخليفة امرأة طلباً جازماً، ولهذا يشترط فيه أن يكون رجلاً.

وأما الشرط أن يكون مسلماً فلقوله تعالى: ((وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً )) [النساء: 141] وهو كذلك فيه نهي جازم لأن التعبير بـ"لن" التي تفيد التأبيد، هو إخبار بمعنى الطلب، وما دام الله قد حرم أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل فإنه يحرم أن يجعلوه حاكماً عليهم، إذ الحكم أعظم سبيل على المسلمين. وأيضاً فإن الخليفة هو ولي الأمر، والله تعالى قد اشترط أن يكون ولي الأمر مسلماً قال تعالى: ((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء: 59] وقال: ((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ)) [النساء: 83] ولم ترد في القرآن كلمة أولي الأمر إلا مقرونة بأن يكونوا من المسلمين، فدل على أن ولي الأمر يشترط فيه أن يكون مسلماً، ولما كان الخليفة هو ولي الأمر وهو الذي يعين أولي الأمر فإنه يشترط فيه أن يكون مسلماً.

وأما الشرط أن يكون حراً فلأن العبد مملوك لسيده فلا يملك التصرف بنفسه، ومن باب أولى أن لا يملك التصرف بغيره، فلا يملك الولاية على الناس.

وأما شرط أن يكون بالغاً فلقوله صلى الله عليه وآله وسلم (أن صلى الله عليه وآله وسلم قال رفع القلم عن ثلاثة عن النئم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق)، وفي رواية (وعن المبتلى حتى يبرأ)، أخرجه ابن ماجة والحاكم من طريق عائشة رضي الله عنها، واللفظ لابن ماجة. وأخرج نحوه الترمذي وابن خزيمة من طريق علي رضي الله عنه.

ومن رفع القلم عنه لا يصح أن يتصرف في أمره، فلا يصح أن يكون خليفة. وأيضاً فقد روي عن أبي هريرة، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تعوذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان) أخرجه أحمد من طريق أبي هريرة، ففيه دليل على أنه لا يصح أن يكون الخليفة صبياً، وأيضاً فقد حدث أبو عقيل زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، بايعه، فقال: (هو صغير، فمسح رأسه ودعا له) أخرجه البخاري، وما دام الصبي لم يجز منه أن يبايع فعدم جواز أن يبايع من باب أولى.

وأما شرط أن يكون عاقلاً فلحديث علي المار: (رفع القلم عن ثلاثة …)، إلى أن يقول: (والمبتلى حتى يبرأ) وفي رواية: (والمجنون حتى يفيق) ومن رفع عنه القلم لا يصح أن يتصرف في أمره، فلا يصح أن يكون خليفة يتصرف في أمور الناس.

وأما شرط أن يكون عدلاً فلأن الله تعالى اشترط في الشاهد أن يكون عدلاً قال تعالى: ((وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)) [الطلاق: 2] فمن هو أعظم من الشاهد وهو الخليفة من باب أولى أنه يلزم أن يكون عدلاً، لأنه إذا شرطت العدالة للشاهد فشرطها للخليفة من باب أولى.

أما شرط أن يكون قادراً من أهل الكفاية فلان ذلك من مقتضى البيعة، إذ إن العاجز لا يقدر على القيام بشؤون الرعية بالكتاب والسنة اللذين بويع عليهما.

ومن الأدلة على ذلك:

1- أخرج مسلم من طريق أبي ذر رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني، قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها).

فهي تبين الأمر بأخذها بحقها وأداء الذي عليه فيها أي أن يكون أهلاً لها، والقرينة تفيد الجزم لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال فيمن يأخذها وهو ليس أهلاً لها: (وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها …).

2- أخرج البخاري من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).

فالحديث كذلك يفيد النهي الجازم عن أن توضع الولاية لمن ليس لها أهلاً. والقرينة الجازمة هي أن ذلك يعني تضييعاً للأمانة وأنها من علامات الساعة للدلالة على عظم تحريم تولية من ليس أهلاً.

أما كيف تحدد "الكفاية" فهي تحتاج إلى تحقيق مناط لأنها قد تكون تتعلق بمرض جسماني أو بمرض فكري أو ...، ولذلك ترك تحديدها إلى محكمة المظالم فهي التي تقرر توفر شروط الانعقاد في المرشحين للخلافة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 10:40 PM
مشاركة #54


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 32: إذا خلا منصب الخلافة بموت الخليفة أو اعتزاله، أو عزله، يجب نصب خليفة مكانه خلال ثلاثة أيام بلياليها من تاريخ خلو منصب الخلافة.

إن تصب الخليفة فرض منذ اللحظة التي يتوفى فيها الخليفة السابق أو يعزل، ولكن يجوز تأخير النصب مع الاشتغال به مدة ثلاثة أيام بلياليها، فإذا زاد على ثلاث ليال، ولم يقيموا خليفة، يُنظر، فإن كان المسلمون مشغولين بإقامة الخليفة، ولم يستطيعوا إنجاز إقامته خلال ثلاث ليال، لأمور قاهرة لا قبل لهم بدفعها، فإنه يسقط الإثم عنهم؛ لانشغالهم بإقامة الفرض، ولاستكراههم على التأخير بما قهرهم عليه. روى ابن حبان وابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وإن لم يكونوا مشغولين بذلك فالحد الأقصى هو ثلاثة أيام بلياليها.

أما دليل وجوب مباشرة الاشتغال في بيعة الخليفة لمجرد خلو منصب الخلافة، فهو أن الصحابة قد باشروا ذلك في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفي اليوم نفسه، وقبل دفنه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تمت بيعة أبي بكر بيعة انعقاد في اليوم نفسه، ثم في اليوم الثاني جمعوا الناس في المسجد لبيعة أبي بكر بيعة الطاعة.

أما كون أقصى مدة يمهل فيها المسلمون لنصب الخليفة ثلاثة أيام بلياليها؛ فذلك لأن عمر عهد لأهل الشورى عند ظهور تحقق وفاته من الطعنة، وحدد لهم ثلاثة أيام، ثم أوصى أنه إذا لم يتفق على الخليفة في ثلاثة أيام، فليقتل المخالف بعد الأيام الثلاثة، ووكل خمسين رجلاً من المسلمين بتنفيذ ذلك، أي بقتل المخالف، مع أنهم من أهل الشورى، ومن كبار الصحابة، وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم ينقل عنهم مخالف، أو مُنكِر لذلك، فكان إجماعاً من الصحابة على أنه لا يجوز أن يخلوَ المسلمون من خليفة أكثر من ثلاثة أيام بلياليها، وإجماع الصحابة دليل شرعي كالكتاب والسنة.

أخرج البخاري من طريق المسور بن مخرمة قال: (طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت، فقال أراك نائماً، فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم). وذكر بن كثير في كتاب "البداية والنهاية" (فلما كانت الليلة التي يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر، جاء -عبد الرحمن بن عوف- إلى منزل بن أخته المسور بن مخرمة فقال: أنائم يا مسور؟ والله لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث …) أي ثلاث ليال، فلما صلى الناس الصبح تمت بيعة عثمان.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 10:45 PM
مشاركة #55


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 33: يعين أمير مؤقت لتولي أمر المسلمين والقيام بإجراءات تنصيب الخليفة الجديد بعد شغور منصب الخلافة على النحو التالي:
أ- للخليفة السابق عند شعوره بدنو أجله أو عزمه على الاعتزال صلاحية تعيين الأمير المؤقت.
ب- إن توفي الخليفة أو اعتزل قبل تعيين الأمير المؤقت، أو كان شغور منصب الخلافة في غير الوفاة أو الاعتزال، فإن أكبر المعاونين سناً يكون هو الأمير المؤقت إلا إذا أراد الترشح للخلافة فيكون التالي له سناً وهكذا.
ج- فإذا أراد كل المعاونين الترشح، فأكبر وزراء التنفيذ سناً ثم الذي يليه إذا أراد الترشح، وهكذا.
د- فإذا أراد كل وزراء التنفيذ الترشح للخلافة حصر الأمير المؤقت في أصغر وزراء التنفيذ سناً.
هـ- لا يملك الأمير المؤقت صلاحية تبني الأحكام.
و- يبذل الأمير المؤقت الوسع لإكمال إجراءات تنصيب الخليفة الجديد خلال ثلاثة أيام، ولا يجوز تمديدها إلا لسبب قاهر توافق عليه محكمة المظالم.

للخليفة، عندما يشعر بدنو أجله قبيل خلو منصب الخلافة بفترة مناسبة، أن يعين أميراً مؤقتاً لتولي أمر المسلمين خلال فترة إجراءات تنصيب الخليفة الجديد، ويباشر عمله بعد وفاة الخليفة، ويكون عمله الأساس هو الفراغ من تنصيب الخليفة الجديد خلال ثلاثة أيام.

ولا يجوز للأمير المؤقت أن يتبنى الأحكام؛ لأن هذا من صلاحية الخليفة الذي تبايعه الأمة. وكذلك ليس له أن يترشح للخلافة أو يسند المرشحين؛ لأن عمر رضي الله عنه عيّنه من غير من رشحهم للخلافة.

وتنتهي ولاية هذا الأمير بتنصيب الخليفة الجديد؛ لأن مهمته مؤقتة بهذه المهمة.

أما دليل ذلك فهو ما صنعه عمر عندما طعن، وكان ذلك على ملأ من الصحابة رضوان الله عليهم دون إنكار فكان إجماعاً.

لقد قال عمر رضي الله عنه للمرشحين الستة حين طعن رضي الله عنه: "وليصل بكم صهيب هذه الأيام الثلاثة التي تتشاورون فيها" ثم قال لصهيب كما في تاريخ الطبري: "صل بالمناس ثلاث أيام، إلى أن قال: فإن اجتمع خمسة، ورضوا رجلاً، وأبى واحد، فاشدخ رأسه بالسيف …" وهذا يعني أن صهيباً عيِّن أميراً عليهم، فهو قد عين أميراً للصلاة، وإمارة الصلاة كانت تعني إمارة الناس، ولأنه أعطي صلاحية العقوبة (فاشدخ رأسه)، ولا يقوم بالقتل إلا الأمير.

وقد تم هذا الأمر على ملأ من الصحابة دون منكر؛ فكان إجماعاً بأن للخليفة أن يعين أميراً مؤقتاً يتولى إجراءات تنصيب الخليفة الجديد. كما أنه يجوز بناء على هذا أن يتبنى الخليفة مادة خلال حياته، تنص على أن الخليفة، إذا توفي ولم يعين أميراً مؤقتاً لإجراءات تنصيب الخليفة الجديد، أن يكون أحد الأشخاص أميراً مؤقتاً.

وبناء عليه فإنه يُتبنى أن يكون الأمير المؤقت، إن لم يعينه الخليفة في مرض موته، يكون أكبر المعاونين سناً، إلا إذا ترشح فيكون التالي له عمراً من المعاونين، وهكذا، ثم يتلوهم وزراء التنفيذ بالكيفية السابقة.

وينطبق هذا في حالة عزل الخليفة، فإن الأمير المؤقت يكون أكبر المعاونين سناً إن لم يترشح، فإن ترشح فمن يليه إلى أن يفرغوا، ثم أكبر وزراء التنفيذ سناً، وهكذا. فإن أرادوا الترشيح كلهم فيلزم الأصغر من وزراء التنفيذ بالإمارة المؤقتة.

وهذا الأمير يختلف عن من ينيبه الخليفة مكانه عند خروجه للجهاد أو في سفر، كما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان يخرج للجهاد، أو عند حجة الوداع، أو نحو ذلك، فإن من ينيبه في هذه الحالة يكون بالصلاحيات التي يحددها الخليفة له في رعاية الشؤون التي تقتضيها تلك الإنابة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 10:52 PM
مشاركة #56


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 34: طريقة نصب الخليفة هي البيعة. أما الإجراءات العملية لتنصيب الخليفة وبيعته فهي:
أ- تعلن محكمة المظالم شغور منصب الخلافة.
ب- يتولى الأمير المؤقت مهامه ويعلن فتح باب الترشيح فوراً.
ج- يتم قبول طلبات المرشحين المستوفين لشروط الانعقاد، وتستبعد الطلبات الأخرى، بقرار من محكمة المظالم.
د- المرشحون الذين تقبل محكمة المظالم طلباتهم، يقوم الأعضاء المسلمون في مجلس الأمة بحصرهم مرتين: في الأولى يختارون منهم ستة بأغلبية الأصوات، وفي الثانية يختارون من الستة اثنين بأغلبية الأصوات.
هـ- يعلن اسما الاثنين، ويطلب من المسلمين انتخاب واحد منهما.
و- تعلن نتيجة الانتخاب ويعرف المسلمون من نال أكثر أصوات المنتخبين.
ز- يبادر المسلمون بمبايعة من نال أكثر الأصوات خليفة للمسلمين على العمل بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ح- بعد تمام البيعة يعلن من أصبح خليفة للمسلمين للملأ حتى يبلغ خبر نصبه الأمة كافة، مع ذكر اسمه وكونه يحوز الصفات التي تجعله أهلاً لانعقاد الخلافة له.
ط- بعد الفراغ من إجراءات تنصيب الخليفة الجديد تنتهي ولاية الأمير المؤقت.


حين أوجب الشرع على الأمة نصب خليفة عليها، حدد لها الطريقة التي يجري بها نصب الخليفة، وهذه الطريقة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة. وتلك الطريقة هي البيعة. فيجري نصب الخليفة ببيعة المسلمين له على العمل بكتاب الله وسنة رسوله. والمقصود بالمسلمين هم الرعايا المسلمون للخليفة السابق إن كانت الخلافة قائمة، أو مسلمو أهل القطر الذي تقام الخلافة فيه إن لم تكن الخلافة قائمة.

أما كون هذه الطريقة هي البيعة فهي ثابتة من بيعة المسلمين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لنا ببيعة الإمام. أما بيعة المسلمين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإنها ليست بيعة على النبوة، وإنما هي بيعة على الحكم، إذ هي بيعة على العمل، وليست بيعة على التصديق. فبُويع صلى الله عليه وآله وسلم على اعتباره حاكماً، لا على اعتباره نبياً ورسولاً؛ لأن الإقرار بالنبوة والرسالة إيمان وليس بيعة، فلم تبق إلا أن تكون البيعة له باعتباره رئيس الدولة. وقد وردت البيعة في القرآن والحديث. قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ)) [الممتحنة: 12]، وقال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)) [الفتح: 10]. وروى البخاري قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك عن يحيى بن سعيد قال: أخبرني عبادة بن الوليد، أخبرني أبي عن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم). وفي مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (… ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر). وفي مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما). وروى مسلم عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم). فالنصوص صريحة من الكتاب والسنة بأن طريقة نصب الخليفة هي البيعة. وقد فهم ذلك جميع الصحابة، وساروا عليه، وبيعة الخلفاء الراشدين واضحة في ذلك.

وأما الإجراءات العملية، التي تتم بها عملية تنصيب الخليفة، قبل أن يُبَايع، فإنها تفهم مما حصل مع الخلفاء الراشدين، الذين جاءوا عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضوان الله عليهم، وقد سكت عنها جميع الصحابة، وأقروها، مع أنها مما ينكر لو كانت مخالفة للشرع؛ لأنها تتعلق بأهم شيء يتوقف عليه كيان المسلمين، وبقاء الحكم بالإسلام. ومن تتبع ما حصل في نصب هؤلاء الخلفاء، نجد أن بعض المسلمين قد تناقشوا في سقيفة بني ساعدة، وكان المرشحون سعداً، وأبا عبيدة، وعمر، وأبا بكر، إلا أن عمر وأبا عبيدة لم يرضيا أن يكونا منافسين لأبي بكر، فكأن الأمر كان بين أبي بكر وسعد بن عبادة ليس غير، وبنتيجة المناقشة بويع أبو بكر. ثم في اليوم الثاني دعي المسلمون إلى المسجد فبايعوه، فكانت بيعة السقيفة بيعة انعقاد، صار بها خليفة للمسلمين، وكانت بيعة المسجد في اليوم الثاني بيعة طاعة. وحين أحس أبو بكر بأن مرضه مرض موت، وبخاصة وأن جيوش المسلمين كانت في قتال مع الدول الكبرى، آنذاك الفرس والروم، دعا المسلمين يستشيرهم فيمن يكون خليفة للمسلمين، ومكث مدة ثلاثة أشهر في هذه الاستشارات. ولما أتمها وعرف رأي أكثر المسلمين، عهد لهم، أي (رشَّح) بلغة اليوم، ليكون عمر الخليفة بعده، ولم يكن هذا العهد أو الترشيح عقداً لعمر بالخلافة من بعده؛ لأن المسلمين بعد وفاة أبي بكر رضي الله عنه حضروا إلى المسجد، وبايعوا عمر بالخلافة، فصار بهذه البيعة خليفة للمسلمين، وليس بالاستشارات، ولا بعهد أبي بكر؛ لأن ترشيحه من أبي بكر لو كان عقداً للخلافة لعمر لما احتاج إلى بيعة المسلمين، هذا فضلاً عن النصوص التي ذكرناها سابقاً التي تدل صراحة على أنه لا يصبح أحد خليفة إلا بالبيعة من المسلمين. وحين طُعن عمر، طلب منه المسلمون أن يستخلف فأبى، فألحوا عليه فجعلها في ستة، أي (رشح) لهم ستة، ثم عين صهيباً ليصلي بالناس، وليقوم على من رشحهم عمر حتى يختاروا من بينهم الخليفة خلال الأيام الثلاثة التي عينها لهم، وقد قال لصهيب: (… فإن اجتمع خمسة، ورضوا رجلاً، وأبى واحد، فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف …) كما نقل ذلك الطبري في تاريخه، وابن كتيبة صاحب كتاب الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء، وابن سعد في الطبقات الكبرى، ثم عين أبا طلحة الأنصاري مع خمسين رجلاً لحراستهم، وكلف المقداد بن الأسود أن يختار للمرشحين مكان اجتماعهم، ثم بعد وفاتهم رضي الله عنهم، وبعد أن استقر المجلس بالمرشحين، قال عبد الرحمن بن عوف: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم فسكت الجميع، فقال عبد الرحمن أنا أخلع نفسي ثم أخذ يستشيرهم واحداً واحداً يسألهم أنه لو صرف النظر عنه من كان يرى فيهم أحق بها، فكان جوابهم محصوراً في اثنين: علي وعثمان. بعد ذلك رجع عبد الرحمن لرأي المسلمين يسألهم أي الاثنين يريدون: يسأل الرجال والنساء، يستطلع رأي الناس، ولم يكن رضي الله عنه يعمل في النهار فحسب بل في الليل كذلك. أخرج البخاري من طريق المسور بن مخرمة قال: (طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت، فقال أراك نائماً، فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم). فلما صلى الناس الصبح تمت بيعة عثمان. فصار خليفة ببيعة المسلمين، لا بجعلها عمر في ستة. ثم قُتل عثمان، فبايع جمهرة المسلمين في المدينة والكوفة علي بن أبي طالب، فصار خليفة ببيعة المسلمين.
وبالتدقيق في كيفية مبايعتهم، رضوان الله عليهم، يتبين أن المرشَّحين للخلافة كانوا يُعلَنون للناس، وأن شروط الانعقاد تتوفر في كلٍ منهم، ثم يؤخذ رأي أهل الحل والعقد من المسلمين، الممثلين للأمة، وكان الممثِّلون معروفين في عصر الخلفاء الراشدين، حيث هم كانوا الصحابة، رضوان الله عليهم، أو أهل المدينة. ومَنْ كان الصحابة أو أكثريتهم يريدونه بويع بيعة الانعقاد، وأصبح الخليفة، ووجبت له الطاعة، فيبايعه المسلمون بيعة الطاعة. وهكذا يوجد الخليفة، ويصبح نائباً عن الأمة في الحكم والسلطان.

أما حصر المرشحين، فمن تتبع كيفية تنصيب الخلفاء الراشدين، يتبين أن هناك حصراً للمرشحين كان يتم، ففي سقيفة بني ساعدة كان المرشحون أبا بكر، وعمر، وأبا عبيدة، وسعد بن عبادة، واكتفي بهم، ولكن عمر وأبا عبيدة لم يكونا يعدلان بأبي بكر فلم ينافساه عليها، وأصبح الترشيح عملياً بين أبي بكر وسعد بن عبادة، ثم انتخب أهل الحل والعقد في السقيفة أبا بكر خليفة وبايعوه بيعة الانعقاد، ثم في اليوم التالي بايع المسلمون أبا بكر في المسجد بيعة الطاعة.

ورشح أبو بكر للمسلمين عمر خليفةً ولم يكن معه مرشح آخر، ثم بايعه المسلمون بيعة الانعقاد ثم بيعة الطاعة.

ورشح عمر للمسلمين ستةً وحصرها فيهم ينتخبون من بينهم خليفةً، ثم ناقش عبد الرحمن بن عوف الخمسة الباقين وحصرهم في اثنين: علي وعثمان، بعد أن وكله الباقون. وبعد ذلك استطلع رأي الناس واستقر الرأي على عثمان خليفةً.

وأما علي رضي الله عنه فلم يكن معه مرشح آخر للخلافة فبايعته جمهرة المسلمين في المدينة والكوفة وصار الخليفة الرابع.

ولأن بيعة عثمان رضي الله عنه قد تحقق فيها: أقصى المدة المسموح بها لانتخاب الخليفة أي ثلاثة أيام بلياليها، وكذلك حصر المرشحين بستة، ثم من بعد باثنين، فإننا سنذكر كيفية حدوثها بشيء من التفصيل لفائدتها فيما نحن بصدده:

1- توفي عمر رضي الله عنه يوم الأحد صباحاً مستهل المحرم سنة 24 هجرية على أثر طعنه من أبي لؤلؤة لعنه الله، حيث كان عمر رضي الله عنه قائماً يصلي في المحراب فجر الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة 23 هجرية. وقد صلى عليه صهيب رضي الله عنه وفق ما أوصى به عمر رضي الله عنه.
2- فلما فرغ من شأن عمر، جمع المقداد أهل الشورى الستة الذين أوصى لهم عمر في أحد البيوت، وقام أبو طلحة بحجبهم، فجلسوا يتشاورون، ثم وكلوا عبد الرحمن بن عوف أن يختار منهم خليفةً وهم راضون.
3- بدأ عبد الرحمن نقاشهم وسؤال كل منهم: إن لَم يكن هو الخليفة فمن يرى الخليفة من الباقين؟ وكان جوابهم لا يعدو علياً وعثمان. وبالتالي حصر عبد الرحمن الأمر باثنين من ستة.
4- بعد ذلك أخذ عبد الرحمن يستشير الناس كما هو معروف.
5- في ليلة الأربعاء أي ليلة اليوم الثالث بعد يوم وفاة عمر رضي الله عنه (الأحد)، ذهب عبد الرحمن إلى دار ابن أخته المسور بن مخرمة، وهنا أنقل من البداية والنهاية لابن كثير:

(فلما كانت الليلة التي يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر، جاء -أي عبد الرحمن بن عوف- إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة فقال: أنائم يا مسور؟ والله لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث …) أي الليالي الثلاث بعد وفاة عمر الأحد صباحاً، أي ليلة الاثنين، وليلة الثلاثاء، وليلة الأربعاء، ألى أن قال: (إذهب فادع إلي علياً وعثمان … ثم خرج بهما إلى المسجد … ونودي في الناس عامةً: الصلاة جامعة …) وكان ذلك فجر الأربعاء، ثم أخذ بيد علي، رضي الله عنه وكرم الله وجهه، وسأله عن المبايعة على كتاب الله وسنة رسوله وفعل أبي بكر وعمر، فأجابه علي رضي الله عنه الجواب المعروف: على الكتاب والسنة نعم، أما فعل أبي بكر وعمر فإنه يجتهد رأيه، فأرسل يده، ثم أخذ بيد عثمان وسأله السؤال نفسه فقال: اللهم نعم، وتمت البيعة لعثمان رضي الله عنه.

وصلى صهيب بالناس الصبح وصلى الظهر من ذلك اليوم، ثم صلى عثمان رضي الله عنه بالناس العصر خليفةً للمسلمين. أي أنه على الرغم من بدء بيعة الانعقاد لعثمان رضي الله عنه عند صلاة الصبح، إلا أم إمرة صهيب لَم تنته إلا بعد بيعة أهل الحل والعقد في المدينة لعثمان، وقد اكتملت قبيل العصر حيث كان الصحابة يتداعون لبيعة عثمان إلى ما بعد منتصف ذلك النهار وقبيل العصر، وقد اكتمل الأمر قبيل العصر، فانتهت إمرة صهيب وصلى عثمان بالناس العصر خليفةً لهم.

ويفسر صاحب البداية والنهاية لماذا صلى صهيب بالناس الظهر علماً بأن أمر البيعة لعثمان قد تم عند الفجر فيقول: (… بايعه الناس في المسجد، ثم ذهب به إلى دار الشورى "أي البيت الذي اجتمع فيه أهل الشورى" فبايعه بقية الناس، وكأنه لم يتم البيعة إلا بعد الظهر، وصلى صهيب يومئذ الظهر في المسجد النبوي، وكان أول صلاة صلاها الخليفة أمير المؤمنين عثمان بالمسلمين هي صلاة العصر …).

وعليه فإن الأمور التالية يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند الترشيح للخلافة بعد شغورها (بالوفاة أو العزل …) وهي:

1- العمل في موضوع الترشيح يكون في الليل والنهار طيلة أيام المهلة.
2- حصر المرشحين من حيث توفر شروط الانعقاد، وهذه تقوم بها محكمة المظالم.
3- حصر المرشحين المؤهلين مرتين: الأولى بستة، والثانية باثنين، والذي يقوم بهاتين هو مجلس الأمة باعتباره ممثلاً للأمة؛ لأن الأمة فوضت عمر فجعلها ستةً، والستة فوضوا من بينهم عبد الرحمن فجعلها بعد النقاش في اثنين، ومرجع كل هذا كما هو واضح هي الأمة أي ممثلوها.
4- بعد إتمام الانتخابات والبيعة يُعلن على الملأ من أصبح خليفة للمسلمين حتى يبلغ خبر نصبه الأمة كافة، مع ذكر اسمه وكونه يحوز الصفات التي تجعله أهلاً لانعقاد الخلافة له.
5- تنتهي صلاحية الأمير المؤقت باكتمال إجراءات البيعة التي يديرها، وتنصيب الخليفة، وليس بإعلان نتيجة الانتخاب، فصهيب لم تنته إمرته بانتخاب عثمان بل باكتمال بيعته.

هذا إذا كان هنالك خليفة مات أو عزل … ويُراد إيجاد خليفة مكانه.

أما إذا لم يكن هنالك خليفة مطلقاً، وأصبح فرضاً على المسلمين أن يقيموا خليفة لهم؛ لتنفيذ أحكام الشرع، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، كما هي الحال منذ زوال الخلافة الإسلامية في إسطنبول، بتاريخ الثامن والعشرين من رجب 1342هـ، الموافق 3 آذار 1924م، فإن كل قطر من الأقطار الإسلامية الموجودة في العالم الإسلامي أهل لأن يُبايع خليفة، وتنعقد به الخلافة، فإذا بايع قطر ما من هذه الأقطار الإسلامية خليفة، وانعقدت الخلافة له، فإنه يصبح فرضاً على المسلمين في الأقطار الأخرى أن يبايعوه بيعة طاعة، أي بيعة انعقاد، بعد أن انعقدت الخلافة له ببيعة أهل قطره، على شرط أن تتوفر في هذا القطر أربعة أمور:

أحدها: أن يكون سلطان ذلك القطر سلطاناً ذاتياً، يستند إلى المسلمين وحدهم، لا إلى دولة كافرة، أو نفوذ كافر.

ثانيها: أن يكون أمان المسلمين في ذلك القطر بأمان الإسلام، لا بأمان الكفر، أي أن تكون حمايته من الداخل والخارج حماية إسلام، من قوة المسلمين، باعتبارها قوة إسلامية بحتة.

ثالثها: أن يبدأ حالاً بمباشرة تطبيق الإسلام كاملاً تطبيقاً انقلابياً شاملاً، وأن يكون متلبساً بحمل الدعوة الإسلامية.

رابعها: أن يكون الخليفة المُبَايع مستكملاً شروط انعقاد الخلافة، وإن لم يكن مستوفياً شروط الأفضلية؛ لأن العبرة بشروط الانعقاد.

فإذا استوفى ذلك القطر هذه الأمور الأربعة، فقد وجدت الخلافة بمبايعة ذلك القطر وحده، وانعقدت به وحده، وأصبح الخليفة الذي بايعوه انعقاداً على الوجه الصحيح هو الخليفة الشرعي، ولا تصح بيعة لسواه.

فأي قطر آخر يبايِع خليفةً آخر بعد ذلك، تكون بيعته باطلةً ولا تصح؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (… فوا ببيعة الأول فالأول)، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر).

كيفية البيعة

لقد سبق أن بينا أدلة البيعة وأنها الطريقة في الإسلام لتنصيب الخليفة. وأما كيف تكون، فإنها تكون مصافحةً بالأيدي، وقد تكون بالكتابة. فقد حدث عبد الله بن دينار قال: شهدت ابن عمر، حيث اجتمع الناس على عبد الملك، قال: "كتب أني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على كتاب الله وسنة رسوله ما استطعت". ويصح أن تكون البيعة بأية وسيلة من الوسائل.

إلا أنه يشترط في البيعة أن تصدر من البالغ، فلا تصح البيعة من الصغار. فقد حدث أبو عقيل زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام، وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله بايعه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "هو صغير، فمسح رأسه ودعا له" رواه البخاري.

أما ألفاظ البيعة فإنها غير مقيدة بألفاظ معينة. ولكن لا بد من أن تشتمل على العمل بكتاب الله وسنة رسوله بالنسبة للخليفة، وعلى الطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره بالنسبة للذي يُعطي البيعة. ويصدر قانون بتحديد هذه الصيغة وفق المعطيات السابقة.

ومتى أعطى المبايِع البيعة للخليفة، فقد أصبحت البيعة أمانة في عنق المبايٍع، لا يحل له الرجوع عنها، فهي حق باعتبار انعقاد الخلافة حتى يعطيها، فإن أعطاها أُلزِم بها. ولو أراد أن يرجع عن ذلك لا يجوز. ففي البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن أعرابياً بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الإسلام، فأصابه وعك فقال: (أقلني بيعتي، فأبي، ثم جاء فقال: أقلني بيعتي، فأبي، فخرج. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها). وعن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له) رواه مسلم. ونقض بيعة الخليفة خلعٌ لليد من طاعة الله. غير أن هذا إذا كانت بيعته للخليفة بيعة انعقاد، أو بيعة طاعة لخليفة صحت بيعت الانعقاد له. أما لو بايع خليفةً ابتداءً، ثم لم تتم البيعة له، فإن له أن يتحلل من تلك البيعة، على اعتبار أن بيعة الانعقاد لم تتم له من المسلمين. فالنهي في الحديث منصب على الرجوع عن بيعة خليفة، لا عن بيعة رجل لم تتم له الخلافة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 10:55 PM
مشاركة #57


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 35: الأمة هي التي تنصب الخليفة ولكنها لا تملك عزله متى تم انعقاد بيعته على الوجه الشرعي.

إن هذه المادة ذات شقين: أحدهما: أن الأمة هي التي تملك نصب الخليفة، والثاني أن الأمة لا تملك عزله، أما الشق الأول فدليله أحاديث البيعة، فلا يملك أحد تولي منصب الخلافة إلا بالبيعة، لأن البيعة هي طريقة نصب الخليفة. وهي ثابتة من بيعة المسلمين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لنا بالبيعة، ومن أن الخلفاء الراشدين إنما تولى كل منهم الخلافة بالبيعة. أما الشق الثاني فإن أدلته الحث على طاعة الخليفة، ولو ظلم، ما لم يكن كفراً بواحاً. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتة جاهلية) أخرجه مسلم من طريق بن عباس، وكلمة "أميره" هنا عامة، ويدخل تحتها الخليفة، لأنه أمير المؤمنين. وفي حديث سلمة بن يزيد الجعفي عند المسلم أنه سأل رسول الله، فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا، فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثانية أو في الثالثة مثله وقال فجذبه الأشعث بن قيس فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُمِّلُوا وعليكم ما حُمِّلْتم).

وروى البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم، من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان). وعن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يا أبا ذر، كيف أنت عند ولاة يستأثرون عليك بهذا الفيء؟ قال: والذي بعثك بالحق، أضع سيفي على عاتقي فأضرب به حتى ألحقك، قال: أفلا أدلك على خير لك من ذلك؟ تصبر حتى تلقاني) أخرجه أحمد وصححه الزين، ورواه أبو داود. فهذه الأحاديث كلها فيها أن الخليفة يعمل ما يوجب عزله ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بطاعته، والصبر على ظلمه، مما يدل على أن الأمة لا تملك عزل الخليفة.

وأيضاً فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رفض أن يقيل الأعرابي بيعته، عن جابر بن عبد الله أن أعرابياً بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد، أقلني بيعتي، فأبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها) متفق عليه مما يدل على أن البيعة إذا حصلت لزمت المبايعين، وهذا معناه أن لا حق لهم بعزل الخليفة، إذ لا حق لهم بإقالة بيعتهم له. ولا يقال إن الأعرابي يريد أن يخرج من الإسلام بإقالته من بيعته، لا من طاعة رئيس الدولة، لا يقال ذلك لأنه لو كان كذلك لكان عمله ارتداداً، ولقتله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لأن المرتد يقتل، ولأن البيعة ليست بيعة على الإسلام بل على الطاعة. ولذلك كان يريد الخروج من الطاعة لا الخروج من الإسلام. وعليه فلا يصح للمسلمين أن يرجعوا عن بيعتهم، فلا يملكون عزل الخليفة.

إلا أن الشرع بين متى ينعزل الخليفة من غير حاجة لعزل، ومتى يستحق العزل، وهذا كذلك لا يعني أن عزله للأمة. وإنما هي تحاسبه بكلمة الحق القوية على ظلمه، وتقاتله إذا أعلن الكفر البواح، وأما صلاحية عزله عندما يستحق العزل فقد جعلها الشرع لمحكمة المظالم.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 10:58 PM
مشاركة #58


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 36: يملك الخليفة الصلاحيات التالية:
أ- هو الذي يتبنى الأحكام الشرعية اللازمة لرعاية شؤون الأمة المستنبطة باجتهاد صحيح من كتاب الله وسنة رسوله لتصبح قوانين تجب طاعتها ولا تجوز مخالفتها.
ب- هو المسؤول عن سياسة الدولة الداخلية والخارجية معاً، وهو الذي يتولى قيادة الجيش، وله حق إعلان الحرب، وعقد الصلح والهدنة وسائر المعاهدات.
ج- هو الذي له قبول السفراء الأجانب ورفضهم، وتعيين السفراء المسلمين وعزلهم.
د- هو الذي يعين ويعزل المعاونين والولاة، وهم جميعاً مسؤولون أمامه كما أنهم مسؤولون أمام مجلس الأمة.
هـ- هو الذي يعين ويعزل قاضي القضاة والقضاة باستثناء قاضي المظالم في حالة نظره في قضية على الخليفة أو معاونيه أو قاضي قضاته. والخليفة هو الذي يعين ويعزل كذلك مديري الدوائر، وقواد الجيش، وأمراء ألويته، وهم جميعاً مسؤولون أمامه وليسوا مسؤولين أمام مجلس الأمة.
و- هو الذي يتبنى الأحكام الشرعية التي توضع بموجبها ميزانية الدولة، وهو الذي يقرر فصول الميزانية والمبالغ التي تلزم لكل جهة سواء أكان ذلك متعلقاً بالواردات أم بالنفقات.


أدلة الفقرات الست الواردة في المادة هي على النحو التالي:

الفقرة (أ) دليلها إجماع الصحابة. وذلك أن القانون لفظ اصطلاحي، ومعناه: الأمر الذي يصدره السلطان ليسير الناس عليه، وقد عُرّف القانون بأنه "مجموع القواعد التي يُجبر السلطان الناس على اتباعها في علاقاتهم" أي إذا أمر السلطان بأحكام معينة كانت هذه الأحكام قانوناً، يلزم الناس بها، وإن لم يأمر السلطان بها لا تكون قانوناً، فلا يلزم الناس بها. والمسلمون يسيرون على أحكام الشرع، فهم يسيرون على أوامر الله ونواهيه، وليس على أوامر السلطان ونواهيه. فما يسيرون عليه أحكام شرعية، وليست أوامر السلطان. غير أن هذه الأحكام الشرعية اختلف الصحابة فيها، ففهم بعضهم من النصوص الشرعية شيئاً غير ما كان يفهمه البعض الآخر، وكان كلٌ يسير حسب فهمه، ويكون فهمه حكم الله في حقه، ولكن هناك أحكام شرعية تقتضي رعاية شؤون الأمة أن يسير المسلمون جميعاً على رأي واحد فيها، وأن لا يسير كل بحسب اجتهاده، وقد حصل ذلك بالفعل، فقد رأى أبو بكر أن يوزع المال بين المسلمين بالتساوي؛ لأنه حقهم جميعاً بالتساوي. ورأى عمر أنه لا يصح أن يُعطى مَن قَاتَل رسول الله كمن قاتل معه، وأن يُعطى الفقير كالغني، ولكن أبا بكر كان هو الخليفة، فأمر بالعمل برأيه، أي تبني توزيع المال بالتساوي، فاتبعه المسلمون في ذلك، وسار عليه القضاة والولاة، وخضع له عمر، وعمل برأي أبي بكر ونفذه. ولما جاء عمر خليفة تبنى رأياً يخالف رأي أبي بكر، أي أمر برأيه بتوزيع المال بالتفاضل، لا بالتساوي، فيُعطى حسب القدم والحاجة، فاتبعه المسلمون، وعمل به الولاة والقضاة، فكان إجماع الصحابة منعقداً على أن للإمام أن يتبنى أحكاماً معينة مأخوذةً من الشرع باجتهاد صحيح، ويأمر بالعمل بها، وعلى المسلمين طاعتها، واو خالفت اجتهادهم، وترك العمل بآرائهم واجتهاداتهم. فكانت هذه الأحكام المتبناة هي القوانين. ومن هنا كان سَن القوانين للخليفة وحده، ولا يملك غيره ذلك مطلقاً.

وأما الفقرة (ب) فإن دليلها عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي كان يعين الولاة والقضاة ويحاسبهم، وهو الذي كان يراقب البيع والشراء، ويمنع الغش، وهو الذي يوزع المال على الناس، وهو الذي كان يساعد فاقد العمل على إيجاد عمل له، وهو الذي كان يقوم بجميع شؤون الدولة الداخلية، وكذلك هو الذي كان يخاطب الملوك، وهو الذي كان يستقبل الوفود، وهو الذي كان يقوم بجميع شؤون الدولة الخارجية. وأيضاً فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يتولى قيادة الجيش فعلاً، فكان في الغزوات يتولى بنفسه قيادة المعارك، وفي السرايا كان هو الذي يبعث السرية ويعين قائدها، حتى إنه حين عين أسامة بن زيد قائداً على سرية ليرسلها إلى بلاد الشام كره ذلك الصحابة، لصغر سن أسامة، ولكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أجبرهم على قبول قيادته. مما يدل على أن الخليفة هو قائد الجيش فعلاً، وليس قائداً أعلى فحسب. وأيضاً فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أعلن الحرب على قريش، وهو الذي أعلن الحرب على بني قريظة، وعلى بني النضير، وعلى بني قينقاع، وعلى خيبر، وعلى الروم، فكل حرب وقعت هو صلى الله عليه وآله وسلم الذي أعلنها، مما يدل على أن إعلان الحرب إنما هو للخليفة. وأيضاً فإنه صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي عقد المعاهدات مع اليهود، وهو الذي عقد المعاهدات مع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة، وهو الذي عقد المعاهدات مع يوحنة بن رؤبة صاحب أيلة، وهو الذي عقد معاهدة الحديبية، حتى إن المسلمين كانوا ساخطين من معاهدة الحديبية، ولكنه لم يستجب لقولهم ورفض آراءهم، وأمضى المعاهدة، مما يدل على أن للخليفة، لا لغيره، عقد المعاهدات، سواء معاهدة الصلح أم غيرها من المعاهدات.

وأما الفقرة (ج) فإن دليلها أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي تلقى رسولي مسيلمة الكذاب، وهو الذي تلقى أبا رافع رسولاً من قريش، وهو الذي أرسل الرسل إلى هرقل، وكسرى، والمقوقس، والحارث الغساني ملك الحيرة، والحارث الحميري ملك اليمن، وإلى نجاشي الحبشة، وهو الذي أرسل عثمان بن عفان في الحديبية رسولاً إلى قريش؛ مما يدل على أن الخليفة هو الذي يقبل السفراء ويرفضهم، وهو الذي يعين السفراء.

وأما الفقرة (د) فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي كان يعين الولاة، فعين معاذاً والياً على اليمن، وهو الذي كان يعزل الولاة، فعزل العلاء بن الحضرمي عن البحرين؛ لأن أهلها شكو منه، مما يدل على أن الولاة مسؤولون أمام أهل الولاية كما هم مسؤولون أمام الخليفة، ومسؤولون أمام مجلس الأمة لأنه يمثل جميع الولايات. هذا بالنسبة للولاة. أما المعاونون، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان له معاونان هما أبو بكر وعمر، ولم يعزلهما ويولِّ غيرهما طوال حياته. فهو الذي عينهما، ولكنه لم يعزلهما، غير أنه لما كان المعاون إنما أخذ السلطة من الخليفة، وهو بمثابة نائب عنه، فإنه يكون له حق عزله قياساً على الوكيل؛ لأن للموكل عزل وكيله، إلا إذا ورد نص بمنعه عن عزله في حالات خاصة.

وأما الفقرة (هـ) فإن دليلها أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قلَّد علياً رضي الله عنه قضاء اليمن، وفي الاستيعاب أن صلى الله عليه وآله وسلم قد عين معاذ بن جبل قاضياً على الجَنَد، ناحية في اليمن.

وقد كان عمر رضي الله عنه يولي ويعزل الولاة والقضاة. فعين شريحاً قاضياً للكوفة، وأبا موسى قاضياً للبصرة، وعزل شرحبيل بن حسنة عن ولايته في الشام، وولى يزيد بن أبي سفيان ثم معاوية، فقال له شرحبيل بن حسنة: (يا أمير المؤمنين أعجزت أم خنت؟ قال: لم تعجز ولم تخن. قال: ففيم عزلتني؟ قال: تحرجت أن أؤمرك وأنا أجد أقوى منك). كما ورد في مصنف عبد الرزاق. (وولى علي رضي الله عنه أبا الأسود، ثم عزله، فقال: لم عزلتني، وما خنت، ولا جنيت؟ فقال: إني رأيتك يعلو كلامك على الخصمين). وقد فعل عمر وعلي ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم ينكر على أي منهما منكر. فهذا كله دليل على أن للخليفة أن يعين القضاة بوجه عام، وكذلك له أن يُنيب عنه من يعين القضاة، قياساً على الوكالة، إذ له أن ينيب عنه في كل ما هو من صلاحياته، كما له أن يوكل عنه في كل ما يجوز له من التصرفات.

وأما استثناء عزل قاضي المظالم فهو في حالة نظر القاضي قضيةً مرفوعةً على الخليفة أو معاونيه أو قاضي قضاته، وذلك استناداً إلى القاعدة الشرعية "الوسيلة إلى الحرام حرام"، حيث إن جعل صلاحية عزله في هذه الحالة للخليفة يوجِد تأثيراً في حكم القاضي، وبالتالي يعطل حكماً شرعياً، وهذا حرام، ويكون وضع صلاحية عزل قاضي المظالم بيد الخليفة وسيلة إلى الحرام، وبخاصة أنه يكفي في القاعدة هذه غلبة الظن وليس القطع؛ ولذلك تجعل صلاحية عزل قاضي المظالم في هذه الحالة لمحكمة المظالم، وفي الحالات الأخرى يبقى الحكم على أصله أي أن حق تعيينه وعزله هو للخليفة.

وأما تعيين مديري الدوائر، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عين كتاباً للإدارة في أجهزة الدولة، وكانوا بمثابة مديري الدوائر. فعين المعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي على خاتمه، كما عينه على الغنائم أيضاً، وعين حذيفة بن اليمان يكتب خرص ثمار الحجاز، وعين الزبير بن العوام يكتب أموال الصدقات، وعين المغيرة بن شعبة يكتب المداينات والمعاملات، وهكذا.

وأما قواد الجيش وأمراء ألويته، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عين حمزة بن عبد المطلب قائداً على ثلاثين رجلاً؛ ليعترض قريشاً على شاطئ البحر. وعين عبيدة بن الحارث على ستين، وأرسله إلى وادي رابغ لملاقاة قريش. وعين سعد بن أبي وقاص على عشرين، وأرسله نحو مكة. وهكذا كان يعين قواد الجيوش، مما يدل على أن الخليفة هو الذي يعين القواد وأمراء الألوية.

وهؤلاء جميعاً كانوا مسؤولين أمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وليسوا مسؤولين أمام أحد غيره، مما يدل على أن القضاة، ومديري الدوائر، وقواد الجيش ورؤساء أركانه، وسائر الموظفين، ليسوا مسؤولين إلا أمام الخليفة، وليسوا مسؤولين أمام مجلس الأمة. ولا يسأل أحد أمام مجلس الأمة سوى المعاونين، والولاة، ومثلهم العمال لأنهم حكام، وما عداهم لا يكون أحد مسؤولاً أمام مجلس الأمة، بل الكل مسؤولون أمام الخليفة.

وما الفقرة (و) فإن موازنة الدولة بالنسبة لأبواب الواردات وأبواب النفقات محصورة في الأحكام الشرعية، فلا يُجبَى دينار واحد إلا بحسب الحكم الشرعي، ولا ينفق دينار إلا بحسب الحكم الشرعي. غير أن وضع تفصيلات النفقات، أو ما يسمى بفصول الموازنة، فهو الذي يوكل لرأي الخليفة واجتهاده، وكذلك فصول الواردات، فمثلاً هو الذي يقرر أن يكون خراج الأرض الخراجية كذا، وأن تكون الجزية التي تؤخذ كذا، وهذه وأمثالها هي فصول الواردات، وهو الذي يقول يُنفق على الطرق كذا، ويُنفق على المستشفيات كذا، وهذه وأمثالها هي فصول النفقات. فهذا هو الذي يرجع إلى رأي الخليفة، والخليفة هو الذي يقرره حسب رأيه واجتهاده؛ وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان هو الذي يأخذ الواردات من العمال، وهو الذي كان يتولى إنفاقها، وكان بعض الولاة يأذن لهم بتسلم الأموال، وبإنفاقها كما حصل حين وَلّى معاذاً اليمن. ثم كان الخلفاء الراشدون ينفرد كلٌ منهم بوصفه خليفة في أخذ الأموال، وفي إنفاقها، حسب رأيه واجتهاده. ولم ينكر على أحد منهم منكر، ولم يكن أحد غير الخليفة يتصرف في قبض دينار واحد، ولا يصرفه إلا إذا أذن له الخليفة في ذلك، كما حصل في تولية عمر لمعاوية، فإنه جعل له ولاية عامة، يَقبض ويُنفِق. وهذا كله يدل على أن فصول موازنة الدولة إنما يضعها الخليفة، أو من ينيبه عنه.

هذه هي الأدلة التفصيلية على تفصيلات صلاحيات الخليفة. ويجمعها كلها ما روى البخاري عن عبد الله بن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (… الإمام راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته)، وفي رواية أحمد والبيهقي وأبي عوانة عن عبد الله ابن عمر (الإمام راعٍ وهو مسئول عن رعيته)، أي إن جميع ما يتعلق برعاية شؤون الرعية من كل شيء إنما هو للخليفة، وله أن ينيب عنه مَن يشاء، بما يشاء، كيف يشاء، قياساً على الوكالة.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 11:01 PM
مشاركة #59


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 37: الخليفة مقيد في التبني بالأحكام الشرعية فيحرم عليه أن يتبنى حكماً لم يستنبط استنباطاً صحيحاً من الأدلة الشرعية، وهو مقيد بما تبناه من أحكام، وبما التزمه من طريقة استنباط، فلا يجوز له أن يتبنى حكماً استنبط حسب طريقة تناقض الطريقة التي تبناها، ولا أن يعطي أمراً يناقض الأحكام التي تبناها.

وفيها أمران اثنان: أحدهما تقيد الخليفة في التبني للأحكام بالأحكام الشرعية، أي تقيده بالتشريع وسن القوانين بالشريعة الإسلامية، فلا يجوز له أن يتبنى من خلافها لأن خلافها أحكام كفر. فإن تبنى حكماً من غيرها وهو يعرف أنه تبنى من غير الشريعة الإسلامية فإنه ينطبق عليه قوله تعالى: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )) [المائدة: 44] فإن اعتقد بالحكم الذي تبناه فقد كفر وارتد عن الإسلام، وإن لم يعتقد به ولكن أخذه على اعتبار أنه لا يخالف الإسلام كما كان يفعل خلفاء بني عثمان في أواخر أيامهم فإنه يحرم عليه ذلك ولا يكفر، وأما إن كانت له شبهة الدليل كمن يشرع حكماً ليس له دليل لمصلحة رآها هو، واستند إلى قاعدة المصالح المرسلة، أو قاعدة سد الذرائع، أو مآلات الأفعال، أو ما شاكل ذلك فإنه كان يرى أن هذه قواعد شرعية وأدلة شرعية فلا يحرم عليه ولا يكفر ولكنه مخطئ ويعتبر ما استنبطه حكماً شرعياً في نظر جميع المسلمين، وتجب طاعته إن تبناه الخليفة لأنه حكم شرعي وله شبهة الدليل، وإن كان مخطئاً في الدليل، لأنه كالمخطئ في الاستنباط من الدليل. وعلى أي حال يجب على الخليفة أن يتقيد في التبني بالشريعة الإسلامية، وأن يتقيد بالتبني فيها بالأحكام الشرعية المستنبطة استنباطاً صحيحاً من الأدلة الشرعية. والدليل على ذلك:

أولاً: ما فرضه الله على كل مسلم خليفة كان أو غير خليفة بأن يسير جميع أعماله حسب الأحكام الشرعية، قال تعالى: ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)) [النساء: 65] وتسيير الأعمال بحسب الأحكام الشرعية يحتم عليه أن يتبنى حكماً معيناً حين يتعدد فهم خطاب الشارع، أي حين يتعدد الحكم الشرعي. فصار التبني لحكم معين فيما تعدد من أحكام واجباً على المسلم حين يريد القيام بالعمل، أي حين يريد تطبيق الحكم، فهو واجب على الخليفة حين يقوم بعمله وهو الحكم.

وثانياً: نص البيعة التي يبايع عليها الخليفة تلزمه بالتزام الشريعة الإسلامية، إذ إنها بيعة على العمل بالكتاب والسنة، فلا يحل له أن يخرج عنهما، بل يكفر إن خرج عنهما معتقداً، ويكون عاصياً إذا خرج عنهما غير معتقد.

وثالثاً: أن الخليفة منصوب لتنفيذ الشرع فلا يحل له أن يأخذ من غير الشرع لينفذه على المسلمين، لأن الشرع نهى عن ذلك بشكل جازم وصل إلى درجة نفي الإيمان عن تحكيم غير الإسلام، وهو قرينة على الجزم. فمعناه أن الخليفة مقيد في تبنيه الأحكام، أي في سنه القوانين بالأحكام الشرعية وحدها، فإذا سن قوانين من غيرها كفر إن اعتقد به وكان عاصياً إن لم يعتقد به.

فهذه الأدلة الثلاثة أدلة الأمر الأول الذي في هذه المادة، أما الأمر الثاني الذي فيها فهو أن الخليفة مقيد بما تبناه من أحكام، وبما التزمه من طريقة استنباط، والدليل على ذلك هو أن الحكم الشرعي الذي ينفذه الخليفة هو الحكم الشرعي في حقه هو، لا في حق غيره، أي الحكم الشرعي الذي تبناه ليسير أعماله بحسبه وليس أي حكم شرعي. فإذا استنبط الخليفة حكماً، أو قلد في حكم، كان هذا الحكم الشرعي هو حكم الله في حقه، وكان مقيداً في تبنيه للمسلمين بهذا الحكم الشرعي ولا يحل له أن يتبنى خلافه لأنه لا يعتبر حكم الله في حقه فلا يكون حكماً شرعياً بالنسبة له وبالتالي لا يكون حكماً شرعياً بالنسبة للمسلمين ولذلك كان مقيداً في أوامره التي يصدرها للرعية بهذا الحكم الشرعي الذي تبناه، ولا يحل له أن يصدر أمراً على خلاف ما تبنى من أحكام، لأنه لا يعتبر ذلك الأمر الذي أصدره حكم الله في حقه، فلا يكون حكماً شرعياً بالنسبة له، وبالتالي لا يكون حكماً شرعياً بالنسبة للمسلمين، فيكون كأنه أصدر أمراً على غير الحكم الشرعي. ومن هنا كان لا يجوز له أن يصدر أمراً خلاف ما تبناه من أحكام.

وأيضاً فإن طريقة الاستنباط يتغير بحسبها فهم الحكم الشرعي، فإذا كان الخليفة يرى أن علة الحكم تعتبر علة شرعية إذا أخذت من نص شرعي، ولا يرى أن المصلحة علة شرعية، ولا يرى أن المصالح المرسلة دليل شرعي. إذا رأى ذلك فقد عين لنفسه طريقة استنباط، وحينئذ يجب أن يتقيد بها، فلا يصح أن يتبنى حكماً دليله المصالح المرسلة، أو يأخذ قياساً على علة لم تؤخذ من نص شرعي، لأن هذا الحكم لا يعتبر حكماً شرعياً في حقه، لأنه يرى أن دليله ليس دليلاً شرعياً، فهو إذن لم يكن في نظره حكماً شرعياً. وما دام لا يعتبر حكماً شرعياً في حق الخليفة فهو ليس حكماً شرعياً في حق المسلمين. فيكون كأنه تبنى حكماً من غير الأحكام الشرعية، فيحرم عليه ذلك. وإذا كان الخليفة مقلداً، أو مجتهد مسألة، وليس مجتهداً مطلقاً، أو مجتهد مذهب وليس له طريقة معينة في الاستنباط، فإنه يسير غفي تبنيه حسب المجتهد الذي قلده، أو حسب اجتهاده هو في المسألة، ما دام له دليل أو شبهة الدليل. وفي هذه الحالة، يكون فقط مقيداً فيما يصدره من أوامر، بأن لا يصدرها إلا وفق ما تبناه من أحكام.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو أكرم
المشاركة Dec 9 2011, 11:04 PM
مشاركة #60


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 1,447
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 53



الخليفة


المادة 38: للخليفة مطلق الصلاحية في رعاية شؤون الرعية حسب رأيه واجتهاده. فله أن يتبنى من المباحات كل ما يحتاج إليه لتسيير شؤون الدولة، ورعاية شؤون الرعية، ولا يجوز له أن يخالف أي حكم شرعي بحجة المصلحة، فلا يمنع الأسرة الواحدة من إنجاب أكثر من ولد واحد بحجة قلة المواد الغذائية مثلاً، ولا يسعّر على الناس بحجة منع الاستغلال مثلاً، ولا يعين كافراً أو امرأة والياً بحجة رعاية الشؤون أو المصلحة، ولا غير ذلك مما يخالف أحكام الشرع، فلا يجوز أن يحرم حلالاً ولا أن يحل حراماً.

للخليفة مطلق الحق في رعاية شؤون الرعية حسب رأيه واجتهاده. إلا أنه لا يجوز له أن يخالف أي حكم شرعي بحجة المصلحة، فلا يمنع الرعية من استيراد البضائع، بحجة المحافظة على صناعة البلاد مثلاً، إلا إذا أدى إلى ضرب اقتصاد البلد، ولا يُسعّر على الناس، بحجة مَنع الاستغلال مثلاً، ولا يُجبر المالك على تأجير ملكه، بحجة تيسير الإسكان مثلاً، إلا إذا كانت هناك ضرورة ماسة لذلك، ولا غير ذلك مما يخالف أحكام الشرع فلا يجوز له أن يُحرِّم مباحاً، أو يبيح حراماً.

وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (الإمام راع ومسئول عن رعيته) أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن عمر. ودليلها أيضاً الأحكام التي أعطاها الشرع للخليفة مثل تصرفه في أموال بيت المال الموكول لرأيه واجتهاده، ومثل إلزام الناس برأي معين في المسألة الواحدة وما شاكل ذلك. فإن هذا الحديث يعطيه حق رعاية شؤون الرعية بشكل مطلق دون أي قيد في أنواع الرعاية، وأحكام بيت المال والتبني وتجهيز الجيش وتعيين الولاة وغير ذلك مما جعل للخليفة قد جعل له بشكل من غير قيد أي في كل الأنواع. وطاعته في ذلك كله واجبة ومعصيته إثم. إلا أن القيام بهذه الرعاية يجب أن يجري حسب أحكام الشرع أي حسب النصوص الشرعية. فالصلاحية وإن أعطيت له مطلقة ولكن إطلاقها قد قيد بالشرع أي بأن تكون حسب أحكام الشرع. فمثلاً قد جعلت له صلاحية تعيين الولاة كما يشاء ولكنه لا يصح أن يعين الكافر أو الصبي أو المرأة والياً لأن الشرع منع ذلك. ومثلاً له أن يسمح بفتح سفارات للدول الكافرة في البلاد التي تحت سلطانه وقد أعطي ذلك بشكل مطلق، ولكنه لا يصح أن يسمح بفتح سفارة لدولة كافرة تريد أن تتخذ السفارة أداة للسيطرة على بلاد الإسلام، لأن الشرع منع ذلك. ومثلاً له أن يضع فصول الميزانية والمبالغ اللازمة لكل فصل ولكن ليس له أن يضع فصلاً في الموازنة لبناء سد للمياه، يمكن الاستغناء عنه، ولا تكفي واردات بيت المال لبنائه، لأن مثل هذا السد إذا كان يمكن الاستغناء عنه لا يصح شرعاً أن نفرض ضرائب من أجله. وهكذا فإنه مطلق الصلاحية في رعاية الشؤون فيما أعطاه إياه الشرع، ولكن هذا الإطلاق إنما يجري حسب أحكام الشرع. ثم إنه ليس معنى أن له مطلق الحق في رعاية الشؤون هو أن له أن يسن القوانين التي يراها لرعاية شؤون البلاد، بل معنى ذلك أن ما جعل له الشرعُ التصرفَ فيه مباحاً، فإن له أن يتصرف فيه بحسب رأيه بالكيفية التي يراها، وحينئذ يسن القانون في هذا الذي أبيح له أن يسير فيه برأيه، وعندها تجب طاعته. فمثلاً جعل له الشرعُ حق تدبير أمور بيت المال برأيه واجتهاده، وأمر الناس بطاعته في ذلك فكان له أن يسن قوانين مالية لبيت المال وحينئذ تصبح طاعة هذه القوانين واجبة، ومثلاً جعلت له قيادة الجيش وإدارة أموره برأيه واجتهاده وأمر الناس بطاعته في ذلك. فله أن يسن قوانين لقيادة الجيش وقوانين لإدارة الجيش، وحينئذ تصبح طاعة هذه القوانين واجبة. ومثلاً له أن يدير مصالح الرعية برأيه واجتهاده وأن يعين من يديرها ويشتغل بها برأيه واجتهاده، وأمر الناس بطاعته في ذلك. فله أن يسن قوانين لإدارة المصالح، وله أن يسن قوانين للموظفين، وحينئذ تصبح طاعة هذه القوانين واجبة. وهكذا كل ما ترك لرأي الخليفة واجتهاده في الأمور التي هي من صلاحيته شرعاً له أن يسن قوانين لها وتكون طاعة هذه القوانين واجبة. ولا يقال إن هذه القوانين أساليب، والأسلوب من المباحات فهي مباحة لجميع المسلمين فلا يحل للخليفة تعيين أسلوب معين وجعله فرضاً، لأنه إيجاب للعمل بالمباح، وإيجاب العمل بالمباح يجعل المباح فرضاً، ومنع غيره من الأساليب يجعل المباح حراماً وهذا لا يجوز، ولا يقال ذلك، لأن المباح هو الأساليب من حيث هي أساليب، أما أساليب إدارة بيت المال فهي مباحة للخليفة وليست مباحة لكل الناس، وأساليب قيادة الجيش هي مباحة للخليفة وليست مباحة لكل الناس، وأساليب إدارة مصالح الرعية هي مباحة للخليفة وليست مباحة لجميع الناس، ولهذا فإن إيجاب العمل بهذا المباح الذي اختاره الخليفة لا يجعل ذلك المباح فرضاً وإنما يجعل طاعة الخليفة واجبة فيما جعل الشرع له حق التصرف فيه برأيه واجتهاده، أي فيما اختاره لرعاية الشؤون من رأي واجتهاد. إذ هو وإن كان مباحاً فقد أوجب الخليفةُ تنفيذَه ومنع غيره، وذلك لأنه مباح للخليفة للرعاية بحسبه، لأن الرعاية له، وليس مباحاً للرعاية لكل الناس. ولهذا لا يكون وجوب التزام ما تبناه الخليفة من المباحات لرعاية الشؤون، أي مما جعل الشرع للخليفة أن يتصرف فيه برأيه واجتهاده، لا يكون من باب أن الخليفة قد جعل المباح فرضاً وجعل المباح حراماً، بل هو من باب وجوب الطاعة فيما جعل الشرع للخليفة أن يتصرف فيه برأيه واجتهاده. فكل مباح التزمه الخليفة لرعاية الشؤون وجب على كل فرد من أفراد الرعية التزامه. وبناء على هذا فقد دَوَّنَ عمر بن الخطاب الدواوين، وبناء على هذا وضع الخلفاء ترتيبات معينة لعمالهم وللرعية وألزموهم العمل بها وعدم العمل بسواها. وبناء على هذا يجوز أن توضع القوانين الإدارية، وسائر القوانين التي من هذا القبيل، وطاعته واجبة في سائر هذه القوانين لأنها طاعة للخليفة فيما يأمر به مما جعله الشرع له.

إلا أن هذا في المباح الذي لرعاية الشؤون، أي فيما جُعل للخليفة أن يتصرف في برأيه واجتهاده، مثل تنظيم الإدارات، وترتيب الجند، وما شاكل ذلك، وليس في كل المباحات، بل فيما هو مباح للخليفة بوصفه خليفة. أما باقي الأحكام من الفرض والمندوب والمكروه والحرام والمباح لجميع الناس فإن الخليفة مقيد فيها بأحكام الشرع، ولا يحل له الخروج عنها مطلقاً، لما روى البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). وهو عام يشمل الخليفة غيره.

وعليه، ففيما لم يُجعل للخليفة أن يتصرف فيه برأيه واجتهاده، بل كان مباحاً لجميع الناس، فإنه لا يحل له أن يسن فيه قانوناً يجبر الناس عليه، فمثلاً أساليب قيادة الجيش هي مما جعل للخليفة التصرف فيها برأيه واجتهاده لذلك يضع لها قوانين، أما إلزام الناس بنوع معين من الألبسة المباحة ومنع سواه من الألبسة المباحة الأخرى، أو إلزام الناس بشكل معين لبيوتهم ومنع سواه من الأشكال المباحة، فهذا لا يجوز له لأن هذه الأمور مباحة لجميع الناس، فأي إلزام للنس بشيء معين من هذا المباح ومنع غيره هو إيجاب للمباح وتحريم للمباح وهو لا يجوز للخليفة، وذا فعله لا تجب طاعته ويرفع أمره لمحكمة المظالم. لكن الذي يجوز له محصور في شيء واحد، وهو فيما جُعل التصرفُ فيه للخليفة برأيه واجتهاده، أي فيما هو مباح للخليفة وليس مباحاً لجميع الناس مثل أساليب قيادة الجيش وأمثالها، فهذه يجوز له أن يُلزِم الناس برأي معين واجتهاد معين فيها، وتجب عليهم طاعته، أي يجوز له أن يسن فيها قوانين، وما عداها لا يجوز مطلقاً. ولهذا لا يحل للخليفة أن يحرم حلالاً أو يحل حراماً بحجة رعاية الشؤون. فلا يحل له أن يقول حرَّمتُ بيع الصوف لخارج البلاد بحجة رعاية الشؤون، لأن البيع مباح لجميع الناس، فلا يحل له أن يحرمه أو يمنعه، ولكن بيع الصوف أو السلاح أو أي فرد من أفراد المباح إذا ثبت أنه يسبب ضرراً فإنه يصبح هذا الفرد وحده حراماً، لأنه أوصل إلى ضرر، ويبقى الشيء مباحاً، عملاً بالقاعدة المأخوذة من منع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الجيش من بئر ثمود.


الرجوع إلى الفهرس
الرجوع إلى مواد "الخليفة"
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة

11 الصفحات V  < 1 2 3 4 5 > » 
موضوع مغلقموضوع جديد
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



نسخة خفيفة الوقت الآن: 19th July 2019 - 01:41 AM