منتدى العقاب

هذا المنتدى هو أرشيف منتدى العقاب حتى عام 2012

وهو فقط للمطالعة والتصفح، للمشاركة نرجو الانتقال للمنتدى الجديد

http://www.alokab.com

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )



3 الصفحات V  < 1 2 3  
إضافة رد على الموضوعموضوع جديد
> عندما يتكلم القلم: سلسلة مقالات للشيخ أبي الحارث
أبو الحارث التمي...
المشاركة Oct 25 2006, 04:19 PM
مشاركة #41


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال السابع عشر: الخلافة الراشدة . . . . وقفة من الوقفات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،

الأصل في الخلافة أن تكون راشدة، وما عداها مخالف للأصل، فالخلافة الراشدة هي النموذج الصحيح للحكم الإسلامي، تتميز بأنها تطبق الإسلام التطبيق الصحيح، فهي من ناحية في منأى عن إساءة التطبيق، ومن ناحية أخرى يكون تطبيقها للإسلام دافعاً حقيقياً لها لتبني ولتقعّد لمن يأتي بعدها، الحكم فيها ليس لشخص فريد من نوعه، كما أنه ليس في أسرة، أو عشيرة، بل الحكم فيها منهج يسيطر على الجميع ويقود الجميع لتحقيق ما أمر به الله عز وجل.

وكان يكفي في الخلافة أن تكون خلافة هكذا دون وصفها بالراشدة، ولكن أتى الوصف ليميزها عن غيرها، وليجعلها نموذجا للمسلمين لا يقبلون أن يحكموا بنموذج أدنى منه. ولأن الشرع بين لنا أن ثمة خلافة ستأتي بعد الخلافة الراشدة لن تكون مثلها، ولا تصلح أن يقتدى بها، بمعنى أن على المسلمين وهم يعملون لإقامة الخلافة أن يحرصوا على إيجاد خلافة راشدة، لا أي خلافة، ولذلك جاءت هذه الخلافة (الغير راشدة) في معرض الذم فقال عليه الصلاة والسلام: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً) [رواه ابن ماجه بإسناد حسن] وقال عليه السلام في حديث أحمد : (ثم تكون ملكاً عضوضاً) فهي خلافة وقدمت للإسلام والمسلمين الكثير ولكنها على كل حال ليست راشدة، ويكفي هذا ألا يجعلها نموذجاً يسعى المسلمون إلى تحقيقه.

قال عليه السلام في الحديث الصحيح: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم] وقد جاء الأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين مع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، مع علمنا وإدراكنا ألا شرع عندنا إلا كتاب الله تعالى، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا ما جاءت به النصوص، ولكن الأمر هنا اختلف فالموضوع هنا ليس موضوع تشريع، فسنة النبي عليه الصلاة والسلام تشريع، وسنة الخلفاء الراشدين تطبيق، ولو فرقنا لقلنا أنهم (الراشدون) أحسنوا التطبيق وغيرهم أساء التطبيق. ويؤيد هذا قوله عليه السلام : (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً) لأن من يعيش بعد رسول الله عليه السلام يكون قد عاصر الدولة بقيادته عليه السلام، وعاصر من خلف رسول الله عليه السلام، ولكي لا يظن هذا المعاصر أن الاختلاف سيحصل بعد النبي عليه السلام قال عليه السلام: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ..) فيدرك بشكل طبيعي أن الاختلاف الذي يستدعي الرجوع إلى سنة الرسول عليه السلام وسنة الراشدين سيكون بعد الراشدين، ثم جاء التحذير من المحدثات والبدع من أجل ألا يدعي حاكم أنه خليفة راشد بابتداعه سنناً ليست من الإسلام (كولاية العهد مثلاً) ثم يقول إنها سنة راشدة فاتبعوها، بل جاء الحديث بالقاعدة التي يعرف بها الراشد من غيره، وهي أمران الأول قرنه بسنة الرسول عليه السلام، والثاني عدم كونه بدعة أي ألا يكون مخالفاً لما عليه الشرع.

فالخليفة الراشد هو الذي يعتبر دولته امتداداً لدولة الرسول عليه السلام، فيدرس هذه الدولة بأحكامها وطريقة معالجاتها، آخذاً كتاب الله وسنة رسوله في حسبانه، ثم يحسن تطبيق ذلك كله. وهو في مباشرته تطبيق أحكام الإسلام يعيش زماناً غير زمان دولة الرسول عليه السلام، ويمر بظروف غير الظروف، وتطرأ عليه أمور لم تكن موجودة من قبل، ولذا فإنه يسترشد بالشرع لمعالجة كل ذلك، وهو بهذا يستحق أن تكون دولته نموذجاً يدرس ليحتذى به.

إن علينا ونحن نعمل لإقامة الخلافة الراشدة بإذن الله تعالى، أن نلفت نظر أمتنا إلى هذا الأمر (الرشد) لنرفعها إلى التطلع لتحقيق الكمال، ولنخرجها من عقدة الإساءات التي كانت تحصل في زمن الخلافة الغير راشدة.

وهذا يستدعي من العاملين المخلصين الجادين أن ينكبوا على الخلافة الراشدة ليفهموها ويدركوا معنى الرشد فيها، لأننا إن كنا بحاجة للخلافة الراشدة، فإننا أحوج للمحافظة على الرشد فيها.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الأربعاء‏ 03‏ شوال‏، 1427هـ
الموافق ‏25‏/10‏/2006م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Nov 7 2006, 05:56 PM
مشاركة #42


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال الثامن عشر: البطانة بثوبها الجديد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،

دوران مهمان تقدمهما بطانة الشخص وبخاصة المسئول سواء أكان حاكما أم عالما.

الدور الأول يكمن في قدرة البطانة على إيصال الواقع كيفما هو إلى الحاكم، وقدرتها على جعله مطلعا على كل ما يحصل حوله، وهذا بالطبع ليس فيه غيبة أو نميمة وإنما هو وصف الواقع ليكون الحاكم واقفا على كل شيء، وعلى فرض أن مسئولية الحاكم أن يطلع شخصيا على الواقع حوله، على حياة الناس، على تطلعاتهم، على مشاكلهم، على كل ما يصيبهم من أذى، على كل ما يبدونه من آراء، إلا أن هذا قد لا يكون متيسرا في كل حال خاصة فيما إذا اتسعت الدولة وكثر عدد سكانها.

والدور الثاني الذي تقوم به البطانة هو إبداء الرأي والمشورة للحاكم، فمن الطبيعي أن الحاكم إذا أراد أن يقوم بعمل أو يتبنى رأيا، أو يحل مشكلة، أو يختار شخصا لمسئولية فإنه أول ما يلتفت، يلتفت لمن حوله يستشيرهم ويأخذ رأيهم.

هذان الدوران المهمان يمكن أن يصبحا وبالا على الناس فيما لو خانت البطانة الأمانة وصارت عونا على الناس لا لهم، وبدأت تزين الواقع للحاكم، وتشعره أنه مرضي عنه، تسقي فيه الكبر بالمديح له، وتزيد الظلم عنده بالكذب عليه، تشير عليه بما تهوى نفسه، وتبدي له من الآراء ما يوافق مشتهاه، فيصبح الحاكم وبطانته معاول أذى للناس، وأدوات ظلم للرعية.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) [سورة آل عمران: الآية 118] وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما بعث من نبي ولا كان بعده من خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا فمن وقى بطانة السوء فقد وقى) [رواه النسائي والطبراني بسند صحيح، وللبخاري نحوه] .

فإذا أساءت البطانة القيام بدورها على الشكل الصحيح فإنها تقع في الإثم كالحاكم سواء بسواء، عن مسلم بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتا في جهنم ومن أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه) [رواه الحاكم والترمذي وأبو داود] وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره أذله الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة) [رواه أحمد والطبراني وفيه ابن لهيعة وهو حسن الحديث وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات، كذا في مجمع الزوائد] وجاء في شعب الإيمان (ومن أكل بمؤمن أكلة أطعمه الله مثلها من طعام أهل النار، ومن لبس بمؤمن لبسة ألبسه الله مثلها من لباس أهل النار) .

وقد يقول قائل: الذنب ذنب البطانة، فهي التي تيسر الظلم للحاكم، وهي التي تعزله عن المجتمع، وهي التي تقوم بالأمور من دونه، ولذلك فإن علينا توجيه لومنا إلى البطانة، كما أن علينا أن ندعو الله أن يرزق الحاكم بالبطانة الصالحة.

هذا الكلام يردده الكثيرون اليوم، ونحن لا ننكر دور البطانة بل نؤكد عليه، ولكن المشكلة هي أن مثل هذا الكلام أصبح تكئة للحكام، ومبررا لمنافقيهم، تكئة للحكام أن اعتمدوا على مثل هذه المقولات ليفعلوا ما يشاؤون ما دام كل ما يفعلونه ملتصق ببطانتهم، ومبررا لمنافقيهم أن أصبح منافقوا الحكام يبررون كل تصرف سيئ وظلم ماحق وكل حكم جائر بالبطانة، فأظهروا الحكام بصورة الأبرياء الذين لا ذنب لهم، المخدوعين بمن حولهم، الذين لا يعرفون الواقع بسبب بطانتهم السيئة.

ونحن نسأل بدورنا: من الذي يختار البطانة؟ أليس الحاكم؟ وهل يتصور أن تكون البطانة إلا من جنس الحاكم، فإن كان الحاكم صالحا، عالما، ورعا، تقيا، فهل يتصور أن تكون بطانته من اللاهين العابثين الفاسدين، وإن كان الحاكم فاسدا، لاهيا، عابثا، يحب الغناء واللعب، يتحدث في مفاتن النساء، لا يذكر الله، فهل من المتصور أن يجالسه ويباطنه العلماء المتقون الورعون، صواموا النهار قواموا الليل؟

عن موسى بن وردان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) [خرجه أحمد بإسناد جيد رجاله ثقات رجال الشيخين غير موسى بن وردان، كذا عند شعيب، وأخرجه ابن راهويه والشهاب والطبراني] .

وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا عليه هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً) وقدم أبو موسى الأشعري على عمر رضي الله عنهما بحساب فرفعه إلى عمر فأعجبه وجاء عمر كتاب فقال لأبي موسى: أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس؟ فقال: إنه لا يدخل المسجد فقال: لم! أجنب هو؟ قال: إنه نصراني؟ فانتهره وقال: لا تدنهم وقد أقصاهم الله ولا تكرمهم وقد أهانهم الله ولا تؤمنهم وقد خونهم الله. وعن عمر رضي الله عنه قال: لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشا واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى. وقيل لعمر رضي الله عنه: إن ها هنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين.

يقول القرطبي: (وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء فتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء) .

ثم نسأل سؤالا آخر: إذا كان الحاكم معزولا عن الواقع ببطانته، فهل مثله يصلح أن يكون حاكما؟ ذكرني هذا بما كان يردده أنصار عبد الناصر في الستينات عندما كانوا يقولون أنه لا يعرف شيئا عما يحصل حوله في السجون والمعتقلات (السجون والمعتقلات التي صارت قدوة لباقي الاستخبارات في بلاد المسلمين) وأن كل ما يحصل حوله كان بسبب صلاح نصر وعبد الحكيم عامر وغيرهم، سبحان الله! من ناحية هو الحاكم الملهم الصالح العادل القوي الشعبي المتواضع، ومن ناحية أخرى هو المغفل الغبي الجاهل! كيف يتسق هذا بالله عليكم؟

فلننته من جمع الأعذار للحكام الفاسدين، ولنعلن أنهم مجرمون هم وبطانتهم مهما كانت بطانتهم، فإن كانت سيئة فلا عجب وإن كان يظهر عليها الصلاح والتقوى كما هو في زمننا هذا فهي أسوأ من السيئة، لأنها تنافق الحاكم، وتضفي عليه الشرعية، وتجعل من ظلمه عدلا، ومن فساده صلاحا، ومن جرائمه فضائل.

ولنتذكر دوما أن الحاكم هو الذي يختار بطانته، فإن كان يريد الصلاح ويبحث عمن يذكره بالآخرة، ويشير عليه بالحق فإن سيختار حتما من هم أهل لذلك، وإن أراد العبث واللهو، والظلم والفساد فإنه سيختار من يعينه عليه.

ولا يزيد الحديث عن الحكام وبطانتهم عن الحديث عن العلماء وبطانتهم، وها نحن اليوم نواجه صرعة جديدة تسمى بطانة العالم فلان، تمارس هذه الصرعة نفس ما مارسته صرعة بطانة الحكام، فما إن يفتي العالم بأمر عظيم فيه خيانة أو تشريع بغير شرع الله، أو تحريف لأحكام الله، إلا وتظهر هذه الصرعة، إن البطانة هي التي تعزله عن الواقع، ولست بحاجة لأن أعيد الكلام فما ينطبق على الحكام ينطبق على العلماء.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل.

‏الثلاثاء‏ 16‏ شوال‏ 1427هـ
الموافق ‏07‏/11‏/2006م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Jan 2 2007, 06:35 PM
مشاركة #43


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال التاسع عشر: العلم في خدمة أحكام الشرع

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد،

تسخير العلم لتيسير تطبيق أحكام الشرع أمر محمود، فالعلم نعمة من نعم الله على الإنسان، يفتح له أبواب معرفة قوانين الخلق، (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [يونس: 5] (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ) [النحل: 80] وما على الإنسان إلى البحث وبذل الجهد في معرفة القوانين العلمية واكتشافها ليسخرها لما فيه مصلحته، والمسلمون من أولى الناس في الانكباب على العلوم ودراستها وفهم قوانينها وتطبيقها في حياتهم العملية، فالجهاد من فرائض الإسلام وهو مرتبط بالعلوم العسكرية وعلوم السلاح والجغرافيا وغير ذلك، ولذا لم يتأخر المسلمون يوما في اكتشاف العلوم التي تفيدهم في القيام بفريضة الجهاد فاستخدموا المنجنيق والمواد المتفجرة وغير ذلك.

لقد وجد العلم لييسر للإنسان تطبيق أحكام الشرع، فاتجاه القبلة من أركان الصلاة، ومعرفة اتجاه القبلة أمر علمي يمكن أن يعرف بالظن وعن طريق النجوم ويمكن أن يعرف كذلك بالبوصلة الدقيقة أو أجهزة الديجيتال الحديثة، وبئر زمزم ارتبط بأحكام الشرع، ولذا وجب المحافظة عليه، وفي الوقت الذي كان البئر فيه بسيطا يغرف منه الناس الماء أصبحت اليوم الحاجة ماسة إلى تنظيمه وحمايته بالعلوم الحديثة.

والحج من أهم الفرائض التي تحتاج إلى العلم لييسر تطبيقها خاصة وأن عدد الناس في ازدياد وأماكن الحج محدودة لا تتغير، فالبناء والسعي ورمي الجمرات والوقوف بعرفة وغير ذلك من مشاعر الحج كلها تحتاج إلى تسخير العلم لها كي تطبق كما أمر الله عز وجل.

ومن الخطأ أن يعجز الإنسان عن الاستفادة من العلوم لجهله أو لتخلفه أو لعدم رعايته، فيحاول أن يسد عجزه بتغيير أحكام الشرع بحجة التيسير والتسهيل على الحجاج.

هذا ما حصل في فتوى مفتي السعودية فقد أفتى مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ في فتوى وزعت الخميس 28- 12-2006 بجواز رمي الجمرات كلها في اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة على أن تكون بالترتيب.

وقال آل الشيخ إنه يجوز للحاج أن يؤخر الرمي إلى اليوم الثالث عشر ويبدأ مرتبا بالرمي لليوم الأول جمرة العقبة ثم يرمي الأولى والوسطى والعقبة عن اليوم الحادي عشر ثم يكررها من البداية عن اليوم الثاني عشر ويكررها عن اليوم الثالث عشر. وقال: «إن شريعة الله لا حرج فيها، وشريعة الله لا تقف أمامها مشكلة من المشاكل، وأن من أجتهد ورأى وأفتى برمي الجمار قبل الزوال يومي الحادي عشر والثاني عشر لشدة الزحام وكثرة الناس وعجلتهم وحرصهم على الذهاب وما سيحصل عليهم من طواف الوداع فلا إشكال فيه. لأن الذي أفتاه اجتهد ورأى أن النصوص تقتضي ذلك وأفتى باجتهاد وتحر للصواب ولكل مجتهد اجتهاده في حدود التشريع» فهذا ليس تيسيرا مأخوذا من أحكام الشرع وإنما هو تحريف لأحكام الحج بحجة التيسير، والرخصة (على تفصيل) في الرمي جاءت للنساء والأطفال والشيوخ والرعاة وغيرهم ممن ينطبق عليهم واقع التيسير وليس كل الحجاج.

كان الأصل أن تكون الرعاية للحجاج بتيسير تطبيقهم أحكام الحج كما جاءت عن النبي عليه وآله الصلاة والسلام، وأن تكون هذه الرعاية بالاستفادة من العلوم والتقنيات الحديثة، ولكن أن يكون هذا التيسير على حساب أحكام الشرع فهذا لا يجوز.


إن العلم وجد ليخدم الإنسان، وليسخره من أجل تطبيق أحكام ربه، وعجزه عن الاستفادة من العلوم لا يبرر له تحريف أحكام ربه.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الثلاثاء‏ 13‏ ذو الحجة‏ 1427هـ
الموافق ‏02‏/01‏/2007م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو مالك
المشاركة Jan 7 2007, 05:01 AM
مشاركة #44


مشرف
***

المجموعة: المشرفين
المشاركات: 9,147
التسجيل: 29-March 05
رقم العضوية: 2



أستاذنا الكريم أبا الحارث

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تعلمون أن مسألة ما جعل عليكم في الدين من حرج فهمت هذه الأيام على أساس أن تقدير الحرج وتحريف النص بناء عليه متروكان للعقل

والصواب أن الأحكام الشرعية بذاتها لا تسبب الحرج وهي سهلة التطبيق ميسورة

فالصلاة ليست خمسين في اليوم والليلة والزكاة ليست 90 بالمائة من المال، والحج مرة في العمر على الفريضة وهكذا

فهي أحكام سهلة ميسرة

وصدقت إذ بينت أن التيسير لا يكون على حساب الشرع

قال ابن نجيم في البحر الرائق شرح كنز الدقائق باب القضاء:

ويحرم التساهل في الفتوى واتباع الحيل إن فسدت الأغراض وسؤال من عرف لذلك

وقال الخراشي في منح الجليل شرح مختصر خليل:

ابْنُ فَرْحُونٍ لا يَجُوزُ التَّسَاهُلُ فِي الْفَتْوَى وَمَنْ عُرِفَ بِهِ لا يَجُوزُ اسْتِفْتَاؤُهُ, وَالتَّسَاهُلُ يَكُونُ بِأَنْ لا يُثْبِتَ وَيُسْرِعَ بِالْفَتْوَى أَوْ الْحُكْمِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ,

وفي فتاوى ابن حجر الهيتمي:

قول النووي في شرح المهذب كالروضة يحرم التساهل في الفتوى ومن عرف به يحرم استفتاؤه فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر ثم قال ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسك بالشبهة طلباً للترخيص لمن يروم نفعه أو التغليط على من يريد ضره،

ومثلها قال النووي في آداب الفتوى والمفتي والمستفتي
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
سليم ميعاري
المشاركة Jan 22 2007, 06:02 PM
مشاركة #45


عضو جديد
*

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 8
التسجيل: 19-January 07
رقم العضوية: 4,989



اه والله مع حق اخي مشتاق بقولك

القلم لا يتوقف بإذن الله

ولكنها سـِـنـَـة ٌ من الإعداد
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Feb 3 2007, 01:50 PM
مشاركة #46


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال العشرون: الأسد المكبل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد،

مشاكل كثيرة تقع في مجتمع اليوم، تبحث عن حلول، إذ من المشاكل ما لا بد من حل لها، وإلا فإنها تتحول إلى كارثة، والكثيرون يطالبون الإسلام من خلال علمائه أن يقدم حلولا لهذه المشاكل، باعتبار أنه الدين الحق وأنه لا تستعصي عليه مشكلة.

صحيح أن الإسلام جاء لمعالجة مشاكل الإنسان، وصحيح أيضا أن نصوص الشرع قائمة تغذي الإنسان بالحلول إلى قيام الساعة، وصحيح أن الاجتهاد في الإسلام وجد ليحول هذه النصوص إلى أحكام عملية تمارس في الحياة الإنسانية فتؤتي ثمارها. ولكن هل يقدم الإسلام حلولا لمشاكل لم توجد في نطاق مجتمعه؟ هل يقدم الإسلام حلولا لمشاكل قدم سلفا الحماية من وقوعها ابتداء؟ هل يقدم الإسلام حلولا لمشاكل وهو معزول عن الحياة؟

أساس الأمر يكمن في وجود تصور خاطئ عن الإسلام وهو أنه يمكن له أن يقدم حلولا جزئية، حتى وإن كان ممنوعا عن تقديم الحلول الشاملة.

عزلوا الإسلام عن الحكم، وأقصوا أحكامه عن الحياة، وحولوه إلى دين كهنوتي، ثم طبقوا القوانين الوضعية، والمناهج الفاسدة، فأنتجت لهم ما أنتجت من مساوئ وكوارث ومشاكل على جميع الأصعدة، وإذا ما طرح الحل الإسلامي قالوا: ليقدم الإسلام حلولا لهذه المشاكل.

إذا ما طرح الحل الإسلامي فالكل يتجاوب معه ولكن من ناحيته ما تمليه عليهم أهواؤهم:

يريدون من الإسلام ما يتناسب مع واقعهم فقط، مثلهم مثل الذي يبدأ كلامه بالبسملة والحمد والصلاة ثم ينهيه بالضلال.

أن تكون للإسلام كلمة إعجاب بالديمقراطية فنعم، ولكن أن تكون للإسلام كلمة الحكم بما أنزل الله فلا.

أن تكون للإسلام كلمة في الرضا بهيمنة الكفار على المسلمين فنعم، ولكن أن تكون له كلمة في الجهاد فلا.

أن تكون للإسلام كلمة في إضفاء الشرعية على تعدد الدول فنعم، ولكن أن تكون له كلمة في الدولة الواحدة فلا.

أن تكون للإسلام كلمة في حرية الرأي فنعم، ولكن أن تكون له كلمة في أحكام الردة فلا.

أن تكون للإسلام كلمة في إباحة الإجهاض فنعم، ولكن أن تكون له كلمة في تحريم الزنا والمحافظة على الأنساب فلا.

وهكذا أصبح الإسلام عندهم ثوبا مهلهلا باليا يصلح لكل جسم مهترئ.

لم يكن الإسلام كذلك منذ أن أنزله الله على رسوله محمد عليه وآله أفضل الصلاة والسلام، لأن الإسلام لم يأت ليكمل نقص حضارة بائدة، ولم تكن أحكامه معالجات لمشاكل مجتمع منحط، ولم يبن يوما على أطلال نظم فاسدة، بل جاء ليغير الواقع تغييرا شاملا كاملا، ليوجد واقعا إسلاميا بكل نواحيه.

هكذا فهم مشركو الجاهلية الإسلام من أول وهلة، إذ أدركوا حقيقة الإسلام وإلام يدعوهم النبي الجديد، علموا أنه لا مجال للمساومة معه، ولا فرصة لهم للتعايش معه في ظل أحكامهم وشركهم وجاهليتهم وفسادهم، علموا من أول لحظة أن عليهم أن يختاروا إما البقاء على ما هم عليه وتحمل النتائج، وإما الانسلاخ مما هم فيه والعيش في أحكام الإسلام عيشا متميزا.

ولعمري فالمسلمون اليوم أولى بهذا الفهم من مشركي الجاهلية، فأولئك مشركون وما بعد كفرهم ذنب، ولا لوم عليهم فيه، ولكن المسلمين مسلمون، يقرأون كلام الله ويفهمون كلام رسوله، يعرفون أحكام الإسلام وتربوا في تعلمها منذ نشأتهم، درسوا سيرة نبيهم عليه وآله الصلاة والسلام من نعومة أظفارهم.

أما آن للمسلمين أن يدركوا أن دينهم جاء ليملك الواقع وليسود المجتمع ولينظم الحياة بأحكامه هو لا بأحكام غيره؟

أما آن للمسلمين أن يدركوا أن عليهم أن ينفضوا عنهم هذا الركون إلى الدنيا وأن ينقضوا على هذا الواقع ليغيروه بالإسلام.

أما آن للمسلمين أن يدركوا أن كل ما يستخرجونه من معالجات وإن سميت إسلامية إنما هي معالجات ملوثة بالواقع السيء، ما دامت لم تخرج من الإسلام وهو في سدة الحكم، وأنها ستكون وبالا عليهم.

نضر الله عالما من علماء الهند الكرام، إذ كان يسير مع أحد تلاميذه في حديقة الحيوانات فسأله تلميذه: أين الإسلام اليوم يا شيخنا؟ فرد عليه سائلا: هل تعرف ما قيمة الأسد ووزنه بين الحيوانات؟ فقال التلميذ: إنه ملك الغابة، يهابه الجميع ولا يخشى أحدا منهم. فقال الشيخ: نعم، ولكنه كذلك إن عاش في غابته فإنه يكون حينئذ ملكا. ثم سار بالتلميذ إلى قفص الأسد، وأشار إليه قائلا: هذا هو الأسد ولكنه ليس ملكا لأنه مسجون، والإسلام يا ولدي مثل هذا الأسد المكبل، لا يستطيع أن يفعل شيئا ما دام معزولا عن ممارسة دوره.

أقيموا الإسلام بكل أحكامه، واجعلوا منه حاكما لكم، لا محكوما بأهوائكم، ونفذوا طريقته كما جاءت عن الرسول الأعظم عليه وآله أفضل الصلاة والسلام، غيروا الواقع بدولة الخلافة، ثم انظروا فإن رأيتم مشكلة فإنكم سرعان ما تجدون لها حلا في دينكم يتناسب مع واقعكم الإسلامي.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الثلاثاء‏ 29‏ ذو القعدة‏ 1427هـ
الموافق ‏19‏/12‏/2006م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أم ناصر
المشاركة Feb 3 2007, 02:02 PM
مشاركة #47


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 2,416
التسجيل: 13-November 05
رقم العضوية: 1,840



أدام الله عليكم نعمه سيدي أبا الحارث ، وجزاكم كل خير
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو دجانة
المشاركة Feb 3 2007, 02:35 PM
مشاركة #48


مشرف
***

المجموعة: المشرفين
المشاركات: 7,039
التسجيل: 29-March 05
رقم العضوية: 6



إقتباس(الرّاجية رحمة ربّها @ Feb 3 2007, 03:02 PM)
أدام الله عليكم نعمه سيدي أبا الحارث ، وجزاكم كل خير
*


اللهم آمين آمين آمين
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Feb 6 2007, 04:26 PM
مشاركة #49


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال الحادي والعشرون: النهر المجنون

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد،

قيل قديما أن أهل مدينة اكتشفوا نهرا في مدينتهم عذب الماء، فشرب منه بعضهم فأصيبوا بالجنون، ولم يتعظ الباقون من رؤية الذين أصابهم الجنون، لأنهم لم يقاوموا لذة الماء فظل الجميع يشرب ويفقد عقله، وانقلب حال المدينة إذ أصبح أهلها كلهم مجانين، حتى وصل الحال أن بدأ هؤلاء المجانين يتهمون العقلاء بالجنون، ولم يبق ممن لم يشرب من النهر إلا ملك المدينة ووزيره، فاجتمع الملك بالوزير ودار بينهما الحوار التالي:

الملك: ماذا ترى يا وزيري فيما يحصل في مدينتنا؟
الوزير: المشكلة يا سيدي أن الناس يعتبروننا مجانين وهم العقلاء.
الملك: إنهم يعتبروننا أننا نحن المجانين وليسوا هم، فكيف نتصرف معهم، إنهم يريدون القضاء علينا لأننا مجانين في نظرهم.
الوزير: لن نستطيع يا سيدي أن نقاومهم.
الملك: وما هو الحل في رأيك؟
الوزير: أرى يا سيدي أن نشرب أنا وأنت من النهر فنفقد عقولنا ونعيش مع الناس بسلام، ألا ترى أنهم يعيشون متوافقين فيما بينهم.
الملك: نعم، ولكنهم مجانين، كيف نقبل أن نصبح مثلهم؟
الوزير: هذا هو الحل في نظري يا سيدي الملك.

واقتنع الملك برأي وزيره وذهب معه إلى النهر فشربا منه وأصبحا من المجانين، فصار أهل المدينة كلهم مجانين بما فيهم الملك والوزير.

مشكلة أهل المدينة أنهم لم يدركوا أنهم مجانين، والمشكلة الأصعب أنهم بدأوا ينظرون للعقلاء أنهم هم المجانين، فصارت هنالك فئتان فئة لا تشعر بواقعها وتعتبر نفسها أنها هي العاقلة، وفئة ثانية تشعر بالواقع وتدرك جنون الفئة الأخرى، ولكنها تعاني من أنها هي الفئة المجنونة حسب ما تراه الفئة الأخرى فيها، فهي إما أن تتغلب على هذه المعاناة بالثبات على واقعها ومحاولة تغيير واقع الفئة الأخرى، وإما أن تنهي هذه المعاناة بالتحول إلى الجنون.

هكذا هم الناس منذ أن خلق الله البشر وجعل فيهم الرسل، فئة استمرأت الواقع ورضيت به ولا تفكر بتغييره، وتختلق المبررات للسكوت عليه، وتعتبر غيرها من الذين يعملون لتغيير الواقع أنهم خياليون مجانين لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئا.

وفئة أدركت أن الواقع يحتاج إلى تغيير فباشرت العمل من أجل تغييره، ولكنها تصطدم دائما بتلك الفئة الواقعية التي لا تريد التغيير.

{وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ }[هود: 38]

{فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ } [هود: 27]

{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 52]

{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} [القمر: 9]

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الذباب والفراش يقعن فيها وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيها) [رواه الشيخان والترمذي وغيرهم]

إن الذين يعيشون في الواقع السيئ كالواقع الذي نعيشه اليوم، قسمان: قسم يرى التعايش مع الواقع والرضا به والسكوت عليه، وإن تيسر في بعض الأحيان محاولة إصلاحه فلا بأس.

وقسم آخر يرى تغيير هذا الواقع، وإقامة واقع جديد مكانه، ويعمل من أجل ذلك. ولكنه يعاني من موقفه هذا وأشد معاناته في موقف القسم الآخر منه.

والمسلمون أولى الناس بإدراك هذا الأمر، لأن الذين يعيشون في الواقع السيئ من غير المسلمين ليس عندهم معايير يحكمون من خلالها على واقعهم، لأن الواقعية عندهم هي المعيار وهم بذلك يشبهون إلى حد كبير أهل المدينة المجانين الذين شربوا من النهر المجنون، ولذلك فإنهم لا يعرفون مرارة الواقع الذي يعيشون فيه ظنا منهم أنها حلوة، وهذا الذي يفسر لنا مدى الانحطاط السريع الذي تهوي به هذه المجتمعات على الرغم من تقدمها العلمي والتكنولوجي، فاليابان مثلا تعتبر من البلاد التي تقدس الزواج والعفة وفيها من الشرف والشهامة ما فيها، وهي الآن من أكثر البلاد تقدما في الناحية العلمية وارتفاع مستوى الدخل، ولكنها من أسوأ البلاد في انتشار الفساد الأخلاقي فيها إلى درجة الغثيان.

أما المسلمون فإن لديهم من المعايير ما يضمن لهم مراقبة واقعهم وإدراك انحطاطه من نهضته، سوءه من صلاحه، ارتفاعه من انخفاضه، ذلك أن الإسلام بين بأحكامه كيف يجب أن يكون واقع الناس، ونمط الحياة التي يجب أن يعيشوا فيها، وجعل كل هذا محكوما بنظام كامل شامل، ولذا فإن الزنا لا يمكن أن يصبح فضيلة في المجتمع الإسلامي مهما كانت مبرراته، ومهما كانت أسبابه، وتعري المرأة لا يمكن أن يكون تحضرا، والرشوة والشذوذ والربا لا يمكن أن يكون أيا منها مطلبا للناس لأن المعيار يرفضها، وهنا يتشكل في المجتمع ضغطا للواقع ولكنه من نوع آخر، ضغط محكوم بمعيار ثابت لا يتغير.

قد يرى المجتمع الإسلامي كارثة في الاقتصاد، وقد يصيبه فقر، وقد يكون متخلفا من الناحية العلمية، ولكنه لا يمكن أن يكون منحطا، لأنه أدرك معنى الانحطاط، ووجد عنده المعيار، فهو مثل الذي عرف الحلاوة بعد أن عرف المرارة.

إن من فضل الله تعالى على هذه الأمة أن أوجد فيها من يدرك بمعيار الإسلام حلاوة الواقع من مرارته، فيعمل من أجل تغييره، ولا يرضى به، وإن كل معاناة يعانيها وهو يعمل لتغيير الواقع فإن له أجرها العظيم عند الله تعالى، وعلى الواقعيين الذين رضوا بالواقع ألا يقفوا في وجه التغيير وهذا أقل ما يطلب منهم.
وأخيرا أليس العيش بالعقل والتنعم به خير من الشرب من النهر المجنون؟

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ،،،،،،،، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الثلاثاء‏ 18‏ محرم‏ 1428هـ
الموافق ‏06‏/02‏/2007م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
صوت الحق
المشاركة Feb 10 2007, 02:52 PM
مشاركة #50


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 983
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 48



كل المشافي لا تنفع إلا مشفى قائما على تقوى من الله .
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابراهيم1977
المشاركة Feb 16 2007, 09:23 PM
مشاركة #51


عضو نشيط
**

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 12
التسجيل: 7-February 07
رقم العضوية: 5,177



السلام عليك يا ابا الحارث
بارك الله فيك على هذه المقالت الرائع و ما كتبت الى لاشكرك على ما كتبت
و السلام عليكم
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة

3 الصفحات V  < 1 2 3
إضافة رد على الموضوعموضوع جديد
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



نسخة خفيفة الوقت الآن: 16th July 2019 - 04:53 AM