منتدى العقاب

هذا المنتدى هو أرشيف منتدى العقاب حتى عام 2012

وهو فقط للمطالعة والتصفح، للمشاركة نرجو الانتقال للمنتدى الجديد

http://www.alokab.com

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )



3 الصفحات V  < 1 2 3 >  
إضافة رد على الموضوعموضوع جديد
> عندما يتكلم القلم: سلسلة مقالات للشيخ أبي الحارث
طالب عوض الله
المشاركة Dec 22 2005, 06:49 PM
مشاركة #21


عضو متميز
***

المجموعة: 5
المشاركات: 2,649
التسجيل: 11-December 05
رقم العضوية: 2,008



بسم الله الرحمن الرحيم
كم تشوقت للقاء الأخ الكبير أبي الحارث التميمي، بعد أن قرأت مناشدة أخواننا شباب هذ المنتدى بعودته لإتحافنا بالدرر الثمينة من فكر الدعوة، وزاد اعجابي بالرجل العظيم كثرة مدح الأخ الصديق سيف الدين عابد حيث زامله في لقاءات صوت الأمة، ولكن بعد قراءة مواضيع هذا الباب قلت في نفسي أن دعوة بها هذا العملاق الفكري سيأذن الله لها تحقق الغاية والهدف متى شاء، ونرجوا الله أن يكون ذلك قريباً، لقد شاهدت تلهف شيوخنا الأوائل على المنعة والتمكين فلم تكتحل عيناهم برؤية تحقق ما أفنوا أيام حياتهم في العمل لها، وذهب الشيوخ العظام المؤسسون وغير المؤسسين ، وكل يوم تزداد الدعوة شباباً وتجدداً وأملاً جديداً وفتوحات لم نفكر بها يوماً، كيف لا تفتح لنا ما استعصى على غيرنا ولا زال فينا شيوخ عظام وفقهاء ومفكرون ؟ نعم عظام من أمثال أبي الحارث التميمي، وأبي إياس ، وقبلهم وفي المقدمة شيخ الشيوخ أبو ياسين، فأهلاً حللت وسهلاً نزلت ، أخا كبيراً وشيخاً فاضلاً ، طامعين منكم مزيداً من العطاء.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Dec 26 2005, 09:45 PM
مشاركة #22


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد

أعتذر أولا عن التأخر بالكتابة والردود، وذلك لبعض ظروف السفر والانشغال، وأشكر جميع الإخوة على ثقتهم فكم أتمنى أن أكون فعلا كما يقولون، وأسأل الله تعالى أن أكون عند حسن ظنهم بي.

وبالنسبة لما كتبه الأخ الفاضل أبو عبادة تعليقاً على الآيات الكريمات في سورة الكهف، فإن ما ذكره صحيح، ولا يخالف في نظري ما كتبته، فقد تناولت الآيات من جانب وتناولها هو والإخوة الأفاضل الذين لا نستغني عن علمهم ولا ننفك نبحث عن ملاحظاتهم استعانة بهم، تناولوها من جوانب أخرى، وهذه مما امتاز به كتاب الله العظيم إذ أن آياته تفهم من كل جانب، وتعطي ثمارها في كل حين.

أما ذكره الأخ الفاضل زين العابدين حول الإيمان، فالإيمان هو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل، ونحن لم نستعمل كلمة الإيمان كونها قاعدة فكرية أو قيادة فكرية أو فكرة كلية وإنما استخدمنا هذه المسميات للعقيدة، صحيح أن العقيدة والإيمان شيء واحد كون الإيمان والاعتقاد متماثلان، إلا أن استخدام العقيدة كقاعدة كلية أشمل من الإيمان فالإيمان يشمل تعريف الإيمان نفسه كونه تصديقا جازما ...إلخ ويشمل الإيمان بشكل عام. ولكن العقيدة تشمل الإيمان كله أي كل أركان الإيمان.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Jan 1 2006, 12:56 PM
مشاركة #23


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال السابع: الأيام العشر، بركة الوقت وضياعه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد

أسأل الله تعالى أن يعيننا وجميع المسلمين على الاستفادة من الأيام القادمة بالطاعة والعبادة والذكر، وعدم تضييعها باللهو وقتل الوقت، وهي العشر الأول من ذي الحجة، أعظم الأيام عند الله تعالى، عن مجاهد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) وروي من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عمر بنحوه وقال البخاري: وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.

وأخرج الترمذي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر. فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا الجهاد في سبيل الله. إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)

وروى أبو داود عن عبد الله بن قرط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر ثم يوم القر) ويوم القر هو يوم الاستقرار في منى ويأتي بعد يوم النحر. وأخرج مالك عن زياد بن أبي زياد عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وأخرج مسلم عن ابن المسيب قال: قالت عائشة: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء) وروى النسائي عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري عن قتادة بن النعمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه وسنة بعده) وأخرج الترمذي عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صيام يوم عرفة، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)

فهذه الأدلة وغيرها كثير تدل على عظمة هذه الأيام ومنها يوم عرفة ويوم النحر، وسعيد من استفاد من هذه الأيام بالإكثار من العبادة وأقصد ها هنا بالعبادة التنفل، فلا يتصور من المسلم أن يتعبد الله بالفروض في مثل هذه الأيام ولا يتعبده بها في الأيام الأخرى، فهذا وربي مصيبة وأي مصيبة.

فالمسلم مأمور أن يعبد الله كما أمر جل وعلا في كل وقت وفي كل مكان، أن يأتي بالفروض التي فرضها الله جل وعلا عليه، وهذه الفروض تتعدد وتتنوع فمنها ما يخص بكلمة العبادة كالصلاة والصيام والصدقة وغيرها، ومنها ما يخص بكلمة المعاملات، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها العمل لإقامة ما يقيم كل هذه الفروض في المجتمع ويحمي قيامها وهو إقامة حكم الله في الأرض، فهذه كلها فروض لا يتأتى أن تنسى في أيام السنة وتذكر أو يذكر بعض منها في رمضان أو في مثل هذه الأيام العظيمة.

بل النصح هو في الاستفادة من مواسم الطاعة هذه التي تكرم الله علينا بها، في الإكثار من النوافل.

والوقت فيه بركة كبيرة إن استغل في طاعة الله تعالى، وفيه محق وضياع إن استغل بغير ذلك من اللهو وإن كان مباحا فيما إذا زاد عن حده فصار مضيعة للوقت، أو لم يقصد به وجه الله تعالى.

فمثلا: مشاهدة مباراة لكرة القدم تستغرق ساعتين من الزمن، ومشاهدة فيلم في التلفزيون تستغرق ساعتين أو ساعة ونصف، ومشاهدة مسرحية قد تستغرق أكثر من ثلاث ساعات، واللعب واللهو يأخذ من الوقت ما يضيعه ولكن قراءة جزء من القرآن الكريم تستغرق فقط خمسا وعشرين دقيقة، وهي القراءة المتأنية التي يطلق عليها التلاوة. وقراءة صفحة من كتاب متوسط القطع تستغرق دقيقة أو أكثر قليلا، وقيام الليل إن قرئ في الركعة بربع حزب لا يزيد عن ساعتين، والجلوس بعد الصلاة لذكر الله بالأذكار المأثورة لا يزيد عن عشرة دقائق، وهكذا، نجد أن في الوقت بركة إن استغل في طاعة الله تعالى، ولذلك تكون الحياة التي يعيشها الإنسان على قلتها كافية لأن تساوي الآخرة بأبديتها إن استغلها الإنسان وعرف قيمتها.

أمر آخر، لقد كتب الله علينا قصر الأعمار بالنسبة للأمم السابقة، فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعمار أمتي ما بين ستين إلى سبعين وأقلهم من يجوز ذلك) وأثر عن أحد الأنبياء أنه لما علم بقصر عمر من يأتون بعده من الأمم استغرب وقال: كيف يعبدونك يا رب. فهو يستغرب من قصر العمر هذا كيف يتسنى للمؤمن أن يعبد الله فيه حق عبادته، وهذا وإن لم يصح فإن معناه صحيح، إذ كيف تكفي ستون سنة أو سبعون لعبادة الله تعالى.

لو قلنا المتوسط سبعون سنة، فهي تعادل 25200 يوم أي 604800 ساعة أي 36288000 دقيقة
ولو فرضنا في المعدل ما يلي:
دخول الحمام يوميا وملحقاته: ساعة في اليوم = 25200 ساعة = 1050 يوم = 3 سنوات
النوم وما يسبقه من نعاس وما يتبعه من استيقاظ: ثماني ساعات في اليوم = 201600 ساعة = 23 سنة
التنقل والخروج وغيره: ثلاث ساعات في اليوم = 75600 ساعة = 8.5 سنة
الأكل والشرف: ساعتان في اليوم = 50400 ساعة = 6 سنوات
الوقت الضائع: ساعتان في اليوم = 50400 ساعة = 6 سنوات
المجموع : 46 سنة ستا وأربعون سنة بالتقريب ويكون الباقي من السبعين 24 سنة مع عدم احتساب أمور كثيرة.

وهذا أمر نسبي إذ يمكن لكل واحد منا أن يحسب معدل ما يستهلكه يوميا من وقت فيعرف كم يروح من عمره في النوم والأكل ودخول الحمام واللعب واللهو وغير ذلك. وما وضعت هذه الحسبة إلا لتكون نموذجا فيضع كل واحد منا حسبته ليعرف أين يذهب عمره.

وعودا لما بدأته في الفقرة السابقة عن قصر العمر، فإن الله تعالى أكرمنا وأنعم علينا وعوضنا، نعم وعوضنا بهذا العمر القصير نسبة إلى من سبقونا بمواسم وأيام وأماكن للعبادة، لو قمنا بها كما أمرنا لصارت عبادتنا له أكثر من سبعين سنة، بل لفاقت مئات السنين.

إنني لا أحب أعياد الميلاد ولا أذكر أنني احتفلت بواحد منها، بل أرى تحريم ذلك، ولكن ما وددت أن أقوله هنا أمرا آخر، وهو إشفاقي على كل من يحتفل فرحا بيوم ميلاده، ولو أدرك المسكين أن عمره قد نقص ودنوه من القبر قد زاد لم يطفئ شمعة، بل لأشعل شمعة (إشعال الشموع دليل الحزن، وإطفاؤها دليل الفرح عندهم) ولذلك ينتابني حزن شديد إذا جاء يوم مولدي ويتغلبني شعور بأني حملت إلى قبري قدر سنة.

وكثيرا ما أطرح هذا اللغز (ما هو الشيء الذي إن زاد نقص) إنه العمر، كما زاد عمرك كلما نقص عمرك، وكل يوم يمر عليك يدنيك من قبرك يوما، ولله در الحسن البصري رحمه الله عندما قال: يا ابن آدم، إنما أنت بضعة أيام فإن ذهب يوم ذهب بعضك. وقالت رابعة لسفيان: إنما أنت أيام معدودة فإذا ذهب يوم ذهب بعضك.

فالعمر فيه بركة كبيرة إن عرف كيف يستغل، وهو ممحوق البركة إن ضيع باللهو والعبث.

والمسلمون من دون الناس أولى الناس بمعرفة هذا، فإنهم مع مسئوليتهم عن أنفسهم أمام الله تعالى، فإنهم مسئولون عن باقي الأمم ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)) فهم مسئولون عن الأمم كلها يدعونهم إلى الإسلام، وينقذونهم من النار، ولن يكون هذا أبدا بالاستسلام لهذا الواقع والاستجابة لفتنه ومتعه وإلهاءاته، بل بتغييره بالإسلام كي يكون هو المبدأ الذي يسير حياة الناس وفق كيان الخلافة التي ستكون بحق محفظة الوقت عند المسلمين. فكم يحتاج المسلمون إلى استغلال وقتهم لتحقيق كل هذا.
رحم الله من قال: كم في القبور من حسرات.

وصلى الله على سيدي القائل : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها ثم تمنى على الله الأماني.

أسأل الله تعالى أن يرشدنا ويلهمنا ويعيننا على الاستفادة من وقتنا فيما ينفعنا وينفع أمتنا وينفع البشر الذين ينتظرون منا الكثير.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Jan 5 2006, 11:35 PM
مشاركة #24


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال الثامن: الوهلة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد

تأثر الناس عامة بالإعلام تأثر ظاهر، تغلب عليه العفوية في أكثر الأحيان، إذ عادة ما يكوّن التأثر بما يطرحه الإعلام استجابة لمؤثراته، تضخمها المعلومات السابقة الموجودة في الذهن فيما إن كانت معلومات خاطئة أو صحيحة.

والإعلام يستغل الناحية الإخبارية في التوجيه، فهو يعطي الخبر ولكنه يوجهه ويوحي من خلاله، ولذلك تختلف الأخبار والمعلومات عن الإعلام اختلافا كبيرا.

والناس بشكل عام تتلقى الخبر الإعلامي المغلف بالإيحاء، وتستجيب طبيعيا لهذا الخبر وقد تردده فتحقق القصد الإيحائي منه.

عندما تسيطر أجواء الجريمة في مجتمع ما وينتشر الفساد فيصبح ظاهرة، فإن كل خبر يتعلق بجريمة أو بحالة من الفساد يفسر بشكل عفوي وفق أجواء المجتمع، فإذا كان التفكير بالخبر هنا سطحيا عند تلقيه، فإنه سرعان ما يربط الخبر المتعلق بجريمة أو بمظهر غير أخلاقي بالأجواء العامة للمجتمع، وقد يكون الأمر غير ذلك.

ومن هنا يستغل الإعلام كسلاح يوجه الرأي العام نحو مقاصد معينة، فهو يوجد الأرضية بالإيحاء، فتخرج النتائج من العقول وكأن العقول هي التي صنعتها بينما هي (العقول) كانت ضحية للإيحاء الإعلامي.

قبل سنوات طويلة ظهر ممثل في مسرحية مصرية في محكمة وسأله القاضي: لماذا تسكن في عمارة فيها راقصة، هذا يدل على أنها راقصة محترمة، وإلا لكنت خرجت من العمارة؟ فأجاب الممثل: لو كل إنسان خرج من عمارته لأن فيها راقصة لبات الناس كلهم في الشارع. استجاب الناس بشكل عفوي لما قاله الممثل وقابلوه بالتصفيق الحاد موافقين على ما قاله. ولو فكر واحد من المصفقين قليلا لأدرك أن الممثل يكذب ويزور، فمصر ذات الكثافة السكانية لا تشكل فيها الراقصات إلا نسبة ضئيلة جدا لا تتعدى 0.016 بالمائة من عدد السكان، ولكن لأن الكلمة لامست واقعا ملحوظا (إعلاميا) تأثر الناس بها وسلموا فعلا بما قاله الممثل مع أنه غير صحيح.

ما الذي ربط اسم مصر بالرقص الشرقي والراقصات وغير ذلك من مظاهر الفساد؟ إنه الإعلام. وما دام هذا كله قد ارتبط بالذهن وتأثرت به النفس فقد صار من الطبيعي أن يستجيب العقل ويصفق.

وقس على ذلك كل ما يمارسه الإعلام في صنع الحكم على الواقع، وإيهام العقول بأنها فكرت وخرجت بالنتيجة في حين أنها كانت أداة عفوية له استخدمها ليحقق أغراضه.

إدراك هذه الناحية الخطيرة، لا بد أن يؤدي إلى الحذر، كل الحذر عند تلقي أي خبر إعلامي، سواء أكان هذا الخبر معلومة عن واقع أم تاريخا يقدم بشكل فني، أم غير ذلك من أدوات الإعلام الكثيرة والمتنوعة والمتناثرة في أرجاء الأرض.

والحذر يكون من عدم إعمال العقل عند تلقي الخبر، ويكون من الحكم عليه من الوهلة الأولى دون التعمق في دراسة الواقع، والتثبت من المعلومات المتعلقة به ثم الربط الصحيح وفق قاعدة ثابتة تضمن للعقل عدم الانحراف في الحكم على الواقع.

والحذر من الفرض بأن كل ما يقدمه الإعلام صادق وصحيح، بل الأصل في ظل وجود التآمر على الأمة والذي نراه في كل زاوية وفي كل ناحية، أن يفترض العكس حتى يثبت نقيضه.

وقد جاء في الحديث الصحيح: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) وقديما قال الشاعر:

وهمْ نَقَلُوا عَنّي الذي لمْ أفُهْ بهِ .......... وَمَا آفَةُ الأخْبَارِ إلاّ رُوَاتُهَا

إن الله أكرمنا بالإسلام وأكرمنا بالعقل، والإسلام ضبط للعقل طريقه إلى الصواب وضمن له ألا ينحرف، فلو أحسنا استخدام عقولنا لأدركنا الكثير من الحقائق، ولتكون عندنا الوعي على الكثير من المؤامرات، ولعرفنا متى نصفق ونؤيد ومتى نرفض ونستهجن.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الجمعة‏ 06‏ ذو الحجة‏ 1426هـ
الموافق ‏06‏/01‏/2006م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
عابد الله
المشاركة Jan 6 2006, 12:03 AM
مشاركة #25


مشرف
***

المجموعة: المشرفين
المشاركات: 4,219
التسجيل: 4-April 05
رقم العضوية: 18



لا فض فوك استاذنا الكبير الفاضل

ابا الحارث التميمي .
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
طالب عوض الله
المشاركة Mar 4 2006, 09:26 AM
مشاركة #26


عضو متميز
***

المجموعة: 5
المشاركات: 2,649
التسجيل: 11-December 05
رقم العضوية: 2,008



إقتباس(عابد الله @ Jan 6 2006, 12:03 AM)
لا فض فوك استاذنا الكبير الفاضل

ابا الحارث التميمي  .
*



اللهم آمين
وله إن شاء الله خير الجزاء
وله منا كل التقدير والاحترام
وندعوا الله أن ينفعنا من علمه الغزير
وأن يثيبه على تقواه وورعه خير الجزاء
ونشهد له بكل خير ، ولا نزكي على الله أحداً
وأعود مكرراً ما كتبته سابقاً:
بسم الله الرحمن الرحيم
كم تشوقت للقاء الأخ الكبير أبي الحارث التميمي، بعد أن قرأت مناشدة أخواننا شباب هذ المنتدى بعودته لإتحافنا بالدرر الثمينة من فكر الدعوة، وزاد اعجابي بالرجل العظيم كثرة مدح الأخ الصديق سيف الدين عابد حيث زامله في لقاءات صوت الأمة، ولكن بعد قراءة مواضيع هذا الباب قلت في نفسي أن دعوة بها هذا العملاق الفكري سيأذن الله لها تحقق الغاية والهدف متى شاء، ونرجوا الله أن يكون ذلك قريباً، لقد شاهدت تلهف شيوخنا الأوائل على المنعة والتمكين فلم تكتحل عيناهم برؤية تحقق ما أفنوا أيام حياتهم في العمل لها، وذهب الشيوخ العظام المؤسسون وغير المؤسسين ، وكل يوم تزداد الدعوة شباباً وتجدداً وأملاً جديداً وفتوحات لم نفكر بها يوماً، كيف لا تفتح لنا ما استعصى على غيرنا ولا زال فينا شيوخ عظام وفقهاء ومفكرون ؟ نعم عظام من أمثال أبي الحارث التميمي، وأبي إياس ، وقبلهم وفي المقدمة شيخ الشيوخ أبو ياسين، فأهلاً حللت وسهلاً نزلت ، أخا كبيراً وشيخاً فاضلاً ، طامعين منكم مزيداً من العطاء.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Apr 16 2006, 11:46 PM
مشاركة #27


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال التاسع : التصفية الدينية أو الفتنة الطائفية
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد

التصفية الطائفية، نار يجب أن تخمد قبل اشتعالها، فأي رأي يؤيدها يجب أن يكتم، وأي تصرف يوقظها يجب أن يوقف، وأي فكرة تؤيدها يجب أن يرد عليها لتموت في مهدها، لأن هذه الفتنة نار تحرق كل شيء وتأكل كل أخضر ويابس، ولا تورث إلا المجازر والمآسي والكوارث.

أن تتم تصفية الإنسان لمجرد اعتقاده أو مذهبه أو رأيه فهذا أمر خطير.

أن يصبح القتل على الهوية، أو الاسم فهذا ما يجعل القتل من أجل القتل، فيستحر القتل في سلسلة من الحلقات لا يمكن أن تنتهي.

هذا ما يراد أن يحصل في بلاد المسلمين، وهذا ما يسعى أعداء المسلمين إلى تحقيقه، إذ يكفي أن يستحر القتل بين المسلمين أنفسهم أو بين المسلمين وغيرهم، ليتمكن هؤلاء الأعداء من تحقيق مآربهم بالسيطرة والنفوذ.

لقد عاش غير المسلمين في الدولة الإسلامية وتحت رعاية المسلمين آمنين على أنفسهم وعلى دينهم وعلى أموالهم وأعراضهم، ولم يشهد التاريخ تصفية لأي فئة منهم من قبل المسلمين، رغم المآسي التي وجدها المسلمون من أمثالهم كما حصل في الحروب الصليبية وإجلاء المسلمين من الأندلس وغيرها.

لم يفكر المسلمون يوماً وهم يعانون من ظلم الصليبيين أن ينتقموا من النصارى الذين يعيشون بينهم، فقد ضبط لهم الفقه الإسلامي واقع غير المسلمين من كونهم أهل ذمة أو محاربين أو مستأمنين.

وقد سجل التاريخ بشهادة مؤرخي الغرب أنفسهم أن اليهود نزحوا من إسبانيا عام 1429م هربا من محاكم التفتيش النصرانية التي كانت تطارد المسلمين واليهود، لأنهم كانوا يعيشون بأمان الإسلام وسلطان الإسلام قبل مجيء الإسبان، وعاش الكثير من اليهود في المدن المغربية ومارسوا التجارة وغيرها من الحرف، وتنامى نفوذهم، وعلى الرغم من لمسهم أمن العيش تحت ظل المسلمين، إلا أنهم أظهروا للفرنسيين في بلاد المغرب أنهم كانوا ضحايا للمسلمين، وذلك بعد أن أقاموا علاقات قوية معهم.

كما سجل التاريخ أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يحرق أو يتلف أو يصادر أسفار اليهود ووثائقهم في خيبر بل تركها معهم.

ومن وصية أبي بكر الصديق لأسامة بن زيد رضي الله عنهما وأرضاهما: (يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأةً، ولا تعقروا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له)

هكذا فهم المسلمون رسالة الإسلام وهم يحملونها دعوة إلى غيرهم من الكفار، رسالة دعوة ودعاية، وليست رسالة تصفية دينية، فقد قال تعالى (لا إكراه في الدين) وقال (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) .

لقد أدرك المسلمون أن الإسلام لم يأت ليصفي الناس من الوجود حسب دياناتهم، بل إنه تركهم ودياناتهم، ولم يقم في دعوته لهم إلا بدور الراعي الذي يحمل رسالة لغيره، فيزيل كل العقبات التي تحول بينه وبين غيره، من أجل أن يمكن غيره من العيش في ظل الإسلام لافتا نظره إليه، فإن آمن ودخل في دين الله فقد ضمن آخرته، وإن لم يفعل فقد ضمن على الأقل أن يعيش حياته في الدنيا متمتعا بما عنده من دين، وإن كان كفرا، ظافرا بعدل الإسلام ورحمته.

ولذلك وجدنا أبا بكر رضي الله عنه يقول لجنوده: (وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له) .

إن الذين يروجون لفكرة أن المسلمين لا يقبلون العيش مع غيرهم من الكفار، يريدون بذلك أن يوجدوا صورة عن المسلمين في أذهان غيرهم، تساهم من ناحية في ترسيخ التصفية الدينية عند المسلمين، وتساهم من ناحية أخرى في إذكاء هذه التصفية عند غير المسلمين. وتزرع من ناحية أخيرة في أذهان الغير أن دولة الإسلام دولة للمسلمين فقط، دولة عنصرية دينية عرقية.

لقد كشفت أوراق البردى التي كتبها أهل مصر في أول دخول للمسلمين إلى مصر كيف أن أقباط مصر رحبوا بجيش المسلمين، وكيف أنهم وصفوا هذا الجيش بانضباطه، وأخلاقه، وحسن معاملته، وكيف أنه أنقذهم من الروم، كيف لا؟ وقد تحققت فيهم نبوءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما) [رواه الحاكم، والبيهقي والطبراني بسند صحيح] وقوله: (إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما) [رواه مسلم] ومعنى القيراط هو أن قبط مصر يسمون أعيادهم وكل مجمع لهم : القيراط يقولون : نشهد القيراط .

ولذلك فرق المسلمون بين أهل الذمة وهم رعايا الدولة الإسلامية الذين يعيشون تحت حكمها، سواء أكانوا رعايا لها بعد جهاد مع دولتهم، أم أنهم دخلوا في ظل الدولة ليعيشوا فيها بمحض إرادتهم. وبين الكفار الحربيين الذين يحاربون المسلمين، سواء أكانت حالة الحرب قائمة معهم فعلا فيكونون حربيين فعلا، أم كانت غير قائمة فيكونون حربيين حكما، وبين المستأمنين الذين يدخلون بلاد المسلمين بأمان فلا يجوز التعرض لهم ولا قتالهم.

لقد نظم الإسلام العلاقة بين المسلمين وغيرهم تنظيما دقيقا، ورعى غير المسلمين بأحكامه الشرعية رعاية تامة، ولو أن أحكام الإسلام قائمة ودولة الإسلام موجودة لرأى غير المسلمين ما لم يروه اليوم.

أما مع وجود المتآمرين على الإسلام وأهله، والطامعين في بلاد المسلمين، وغيرها، فإن بواعث الفتنة الطائفية تنتهي حبالها في أيديهم ليحركوها كما يشاؤون، ولا يكلفهم ذلك كثيرا، فالأجواء مشحونة، والمفاهيم الصحيحة مفقودة، والتأثر بالواقع هو المعيار لتصرفات الإنسان، ولذلك نرى ما يؤسف له في بلاد المسلمين من زرع لبذور الفتنة في اقتتال المسلمين بين أنفسهم كما يحصل في العراق وبينهم وبين غيرهم كما يحصل في مصر.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الأحد 18‏ ربيع الأول‏ 1427هـ
الموافق ‏16‏/04‏/2006م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو الفهد
المشاركة Apr 17 2006, 08:11 AM
مشاركة #28


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 343
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 42



ما زلت تتحفنا بدموع قلمك شيخنا الفاضل...

لا فض فوك استاذنا الكبير...


إقتباس(أبو الحارث التميمي @ Apr 16 2006, 11:46 PM)
لقد عاش غير المسلمين في الدولة الإسلامية وتحت رعاية المسلمين آمنين على أنفسهم وعلى دينهم وعلى أموالهم وأعراضهم، ولم يشهد التاريخ تصفية لأي فئة منهم من قبل المسلمين، رغم المآسي التي وجدها المسلمون من أمثالهم كما حصل في الحروب الصليبية وإجلاء المسلمين من الأندلس وغيرها.

لم يفكر المسلمون يوماً وهم يعانون من ظلم الصليبيين أن ينتقموا من النصارى الذين يعيشون بينهم، فقد ضبط لهم الفقه الإسلامي واقع غير المسلمين من كونهم أهل ذمة أو محاربين أو مستأمنين.

*

الله أكبر ما اعظم هذا الدين

الله أكبر ما اعظمه من خالق

الله أكبر ما ارحمه من خالق... ارحم من الام على ولدها


اللهم عليك بكل من اشعل نار الفتنة بين المسلمين, اللهم شل لسانه واركانه, واجعل تدبيره في تدميره,,,

قاتل الله الكفر والكفار, وقاتل الله افكارهم ونواياهم.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Apr 28 2006, 03:16 PM
مشاركة #29


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



بسم الله الرحمن الرحيم

المقال العاشر: وقفة مع كلمة النصر

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على من اصطفى.

أصل الكلمة:

قال ابن زكريا في مقاييس اللغة: «نصر: النون والصاد والراء أصل صحيح، يدل على إتيان خير وإيتائه»

وأصل نَصَرَ مصدره وهو: نَصْر، فهو أصل اشتقاقه، وهو اللفظ الدال على حدث مجرد عن الزمان، متضمن أحرف فعله لفظاً، وهو مصدر ثلاثي.

اشتقاقات الكلمة، وتغير معناها:

وعلى ما ذكره ابن زكريا، فقد اشتقت من كلمة نصر بعض معاني الخير من العطاء والمطر والعون، وإسداء الخير.

فتقول: نصر الغيث الأرض أي سقاها. ونصر الغيث الأرض نصرا: غاثها وسقاها وأنبتها. وقال أبو عبيد: نصرت البلاد إذا مطرت فهي منصورة أي ممطورة ونصر القوم إذا غيثوا، وفي الحديث: «إن هذه السحابة تنصر أرض بني كعب» أي تمطرهم.

والنواصر مجاري الماء إلى الأودية واحدها ناصر والناصر أعظم من التلعة يكون ميلا ونحوه. والنواصر من الشعاب ما جاء من مكان بعيد إلى الوادي فنصر سيل الوادي. والنواصر مسايل المياه واحدتها ناصرة سميت ناصرة لأنها تجيء من مكان بعيد حتى تقع في مجتمع الماء حيث انتهت لأن كل مسيل يضيع ماؤه فلا يقع في مجتمع الماء فهو ظالم لمائه. وقال أبو حنيفة: الناصر والناصرة ما جاء من مكان بعيد إلى الوادي فنصر السيول.

ونصر البلاد ينصرها أتاها، عن ابن الأعرابي: ونصرت أرض بني فلان أي أتيتها. قال الراعي يخاطب خيلا:

إذا دخل الشهر الحرام فودعي ،،،،،، بلاد تميم وانصري أرض عامر

والنصر: العطاء. قال رؤبة:

إني وأسطار سطرن سطرا ،،،،،، لقائل يا نصر نصرا نصرا

ونصره ينصره نصرا: أعطاه. والنصائر العطايا، وقف أعرابي على قوم فقال: انصروني نصركم الله. أي أعطوني أعطاكم الله.

وقال ابن سيده في المخصص: النصر إعانة المظلوم نصره ينصره نصراً، والنصير الناصر والجمع أنصار.

طلب النصر: وإذا دخلت الألف والسين والتاء على الفعل فهي تفيد الطلب، فاستنصر أي طلب النصر، والاستنصار استمداد النصر. واستنصره على عدوه أي سأله أن ينصره عليه. قال الفيروزآبادي: والاسْتِنْصارُ: اسْتِمْدادُ النَّصْرِ، والسُّؤالُ.

أما الانتصار فأصله الانتقام: وانتصر الرجل إذا امتنع من ظالمه قال الأزهري: يكون الانتصار من الظالم الانتصاف والانتقام. وانتصر منه انتقم، قال الله تعالى مخبرا عن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ودعائه إياه بأن ينصره على قومه فانتصر ففتحنا كأنه قال لربه انتقم منهم كما قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا. والانتصار الانتقام وفي التنزيل العزيز (ولمن انتصر بعد ظلمه) وقوله عز وجل (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) قال ابن سيده: إن قال قائل أهم محمودون على انتصارهم أم لا قيل من لم يسرف ولم يحاوز ما أمر الله به فهو محمود.

والتناصر التعاون على النصر، قاله ابن سيده في المخصص. والتناصر التعاون على النصر وتناصروا نصر بعضهم بعضا وفي الحديث «كل المسلم عن مسلم محرم أخوان نصيران» أي هما أخوان يتناصران ويتعاضدان والنصير فعيل بمعنى فاعل أو مفعول لأن كل واحد من المتناصرين ناصر ومنصور وقد نصره ينصره نصرا إذا أعانه على عدوه وشد منه ومنه حديث الضيف المحروم «فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقرى ليلته» قيل يشبه أن يكون هذا في المضطر الذي لا يجد ما يأكل ويخاف على نفسه التلف فله أن يأكل من مال أخيه المسلم بقدر حاجته الضرورية وعليه الضمان. وتناصرت الأخبار صدق بعضها بعضا.

والنصرة حسن المعونة، قاله ابن سيده.

والنصير الناصر قال الله تعالى (نعم المولى ونعم النصير) والجمع أنصار مثل شريف وأشراف و الأنصار أنصار النبي غلبت عليهم الصفة فجرى مجرى الأسماء وصار كأنه اسم الحي ولذلك أضيف إليه بلفظ الجمع فقيل أنصاري وقالوا رجل نصر وقوم نصر فوصفوا بالمصدر كرجل عدل وقوم عدل.

وبعد هذه المقدمة اللغوية المهمة في كلمة النصر أقول:

إن الإنسان بالنسبة للنصر هو واحد من اثنين: طالب للنصر غير قادر عليه، وقادر على النصر فيعطيه غيره.

فالنصر لا يُبادَر به مِن قبل طالبه، وإنما يبادر به من قبل معطيه، فيحصل عليه طالبُه من غيره، لأن النصر هو إيتاء الخير أو إتيانه، وهذا يعني أن طالب النصر لا يقدِّم النصر بل يطلبه مِن غيره، وهو بذلك (النصر) يختلف عن القتل فالقتل يقوم به فاعله لأنه قادر عليه سواء أقام به على نفسه أم على غيره، أما النصر ففاعله يقدمه لغيره الذي يستحق النصر أو يطلبه ليحصل عليه ، لأن أصل النصر هو إيتاء الخير أو إتيانه وهما في الحالتين حصول للخير على يد الغير، فمن يُنصر بالنصر فإنه يحصل عليه من غيره، ومن يعطِي النصر فإنه يعطيه لغيره. لذلك فلا يتصور ممن يطلب النصر ويعمل للحصول عليه أنه قادر عليه، بل هو يطلبه من غيره، لأنه إن كان قادراً عليه فإن وصفه يكون (الناصر) وليس (المنصور) ، وما الإنسان في معنى كلمة النصر إلا واحد من اثنين إما أن يكون ناصراً أو يكون منصوراً.

لذا فإنه يفترض فيمن يطلب النصر أن يدرك أنه (غير قادر عليه وإلا لما طلبه) وأن عليه أن يطلبه ممن هو قادر عليه، ولذلك عندما قال تعالى (وما النصر إلا من عند الله) فقد أراد منع المؤمنين من الظن أن للملائكة دخلاً في نصرهم، وقد جاءت بعد قوله تعالى (وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) ليدرك المؤمنون أن هذا النوع من النصر هو من عند الله تعالى فحسب وهو القادر عليه ولا يطلب من غيره. وأن على طالب النصر أن يرضي الناصر (من بيده النصر) ويحقق ما طلبه منه كي يعطيه النصر.

أما كيف يحقق الله (الناصر) النصر لعباده (المنصورين) فهذا شأنه هو، فهو يريد من عباده أن يحققوا شروط النصر فحسب، ويباشر هو تعالى نصرهم بحكمته وتدبيره وقضائه، فقد ينصرهم بجنود لا يعلمها إلا هو، وقد يسخر لهم من القوة والمنعة، وقد يهيئ لهم الظروف، إلى غير ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.

الجمعة 30 ربيع أول 1427هـ
28/04/2006م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة May 21 2006, 10:44 PM
مشاركة #30


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



بسم الله الرحمن الرحيم

المقال الحادي عشر: مسرح العرائس

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،،،

يخطئ كثير من الإصلاحيين في بلادنا (الذين يدعون إلى إصلاح الواقع وليس إلى تغييره) عندما يصدقون فعلاً أنهم يعيشون في دول ذات مؤسسات حقيقية وأن حكامها يسوسونها سياسة حقيقية، ويمعنون في الخطأ عندما يتصورون أن دولهم ذات سيادة كما هي الدول الأخرى التي لا تتبع في سياستها الداخلية والخارجية إلا ما تقرره مصالح شعوبها.

إنه يكفي لأي واحد منا أن يعيش بضعة سنوات في أي بلد من بلادنا ليرى ويلمس أنه يعيش في أكذوبة اسمها دولة، فمن ناحية الإصلاح فإن الكل يدعو إليه، ومن ناحية تحسين مستوى المعيشة فإنه شعار كل حاكم، ومن ناحية الحرص على الوحدة الوطنية ونبذ التفرقة بين أبناء الوطن الواحد فهي ديدن الجميع، ولكن من ناحية العيش في الواقع والتعاطي معه في أبسط جوانب الحياة يدرك كل واحد أن الإصلاح هو آخر ما يعملون من أجله، ومستوى المعيشة من سيئ إلى أسوأ، أما الوحدة الوطنية وما يتعلق بها فهي شعارات كاذبة، وأول من يدوسها هم الحكام، فيزرعون في البلد الواحد ما يفتتها ويجعلها مجرد وهم.

سمعت أن خبيرا في الإدارة وهو من الملحدين (ولعلها نكتة دارجة) زار إحدى هذه البلاد للنظر في طريقة إدارة مؤسساتها، ولما رأى الفساد الإداري والواسطة والرشوة وحرص الكل على مصلحته الشخصية، قال لمرافقه وهو يغادر المطار: أشهد ألا إله إلا الله، فرد عليه المرافق: هل دخلت في الإسلام؟ فرد الخبير: نعم، لأنني أدركت أن الله موجود ولولاه لما سارت أمور هذه البلد لأنه لا أحد يسيرها في الواقع، فلا بد إذن من وجود قوة خفية تسيرها.

تتداول الناس هذه النكتة لتؤكد حقيقة تعيش في جوانبهم وقد لا تنطق بها ألسنتهم وهي أن سبب دمار هذه البلاد وترديها هم الحكام، الذين لم يوجدوا من أجل رعاية شعوبهم، بل وجدوا ليحافظوا على هذه الكيانات الهشة، وليخدموا أسيادهم الطامعين في بلادنا، وإذا ما حققوا شيئا فإنهم يحققون ما يديم استمرارهم في السلطة، ويزيد جيوبهم انتفاخا هم ومن يلف حولهم من أقربائهم ومنافقيهم ومساعديهم.

خذ أي بلد من بلادنا، وانظر إليها في الأطلس الجغرافي وأمعن النظر في خريطتها التي تشمل المعادن والثروات لترى الأعاجيب: العراق: سلة خضروات العالم العربي، السودان: بستان العالم الإسلامي، سوريا: مصدر اللحوم، مصر: مصدر القطن والفواكه، الأردن: مركز المعادن، ناهيك عن دول النفط، والأنهار. ولكن الواقع: مصر تستورد التفاح والورود من الخارج، وسورية تستورد اللحوم، والسودان تعاني من المجاعات، والأردن تعاني من أزمة مياه، والعراق حدث ولا حرج.

فهل كانت المشكلة يوما ما في الثروة، وجودها من عدمه، ندرتها من وفرتها، أم هي في النظام الذي يشرف على الثروات.
ليست المشكلة في الثروات، فالثروات موجودة وكلما تقدم الزمن وتقدم معه العلم كلما تطورت إمكانات الاستفادة من الثروة والمحافظة عليها.

إن من يصدق فعلا أنه يعيش في دولة يمكن إصلاحها فإنه يخلط بين أمرين مهمين، المقارنة بين هذه الدولة وغيرها من الدول المبدئية ذات النظام المنضبط والحكام المخلصين لشعوبهم (وإن كانت دولا كافرة) وبين هذه الدول التي يسوسها عملاء لا يعملون لمصلحة شعوبهم ولا يحملون لهم أي إخلاص، أولئك تسيرهم مصلحة شعوبهم والنظام الذي ارتضاه الجميع عندهم، وهؤلاء تسيرهم الدول الطامعة في بلادنا فهم مجرد أدوات تحركهم هذه الدول كيفما تشاء.

ولكن من يعي الواقع ويعرف حقيقة الأمور، وينظر إلى ما حوله نظرة السياسي الواعي على واقعه، فإنه يعرف الحقيقة ولذلك يدرك من أول وهلة أن ثمة بونا شاسعا بين الإصلاح والتغيير، الإصلاح يكون في نظام صحيح ومع حكام مخلصين لشعوبهم، أما التغيير فهو العمل لإزالة هذا الواقع وإيجاد الواقع الصحيح وبعدها يكون الإصلاح.

ومثل الفريقين كمثل اثنين يجلسان في مسرح للعرائس، وينظر كلاهما إلى العرائس وهي تتحرك، فيظن الأول أن العرائس تتحرك بإرادتها فيستعجب ويصدق، وذلك لأنه لا يرى الخيوط التي تحركها، أما الآخر فإنه يرى تلك الخيوط ولذلك فهو يعلم من أول ما جلس في المسرح أن العرائس لا تتحرك بإرادتها وإنما بإرادة من يمسك خيوطها.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الاثنين‏ 24‏ ربيع الثاني‏ 1427هـ
الموافق ‏22‏/05‏/2006م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
سردار
المشاركة Jun 2 2006, 12:35 AM
مشاركة #31


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 852
التسجيل: 10-April 05
رقم العضوية: 162



فتح الله عليك شيخنا ووالدنا ابو الحارث واطال الله فى عمرك لتكتحل عيناك وعيوننا جميعا باقامة وعد الله فى الارض باقامة خلافة الاسلام

وامد الله قلمك بمداد الخير واليمن والبركة وانعم عليك بمقالات تكون لنا عرائس من الشمع لنتزود منها وننهل منها فما نحن الا كما قال اخوانى تلاميذ فى مدارسكم وانتم شيوخنا واحفاد صحابة رسولنا صلى الله عليه وسلم

اننــــــــــــــــــــــــــــا احببناك فى الله وجمعنا الله فى خلافة الاسلام وعزة الدارين
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Jul 3 2006, 11:41 PM
مشاركة #32


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال الثاني عشر: احذر أن تقدم هذه الخدمة المجانية.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،،،

الإحساس بالفساد الذي يستشري في المجتمع أمر طبيعي، والقلة النادرة هي التي لا تشعر بوجود الفساد، وأقصد بالفساد هنا التسمية الطبيعية له، التي يتناولها الأفراد كلما رأوا ظاهرة من ظواهرها، الأخلاق السيئة، الرشوة، الزنا، الجرائم بكل أنواعها، النفاق، الكذب، الظلم، ولعل أكثرها تناولا بين أفراد المجتمع ظواهر الفساد التي تمس الأعراض، أو تلك التي تنتشر بين الأولاد والبنات: السلوك الشائن، التقليد المنحط، اللباس الفاحش، وغيره مما يتذمر منه أفراد المجتمع ويستغربون لرؤيته.

وهناك من الناس من يحب أن يذكر حالات الفساد في المجتمع، فهو إن رأى تصرفا مشينا من شاب أو فتاة فإنه سرعان ما يتحدث به: هل تصدقون أنني رأيت اليوم كذا وكذا؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله. كيف يحدث هذا في مجتمعنا؟ والله لم نكن نراه من قبل. وهكذا يتناول الناس ظواهر الفساد متذمرين، متضايقين. وضع في اعتبارك الشائعات التي تضخم الوقائع والأحداث.

هناك توجه في هذه الأنظمة لجعل حالة الفساد حالة طبيعية، وهذا التوجه يخدم بالإعلام والدعاية والإعلان، وبالاهتمام برموز الفساد سواء أكانت هذه الرموز أفكارا، أم سلوكيات أم أشخاصا، وهذا التوجه لم يتم بهذه الآلية فحسب، بل انتقل إلى ما هو أخطر من ذلك، وهو جعل حالة الفساد حالة اعتيادية في المجتمع، حالة لا تتذمر منها النفوس، ولا تقشعر لها الأبدان، ولا تتمعر منها الوجوه، ولذلك فإنهم يتلذذون في نشر وإشاعة كل ما يتعلق بالفساد بجميع أنواعه، ويذكرني هذا بالماسونية التي انتشر صيتها في فترة من الفترات حتى بدأ الناس يشكون في كل شيء أنه ماسوني، اللون الأزرق، النجمة الثمانية، الشمعدان، وضع الأصابع على الذقن، هيئة الجلوس وغير ذلك، وهذا وإن كان يخدم كما يظن البعض عملية إظهار خطر الماسونية، ولكنه في الحقيقة يخدم أمرا أخطر وهو إشاعتها بين الناس حتى تصل إلى درجة القناعة بوجودها وانتشارها، ثم اليأس من القضاء عليها.

هذه ناحية مهمة جدا، فانتشار الفساد شيء وإشاعته بالشكل الذي يبدو عليه وكأنه سمة من سمات المجتمع شيء آخر، لذا فليحذر الذين يتحدثون عن الفساد لمجرد إظهار وجوده، ليحذروا من أن يكونوا مروجين له من غير أن يشعروا، مساهمين في انتشاره وهم يظنون أنهم يحاربونه.

في رأيي أن من يذكر ظواهر الفساد في المجتمع دون أن يربط ذكرها بالحل الجذري لإزالتها فإنه يقدم بخدمة مجانية للأنظمة الفاسدة من حيث يشعر أو لا يشعر، وهو لا يختلف في دوره هذا عن برامج الدعاية والإعلان الفاسدة، أو عن صفحة الجرائم التي شأنها نشر الجريمة أكثر من القضاء عليها.


فلا بد من الانتباه لهذا الأمر، فمن أراد أن يحذر من ظاهرة فساد في المجتمع فإن عليه أن يتناولها تناولا صحيحا فيذكرها دون مبالغة، ثم يذكر خطرها ثم يبين كيفية القضاء عليها أي ببيان الحل الجذري للقضاء عليها.

وعندما نتكلم عن الحل الجذري فإننا نتحدث بالطبع عن إزالة الفساد إزالة تامة، بمعنى ألا يكون ظاهرة في المجتمع، ولا أحب أن يقال هنا ما يردد عادة في هذا المقام: نحن لسنا في مدينة فاضلة. مجتمع الرسول عليه الصلاة والسلام فيه أناس فاسدون، الإنسان ليس ملكا (بفتح اللام) . وهذا كله وإن كان صحيحا في ظاهره ولكنه إن أطلق بدون فصاحة وبيان فإنه يكون مبررا لوجود الفساد.
نحن لا نتحدث عن الفساد كسلوك فردي، فهذا لا يخلو منه أي مجتمع ولا حتى مجتمع المدينة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وإلا لم شرعت العقوبات، ولم وجدت السلطة التأديبية، نحن نتحدث عن الفساد كظاهرة وسمة من سمات المجتمع، فالرشوة مثلا جريمة قد يرتكبها أي فرد في المجتمع، وهي ليست ظاهرة إن وجد النظام الذي يثير التقوى في النفوس، ويطبق القانون الإلهي، ولكنها تصبح ظاهرة إذا قام النظام بتشجيعها ورعايتها، ووضع الناس في حالة من الفقر والعوز والحاجة تدفعهم للتفكير في أي سبيل من سبل العيش، أذكر أن أحد رؤساء الجمهوريات في بلادنا اشتكى لأحد مساعديه من قلة إقبال الناس على التوظف في وزارة الداخلية، فقال له مساعده: سأجعل الناس يدفعون المال مقابل العمل في هذه الوزارة. وقام على الفور بإشاعة الرشوة بين الموظفين، حتى وصل الحال في هذا البلد أن أصبح الموظف يدفع للآخر مبالغ من المال (خلو رجل كما يسمونه) مقابل أن يتبادلا مكان العمل في الحدود أو الجمارك أو ما شابه ذلك، وبذا أصبحت الرشوة ظاهرة تميز هذا البلد عن غيره من البلاد.

القمار حالة فردية قد تظهر في أفراد المجتمع، ولكنها ظاهرة فساد عندما ترعاها الدولة، وتشرف على تنظيمها سواء في إنشاء صالات القمار أو في السماح بكل أنواع القمار الذي نراه مستشريا في مجتمعاتنا وعلى رأسه ظاهرة رسائل التلفونات النقالة أو ما يسمى بالمسجات (جمع message) -ولنا فيها مقال آخر إن يسر الرحمن- بل قد وصل الإمعان في تأصيل هذه الظاهرة أن أفتى بعض مشايخهم بجواز القمار من أجل تنشيط السياحة مع إباحته للسياح وتحريمه على أهل البلد، وكذلك شرب الخمرة، وغيرها من المنكرات.

وهنا يبدو الفرق واضحا بين الفساد كسلوك فردي، وبين الفساد كظاهرة في المجتمع، يرعاها النظام ويشرف عليها وينمي نتائجها، ثم إنه إذا اشتكى الناس من هذه الظاهرة قال النظام: المشكلة في أبنائكم، عليكم أن تربوهم وتحسنوا رعايتهم.
ولا يمكن أن يكون الفساد ظاهرة في المجتمع إلا برعاية، وتنظيم، ولذا فإن الحل الجذري للقضاء عليه ليس بالقول أن الفساد سببه الولد الفاسد أو البنت الفاسدة أو الموظف المرتشي، أو التاجر الغاش، بل يكون الحل الجذري في القضاء على سبب الفساد في المجتمع وهو النظام الذي أوجده وتبناه وأحسن رعايته.

إن خطيب الجمعة أو الواعظ أو أي متحدث يتحدث عن الفساد ويظهر أماراته وينشر أنواعه في المجتمع دون أن يعي ربط ذلك كله بفكرة القضاء على الفساد وإزالته بشكل جذري فإنه لا يختلف في نتيجة طرحه عن أي برنامج تلفزيوني أو مطرب ماجن أو ممثلة ساقطة يقدم الكل خدمة مجانية في نشر الفساد وإشاعته في المجتمع.

إن الناس ليسوا بحاجة لمن يلفت نظرهم للفساد فهم يرونه ويستشعرونه ويتذوقون مرارته يوميا، ولكنهم يحتاجون إلى من يضع لهم المنهج العملي للقضاء على الفساد، إنهم يحتاجون بحق للآلية التي تقضي على الفساد فتجنبهم إياه وتجنب أبناءهم خطر الوقوع فيه.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الثلاثاء‏ 08‏ جمادى الثانية‏ 1427هـ
الموافق ‏04‏/07‏/2006م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو مالك
المشاركة Jul 4 2006, 03:28 AM
مشاركة #33


مشرف
***

المجموعة: المشرفين
المشاركات: 9,147
التسجيل: 29-March 05
رقم العضوية: 2



إقتباس(أبو الحارث التميمي @ Jul 3 2006, 11:41 PM)
المقال الثاني عشر: احذر أن تقدم هذه الخدمة المجانية.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

إن خطيب الجمعة أو الواعظ  أو أي متحدث يتحدث عن الفساد ويظهر أماراته وينشر أنواعه في المجتمع دون أن يعي ربط ذلك كله بفكرة القضاء على الفساد وإزالته بشكل جذري فإنه لا يختلف في نتيجة طرحه عن أي برنامج تلفزيوني أو مطرب ماجن أو ممثلة ساقطة يقدم الكل خدمة مجانية في نشر الفساد وإشاعته في المجتمع.

إن الناس ليسوا بحاجة لمن يلفت نظرهم للفساد فهم يرونه ويستشعرونه ويتذوقون مرارته يوميا، ولكنهم يحتاجون إلى من يضع لهم المنهج العملي للقضاء على الفساد، إنهم يحتاجون بحق للآلية التي تقضي على الفساد فتجنبهم إياه وتجنب أبناءهم خطر الوقوع فيه.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الثلاثاء‏ 08‏ جمادى الثانية‏ 1427هـ
الموافق ‏04‏/07‏/2006م
*


كل مقالتكم درر شيخنا الفاضل، واسمح لي هذا الاقتباس

وبالفعل لقد وضعتم اليد على جرح يخفى على الكثيرين وأنرتم بصيرتنا أنار الله بصيرتكم ووفقكم لما يحب ويرضى
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو بدر
المشاركة Jul 4 2006, 05:06 AM
مشاركة #34


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 640
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 100



إقتباس
هناك توجه في هذه الأنظمة لجعل حالة الفساد حالة طبيعية


يعني بدل أن نقول النظام فاسد، صار علينا أن نقول أن الفساد صار نظاماً!!
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو بدر
المشاركة Jul 4 2006, 06:22 AM
مشاركة #35


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 640
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 100



إقتباس
وهنا يبدو الفرق واضحا بين الفساد كسلوك فردي، وبين الفساد كظاهرة في المجتمع، يرعاها النظام ويشرف عليها وينمي نتائجها، ثم إنه إذا اشتكى الناس من هذه الظاهرة قال النظام: المشكلة في أبنائكم، عليكم أن تربوهم وتحسنوا رعايتهم.


نسيت أن أقول، أنني حضرت ذات مرة ندوة لأحد الإصلاحيين المهتمين بقضية المخدرات. ومن ضمن ما أشار إليه، أن تجار المخدرات لديهم من الإمكانيات الشيء الكثير؛ إلى درجة أن زوارق خفر السواحل لا تلحق بزوارق المهربين.
وبعد التفصيل، قال أن الحل هو بيد الاسرة، الآباء والأمهات. قلت حينها لصاحبي: كيف يعني يكون الحل بيد الأب والأم؟ هل تخرج الأم بالشوكة والسكين لتخويف المهربين؟؟!!

ربما على كل رب أسرة أن يشتري زورقا "طراد بلهجتنا"، ويتعلم كيف يبحر ويضع عليه رشاشا كي يصير زورقا حربياً...

وهلموا إلى تحقيق شعار كل مواطن خفير...

كي يأخذ نشامى وزارة الداخلية معاشاتهم ويستريحوا في بيوتهم ويربوا كروشهم بـ"المفطّح" وإخوانه.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Sep 3 2006, 03:07 PM
مشاركة #36


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال الثالث عشر: الخط المضيء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

قديما قيل: أن رجلا انقطع به الطريق في الصحراء، فلا ماء ولا زاد ولا راحلة، وبينما هو كذلك ينتظر الموت، إذ مر عليه فارس شهم فرأى حالته فأنقذه وسقاه ثم أعطاه طعاما فلما ارتاح ردفه معه على حصانه، وما سارا قليلا إلا انقلب الرجل على الفارس وهدده بخنجر في يده وضعه على عنقه وقال له توقف، فلما وقف الفارس قال له: انزل. فلما نزل أخذ ماله وزاده وماءه وراحلته ثم تركه في الصحراء. فقال له الفارس: أهذا جزاء الإحسان، أهذا جزاء ما فعلت لك من معروف. فلم يرد عليه الرجل، وسار بالحصان، فلما ولى ناداه الفارس من بعيد: يا أخي، يا أخي، فتوقف الرجل وقال للفارس: ماذا تريد. فقال الفارس: أسألك بالله ألا تروي ما حدث منك لي لأحد، واكتمه ما حييت. فرد الرجل: ولم؟ فقال الفارس: حتى لا ينقطع المعروف بين الناس.

إن ذوي الإحساس المرهف يدركون أن ثمة خطا مضيئا يجب أن يظل في حياة الأمة على مرور الأزمان، خط مضيء يظل يذكر الأمة بالصواب، يظل يرسم لها الحق كي لا تنساه في خضم التأثر بالواقع والتعايش معه.

لقد مرت الأمة في مهالك كادت أن تودي بها، وفي مؤامرات كادت أن تقضي عليها، وفي حروب كادت أن تسحقها، رأت الظلم من الحكام، ورأت التخاذل من العلماء، ورأت التآمر من الأعداء.

انحرفت بالمنهج عندما أساءت تطبيق أحكام الإسلام، فتجرعت مرارة هذه الإساءة، تهاونت في المحاسبة والإصلاح والتغيير فقبضت الثمن مآسي مضاعفة.

ولكنها في ذلك الخضم كله لم تفقد الخط المضيء الذي ظل موجودا فيها يرسم لها سبيل الله أمام سبيل الشيطان، الحق أمام الباطل، الخير أمام الشر.

كان فيها من يصدع بالحق ليبقى الحق موجودا في الأمة، وإن كان صدعه لا يؤثر في الواقع.

كان فيها من يحمل الحق ويسير عليه، ليحافظ على الخط المضيء وإن كان حمله ضعيفا وسيره بطيئا.

كل أولئك يدركون أن كلمة الحق يجب أن تقال وإن لم تلغ الباطل، وأن موقف الحق يجب أن يظهر وإن غلبه موقف الباطل.

كل ذلك ليبقى دين الله صافيا.

هل تتصورون ما هو حالنا لولا هذا الخط المضيء في حياتنا؟

هل تتصورون ما هو حالنا لو أن كل العلماء انقلبوا إلى مهرجين للحكام؟

هل تتصورون حالنا لو أن كل حركة أو حزب أو جماعة أضفى الشرعية على الواقع وألبسه لباس الإسلام، وجعل من الحكام أولياء أمر شرعيين؟

هل تتصورون حالنا لو أن كل كلمة انطلقت في الفقه، أو فكرة وجدت في السياسة، أو معالجة في الاقتصاد كانت منحرفة، مضللة، مغلوطة؟

هل تتصورون حالنا لو أن كتب ثقافتنا كانت وردية الطرح، مضللة المنهج، منافقة الأسلوب؟

هل تتصورون حالنا لو فقدنا هذه الكلمات من قاموس ثقافتنا: الخلافة، الوحدة، الأرض الإسلامية، المعالجات الشرعية، الأخلاق الإسلامية، الشهادة، الشرف، الجنة.

هل تتصورون حالنا لو طغت هذه الكلمات على ثقافتنا وسلوكياتنا: العولمة، العمالة، المفاوضات، الاستسلام، المتعة، الحرية، الإباحية، الكذب، وغيرها.

ماذا سيكون حالنا، وماذا سيؤول إليه حال أولادنا؟

متى سيعرف الحق؟

إنه سينسى وسنتحول إلى أمة فاقدة للهوية، بل سنتحول إلى ما تحولت إليه الأمم الأخرى، كاليهود والنصارى فلا دين يثقون به، ولا شريعة يرجعون إليها إلا تحريف في تحريف.

قد يرد علي مخلص فيقول: إن الأمة انحرفت، وفقدت هويتها، وضاعت بين المبادئ والأفكار الوضعية؟

وأرد عليه فأقول: لا تستعجل، فقد يكون كلامك صحيحا لو فقدت الأمة الخط المضيء في حياتها، وما دامت لم تفقده وهو موجود فيها، فلن تضيع الأمة ولن تهلك، لأنها حتما سترجع يوما إلى هذا الخط فتسير عليه.

نعم، إنها لم تفقده ولن تفقده، فهي أمة الخير وسيظل هذا الخط المضيء فيها إلى ما يشاء الله تعالى، كل ما في الأمر أن تلتفت إليه وتتبناه وتسير عليه فتهدى به إلى عزها ووحدتها.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الاحد‏ 10‏ شعبان 1427هـ
الموافق ‏03‏/09‏/2006م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو دجانة
المشاركة Sep 3 2006, 03:40 PM
مشاركة #37


مشرف
***

المجموعة: المشرفين
المشاركات: 7,039
التسجيل: 29-March 05
رقم العضوية: 6



أخي أبا الحارث
بارك الله فيك وجزاك الله عنا وعن الإسلام والمسلمين كل خير
ولا حرمنا الله منك ولا من قلمك الذي ما زال ينبض فيمدنا بكلمات
بل بحكم درر تكتب بماء الذهب .

تم تحرير المشاركة بواسطة أبو دجانة: Sep 4 2006, 11:21 AM
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Sep 26 2006, 03:25 AM
مشاركة #38


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال الرابع عشر

أين هيبتنا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد،،،

كان البرنس أرناط صاحب الكرك من أشر الناس يومئذ، وقد غدر بالمسلمين في حالة الهدنة في سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة ، ولما ناشده المسلمون الصلح بينه وبينهم قال ما فيه استخفاف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم واستهزاء به، فلما علم صلاح الدين الأيوبي بأمره أرسل إليه قائلا: (أين العهود؟) فلم يلتفت أرناط لرسالته وشن الغارات على المسلمين وفتك فيهم فنذر السلطان دمه وقال: لأنتصرن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فلما كانت وقعة حطين سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة وقد انتصر بها المسلمون وأسروا بعض ملوك الفرنجة ومنهم أرناط ولما سيق الملوك أسرى بين يدي السلطان نزل من مجلسه وسجد لله شكراً، ثم جاء إلى خيمة واستدعاهم فأجلس الملك جفري عن يمينه وبرنس الكرك إلى جانبه ونظر السلطان إلى الملك وهو يلتفت يتلهب عطشاً فأمر له بقدح من ثلج وماء وكانوا عطشى فشرب صلاح الدين وناول الملك جفري من الشراب المثلوج، فقام جفري بمناولة الشراب للبرنس أرناط، فقال السلطان للترجمان: قل للملك جفري أنت الذي سقيته وإلا أنا فما سقيته. ثم قال لأرناط: يا ملعون يا غدار، حلفت وغدرت ونكثت وجعل يعدد عليه غدراته ثم قال: أنا انتصر لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم منك . ثم عرض عليه الإسلام فامتنع فسل سيفه وحل به كتفه فقتله. فلما رآه الملك جفري قتيلاً خاف وطار عقله فأمنه السلطان وقال : هذا غدار كذاب غدر غير مرة.

هل بعد هذه الهيبة من هيبة؟

إن الهيبة ليست تاريخا يذكر ولا أمجادا تتلى، ولا ماضيا يفتخر به، بل هي رهبة في نفوس الآخرين تجعل الواحد منهم يفكر ألف مرة قبل أن يستهزأ أو يستخف.

هكذا تصون الأمة كرامتها بين الأمم، فتحسب لها الأمم الأخرى كل حساب.

كانت الأمة الإسلامية عزيزة مهابة عندما كانت تعرف معنى قوله تعالى (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) فعندما قال عبد الله بن أبي هذه الكلمة استدعى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنه عبد الله فقال له: ألا ترى ما يقول أبوك ؟ قال : وما يقول بأبي أنت وأمي؟ قال: يقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فقال: فقد صدق والله يا رسول الله أنت والله الأعز وهو الأذل أما والله لقد قدمت المدينة يا رسول الله وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبر مني بأبيه، ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لآتينهما به فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا فلما قدموا المدينة قام عبد الله بن عبد الله بن أبي على بابها بالسيف لأبيه ثم قال له: أنت القائل : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ؟ أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله والله لا يأويك ظله ولا تأويه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله فقال ابن أبي: يا للخزرج ابني يمنعني بيتي يا للخزرج ابني يمنعني بيتي فقال : والله لا تأويه أبدا إلا بإذنه منه فاجتمع إليه رجال فكلموه فقال : والله لا يدخله إلا بإذن من الله ورسوله فأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبروه فقال : اذهبوا إليه فقولوا له خله ومسكنه فأتوه فقال : أما إذا جاء أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنعم. وجاء في رواية أنه لم يدخل حتى قال رسول الله الأعز وأنا الأذل.

كانت للمسلمين هيبة عندما كانوا يفهمون قوله تعالى (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ويحسنون تطبيقه، قال الطبري: وإنما أمر بذلك نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل بالناقض العهد بينه وبينهم إذا قدر عليهم فعلا يكون إخافة لمن وراءهم ممن كان بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبينه عهد حتى لا يجترئوا على مثل الذي اجترأ عليه هؤلاء الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية من نقض العهد كي يتعظوا بما فعلت بهؤلاء الذين وصفت صفتهم فيحذروا نقض العهد الذي بينك وبينهم خوف أن ينزل بهم منك ما نزل بهؤلاء إذا هم نقضوا العهد.

أما وقد سقطت الهيبة، ونزعت الرهبة فإنها فرصة لكل متجرئ أن يتجرأ على الإسلام وأهله، فيقول ما يشاء ويصرح بما يعتمر قلبه من حقد وكراهية، وذلك لسبب واحد وهو ألا هيبة للإسلام وأهله في نفسه.

وهذا الذي يفسر لنا تصرفات كل من تجرأ على دين الله وعلى رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم بكلمة، أو تعبير أو كاريكاتير أو فيلم أو غير ذلك.

عندما زار بابا الفاتيكان السابق يوحنا بولس الثاني الجامع الأموي في دمشق، وهي الزيارة الأولى في التاريخ كما يذكرون لحبر أعظم إلى مسجد إسلامي، تساءل الناس لماذا لم يقدم البابا اعتذارا للمسلمين عن الحروب الصليبية التي اكتوى بنارها المسلمون لعدة قرون؟ لماذا لم يعتذر وقد قدم في الوقت نفسه كل الاعتذارات لليهود وضحايا النازية والكنيسة الأرثوذكسية وغيرها؟ بل إنه اكتفى بكلمة في الجامع الأموي طالب فيها بالتسامح والصفح بين المسلمين والمسيحيين على حد قوله.

لم يهابون المسلمين، وقد صاروا ممزقين في دويلات تأتمر بأمرهم هم، عليها حكام هانوا على أنفسهم وعلى شعوبهم، لا يحركون ساكنا إن أهين كتاب الله أو أسيء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . يسعون إلى رضا أسيادهم وهم يدركون أن هؤلاء الأسياد أعداء لهم ولشعوبهم.

إنها وقفة تستحق التفكير، فبدل أن نطالب بالاعتذار عن قبح العمل علينا أن نمنع أمثال هذا القبح أن تحصل، فهل اعتذر إلينا البابا السابق ليعتذر سلفه الحالي، وإن اعتذر فما قيمة اعتذاره ما دام كتاب ربنا ورسالة رسولنا على طاولة استهزاءاتهم واستخفافهم.

إن على المسلمين أن يدركوا أن عزتهم التي تزرع الهيبة في نفوس أعدائهم وتجعلهم يحسبون لنا ألف حساب، تكمن في توحدهم على دين الله تعالى مطبقين أحكامه كما أمرهم الله تعالى في دولة واحدة، لا تستمد عزتها من الشرق أو الغرب بل تستمدها من الله ورسوله والمؤمنين.

قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)

‏الجمعة‏ 29‏ شعبان‏ 1427هـ
الموافق ‏22‏/09‏/2006م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Oct 8 2006, 09:35 PM
مشاركة #39


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال الخامس عشر

الحكم البوليسي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،،،

الحكم البوليسي أو ما يسمى بالحكم القمعي، يقوم على أساس قهر الناس، ويستمد بقاءه من السيطرة على الناس بالقوة، لأنه يدرك أن الناس لا تريده، أو أنها لا ترضى به.

وكون الحكم البوليسي يقوم على هذا كله، فإنه يأخذ الناس بالشبهة، ويفترض أن كل إنسان في المجتمع مدان حتى تظهر براءته، ولذلك تجده لا يتورع عن محاكمة الناس ظلماً، كما لا يتورع عن اتهام الناس بالباطل، ناهيك عن ضربه بقسوة شديدة كل محاولة تقوم في المجتمع للإنقاص من قدره، أو للفت النظر إلى ظلمه، أو للتغيير عليه.

وأسوأ ما يوجده مثل هذا الحكم في المجتمع هو الجبن والخنوع القسري، الذي يؤدي بالناس دوماً إلى اليأس من الواقع بل وإلى كراهية الواقع والمجتمع والبلد، لارتباط ذلك كله بما يعانيه الإنسان يومياً من ظلم، ولما يتوجسه من مغبة القبض عليه أو تعذيبه أو سجنه أو قتله.

الأمر الآخر هو أنه لو وجد مثل هذا الحكم في مجتمع تسود أفراده التقوى (تقوى الله تعالى) لكان حرياً به بعد فترة من مزاولة بوليسيته أن يحول المجتمع إلى مجتمع فوضوي لا شخصية له، فيفقد المجتمع مع استمرار هذا الحكم الشخصيات المتميزة الموجودة فيه.

ومن أضرار الحكم البوليسي أنه يجعل الناس تتطلع إلى أي تغيير، أي تتطلع إلى أن يتغير حالها، وإن كان التغيير إلى غير ما تحدده لهم عقيدتهم، ففي العراق مثلاً أدى الحكم البوليسي الموجود إلى تطلع الناس لأي تغيير، فأصبح الشعار والتحرك لمجرد التغيير أي لمجرد الخلاص من الحاكم الحالي وليس تطلعاً إلى تغيير متميز، إنها طبيعة المجتمعات التي تحكم بمثل هذه الأنواع من الأحكام، يغلب طابع ردة الفعل والتأثر بالواقع على طابع التفكير المنتج المؤدي إلى التغيير بشكل صحيح.

ومن أضراره أيضاً أنه يميت العزة والكرامة في النفوس وينزع منها الإباء، ذلك أنه يوجد نوعاً غريباً من الطبقية في المجتمع، وهي ليست طبقية اقتصادية أو طبقية عائلية، بل أخطر من ذلك، إنها طبقية المتنفذين والخانعين، فيضطر الخانعون إلى تملق المتنفذين الذين يمثلون الحكم البوليسي، وإلى رشوتهم لاتقاء شرهم، أو لأخذ حق منهم أو منفعة أو مصلحة، حتى ترى الشرطي الصغير له هيبة على الشيخ العجوز وما ذلك إلا بسبب ما يستمده هذا الشرطي من قوة تجاه هذا العجوز المسكين.

إن الحكم البوليسي يميت طريقة التفكير في المجتمع، فبدل أن يكون الناس في بحبوحة من العيش تمكنهم من التفكير والإنتاج بعيداً عن لباس الجوع والخوف، تجدهم يعيشون تحت رعب هذا الحكم خوفاً من القتل أو التشرد أو غيره مما ينالهم من هذا الحكم، فيصبح هاجس الناس هو مجرد الحياة كائنة ما كانت هذه الحياة.

لقدْ أوجب الإسلام على المسلمين أن يقولوا الحق، وعلم الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته أن يقولوا الحق، وزرع الإباء فيهم، ورباهم على العزة والكرامة، ولم يقبل منهم أن يكونوا خانعين ذليلين، حتى أنه عندما يذكر الجاهلية يلمح عليه الصلاة والسلام إلى مكارمها، فقد جاء في الحديث: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ، «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» وكان يطلب من الصحابة أن يذكروا له من شعر الجاهلية ما فيه الشجاعة والكرم والإباء والعزة والكرامة، فقد ورد أنه استحسن قول عنترة

ولقد أبيت على الطوى وأظله ،،،،،،، حتى أنال به كريم المأكل

ولذا فإنه لم يضجر من رد الصحابة عليه في موضوع صلح الحديبية، كما أنه لم يستنكر مخالفتهم لرأيه في عدم الخروج للمشركين في أحد، وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أنه عليه الصلاة والسلام علمهم على أن يحيوا حياة العز والكرامة والطاعة، فقد قال عليه السلام: «لميتة في طاعة خير من حياة في معصية» .

وهكذا كان الصحابة الكرام من بعده، فأبو بكر يقول: «فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني» وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ولذلك لم يكونوا يخافون الأمة ولكنهم كانوا يخافون عليها.

إن الحكم البوليسي يفقد الدولة الركن الثابت الذي تعتمد عليه في قيامها، وهو الأمة، إذ تنعزل الأمة عن الحاكم، فتصبح عدوة له بدل أن تكون صديقة له، وتلعنه بدل أن تنصحه، فتكثر محاولات التغيير الصحيحة والفاسدة.

جاء في الحديث (إذا ابْتَغى الأميرُ الرّيبة في الناس أفسَدَهم) وهذا هو واقع الحكم البوليسي، لا تعرف الصالح من الطالح، يشك الرجل في ابنه وزوجته قبل أن يشك في جاره، فأي حياة هذه وأي مجتمع هذا وأي عيش يمكن أن يعيشه الناس.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الأربعاء‏ 05‏ رمضان‏ 1427هـ
الموافق ‏27‏/09‏/2006م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Oct 8 2006, 10:10 PM
مشاركة #40


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال السادس عشر

مساجدنا وكنائسهم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،

تحول عجيب بدأ يظهر على مساجدنا، وأخشى ما أخشاه أن تتحول مساجدنا إلى كنائس للمسلمين.

تحول زرعت بذوره وها هي ثماره قد أينعت.

لا تستعجلوا وإليكم البيان:
العوامل المساعدة وجدت طبيعيا لتساعد لا لأن تكون غايات في ذاتها، فالمظاهرة من العوامل المساعدة التي تساهم في إيجاد فكرة أو التجهيز للقيام بعمل، والوعظ والإرشاد عوامل مساعدة تساهم في إيجاد التقوى وتحث على الالتزام بأحكام الشرع.

ولكن .....

أن تصبح المظاهرة غاية فيقام بها من أجلها فقط، وأن يصبح الوعظ والإرشاد غاية فيقتصر عليه دون غيره، هنا تبدأ المشكلة.

إن الخطورة التي أخشاها هي أن تتحول مساجدنا إلى محطة استراحة، يستريح فيها المسلم من عناء الدنيا ومفاسدها، ينعزل فيها عن الحياة من ناحية، وتساهم هي (المساجد) في عزله عن الحياة من ناحية أخرى.

في الغرب وبعد طغيان الحياة المادية، والحريات التي جعلت من المجتمع مسرحا للإباحية، والرأسمالية التي صنعت الطبقية، والتهتك الأسري الذي أفقد الإنسان لذة التنعم بالعائلة، بعد كل ذلك فإن الكنيسة أصبحت هي المكان الذي يستريح فيه الإنسان (المؤمن) عندهم، إذ يجد فيها راحته، يتطهر من ذنوبه، يستمع للواعظ، يعيش لحظات مثالية من السعادة النفسية، يجد ما يفقده في المجتمع: الحب ، المودة ، الأخلاق، كل المثاليات، فيستريح من عناء ما يجده في حياته اليومية، ثم يعود ليمارس حياته كما هي، وهو على كل حال لم يخرج من الكنيسة يوما ليغير المجتمع، لأن الكنيسة أصلا لم تطلب منه ذلك، ولو طلبته فإنها ليس عندها منهج للتغيير.

هذا هو واقعهم، فهل أصبحت مساجدنا ككنائسهم.

هذا ما يراد لمساجدنا أن تمارسه في حياة المسلمين، أن تصبح كالكنائس، هنا أذان وهناك أجراس، هنا هلال وهناك صليب، هنا واعظ وهناك قس، وهكذا يمارس الدور الواحد في مبنيين مختلفين. توحدت الأهداف وتغيرت الأشكال.

لست قاسيا في ما أطرحه، فهذا ما يراد فعلا وهذا ما يمارس بشكل عملي، تمارسه وزارات الأوقاف في بلادنا لتحول مساجدنا إلى كنائس.

إنهم يعلمون أن الحياة غير إسلامية، وأن المسلم بمجرد خروجه من بيته صباحا إلى عودته إليه وعيشه فيه فإن كل ما حوله يلفت نظره إلى فقدان الحياة الإسلامية من الوجود (أقصد بالحياة الإسلامية انتظام حياة الجماعة بأحكام الإسلام) وهذا كفيل بأن يجعله يفكر أو يتذمر، أو يتضايق، وهنا يبدأ التحول، إذ يصبح المسجد بالنسبة إليه هو المثالية التي يفتقدها في الشارع وفي الحياة بشكل عام، فيستمع إلى الواعظ أو الشيخ يحدثه عن المتحابين في الله، وعن الأخلاق، وعن طاعة الوالدين، وعن تربية الأولاد وعن وعن وعن فترتاح نفسه لأنه قد أخذ قسطا من مسكنات الآلام تريحه مما يجد في حياته، وتشعره بأنه قدم ما عليه، وقد يزاد على هذا كله بتبرع يسير يدفعه عند خروجه من المسجد لحفظة القرآن أو لكفالة يتيم أو لترميم المسجد، فيخرج وقد أعطته وزارة الأوقاف صكا له مفعول قوي يستمر معه إلى لحظة زيارته الثانية ليستلم الصك الآخر وهكذا.

ألهذا وجدت المساجد؟؟؟

إنها وجدت ليبحث فيها المسلمون ما يمس حياتهم، وجدت لتكون دافعا للمسلم أن يتحرك لتغيير الواقع الفاسد، وجدت لتذكر المؤمن بآخرته فتكون دافعا له للتحرك لا مسكنا له للخمول.

إن أحكام الشرع لم تشرع لتبقي على الواقع الفاسد وتفرض له الشرعية، بل شرعت لتغييره وإقامة الحياة الإسلامية مكانه، لأنها أحكام عملية نظمت حياة الفرد والجماعة في سلسلة من الأحكام متداخلة متلاحمة فيما بينها، لها في كل مشكلة رأي، وفي كل حادث حديث، وفي كل معضلة علاج، وهي ليست مجرد وعظ وإرشاد، بل إن الوعظ والإرشاد فيها جزء منها، وجد ليدفع ويمنع، ولذا فإنه من المستحيل أن تتشابه مساجدنا وكنائسهم.

هل استطعت أن أوصل فكرتي، أأمل ذلك.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الاثنين‏ 17‏ رمضان المبارك 1427هـ
الموافق ‏09‏/10‏/2006م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة

3 الصفحات V  < 1 2 3 >
إضافة رد على الموضوعموضوع جديد
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



نسخة خفيفة الوقت الآن: 20th July 2019 - 05:46 AM