منتدى العقاب

هذا المنتدى هو أرشيف منتدى العقاب حتى عام 2012

وهو فقط للمطالعة والتصفح، للمشاركة نرجو الانتقال للمنتدى الجديد

http://www.alokab.com

مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )



3 الصفحات V   1 2 3 >  
إضافة رد على الموضوعموضوع جديد
> عندما يتكلم القلم: سلسلة مقالات للشيخ أبي الحارث
أبو الحارث التمي...
المشاركة Jun 12 2005, 11:24 PM
مشاركة #1


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا يليق بعظمته، والصلاة والسلام على خير قائد لأمته، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وعلى عترته، وعلى كل صحابته، الذين تفردوا باتباعه والسير على طريقته، وعلى كل من اتبعه والتزم بسنته إلى يوم يبعثون.

وبعد،

فهذه سلسلة مقالات أخص بها منتدى العقاب الذي لو تجسد بشخص لاعتبرته من خاصة أهلي وأقرب أقربائي لما أحب فيه من الجدية والالتزام والتطلع إلى نهضة الأمة الإسلامية إلى ما أراد الله لها من العزة والكرامة والوحدة.

وهي محاولة إن تيسرت مضيت فيها قدما وإلا توقفت، والله من وراء القصد.

المقال الأول: الثياب والعقل

قديما قيل: دخل علينا بثيابه وخرج بعقله، فالمرء يحكم على من يراه بشكل طبيعي من خلال ما يراه فيه من ملبس وهيئة وضخامة جسم أو ضآلته، ولكنه سرعان ما يحسن الحكم عليه إن تكلم فيعرف أفكاره ويعرف آراءه، فالحكم الابتدائي على الشخص من خلال هيئته وملبسه شيئ والحكم النهائي عليه من خلال أفكاره شيئ آخر.

كان أحد العلماء من العميان وكان يدرس تلاميذه فقال له أحد تلاميذه يوما: يا شيخ أنا أدرس عندك ولكنك لا تناقشني ولا تسألني، فرد العالم الأعمى قائلا: لم تتكلم لأراك. هكذا كان يرى الناس بعينيه العمياوين من خلال كلامهم أي من خلال أفكارهم.

والناس كلما انحط بهم التفكير وكلما فقدوا معايير الأفكار فإنهم ينجذبون إلى الأشكال والهيئات فيخدعون بها، كما ينخدع النصراني الذي يذهب إلى الكنيسية بالبناء والطقوس والترانيم فيحيا لحظات روحانية تضفي على قناعاته تركيزا ورسوخا وما هو إلا وهم الهيئة.

قل لي ما هي أفكارك أقل لك من أنت.

والذي يجعل الإنسان يحسن الحكم على الأشخاص ليس ما يحمله الأشخاص من أفكار وما يقومون به من سلوك، بل ما يحمله هو من معايير يحكم من خلالها على الأفكار والآراء والأحكام فيعرف صحيحها من سقيمها وبالتالي يحسن الحكم على من يعتنقها ويقول بها.

لأن الإنسان إذا فقد المعايير ولم يكن عنده ما يفرق به بين الفكر الصحيح والفكر الفاسد فإن حكمه على من يتكلم سيكون من منطلق حديث المتكلم إن أعجب بمنطقه أو لامس مصلحة عنده قبله، وإلا فلا.

أما إذا كان الإنسان يملك قاعدة للتفكير يزن بها كل فكرة وكل رأي فإنه لن يتأثر بمنطق المتكلم ولا بهيئته ولا بملامسة ما يقوله للواقع، فيرفضه إن لم يتوافق مع قاعدة تفكيره وهو مطمئن النفس لأن قاعدته ثابتة لا شك فيها.

كان والدي رحمه الله تعالى من عامة المسلمين، وكان الإسلام عنده هو قاعدة تفكيره، قال لي يوما (وكثيرا ما رددها) : أتعجب من هذا النصراني الذي خدم البشر باختراعاته وأعماله ولكنه يموت على الكفر، وأتعجب من هذا البوذي الذي قدم للبشر ما لم يقدمه غيره ولكنه يعبد تمثالا وكم تمنيت أن يموتا هما وأمثالهما على الإسلام ليدخلا الجنة. وكنت أرد عليه بالقول أن تفكير هذا الإنسان لم يثر عنده هذه الناحية، فهو يفكر تفكيرا علميا وإن فكر بالعقل فإن تفكيره يكون عميقا ولا علاقة له بالاستنارة ولذلك فإنه يقدم للبشر أعلى الخدمات العلمية ولكنه يبخس نفسه بعدم إنقاذها من النار.

هذه النظرة التي توفرت لوالدي رحمه الله ولغيره من المسلمين أوجدت عنده حدا لا يتجاوزه في الحكم على الناس فهو وإن أعجب بهذا النصراني أو ذاك البوذي إلا أن إعجابه به ممزوج حتما بالتحسر عليه، والتحسر في حد ذاته يحمل الوعي على نمط تفكير النصراني والبوذي وبالتالي لم يحصل التأثر بالهيئة ولا باللباس ولا حتى بما قدمه للبشرية.

ولذلك لا يمكن لوالدي أن يظن أن للنصرانية علاقة بنهضة الغرب، كما لا يمكن له أن يظن أن نهضتهم أو نهضة غيرهم صحيحة، لأنه بمجرد تفكيره أن هذا الغربي خسر آخرته وإن قدم في الدنيا أعمالا جليلة فإن هذا كان كافيا لحمايته من الانبهار بالأشكال والهيئات والخدمات، فنجا من السقوط في التبعية لهم. وكان هذا كافيا لجعله ينظر إلى المسلم المتخلف مدنيا أنه ناهض فكريا بمجرد حمله القيادة الفكرية في الإسلام.

إن كل مسلم مهما كان سلوكه ومهما انتمى إلى الواقع وتأثر به، يدرك في داخله أنه على الحق (على الأقل من ناحية ريادة الأفكار وتميزها) ولكن إدراكه هذا في كثير من الأحيان لا يدفعه إلى جعل قيادته الفكرية معيارا للحكم على الأفكار وبالتالي على الأشخاص، فتراه ينبهر بغيره ويتبع أفكار غيره ويصرح بآراء غيره وكل هذا ليس بسبب قناعاته أو توافق هذا كله مع قيادته الفكرية ولكن بسبب ضعف قدرته على جعل قيادته الفكرية هي الميزان لكل شيء.

ولو اعتمد كل مسلم على قيادته الفكرية في الحكم على الأشخاص وعلى كل شيء، وعاملها بقدرها في نفسه لكان المسلمون في ألف خير ولنظروا إلى العالم نظرة إشفاق ورحمة لا نظرة انبهار وتبعية.

ومع الحلقة القادمة وموضوع جديد إن يسر الرحمن جل وعلا

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في 12/06/2005م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
سيف الحق
المشاركة Jun 12 2005, 11:43 PM
مشاركة #2


مشرف
***

المجموعة: المشرفين
المشاركات: 6,343
التسجيل: 29-March 05
رقم العضوية: 5



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رحم الله والدك وأسكنه فسيح جناته
والله سبحانه وتعالى أخبرنا على لسان نبيه (IMG:html/prefix/p1.gif) ونحن كلنا أبناؤه وندعوا له
ونسأل الله أن يزيدك من علمه ، ويرفع درجاتك لتواضعك المهيب في القلوب .
وبارك الله بك على هذه الكلمات التي خطها قلمك ، لا عدمناه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو إبراهيم
المشاركة Jun 13 2005, 01:42 PM
مشاركة #3


مشرف
***

المجموعة: المشرفين
المشاركات: 10,374
التسجيل: 19-May 05
رقم العضوية: 707



الوالد الحبيب أبو الحارث التميميّ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعلم يا والدنا الحبيب، كم هو فضل آل أبناء وأحفاد الصحابة الكرام الأجلاء على غيرهم، وأن آل التميميّ إنما هم من نسل الصحابيّ الجليل تميم ٍ الداريّ، ذلك الصحابي الذي سمعتُ أن النبي (IMG:html/prefix/p1.gif)
فأنعم بالصحابي الجليل تميم ٍ الداريّ
وأنعم بذريته من بني تميم والذين يسمون آل "التميميّ"
وأنعم بأبي الحارث والداً لنا وحبيباً جمعنا به حبٌ في الله لا يرويه إلى اللقاء على سرائر الجنة متقابلين، يزف إلينا غلمان أهل الجنة ألوان الطعام والشراب، ونعمت دار المؤمنين.

الوالد الحبيب
قد فتحتَ باباً من أبواب الخير، وواللهِ ما أرانا في منتدى العقاب إلا عازمين على الولوج بما نحمل من قليل العلم، وكثير السؤال، باذلين كل جهد لنغنم منكم كل مغنم.

فائذن لي أيها الوالد الحبيب أن أنال شرف الولوج بسؤال ٍ دار في أروقة الذهن أثناء العيش بين تلك السطور الواعيات الحاذقات.

قلتَ يا شيخنا الفاضل :
إقتباس
وكان هذا كافيا لجعله ينظر إلى المسلم المتخلف مدنيا أنه ناهض فكريا بمجرد حمله القيادة الفكرية في الإسلام.

وقد جمعت في قولتك هذه أمور عظام،،،
التخلف المدني
النهضة الفكرية
القيادة الفكرية

وما يهمني شيخنا الفاضل من هذه الثلاثة هو (القيادة الفكرية)، فقد فهمتُ من عبارتك أن الحصن الذي منع سقوط والدك في هاوية الفكر السقيم والحكم الخاطئ على الآخرين، هو وجود تلك القاعدة الفكرية لديه، والتي وصفتها بأنها إسلامية.

فما هو مفهوم (القيادة الفكرية) ؟؟؟

هل هي العقيدة ؟
هل هي العقيدة وما ينبثق عنها أو يبنى عليها من أفكار ؟
هل هي تلك الحزمة الفكرية التي يقتنع بها كل إنسان فتضبط له إيقاع حياته وفق ترنيمة معينة ؟
هل .. هل .. هل .. ؟

لقد تعودنا يا شيخنا أن نسمع بالكثير من المصطلحات التي نتلقاها من مختلف وسائل الإعلام، "الضمير"، "الوازع الديني"، وما شابه من مثل تلك المصطلحات، وكلها يسوقونها بمعنى السور الواقي الذي يحمي الإنسان من الوقوع في زلل الجوارح ..

ولكن الكثيرين لم يعتادوا سماع مصطلح (القيادة الفكرية) والذي سقتـَه للدلالة على كونه سوراً يقي الإنسان من الوقوع في زلل الفكر وربما الجوارح أيضاً .

فهلا أتحفتنا شيخنا ولو بنبذةٍ بسيطة عن واقع (القيادة الفكرية) وكم نكون شاكرين لو جعلت (القيادة الفكرية الإسلامية) هي محل التمثيل على القول، فيزيد الفهم بإذن الله ويزيد.

وجزاك الله عنا خير الجزاء

ابنك // مشتاق
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Jun 13 2005, 10:04 PM
مشاركة #4


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحابته ومن والاه وبعد

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أشكر الأخوين الفاضلين سيف الحق والمشتاق على ما تفضلا به من كلام طيب، لا حرمني الله خالص حبهما ولا صالح دعائهما.

وبعد،

بالنسبة للقيادة الفكرية فهي العقيدة، وقد يعرف (بتشديد الراء) الشيء بأكثر من تعريف بحسب ما يراد استخدامه له، والعقيدة تعرف بعدة تعريفات، فهي:

1) عقيدة باعتبار انعقاد القلب عليها، والإيمان بها أي التصديق الجازم بما جاءت به.

2) قاعدة فكرية باعتبار ما يبنى عليها من أفكار وما ينبثق عنها من أحكام.

3) قيادة فكرية باعتبار أنها تحدد لمعتنقها وجهة نظره في الحياة وتقوده ليحسن الحكم على الأفكار والواقع.

4) حل العقدة الكبرى عند الإنسان.

وكل تعريف يستخدم بحسب ما يراد الحديث عنه وما يرمي المتحدث إليه، فإذا كان الحديث عن العقيدة باعتبار تعريف الإيمان فيقال العقيدة، وإذا كان الحديث عن العقيدة باعتبارها الفكر الأساسي الذي تبنى عليه الأفكار وتنبثق عنه الأحكام أي باعتباره الأساس الذي تقوم عليه الأفكار والأحكام فإنها تكون القاعدة الفكرية.

وإذا كان الحديث عنها باعتبار كونها قاعدة للإنسان ينطلق منها ليحكم على الواقع وعلى الأفكار فيقال القيادة الفكرية.

وإذا كان الحديث عنها باعتبار كونها تحل العقدة الكبرى عند الإنسان فهي حل العقدة الكبرى وهكذا.

فكل التعريفات تعرف العقيدة ولكنها تطلق بحسب ما يراد في البحث منها، وإلا فالعقيدة في كل الأحوال واحدة ولا تتغير.

وما هذا إلا من باب دقة استخدام الألفاظ لتدل على المعاني، فالحزب المبدئي مثلا يعرف بأنه تكتل آمن أفراده بمبدأ يراد إيجاده في المجتمع ويعرف كذلك بأنه كل فكري شعوري، وكلا التعريفين يصلحان للدلالة على واقع الحزب ولكن لا بد من تحديد التعريف المراد من خلال القصد من الطرح، فتقول الحزب المبدئي عندما تتحدث عن عمله في المجتمع، وتقول الكل الفكري الشعوري عندما تتحدث عن خلايا الحزب ووحدة التبني فيه، وكون العقيدة هي الأساس الذي يقوم عليه.

وكذلك المبدأ فنحن نعرفه بتعريفين الأول: فكرة وطريقة، والثاني عقيدة انبثق عنها نظام، وكلا التعريفين يصلحان لتعريف المبدأ ولكن لا يستخدمان في نفس السياق، فالمبدأ من حيث كونه فكرة وطريقة يطلق عندما يراد الحديث عن المبدأ كونه ينهض المجتمع، والمبدأ من حيث كونه عقيدة انبثق عنها نظام يطلق عندما يراد الحديث عن معالجة المبدأ للواقع، وقد يخطئ البعض فيخلطون بين التعريفين فيظنون أن الفكرة هي العقيدة والطريقة هي النظام من حيث أن المبدأ عقيدة ونظام وهو في نفس الوقت فكرة وطريقة، وهذا خطأ شائع لأن الفكرة هي العقيدة والمعالجات، والطريقة هي كيفية تنفيذ المعالجات وكيفية الحفاظ على العقيدة.

ولو أن كل تعريف من التعريفات السابقة يحتاج إلى عدة صفحات لبحثه والمناقشة حوله، إلا أنني ذكرتها من أجل توضيح اختلاف التعريفات باختلاف المقاصد.

وعودة إلى استخدام جملة القيادة الفكرية، فأقول إن استخدام جملة القاعدة الفكرية قد يفي بالغرض فهي قاعدة قكرية تبنى عليها الأفكار وتنبثق عنها الأحكام، ولكنه كان ستنقصه الدقة لو استخدم، لأنني أردت أن ألفت النظر إلى كون العقيدة تمارس في المسلم دور القائد ومن هنا جاءت كلمة قيادة فالقيادة تعني التوجيه، والمقود لا يمكن أن يخطو خطوة إلا بعلم وتوجيه وأمر قائده، وعندما تكون العقيدة هي القائد للإنسان فإنها تكون بمثابة الدفة التي توجه المركب، فتكون قائدة له بحق إلى ما تريد هي أن توصله إليه.

إلا أن هذا لا يعني أن الإنسان كالمركب من حيث كونه آلة تتوجه بحسب تحريك الدفة دون أي إرادة منها، بمعنى أنه لا يفهم (بضم الياء) أن مجرد وجود العقيدة عند المسلم يعتبر كافيا ليجعله مسلما مثاليا، وإلا فما قيمة الإرادة والكسب والعقوبة.

فوجود العقيدة عند المسلم وكونها قيادة فكرية له يعني تهيأه ليستخدم هذه القيادة الموجودة فيه فيكون قائدا بحد ذاته، عنده الأساس الذي يميز له بين كل الأشياء (الأفكار، الآراء، المعتقدات، الأحكام) وعنده الأساس الذي يحدد له وجهة نظره في الحياة، وعنده الأساس الذي حدد له هدفه في الحياة، فصار بالأساس الموجود عنده قائدا موجها (بكسر الجيم) لأن عنده قيادة توجهه وهي لا تخطئ، فصار كالذي يريد أن يصنع قلادة من الذهب والألماس وتوفرت لديه المعايير التي يستخدمها ليعرف نوع الذهب ونوع الألماس فإذا ما أراد اختيار أحجار الألماس ليضعها في قلادته فإنه يخضعها للمعايير الموجودة عنده فيقول هذه ألماسة حية زنتها كذا ونوعها كذا وتنطبق عليها المعايير إذن أضعها في قلادتي، وتلك ألماسة ميتة أو هي زرقون أو ألماس أمريكي لا قيمة لها فلا أضعها في قلادتي، وهو بالتالي يحسن الحكم على كل قلادة يلبسها غيره فيعرف واقعها من معاييره التي يستخدمها هو لا من معايير غيره، ولذلك فإنه لو ذهب إلى أمريكا وقيل له إن هذا ألماس أمريكي (وهو موجود حقيقة) فإنه لا يعتبره ألماسا لأنه يعرف حسب معاييره أن الألماس الأمريكي ما هو إلا زرقون نقي وليس بألماس وإن كان يباع بالقيراط.

وهكذا تكون العقيدة هي القيادة الفكرية عند المسلم، تحدد له وجهة نظره وتكون معيارا له يحكم من خلاله على كل شيئ، وفي نفس الوقت تحدد له نمط حياته، فيكون مسلما بالمعيار كل شيء عنده له معيار منضبط.

على أن هذا لا يتحقق بشكل دائم بل تدخل أمور كثيرة لتؤثر عليه ومن أهمها موضوع النفسية، والتأثر بالواقع، وضعف التوجيه من قبل العقيدة عندما يغفل المسلم توجيهها له، ولكن في أدنى الحالات تبقى العقيدة الإسلامية قيادة فكرية تقوم بدور التوجيه ولو كان ضئيلا، وما علينا إلا أن نزيل الصدأ عن الدفة ليسهل تحركها فتحرك المركب بشكل يسر.



والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو مالك
المشاركة Jun 13 2005, 10:16 PM
مشاركة #5


مشرف
***

المجموعة: المشرفين
المشاركات: 9,147
التسجيل: 29-March 05
رقم العضوية: 2



السلام عليكم ورحمة الله

سؤال متعلق بالمبدأ، حيث التبس علي التوفيق بين تعريف المبدأ على أنه فكرة وطريقة، وبين ما ورد في كتاب الفكر الاسلامي لمحمد محمد اسماعيل، وخصوصا ما يلي:

المبدأ في اللغة مصدر ميمي من بدأ يبدأ بدءاً ومبدأ. وفي اصطلاح الناس جميعاً هو الفكر الأساسي الذي تبنى عليه أفكار.

إلا أن الناس أطلقوا على أفكار فرعية يمكن أن تبنى عليها أفكار أخرى فرعية أيضا، بأنها مبادئ على اعتبار أنها أفكار أساسية، فقالوا الصدق مبدأ، وقالوا حسن الجوار مبدأ، وقالوا عن التعاون أنه مبدأ، وهكذا ... ومن هنا قالوا مبادئ الأخلاق، ومبادئ الاقتصاد، ومبادئ القانون، ومبادئ الاجتماع وهكذا: وأرادوا أفكاراً معينة من الاقتصاد تبنى عليها أفكار منبثقة عنها، وأفكاراً معينة من القانون تبنى عليها أفكار منبثقة عنها، قالوا عنها أنها مبادئ اقتصادية ومبادئ قانونية، وهكذا.
والحقيقة أن هذه ليست مبادئ، وإنما هي قواعد أو أفكار. لأن المبدأ فكر أساسي وهذه ليست أفكاراً أساسية بل أفكاراً فرعية، وكونها تبنى عليها أفكار لا يجعلها أفكاراً أساسية مطلقاً، بل تبقى أفكاراً فرعية ولو بنيت عليها أفكار، أو انبثقت عنها أفكار، مادامت هي ليست أساسية، وإنما منبثقة عن أفكار أخرى، أو منبثقة جميعها عن فكر أساسي.
فالصدق والوفاء والتعاون وغيرها أفكار فرعية وليست أساسية، لأنها مأخوذة عن فكر أساسي، وليست هي الأساس. لأن الصدق فرع لأساس، فهو حكم شرعي مأخوذ من القرآن عند المسلمين، وصفة جميلة نافعة مأخوذة عن الفكر الرأسمالي عند غير المسلمين .
وعلى هذا لا يسمى الفكر مبدأ إلا إذا كان فكراً أساسياً تنبثق عنه أفكار .
والفكر الأساسي هو الذي لا يوجد قبله فكر مطلقاً. وهذا الفكر الأساسي محصور في الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة، ولا يوجد غيرها فكر أساسي. لأن هذا الفكر هو الأساس في الحياة:

فالإنسان إذا نظر لنفسه وجد أنه إنسان يحيا في الكون، فما لم يوجد عنده فكر عن نفسه وعن الحياة وعن الكون من حيث الوجود والإيجاد، لا يمكن أن يعطي فكراً يصلح أساساً لحياته. ولذلك تبقى حياته سائرة دون أساس، مائعة، متلونة، متنقلة، ما لم يوجد هذا الفكر الأساسي، أي ما لم توجد الفكرة الكلية عن نفسه وعن الحياة وعن الكون .
ومن هنا كانت الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة هي الفكر الأساسي، وهي العقيدة.
إلا أن هذه العقيدة لا يمكن أن تنبثق عنها أفكار، ولا أن تبنى عليها أفكار إلا إذا كانت هي فكراً، أي كانت نتيجة بحث عقلي. أما إذا كانت تسليما وتلقياً، فلا تكون فكراً، ولا تسمى فكرة كلية، وإن كان يصح أن تسمى عقيدة. ولذلك كان لا بد أن تكون الفكرة الكلية قد توصل إليها الإنسان عن طريق العقل، أي أن تكون نتيجة بحث عقلي، فتكون حينئذ عقيدة عقلية، وحينئذ تنبثق عنها أفكار وتبنى عليها أفكار.
وهذه الأفكار هي معالجات لمشاكل الحياة، أي هي الأحكام التي تنظم للإنسان شؤون الحياة. ومتى وجدت هذه العقيدة العقلية وانبثقت عنها أحكام تعالج مشاكل الحياة فقد وجد المبدأ. ولذلك عرف المبدأ بأنه عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام. ومن هنا كان الإسلام مبدأ لأنه عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام، وهو الأحكام الشرعية لأنها تعالج مشاكل الحياة ؛ وكانت الشيوعية مبدأ لأنها عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام هو الأفكار التي تعالج مشاكل الحياة ؛ وكانت الرأسمالية مبدأ لأنها عقيدة عقلية تبنى عليها أفكار تعالج مشاكل الحياة .

انتهى

فكما هو مفهوم لدي بناء على هذا النص الراقي، المبدأ هو العقيدة العقلية فقط، بشرط أن ينبثق عنها نظام يسوس الحياة

فقد اشترط للمبدأ أولا أن يكون فكرة أساسية، والمعالجات ليست أفكارا أساسية. فكيف أدخلناها في تعريف المبدأ؟

واشترط في المبدأ أن يكون فكرة لا يوجد قبلها فكر، والمعالجات يوجد قبلها فكر وهي منبثقة منه

وهكذا لو تتبعت ما أظهرته باللون الأحمر في المداخلة يتبين موضع الغموض في الفهم

فهل المبدأ هو فقط العقيدة العقلية بشرط أن ينبثق عنها النظام

أم هو مجموع العقيدة العقلية مع النظام المنبثق عنها؟

بارك الله بكم
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو الحارث
المشاركة Jun 13 2005, 11:38 PM
مشاركة #6


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 261
التسجيل: 2-May 05
رقم العضوية: 559



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
الحقيقه ان هناك تسلسل في الترتيب:
1-فكر,اي فكر كان
2-فكر اساسي ,ليس بعده فكر وهذا الفكر نتيجه تساؤلات الانسان (من انا؟؟,من اين اتيت؟؟,والى اين المصير؟؟)
3-المبدأ
والفكر الاساسي يترتتب عليه ان نجيب على الاسئله وكيفيه الاجابه يترتب عليها تحديد موقف وعلاقه فهنا يرتبط هذا الفكرالاساسي بالمعالجات(الموقف والعلاقه) فيظهر المبدأ,فمثلاُ لو كانت الاجابه انا انسان مخلوق لخالق ونهايتي الموت,وبينت علاقتي بالخالق وانها مستمره وعليَ احترامها واتباعها في حياتي ,اكون قد ربطت الفكر بالمعالجه.
وعليه فالفكر لا يُسمى مبدأ الا اذا انبثق عنه نظام.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Jun 14 2005, 06:27 PM
مشاركة #7


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،

بالنسبة لتعريف المبدأ فقد ذكرناه للتمثيل على تعدد التعريفات للشيء الواحد على أن يطرح كل تعريف بما يتفق مع سياق البحث، والمبدأ هو عقيدة انبثق عنها نظام، وليس هو الفكر الأساسي لأن الفكر الأساسي هو العقيدة وإذا انبثق عن هذه العقيدة نظام فإنها تشكل بما انبثق عنها المبدأ، وكتاب الفكر الإسلامي لم يخرج عن هذا التعريف، ولكن لأنه كان بصدد تعريف المبدأ تعريفا ابتدائيا فإنه ذكر كل ما يتعلق بالمبدأ من كونه مصدرا إلى آخر التعريف الذي توصل إليه.

وهو لم يقل أبدا أن المبدأ هو الفكر الأساسي، بل قال عنه أنه الفكر الأساسي بما انبثق عنه من أفكار، ثم فصل (بتشديد الصاد) في التعريف فبين أن الأفكار التي انبثقت عنه هي المعالجات، ولذا أقر في النهاية التعريف الذي يتبناه للمبدأ وهو العقيدة العقلية التي انبثق عنها نظام.

ولا فرق بين قولنا العقيدة العقلية بشرط أن ينبثق عنها نظام وقولنا العقيدة العقلية التي ينبثق عنها نظام، لأن المهم هو وجود العقيدة التي ينبثق عنها نظام حتى تكون مبدأ، ولذا لا تعتبر النصرانية أو البوذية مبدأ لأنها عقيدة لم ينبثق عنها نظام بينما تكون الرأسمالية مبدأ لأنها عقيدة انبثق عنها نظام.

وعليه فلا تناقض في الكتاب، وما ظهر أنه تناقض فلعله بسبب أنه تدرج في تعريف المبدأ من كونه مصدرا في اللغة إلى التعريف الذي تبناه، وهذه عادة متبعة وعرف سار في التعريف فعادة ما تعرف الشيئ في اللغة وفي الاصطلاح والاستعمال ثم تصل إلى تعريفك الذي تتبناه. ولذلك فإن التعريف المعتمد هو ما يقره المعرف (بتشديد الراء) في آخر بحثه وليس ما يذكره في ثنايا البحث.

وهو لم يشترط للمبدأ أن يكون أفكارا أساسية، ولم يقل ذلك لأنه لا توجد أفكار أساسية في المبدأ الواحد بل هو فكر أساسي واحد، أما قوله: (إلا أن الناس أطلقوا على أفكار فرعية يمكن أن تبنى عليها أفكار أخرى فرعية أيضا، بأنها مبادئ على اعتبار أنها أفكار أساسية) فإنه لم يعتبر المبدأ أفكارا أساسية وإنما قال عن المبادئ أنها أفكار أساسية لأنه قصد الجمع، فالأفكار الأساسية الواردة في الكتاب هي مبادئ عدة وليست مبدأ واحدا.

أما المعالجات فقد دخلت في تعريف المبدأ لأنها مع الفكر الأساسي تشكل المبدأ، فالمبدأ لا تشكله العقيدة فقط ولا المعالجات فقط ولكن العقيدة والمعالجات على أن تنبثق المعالجات عن العقيدة، وحينها يكون مبدأ.

أما تعريف المبدأ بأنه فكرة وطريقة فهو تعريف صحيح أيضا ويطرح هذا التعريف كما أسلفنا في معرض الحديث عن النهضة بالمبدأ وكون المبدأ منهضا للأمة وكيفية تحقيق النهضة.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Jun 25 2005, 04:43 AM
مشاركة #8


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال الثاني: ثلاث آيات وثلاث درجات


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدي خاتم المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين وعلى كل من سار على طريقته واتبع سنته إلى يوم الدين.

وبعد،

منذ أن عرفت سورة الكهف وحفظتها في صغري وأنا أفكر في ثلاث آيات جاءت فيها استوقفتني كثيرا كلما قرأتها، لأكتب أولا هذه الآيات ثم أستكمل حديثي:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

((قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا (78) أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا (79) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا (80) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمًا (81) وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحًا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمةً من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرًا (82))) [سورة الكهف: الآيات من 78 – 82 ]

هذه الآيات هي تفسير لثلاثة مواقف فسرها الرجل الصالح لسيدنا موسى عليهما وعلى رسولنا أفضل الصلاة والسلام، والقصة معروفة والمواقف مشهورة: السفينة، والغلام، والجدار.

والذي استوقفني في هذه الآيات الكريمات الاختلاف بين كل موقف من حيث درجة العلم:

الموقف الأول: (فأردت أن أعيبها) وقد نسب المعالجة لنفسه.

الموقف الثاني: (فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا) وقد نسب المعالجة له ولله تعالى.

الموقف الثالث: (فأراد ربك) وقد نسب المعالجة فيه لله تعالى وحده.

في الحالة الأولى قال أردت أن أعيبها، وفي الحالة الثانية قال خشينا، وفي الثالثة قال أراد ربك، كيف يفهم هذا الاختلاف.

لقد فكرت كثيرا في هذه الآيات وأخذت على نفسي أن أستمر في التفكير عسى أن يهديني الله لمعرفة سر هذا الاختلاف.

وحسب فهمي المتواضع أن الآيات الثلاثة تفسر درجات العلم.

ففي الحالة الأولى علم الرجل الصالح واقع المساكين وواقع السفينة وواقع الملك الظالم، وهذا مما يدركه الإنسان عادة، أي مما يقع عليه الحس ويدركه العقل، ولكن أمر تخريب السفينة كان بأمر الله لأنه تعد على ملك الغير فاحتاج الرجل الصالح الإذن به.

وفي الحالة الثانية وهي حالة قتل الغلام فإنه من الغيب إذ أن الرجل الصالح لا يعلم أن الغلام سيكون فاسقا، فهو من علم الغيب ولكنه من علم الغيب الذي أشركه الله جل وعلا به أي أعلمه عنه فصار عنده علم به فتصرف على أساسه.

وفي الحالة الثالثة وهي حالة بناء الجدار فإنه من الغيب الذي لم يطلع الله أحدا عليه ولذلك نسب المعالجة فيه لله وحده، ولم يكن دوره فيه إلا دور المنفذ للمعالجة.

علم يتوصل إليه الإنسان بحواسه وقدراته.

وعلم يعرفه الإنسان بعد أن يطلعه الله عليه.

وعلم لا يعرفه الإنسان ولا يعرفه إلا الله تعالى.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏الاثنين 13 جمادى الأولى‏ 1426هـ
الموافق ‏20/06‏/2005م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Jun 25 2005, 05:55 AM
مشاركة #9


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال الثالث: مجرم أم بطل؟


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد،

قبل أيام كنت في زيارة لأحد المستشفيات لفحص عيني أصغر أولادي، وعندما اقتربت من بوابة المستشفى وقفت سيارة السجن وفيها بعض المساجين، فقال لي ولدي: ما هذا؟ فأجبته: هذه سيارة السجن وفيها مساجين، أتوا بهم إلى هنا لمعالجتهم، هل تريد أن تراهم؟ فأجاب الولد: نعم يا أبي.

ولما دخلنا المستشفى بانتظار دورنا في الدخول على الطبيب، مرت أمامنا مجموعة المساجين وإذا بهم قد صفدوا بالأغلاق في أيديهم وأرجلهم تقودهم الشرطة من أمامهم ومن خلفهم، فقلت لولدي: انظر إليهم، هؤلاء هم المساجين الذين طلبت رؤيتهم.

ثم وقف المساجين بانتظار دخولهم على الطبيب واحدا تلو الآخر، ولكنهم وقفوا بشكل غريب، كل واحد منهم أعطى وجهه للحائط وألصقه به منكوسا، وواضح أنهم لا يريدون أن ينظر إليهم الناس أو يعرفوهم.

سألت ولدي: فكر معي، لماذا يضعون وجوههم بالتصاق الحائط ولماذا ينكسون رؤوسهم؟ فلم يجبني لأنه على كل حال أصغر من أن يستوعب ذلك.

فقلت له: لقد ارتكبوا جرائم ولذلك فإنهم لا يحبون أن ينظر إليهم الناس وهم بلباس السجن وأيديهم مصفدة وأرجلهم مغلولة.

ثم تابعت حديثي مع ولدي مستغلا هذا الموقف لأركز في ذهنه مفهوما معينا: يا ترى، لو أن واحدا منهم لم يرتكب جريمة ولم يفعل ما يخل بدينه، هل كان سيلصق وجهه بالجدار، لو أنه سجن بسبب قول الحق أو لأنه على حق هل كان سينكس رأسه؟ فأجاب ولدي: لا. فقلت له: نعم، كلامك صحيح، بل سيفتخر وسيرفع رأسه وسينظر إلى الناس وسيتحدث إليهم لأنه حينها لن يكون مجرما بل سيكون بطلا.

تخيلت لحظتها أن واحدا من هؤلاء المساجين من حملة الدعوة، سجن بسبب قول الحق والعمل بالحق لإيجاد الحق، كيف سيقف بالمستشفى؟ لا شك أنه سيقف مرفوع الرأس عالي الهامة، لأنه لن يكون حينها مجرما وإن لبس لباس السجن، وإن أحاطته السلاسل والحرس من كل جانب، بل سيكون بطلا، ولن يتردد في الحديث مع الناس وحمل الدعوة إليهم وهو في هذه الحال، ولو كنت في المستشفى حينئذ لقبلت يديه ورأسه على مرأى ومسمع من الناس غير آبه أنا أيضا بما يلبس وبما يحيط به.

قبل سنوات مضت وفي إحدى بلاد المسلمين حقق ضابط المخابرات مع أحد حملة الدعوة وقال له: إلام تدعون أنتم؟ فأجابه: هل من الممكن أن تعطيني ورقة وقلما؟ فاستجاب له الضابط فرحا وأحضر له ورقة وقلما. فبدأ حامل الدعوة يرسم خريطة العالم الإسلامي على الورقة، ثم قال مشيرا إلى العالم الإسلامي على الخريطة: نحن نعمل لأن نجعل هذا العالم دولة واحدة ونعمل من أجل أن تعيشوا في هذه الدولة لا تفرق بينكم حدود، نحن نعمل من أجلكم. فغضب الضابط وقال لأحد أفراد المخابرات الواقفين: اضربه. فرد الرجل: يا سيدي، مثل هذا لا يضرب، والله لئن شلت يميني أهون على من أضربه بها.

موقف مشابه، إلا أن الذي اعتبر المجرم فيه بطلا لم يكن من أمثال من كان في المستشفى من الناس، وإنما كان من رجال النظام، من الجلادين، تغير عنده المفهوم في لحظة واحدة فبدأ ينظر إلى حامل الدعوة نظرة المقود إلى القائد، نظرة الغريق إلى قطعة الخشب، نظرة جعلت من المجرم بطلا.

هكذا تتغير المفاهيم، فيتغير لها السلوك.

(يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) من هو الأعز في نظر المنافقين، ومن هو الأذل في نظر المؤمنين، اتحدت الألفاظ ولكن اختلف استخدامها.

إن قتلي شهادة، وسجني عبادة، ونفيي سياحة

فليهنأ حملة الدعوة لأنهم لن يخرجوا من الدنيا خاسرين

وليفخر بهم ذووهم

وليرفع أبناؤهم رؤوسهم عاليا ويقولوا للجميع إن أبانا بطل وليس بمجرم ولو لبس لباس المجرمين، وإن صفد بالأغلال، وإن أحاطه الحرس من كل جانب.

اهنئوا يا حملة الدعوة، فأنتم الأبطال وإن حكمت عليكم كل محاكم الدنيا بأنكم مجرمون، ويكفيكم أن الله تعالى يفخر بكم، ويكفيكم أن رسوله عليه الصلاة والسلام ينتظر أمثالكم على الحوض، ويكفيكم أن المؤمنين ينظرون إليكم منتظرين منكم.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

‏السبت‏ 18‏ جمادى الأولى‏ 1426هـ
الموافق ‏25‏/06‏/2005م
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
ابو عباده
المشاركة Jun 25 2005, 07:46 AM
مشاركة #10


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 951
التسجيل: 9-April 05
رقم العضوية: 34



شيخنا الكريم ابا الحارث التميمي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته !
حياك الله واكرمك وانعم عليك من علمه، ننهل منه تلاميذا وطلابا للعلم
وبارك الله بك وجزاك عنا كل خير

شيخنا
عندي ملاحظة بسيطة اود ان اضعها بين يديك، طالبا رأيك فيها وتصحيحها ان رايت فيها اعوجاجا
الملاحظة متعلقة بالمقال الثاني والايات من سورة الكهف احببت ان اشاركك في توضيحها.. فما رايك ؟!

اقتبس اولا ما تفضلت به :

إقتباس
الموقف الأول: ﴿فأردت أن أعيبها وقد نسب المعالجة لنفسه.

الموقف الثاني: ﴿فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا وقد نسب المعالجة له ولله تعالى.

الموقف الثالث: ﴿فأراد ربك وقد نسب المعالجة فيه لله تعالى وحده.


لا يخفى عليك استاذنا ان الله تعالى قد انعم على عبده الصالح ببعض من علم الغيب ما لم يعلمه نبي الله موسى عليه السلام
لذلك ذهب موسى عليه السلام باحثا عنه ليتعلم منه ما علمه الله
﴿فوجدا عبدا من عبادنا ءاتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما . قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا

من هنا يتضح ان العبد الصالح كان يعلم كل امر قام به مع كل متعلقاته ونتائجه فيما بعد، لان الله تعالى قد اطلعه عليها من قبل.. والا لانطبق عليه ما انطبق على موسى عليه السلام وعلى كل انسان يقف في هذا الموقف الرهيب الداعي حتما الى عدم الصبر، لانها امور لا يمكن للعقل المحدود ان يعيها ولا ان يتصورها، الا اذا كان قد علم سلفا مشيئة الله النافذة حتما لصالح الثلاثة مواقف، اي النتائج الايجابية الصالحة، وليس كما يتصورها العقل في اول وهلة وكأنها وبال ومصائب.

اذا فالعبد الصالح كان يعلم ما يفعل وكان يعلم ما سيكون من نتائج

اما ان الله تعالى في الاولى اسند الارادة الى العبد الصالح، لانه والله تعالى اعلم كما تفضلت عمل مما يدركه الانسان عادة اذا بحث واطلع على شئون الخلائق والجواء المتعلقة بالمواقف السياسية بالخصوص والاحوال الاجتماعية للحياة، وهذا داع خاص لحملة الدعوة ان يكونوا مطلعين حق الاطلاع على هذه الامور اذا ما اراد ان يكون راعيا لشئون الناس.. واسمح لي ان ازيد، ان الله تعالى مع رحمته على عباده اسند الخراب وهو عمل مذموم في واقع الامر، اسنده للعبد الصالح وليس لنفسه.

وفي الثانية: اسند سبحانه العمل على نفسه وعلى العبد الصالح، لان العمل متعلق بالفساد والافساد في المجتمع وطريقة معالجته،
فالوالدان يمثلان المجتمع الصالح والولد يمثل الانسان الفاسد، وحين لا بد من التخلص من هذا الفساد فان المعالجة كفكرة تستفاد من الله تعالى وطريقة المعالجة يقوم بها الانسان تنفيذا.. بمعنى اخر فان النظام يأتي من الله تعالى وتنفيذ هذا النظام يقوم به الانسان نفسه..

وفي الثالثة: اسند سبحانه الارادة والعمل لنفسه فقط ، لانه متعلق بالرعاية الالهية، فما كان على العبد الصالح الا بناء الجدار فقط، اما رعاية الكنز لحين يكبر الغلامان اليتيمان ويستخرجا كنزهما ، فهذا متعلق بارادة الله تعالى ولا يشركه فيه احد من خلقه..

هذا والله تعالى اعلم

فما رأيك يا شيخنا ؟؟!!
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
زين العابدين
المشاركة Jul 23 2005, 09:44 AM
مشاركة #11


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 339
التسجيل: 28-May 05
رقم العضوية: 766



تحية طيبة للجميع، الأستاذ الفاضل أبو الحارث تحدثت عن الإيمان وتعاريفه ... وقد ذكرت أن التعريف يعطى بحسب السياق ... ولقد رأيتُ أن للتعريف ضوابط تتلخص بأن يكون التعريف منصباً على جوهر المعرّف لا على أعراضه أو صفاته، وبالتالي فإن تعريف الإيمان يكون: هو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل ... وأما كون الإيمان هو قيادة فكرية أو قاعدة فكرية أوحل العقدة الكبرى...أقول إنها ليست تعريفات له، إنما هي صفات تكون لازمة للإيمان، إذا كانت العقيدة الناتجة عنه سليمة، وإلا فإنها قد توجد وقد لا توجد أي ليست لازمة ... ولذلك اقتضى التنبيه ... وأرجو تصويبي !

أخيراً فإني أرجو من الشباب أن يختصروا تعليقاتهم حتى يتسنى متابعة النقاش والتركيز على جوهر ما يطرح وجزى الله الجميع خيراً، وبارك الله بالشيخ أبو الحارث على سلسلة مقالاته الذهبية التي أتمنى أن تستمر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو ليث
المشاركة Aug 8 2005, 08:49 PM
مشاركة #12


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 662
التسجيل: 23-April 05
رقم العضوية: 477



التعليق على المقال الأول

انا أرى ان مقومات ومسببات النهضة في العالم الإلاسلامي مختلفة كليا عن العالم النصراني فالنصارى نجاحهم فقط مرتبط بذكائهم وقدرتهم على التفكير والإبداع والإختراع
أما المسلم فإن نهضته ونجاحه مرتبط بحسن تطبيقه لدينه في الحياة العملية مع اعتمادها على الذكاء فهناك كثير من المسلمين يلكون انجازات علمية لكن من يتبناها هم الغرب أنا أرى أنه لا يمكن أن تقوم نهضة إلا بقرار سياسي لقيام الخلافة
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Sep 18 2005, 09:45 AM
مشاركة #13


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال الرابع: سعر برميل النفط اليوم بـ (2556) دولار، هل تصدقون ذلك؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد،

المعروف عند جميع الناس أن سعر برميل النفط لا يتعدى الثمانين دولارا فهو من الثلاثين إلى السبعين، ويتأمل البعض أن يزيد سعر البرميل مع توافر عامل الندرة إلى مائة وخمسين دولارا.

فهل هذا هو السعر الحقيقي للنفط.

حسب ما يذكره الخبراء الاقتصاديون وتتناوله الدوريات الاقتصادية فإننا نعيش في وهم كبير، أو بصورة أدق جعلونا نعيش في وهم كبير وهو وهم غلاء سعر النفط، حتى أن البعض صار يشفق على دول أوربا وأمريكا لمعاناتهم مع غلاء أسعار النفط.

إننا بالفعل نعيش في وهم كبير، فسعر برميل النفط الحقيقي هو (2556) دولار، وإليكم البيان:

تبيع الدول المصدرة للنفط البرميل بسبعين دولارا (في حالة انتعاشه) وبأقل من ذلك بكثير فقد يتدنى سعره إلى ثلاثين دولارا، وهذا البرميل عندما يدخل الإنتاج يعاد بيعه كمنتجات تصل قيمتها إلى (2556) دولار.

وهذا يعني أن الربح في البرميل الواحد يتعدى (2450) دولارا.

هل تتصورون ذلك.

وبشكل آخر لو تم بيع البرميل الواحد بألفين دولار فإن المشتري سيستفيد منه بخمسمائة وخمسين دولارا وهكذا.

ولتصور ذلك لنتصور أن أحدهم عنده قطعة من الخشب تساوي خمسة دولارات فإن قام هو بتصنيعها إلى كرسي فإنه سيبيعه بمائة دولار، ولكنه يبيعها قطعة خشب فيشتريها منه المصنع (بتشديد النون) بخمسة دولارات ثم يبيعها له بمائة دولار. بينما كان بإمكان المالك أن يصنعها أو يستجلب من يصنعها له ويعطيه أجرته ويأخذ الربح هو.

ومع هذا كله، تخرج إلينا أمريكا وأوربا وغيرها لتشتكي من غلاء الأسعار وتحكم المنتجين، وهم لا شك يكذبون فالمنتجون هم المظلومون وهم المالكون ولكنهم عملاء للمستهلك يأتمرون بامره ويسيرون حسب ما يريده لهم، ولو أنهم كانوا يملكون ذرة من إخلاص لأدركوا هذا الأمر ولباعوا النفط مصنعا ليكسبوا هم لا ليكسبهم غيرهم.

أنا أفهم أن صاحب السلعة ومنتجها ومالكها هو الذي يتحكم في السوق بسعرها، ولكن أن يتحكم به المستهلك فهذا ما لا أفهمه.

أرجو من الإخوة الخبراء في الشئون النفطية والاقتصادية أن يساهموا في توعيتنا حول هذا الموضوع.

ولكم جزيل الشكر وحسن الثواب إن شاء الله تعالى

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
عبد الله حارث
المشاركة Sep 21 2005, 05:20 AM
مشاركة #14


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 154
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 425



الكويت تقترح إنشاء مصفاة للنفط بالولايات المتحدة
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو مالك
المشاركة Sep 21 2005, 01:52 PM
مشاركة #15


مشرف
***

المجموعة: المشرفين
المشاركات: 9,147
التسجيل: 29-March 05
رقم العضوية: 2



هؤلاء حكام

يستسقى بهم الغمام!!!
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Oct 11 2005, 12:06 AM
مشاركة #16


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال الخامس: مواسم العبادة.
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدي ومولاي وإمامي رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الميامين وعلى كل من اتبع طريقته واستن بسنته إلى يوم الدين.
وبعد،

التأثر بالكهنوتية واضح في رمضان، فبعض المسلمين يمارس هذا فعلياً بدخول رمضان، فمنهم من يمتنع عن المعاصي في رمضان، ومنهم من يؤجلها إلى ما بعد رمضان، وساعد في تأصيل هذه الممارسات الإعلام الذي يستعد لرمضان استعدادا غير مسبوق، فالمسلسلات التي يطلق عليها الدينية، والابتهالات، بل وحتى المطربين والمطربات يظهرون المسحة الدينية في لباسهم وتصرفاتهم من خلال ما يعرضونه. كل هذا أضفى على رمضان هذه المسحة وكأن المعاصي لا تكون معاصي إلا في رمضان. وكأن الله لا يعبد إلا في رمضان.

كما ساعد على وجودها بين المسلمين، فصل الإسلام عن واقع حياتهم، وعدم وجوده كنظام شامل لكل مناحي الحياة ينظمها ويحكمها وفق تشريع الله جل وعلا.

هذا الذي أوجد هذه النزعة الكهنوتية، وجعلها ممارسة فعلية لم يسلم منها بعض المسلمين الملتزمون أصلا بأحكام الإسلام.

قد يقول قائل: ولم لا؟ أليس رمضان شهر العبادة والتهجد، شهر الصوم والصلاة وقراءة القرآن، شهر تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وما إلى ذلك مما ورد في فضل هذا الشهر الكريم. ألا يليق بهذا الشهر أن يحترم ويعطى قدره.

وهنا لا بد من الوقوف على أمرين مهمين:

الأول: هو أن عبادة الله تعالى والالتزام بأوامره والانتهاء عن نواهيه ليس لها موسم معين، فلا زمان لها ولا مكان، ففي كل زمان وفي كل مكان على المسلم أن يلتزم بأوامر الله تعالى ويبتعد عن نواهيه، فهو عبد لله تعالى منذ دخوله في هذا الدين إلى خروجه من الدنيا.

الأمر الثاني: هو أن الله تعالى عندما شرع دينه للناس فقد تفضل عليهم بأيام أو أماكن يتقربون فيها إليه فشرع الحج وجعل من المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى أماكن لها أفضلية خاصة في العبادة، وجعل من الأيام كعرفات وعاشوراء وغيرها أفضلية خاصة وكذلك رمضان، وهذا ليس من ناحية أن العبادة تظهر في هذه المواسم وتنقطع عن غيرها، ولكن هذه نعمة من نعم الله تعالى على عباده عليهم أن يفهموها ويعرفوا كيف يستغلونها.

أما فهمها فهو أن يدرك المسلم أن الإسلام ليس دينا كهنوتيا، وأن العبادة فيه لا تبرز في الشعائر كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها فحسب، بل إن عبادة الله توجد في كل عمل فالتجارة عبادة، والجهاد عبادة، وطبخ الطعام للمجاهدين في سبيل الله تعالى عبادة والحكم بما أنزل الله عبادة، ومطالعة الجريدة لمعرفة أحوال المسلمين عبادة، وأكثر من ذلك فالمباحات عبادة لله، كل ذلك إذا قام بها المرء قاصدا وجه الله تعالى، فالتاجر عندما يتاجر في تجارته ملتزما بأحكام الله تعالى فيها، فهو يعبد الله وإن كان يسعى للحصول على الربح المادي، وحامل الدعوة عندما يعمل من أجل استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية دولة الخلافة فينشغل بالفكر والسياسة وجمع المعلومات وتحليلها فإنه يعبد الله تعالى مثله مثل من يؤدي العمرة أو يتهجد في آخر الليل.

ولذلك فإن عبادة الله مستمرة مع المسلم ما دام حيا في هذه الدنيا، ليس لها زمان ولا مكان، كما أنه ليس لها مواسم معينة.

وأما استغلالها فهو عدم تفويت هذه الفرص الربانية دون الاستفادة منها، أي دون الانكباب فيها على طاعة الله والتقرب إليه (بكل أنواع الطاعات، وليس العبادات الشعائرية كما هو شائع) .

عندما كنا أطفالا كنا نرى العجائز والشيوخ من أهلنا يبكون عندما ينتهي رمضان، وكنا نتعجب في أنفسنا، فنحن كأطفال فرحون بالعيد وننتظره للعب والهدايا، وعجائزنا وشيوخنا يبكون عند فراق رمضان، ولم نفهمها حتى كبر بنا العمر، فصرنا نبكي على فراق رمضان لأننا عرفنا السر! إنهم كانوا يبكون خشية ألا يعيشوا إلى رمضان القادم فيحرمون من التقرب إلى الله في هذا الشهر الكريم، مع أنهم يتقربون إلى ربهم طوال أيام السنة. ولكنهم والله فهموا العبادة حق فهمها، وفهموا مواسم العبادة حق فهمها.

رحم الله سيدنا معاذ بن جبل فقد قال عندما حضرته الوفاة: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لطول ظمإ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. ثم قبض رضي الله عنه (كري الأنهار: حفرها، طول ظمإ الهواجر: الصيام في الصيف، الركب: جمع ركبة) .

هكذا فهموا عبادة الله تعالى، وهكذا علينا أن نفهم عبادة الله تعالى أنها في كل وقت وفي كل مكان، وما تفضل الله علينا به من استزادة فإن علينا أن ننهل منه ما نستطيع حتى نرضيه، فإنا مهما عملنا فلن ننال الجنة إلا برضوانه ورحمته.

من كان يعبد رمضان فإن رمضان سيزول ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يزول.

جعلكم الله جميعا من أهل الجنة

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو يحيى
المشاركة Oct 11 2005, 06:18 AM
مشاركة #17


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 528
التسجيل: 13-June 05
رقم العضوية: 889



بارك الله فيك على هذه اللفتة الطيبة، ونفع الله بك.
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو الحارث التمي...
المشاركة Oct 17 2005, 06:49 PM
مشاركة #18


عضو متميز
***

المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 76
التسجيل: 18-April 05
رقم العضوية: 430



المقال السادس: كيف ننقذ كتاب الله تعالى؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله أهل الحمد، والصلاة والسلام على سيدي ومولاي وإمامي رسول الله وعلى آله وصحابته الكرام.

وبعد،

بعد خطبة الجمعة الفائتة قام أحد الإخوة المسلمين وطالب المسلمين بإنقاذ كتاب الله، وقال كلاما كثيرا، ومما قاله: أيها المسلمون إن كتاب الله مستهدف من الكفار، يريدون القضاء عليه، فهبوا لإنقاذه، لقد مزق أحد اليهود كتاب الله فقال له أحد الحاخامات: ما الفائدة من تمزيق نسخة من القرآن ومنه ملايين النسخ وهو محفوظ في قلوب المسلمين، لا بد من القضاء عليه عند المسلمين، وها أنتم ترون تكالب الكفار على المسلمين ومحاولاتهم إهانة كتاب الله.

وبعد أن ألهب مشاعر الناس وقال كلاما كثيرا حول هذا الأمر، طرح الحل الذي يدعو المسلمين إلى تبنيه لإنقاذ كتاب الله تعالى، فقال:

لقد انتبهت الجمعية الفلانية للأعمال الخيرية لهذا الأمر فأرسلت أربعين مسلماً للمدينة المنورة لحفظ القرآن الكريم وهي تحاول هذه السنة أن ترسل آخرين فهبوا للتبرع لهؤلاء الطلبة لحفظ القرآن الكريم وأنقذوا كتاب الله.

إنه من الجيد أن يحسن المرء عرض المشكلة، فهذا نصف الحل كما يقولون، يعرضها من جميع جوانبها، يضع الإحساس عليها، يضغط على الجروح ليشعر المجروح بالألم، ولكن من السيئ جدا أن يكون الحل أدنى من مستوى المشكلة نفسها.

أن تنبه المسلمين إلى إنقاذ كتاب الله وتأتي بالشواهد على العداء لكتاب الله فهذا شيء ممتاز، ولكن أن تختم دعواك بحل لا قيمة له في إنقاذ كتاب الله، وما هو إلا محاولة رخيصة لجمع الأموال باسم كتاب الله فهذه والله مصيبة.

إن الناس عندما يتصورون المشكلة ويحسون بالمصيبة ويستشعرون الكارثة فإن هذا من شأنه أن يحرك دوافعهم ويلهب حماسهم ويجعلهم في دائرة البحث عن الحل للمشكلة والمصيبة والكارثة، وهم في حالة من التلقي تهيؤهم لاستقبال أي حل في ظل فقدان المنهج الفكري الصحيح في التلقي، وهنا يأتي الاستغلال والسذاجة في الطرح.

ذكرني هذا بدكتور من المشاهير تبنى قضية فلسطين وألهب مشاعر الناس وحرك أحاسيسهم ولما انتهى قال له أحدهم: ما الحل يا دكتور؟ فأجاب صاحب الحل: علينا أن نعمل مؤتمرا شعبياً لإنقاذ فلسطين.

هكذا تستغل مشاعر الناس، واستغلال مشاعر الناس أسوأ وأخطر من استغلال جيوبهم، فالذي يعمل دعاية لمنتج فيضخم ويبالغ ليكسب زبائن لمنتجه أهون خطرا ممن يستغل مشاعر الناس كي يميع قضاياهم ويجعلهم يتصورون أنهم قدموا شيئا فيزال عبء التهاون من على كواهلهم.

عندما حصلت مأساة المسلمين في الشيشان تضخم كل شيء وعظم كل شيء فاحترقت القلوب، وانهمرت الدموع -دموع الرجال قبل دموع النساء والأطفال- ولكن شيئا واحدا كان حقيرا ضئيلا فاشلا، وهو الحل، فقد كانت الحلول هي البطانيات والمواد الغذائية والأدوية. وكان حال النساء المسلمات المغتصبات أنهن كن يقلن: إن لم تستطيعوا أن تنقذونا فتعالوا اقتلونا أو أرسلوا لنا حبوب منع الحمل.

إن الناس ليسوا بحاجة إلى عرض واقعهم لهم بقدر ما هم بحاجة إلى معرفة الحل الصحيح لواقعهم، ولعل الممثلين على المسارح وفي دور السينما أقدر من هؤلاء على عرض الواقع، ولكن تبقى المشكلة في طرح الحل.

تذكرت وأنا أكتب هذا الكلام موقفين متناقضين، الموقف الأول لشيخ عالم يسأله أحد تلاميذه عن المجلات التافهة الخليعة الموجودة في الأسواق وما فيها من صور وإيحاءات فرد عليه الشيخ: كلامك صحيح وهي مجلات ماجنة والحل يا بني ألا تشتريها ولا تسمح لأولادك بقراءتها، ولم يتجرأ أن يقول: على الحاكم أن يمنعها. ويقابله: موقف ممثل ماجن في إحدى المسرحيات يقول له الآخر: هذا الفيديو المحرم لا تجوز مشاهدته، فرد عليه هذا الممثل: طيب، لا تجوز مشاهدته أم لا يجوز السماح له بالدخول إلى البلاد، أليست الحكومة من سمح به.

والموقف الثاني في مؤتمر فلسطين الذي أقيم في الإمارات قبل سنوات، الشيخ المبجل يقول: الحل هو في المؤتمرات، ويقابله موقف ممثل من مصر يقول: الحل هو في مقاتلة اليهود وطردهم من فلسطين, ولو أن كل واحد منا حمل حجرا وتوجه لفلسطين لطردنا اليهود منها، ماذا عملت مصر بعد اتفاقيات كامب ديفيد هل جهزت جيشا لإنقاذ فلسطين. ويقابله موقف مخرج من سوريا يقول: إن العداء معنا لأننا مسلمون، هل رأيتم اليهود يقتلون نصرانيا من أهل فلسطين؟

فالموضوع ليس فيمن يحسن عرض الواقع، ولكن فيمن يقدم العلاج الناجع له.

لو أنكم تركتم الناس تتلمس الحل الصحيح من أهل الحل الصحيح لكان هذا أفضل بكثير مما تفعلونه بهم، تلهبون حماسهم وتذكون شرارة الإيمان فيهم لتقبضوا منهم أموالا، أو لتصعدوا على أكتافهم.

إن كتاب الله محفوظ بقدرة الله تعالى، لن يبلى ولن ينسى ولن يصيبه تحريف أو تبديل، وإنقاذه يكون بجعله حيث أراد الله له، أن يطبق ما فيه فيؤدي دوره بحق بدل هذا الدور الذي أريد له.

وهذا لن يتحقق بكثرة الحافظين له، وإنما يكون بإقامة دولة الإسلام دولة الخلافة التي تجعل من كتاب الله كتابها ودستورها ومنهجها فتحافظ عليه حق المحافظة، وإن تجرأ أحد على محاولة إهانته (حاشاه من كل إهانة) قطعت يده وأنسته لبن أمه.

هذا هو الحق الذي يجب أن نقوله للناس وإن كان مرا، فما أسهل على المرء من أن يتبرع بأموال لكفالة حافظ قرآن، ولكن ما أصعب عليه أن يواجه الواقع المر فيتجرع مرارته ويظل صامدا حتى يحقق ما أمره الله به.

فإن كنتم تؤثرون حلاوة جمع الأموال على مرارة العمل من أجل إقامة الخلافة فإن أقل ما يمكن أن تقدموه لأمتكم هو أن تكفوا عنها وتتركوها تتلمس الحل الصحيح ما دمتم غير قادرين على تقديمه لها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو يوسف
المشاركة Dec 15 2005, 11:13 PM
مشاركة #19


المشرف العام
***

المجموعة: المشرفين
المشاركات: 4,180
التسجيل: 29-March 05
رقم العضوية: 4



هل سيكمل القلم ؟
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة
أبو إبراهيم
المشاركة Dec 16 2005, 07:13 AM
مشاركة #20


مشرف
***

المجموعة: المشرفين
المشاركات: 10,374
التسجيل: 19-May 05
رقم العضوية: 707



إقتباس(أبو يوسف @ Dec 16 2005, 01:13 AM)
هل سيكمل القلم ؟
*


القلم لا يتوقف بإذن الله

ولكنها سـِـنـَـة ٌ من الإعداد
الذهاب لأعلى الصفحة
 
+تعقيب مع اقتباس المشاركة

3 الصفحات V   1 2 3 >
إضافة رد على الموضوعموضوع جديد
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء:

 



نسخة خفيفة الوقت الآن: 18th July 2019 - 08:29 PM